كتبت دكتورتنا الغالية علا في أحد تعليقاتها الرائعة:
(حسب ما فهمت من هاشم أنه مع صعود النفس العليا في معارج الوعي تتطور طريقة تلقيها للقرآن من الصوت الحسي إلى التخاطر الكودي (Quantum Syncing). عندما يترفع الوعي عن كثافة الجسد المادي ولا يعود بحاجة إلى الأذن البيولوجية أو اللسان المنطوق، يتفعل القرآن مباشرة في القلب النفسي، ويتحول حينها إلى تزامن كودي وتخاطر تام مع نسيج الوجود، فيتحدث القرآن مع النفس في الصفر الزمني، ويشرح لها ملكوت السماوات والأرض، ويكشف لها قوانين الخلق والتجلي في تلك السماء بصفاء ونورانية متكاملة).
ومنذ قرأت هذه الكلمات، لم أستطع أن أبرحها. ظللت أعود إليها، وأتأمل ما تفتحه من أسئلة تتجاوز كيفية تلقي القرآن إلى مراتب هذا التلقي، وما يمكن أن ينكشف للنفس كلما ارتقت في معارج الوعي.
وهنا يبدأ تأملي ا، انطلاقًا من كلمات دكتورتنا علا، لا بوصفه تتمةً لما نقلته عنها، ولا باعتباره قولًا أنسبه إلى أستاذي الدكتور هاشم نصار، وإنما بوصفه تساؤلًا أثارته في نفسي تلك الكلمات، واستدعاني إلى العودة إلى بعض المفاتيح التي تعلمتها منه في فلسفة التشخيص والتجريد.
فإذا كان التلقي، وفق التصور الذي عرضته دكتورتنا علا، يتجاوز في مراتبه حدود الصوت الحسي إلى أفق أوسع من الإدراك، فكيف يمكن أن نتأمل هذا المعنى في ضوء المقام المحمدي؟
قادني هذا السؤال إلى سورة النجم، وإلى التأمل في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾.
وأتساءل هنا: كيف نفهم، من خلال مفاتيح التشخيص والتجريد، الصلة بين الوحي بوصفه مصدرًا، وتلقيه في المقام المحمدي، ثم ظهوره في صورة خطاب يُتلى ويُسمع ويُبلَّغ؟ وهل يفتح لنا هذا التأمل أفقًا للنظر في اختلاف مراتب التلقي.
ثم يمتد بي التأمل إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾، فأجدني أتوقف عند دلالات الدنو والتدلي، وما قد تثيره من أسئلة حول مراتب التلقي والتجلي، مع إبقاء الآيات في مقامها القرآني، وعدم الجزم بدلالات تتجاوز ما أعلمه.
إن ما أكتبه هنا ليس تفسيرًا للآيات، ولا تقريرًا لحقيقة نهائية في المقام المحمدي، وإنما هو مسار تأملي أثارته كلمات دكتورتنا علا، وأحاول من خلاله استكشاف بعض الصلات التي قد تتيحها لي مفاتيح فلسفة التشخيص والتجريد التي تعلمتها من أستاذي الدكتور هاشم نصار.
ولعل أجمل ما في تلك الكلمات أنها لم تمنحني إجابة أركن إليها، بل أبقتني أمام سؤال لا أستطيع مفارقته: هل يمكن أن يكون الانتقال من التلقي الحسي إلى مراتب أوسع من الإدراك مدخلًا لفهم أعمق للصِّلة بين الوحي والتلقي والظهور؟
سؤال ما زلت أمكث عنده، وفاءً لمن علّمنا مفاتيح النظر، وتقديرًا لكلمات دكتورتنا علا التي أيقظت في نفسي هذا التأمل، ورغبةً في مواصلة البحث دون أن أخلط بين ما نُقل إلينا، وما تعلّمناه، وما نحاول أن نفهمه ونتأمله.
لقد تعلّمت من أستاذي أن المقام المحمدي يمثّل أعلى نماذج التجريد، وأن فهمه لا يقف عند حدود الصورة الظاهرة، بل يدعونا إلى النظر في حقيقة المقام وما ينطوي عليه من معانٍ تتصل بالوحي والروح القدس وسدرة المنتهى. ومن هنا، وجدتني أتساءل: هل يمكن أن يكون ما أشارت إليه الدكتورة علا عن ارتقاء النفس في طريقة تلقي القرآن مدخلًا للتأمل في هذا المقام؟ وهل يفتح لنا مفهوم التجريد أفقًا لفهم الصلة بين علوّ المقام وكيفية تلقي الوحي؟
في حدود ما اتصل بي من هذه المفاهيم، بدا لي أن الخيط يبدأ من التجريد، لا من التلقي وحده. فالتلقي، في صورته الحسية، يرتبط بالصوت والأذن واللسان؛ أما حين نتأمل مراتب الوعي، فإن السؤال ينتقل من الوسيلة التي يصل بها الخطاب إلى النفس، إلى طبيعة الإدراك الذي تتلقاه به. وهنا لا يعود اهتمامي منصبًّا على الصوت بوصفه وسيلة، بل على ما وراء الوسيلة: ما الذي يجعل التلقي ممكنًا في مرتبته الأعمق؟ وما الصلة بين مقام المتلقي وأفق ما يتلقاه؟
ومن هذا السؤال انتقل ذهني إلى المقام المحمدي؛ إلى ما وسعة فهمي مما تعلمته من استاذي الفاضل هاشم عن علاقته بالروح القدس، وإلى الفكرة التي تلقيتها من أستاذي بشأن صلته بالوحي الذي تلقّاه الرسل والأنبياء ، أستحضرها بوصفها مفاتيح دفعتني إلى محاولة فهم المقام المحمدي في ضوء التشخيص والتجريد: هل يكون النظر إلى هذا المقام من جهة التجريد مدخلًا للتأمل في معنى الوحي، وفي الصلة بين مراتب الوعي ومراتب التلقي؟
وعند هذه النقطة، قفزت إلى ذهني سورة النجم، ؛ كأن تسلسل آياتها يضع أمام تأملي محطات متتابعة: بدءًا بالقَسَم بالنجم إذا هوى، مرورًا بذكر الوحي، ثم الدنو والتدلي، وصولًا إلى قوله تعالى:
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ﴾.
ثم تبلغ الآيات موضعًا آخر من التأمل:
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾ [النجم: 5–18].
ما استوقفني في هذا السياق هو اجتماع الوحي والرؤية والفؤاد وسدرة المنتهى في مسار واحد. أتأمل كيف يدعوني هذا التسلسل إلى التفكير في التلقي من جهة أعمق من مجرد سماع الصوت: جهة تتصل بالرؤية والفؤاد، وبما ينكشف للنفس في مقام تجريدي اعلى.
وهنا يعود بي التأمل إلى عبارة الدكتورة علا عن انتقال التلقي من الصوت الحسي إلى التخاطر الكودي أو «التزامن الكودي» أستحضره هنا بوصفه التعبير الذي اختارته علا. الذي أثاره في داخلي: هل يمكن أن تتغير كيفية التلقي بتغيّر مرتبة الوعي، وأن يكون للمقام الذي تتحقق فيه المعرفة أثر في طبيعة انكشافها؟
ومن هنا وصلت إلى الفكرة التي أحاول التعبير عنها: لعلّ استحضار المقام المحمدي في هذا السياق يدعوني إلى النظر في العلاقة بين علوّ المقام ومعنى تلقي القرآن، باعتباره مدخلًا تأمليًا لفهم ما تعنيه خصوصية هذا المقام في المفاهيم التي تلقيتُها.
ففي حدود هذا التأمل، لا أرى المسألة مجرد أن القرآن نزل على الرسول محمد ﷺ، بل أتساءل عن دلالة المقام الذي اتصل به هذا الوحي، وعن معنى أن يكون المقام المحمدي، وفق ما تعلّمته من أستاذي، ذروة التجريد. هل يساعدني هذا المنظور على الاقتراب من الصلة بين المقام المحمدي والروح القدس وسدرة المنتهى، دون أن أخلط بين هذه المفاهيم أو أجزم بما لم يتضح لي بعد؟
إن ما يتشكّل في داخلي ليس جوابًا مكتملًا، بل مسار تأمل يبدأ من طريقة التلقي التي وصفتها الدكتورة علا، ويمرّ بمفهوم التجريد الذي تعلّمته من أستاذي، ثم يجد في سورة النجم مجالًا للتساؤل عن الوحي والرؤية والفؤاد وسدرة المنتهى.
ولعلّ خلاصة ما أحاول قوله هي أنني لا أريد أن أفهم المقام المحمدي من جهة نزول القرآن وحدها، بل أن أتأمل، في حدود ما فتحه لي هذا الفكر، في الصلة بين علو المقام ودرجة التلقي. فهل يكون التجريد هنا مفتاحًا للتساؤل عن المقام الذي يتصل به الوحي، وعن الكيفية التي ينكشف بها الخطاب الرباني في هذا المقام؟
هذا ما بدا لي من الربط، لا بوصفه حقيقة انتهيت إليها، بل بوصفه سؤالًا فتحته كلمات دكتورتنا علا، وأعاد توجيهه ما تعلّمته من أستاذي الدكتور هاشم، واستدعته إلى ذهني آيات سورة النجم. وما زلت أرى أن الأمانة في هذا المسار أن أميّز بين ما تلقيته من مفاهيم، وما أفهمه منها، وما لا يزال يحتاج في داخلي إلى مزيد من التأمل.
في اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أنه قادر على تغيير شيء في الوجود.. قد تبدأ في داخله حركة أخرى أشد خفاءً من التغيير نفسه.. حركة تنتقل فيها أنظاره من القانون الذي أتاح له الفعل إلى ذاته التي قامت به.. حتى يغدو ما حققه من قدرة شاهدًا في وعيه على ما ينسبه لنفسه من سلطان.
ومن أدق ما تفتحه لنا فلسفة التشخيص والتجريد.. أن نعيد النظر في العلاقة بين ما يستطيع الإنسان فعله.. وما يؤهله مقامه واستحقاقه لممارسته.. وبين الموازين التي توجه اختياراته والأثر الذي يتحقق من خلالها في نفسه وفي الوجود من حوله.
وفي معالجته للتسخير وصلاحيات الإنسان في التدبير.. يفتح لنا أستاذنا الفاضل الدكتور هاشم نصّار أفقًا دقيقًا في قراءة قوله تعالى
﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
ففي ﴿لَكُم﴾ يتسع أمام الإنسان مجال الانتفاع والتصرف والتدبير.. وفي ﴿مِّنْهُ﴾ تعود جميع هذه الإمكانات إلى مصدرها.. فيتجلى من خلال هذه العلاقة اتساع ما أُتيح للإنسان من صلاحيات مع بقاء تلك الصلاحيات محكومة بمصدرها ومقتضياتها.
ومن هذا المعنى الذي أضاءه أستاذنا.. يمكن أن نمضي في تأمل ما قد يحدث داخل وعي الإنسان حين تتنامى قدرته على توظيف قوانين الوجود.. حتى تختلط لديه حدود ما أُتيح له من قدرة بحدود ما يستحقه من وجوه التصرف فيها.
وفي المسافة المعرفية بين هاتين الدلالتين يمكن أن نستبصر جانبًا عميقًا من حقيقة الاستخلاف.. فالإنسان يمتلك قدرة حقيقية على اكتشاف قوانين الوجود وتوظيفها.. غير أن اتساع قدرته على التعامل مع هذه القوانين لا يجعل كل وجه من وجوه توظيفها مستوفيًا بالضرورة لمقتضيات الاستحقاق.
وتأخذنا هذه العلاقة إلى مسألة تستحق وقفة أطول..
فقد تتسع قدرة الإنسان على إحداث الأثر في عالم التشخيص.. دون أن يكون اتساع هذه القدرة وحده دليلًا على استيفاء مقتضيات حسن توجيهها وتحمل مسؤولية آثارها.
ويحضر هنا ما تعلمناه عن تدرج الأطوار.. وعن ارتباط الارتقاء بالتأهل والاستيعاب ومقتضيات كل طور...
فإذا كان الانتقال بين الأطوار في البناء التكويني محكومًا بما تستوعبه البنية وما تستوفيه من شروط.. فإن هذا المعنى يعمّق إدراكنا للعلاقة بين اتساع الإمكانات التشخيصية للإنسان وبين مقدار تأهله الوعيوي لحسن توظيفها.
وقد يبلغ الإنسان من العلم ما يتيح له ممارسة تأثير واسع في الوجود.. بينما تظل الموازين التي تحكم اختياراته بحاجة إلى معايرة وتصحيح.. فالقدرة والاستحقاق معنيان متصلان في مسار الارتقاء.. ولكل منهما موضعه ووظيفته.. وامتلاك الوسيلة يفتح مجالًا للفعل.. ولكنه لا يحسم وحده سلامة الغاية التي تُوظف الوسيلة من أجلها.
وأرى أن هذا الفرق يقودنا إلى أفق أبعد من مجرد البحث في حدود ما يستطيع الإنسان تحقيقه..
فقد يعرف الإنسان كيف يحقق ما يريد.. وينجح في تحقيقه بالفعل.. بينما تكون حاجته إلى المراجعة كامنة في الموازين التي جعلته يريد تلك الغاية ابتداءً.
وهذا أحد المواضع التي يمكن أن نستبصر فيها وجهًا دقيقًا من وجوه خداع التشخيص..
إذ قد تمنح النتيجة الظاهرة صاحبها شعورًا بأن اختياره كان صائبًا لمجرد أنه استطاع إنجازه.. فيختلط لديه نجاح الوسيلة بسلامة الغاية.. وتتحول استجابة الواقع لما وظفه من قوانين إلى شهادة يمنحها لنفسه على استحقاق ما حققه.
فنجاح الإنسان في توظيف قانون من قوانين الوجود لا يكفي وحده للدلالة على سلامة الغاية التي وجّه قدرته نحوها.. إذ إن تحقق الأثر وفق شروط القانون يدل على فاعلية توظيفه في حدود ذلك الأثر.. أما مدى اتساق الغاية التي اختارها مع مقتضيات الوظيفة والاستحقاق فيحتاج إلى نظر يتجاوز مجرد تحقق النتيجة.
ومن هذا التمييز تتسع أمامنا مسؤولية النظر إلى ما وراء النتيجة التشخيصية.. نحو الموازين التي حكمت اختيار الغاية ووجّهت القدرة إلى تحقيقها.
وتتضح من هذا الموضع أهمية النزاهة الوجودية والقلب السليم في علاقتنا بالمعرفة والقدرة.
فقد يكون الإنسان واسع العلم.. دقيقًا في إدراك العلاقات التي تحكم ما حوله.. ولكنه يحمل في داخله من التعلق بصورة الذات أو بما حققه من تفوق ما يؤثر في وجهة اختياراته.
وقد تكتسب نجاحاته المتكررة سلطة على وعيه.. حتى تصبح تجربته السابقة ميزانًا يمنح من خلاله الصواب لكل ما يختاره لاحقًا.
وعندها يغدو ما حققه من معرفة وقدرة معرضًا لأن يتحول من وسيلة لتحرير وعيه إلى صورة جديدة يتماهى معها.. فيصعب عليه مراجعة الغايات التي ارتبطت بها تلك الصورة.
وتبرز في هذا السياق أهمية تصفير الموازين بوصفه مدخلًا إلى مراجعة ما استقر في وعينا من تصورات ومعايير...
فالمراجعة التي نحتاجها قد تتجاوز تصحيح وسيلة أخطأنا في استخدامها.. أو معالجة نتيجة لم تحقق ما توقعناه.. إلى فحص المعيار الذي وجّه إرادتنا نحو الغاية نفسها.
وقد يكون الفعل ناجحًا في ظاهره.. بينما يكون الخلل أعمق من أن تكشفه نتيجته المباشرة.
ومن أرفع صور الاستقلال المعرفي في تقديري أن يظل الإنسان قادرًا على إخضاع اختياراته للمراجعة حتى حين يحقق ما أراد.. وأن يمتلك من النزاهة ما يجعله مستعدًا لإعادة معايرة غاياته دون أن يرى في ذلك انتقاصًا مما بلغه من معرفة أو قدرة.
وفي ضوء هذا الفهم يتسع أمامنا معنى حسن التدبير..
فقد يمتلك الإنسان أسباب الفعل.. ويكون قادرًا على تحقيق غاية معينة.. ثم يدرك أن مقتضيات مسؤوليته تستدعي منه التريث أو ضبط استعمال قدرته أو العدول عن الغاية ذاتها.
وقد يكون الامتناع الواعي عن ممارسة قدرة متاحة وجهًا من وجوه حسن التدبير.. كما يكون الإقدام في موضع آخر مقتضى من مقتضيات أداء الأمانة..
والفارق يتصل بسلامة الميزان الذي يحدد موضع الفعل من الوظيفة والاستحقاق.. لا بمجرد وقوع الفعل أو تركه.
وبهذا المعنى تتكشف أمامنا علاقة أعمق بين ممارسة الربوبية الإنسانية المقيدة ومقام العبودية لله الصمد..
فالإنسان يمارس ما أُتيح له من صلاحيات التدبير والتصرف ضمن مستويات الوجود.. وتبقى ممارسته محكومة بمقتضيات مقامه وعبوديته لله...
وإدراكه افتقاره إلى مصدر القدرة يحرر علاقته بها من وهم الاستقلال.. ويعيد ما يمارسه من سلطان إلى حدوده الوجودية.. دون أن يعطل فاعليته أو يسلبه مسؤوليته عن الاختيار.
وقد يكون من أدق ثمرات هذا الوعي أن يصبح حضور مقام العبودية مؤثرًا في الموازين التي يختار الإنسان على أساسها غاياته.. بدل أن يقتصر على اعترافه بمصدر القدرة بعد أن يكون قد استعملها وحقق أثرها.
ومن هذا الباب نستطيع أن نتأمل الأمانة في علاقتها بالاستخلاف تأملًا يتجاوز مسؤولية حملها إلى مسؤولية ما يتولد عن ممارستها من آثار.
ويكتسب هذا التأمل اتساعًا آخر حين نعود إلى استشهاد أستاذنا الفاضل الدكتور هاشم نصّار في بيانه لمقتضيات الاستخلاف بقوله تعالى
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾
فما أعمق هذا الانتقال من الجعل إلى كيفية العمل..
إذ تتجه أنظارنا من موضع الإنسان في الاستخلاف إلى ما يحققه من أداء.. ومن الصلاحية التي أُتيحت له إلى الكيفية التي مارس بها مقتضياتها.
وهذا يحملنا إلى تأمل الفرق بين قصد الإنسان من الفعل وبين الأثر الذي قد ينتجه الفعل في الوجود.
فقد يباشر الإنسان عملًا يبتغي به غاية محددة.. ثم تتولد عنه آثار تمتد إلى غيره وإلى مسارات لم تكن حاضرة في تقديره الأول.
فالقصد الذي بدأ به فعله لا يستنفد بالضرورة جميع ما يمكن أن ينتجه ذلك الفعل في الواقع.
وتتسع بهذا المعنى مسؤولية التدبر.. إذ يصبح النظر فيما قد يترتب على اختياراتنا جزءًا من حسن توظيف ما أُتيح لنا من معرفة.. وتصبح مراجعة الأثر بعد ظهوره فرصة لتصحيح ما لم نكن قد أحطنا به عند مباشرة الفعل.
وهذا يراعي حدود علم الإنسان وإمكاناته.. فلا يُحمّل ما لم يكن في وسعه إدراكه.. وإنما يدعوه إلى استبصار النتائج الممكنة بما يمتلكه من أدوات المعرفة.. وإلى إعادة النظر في اختياراته حين تتكشف له معطيات جديدة.
وتقودنا هذه المعالجة إلى صلة أخرى بين الأمانة ومقتضيات الاستحقاق.. وما يستدعيه أداء الإنسان لوظيفته الاستخلافية من يقظة مستمرة في مراجعة اختياراته وآثارها..
فبلوغ الإنسان مرتبة من التأهل يفتح له مجالًا لممارسة وظيفة معينة.. غير أن ما تحقق لديه من قدرة ومعرفة في مرحلة من مراحله لا يجعل الموازين التي يعتمدها بمنأى عن المراجعة...
وقد يكون من أدق مقتضيات استمرار التأهل أن يظل قادرًا على تصحيح ما ينتجه وعيه من اختيارات.. حتى لا تصبح نجاحاته الماضية حجابًا عن إدراك ما يحتاج إلى تصحيح في حاضره.
وفي هذا السياق يتسع أمامنا مجال التأمل في العلاقة بين الاستحقاق وما يبلغه الإنسان من تمكين.. فالصلاحيات الاستخلافية أمانة مشروطة بمقتضيات الأداء.. وليست امتيازًا ذاتيًا يمنح صاحبه حصانة من المراجعة أو يجعل ما بلغه من مقام شاهدًا نهائيًا على سلامة اختياراته..
وهذا يأخذنا إلى فرق بالغ الدقة بين المحافظة على صورة المقام والمحافظة على مقتضياته...
فقد يشتد حرص الإنسان على ما بلغه من تمكين.. ويصبح الحفاظ على صورته الراهنة في وعيه أهم من مراجعة ما يوجه أداءه من غايات واختيارات...
وقد يقتضي الوفاء بمسؤوليته أن يعيد النظر في مسار نجح فيه سابقًا.. بعدما تكشفت له معطيات أوسع.. وأن يتخلى عن بعض ما ألفه من وسائل أو تصورات لم تعد تستقيم مع ما بلغه من معرفة..
وهذه من أصعب صور المراجعة.. لأن الإنسان فيها يراجع ما اعتاد أن يراه شاهدًا على نجاحه.. وليس ما ثبت له إخفاقه فحسب.
ويظهر في هذا الموضع وجه آخر من وجوه التحرر الذي تعلمناه في فلسفة التشخيص والتجريد.. حين يصبح الوعي قادرًا على تجاوز سلطة نتائجه السابقة.. فلا يمنحها من القداسة ما يحجب عنه إمكان تصحيحها أو تجاوزها.
وبذلك تتسع العلاقة بين الأمانة والسيادة الإنسانية المقيدة لتأخذنا إلى ما يسبق الفعل نفسه.. إلى الموازين التي تتشكل من خلالها الغايات.. وما قد يعتري تلك الموازين من تعلق وتشخيص.. ثم إلى ما ينتجه القرار من أثر في الوجود.
فقد ينجح الإنسان في تغيير أشياء كثيرة من حوله.. بينما يكون أعظم ما يحتاج إلى العناية به هو ذلك الموضع في نفسه الذي يحدد ما يستحق أن يسعى إلى تغييره ابتداءً.
ومن أجمل ما يثمره هذا المسار المعرفي الذي نتشرف بالتعلم فيه على يد أستاذنا الفاضل الدكتور هاشم نصّار.. أن نتعلم كيف نقرأ ما نحققه من نجاح قراءة تتجاوز صورته الظاهرة.. وكيف نحافظ على يقظة المراجعة حتى حين تستجيب لنا أسباب الفعل ونبلغ ما سعينا إليه.
فكل اتساع في القدرة يفتح مجالًا جديدًا من الاختيار.. وكل اختيار يستدعي ميزانًا يضبط وجهته.. ويبقى الإنسان معنيًا بما يحققه من أثر وبما تكشفه له تجربته من مواطن تحتاج إلى تصحيح.
وما أعظم أن يبلغ الإنسان من الوعي ما يجعله قادرًا على مراجعة الغاية التي نجح في بلوغها.. دون أن يستمد من نجاحه حصانة لموازينه..
فهناك قد تتجلى إحدى أعمق ثمرات الأمانة.. حين تصبح القدرة مجالًا لحسن التدبير.. ويظل الوفاء بمقتضيات الأمانة مسؤولية متجددة.. ويتحرر الإنسان من الحاجة إلى اتخاذ إنجازاته دليلًا نهائيًا على سلامة اختياراته..
حتى يكون ارتقاؤه في الوجود متصلًا بارتقاء بصيرته بما يفعل وبما يدفعه إلى الفعل.. وتبقى العبودية حاضرة في أصل اختياره ووجهته.. لا في حدود اعترافه بمصدر القدرة بعد أن يتحقق أثرها.
تفعيل سُلوك السلم في الحديث الشريف بين دلالتين الباطِن و الظاهِر
إليكم يا أُولي الألباب 👈 إذا ما تفكرنا و تدبرنا في الحُـدود التي جاء ذِكرها في النص و التي تمثلت في رمزين للحواس البشرية هما الِلسان و اليَد.
فسنلاحظ كيف هي حُرمة هذه الحدود التي حُددت منها أدوات هذه ( الرُموز ) لتفعِيل سُلوك السِلم ، و كيف أنها جاءت تحمل بُعدين من حيث التفعِيل و الأثر.
فأما البعد الأول و هو البُعد الذي ينتج عنه الأثر المجرد و أما البُعد الثاني هو البُعد الذي ينتج عنه الأثر المُشخص.
حيث أن رمز الِلسان '👅' الأداة الأولى في النص يتم من خلالها تفعِيل السُلوك الذي ينتج عنه أثر باطني غير مرئي أو محسوس.
بينما رمز اليد '✋️' الأداة الثانية في النص يتم من خلالها تفعِيل السُلوك الذي ينتج عنه أثر ظاهري مرئي و مشهود.
و لذلك و من هنا أصبح يترتب علينا أن ننتبه من أن لا نُقلل من مكانة و أهمية الأثر الغير المرئي بمُجرد أننا لا نستطيع أن تتبع أثره بأداة العين المُجردة من خلال حاسة البصر.
بل على العكس تماما فأثر الكلمة التي تخرج من الِلسان و لا نُلقي لها بَالاً ! قد تُحيي في النفس السَّلام الداخِلي كما قد تكون سببا في أن تُميته و ربما هنا يكمن خطورة هذا الأمر إذا أنه الإنسان الفاقِد للسَّلام و الأمان في نفسه قد لا يستطيع أن يمنحه لمن حوله.
من هنا نستوعب أنه في أحيان كثيرة ما يكون من الأثر الباطِن الذي لم يتكَشف لنا أو في الغيب النِسبي ، طبقات عظيمة من الحِكمة ما قد يكون له الأثر العميق في الزمن المُمتد الدائري.
و لَعلَّنا هُنا نستَحضر هذا الفَهم و نربِطه بالآية الكريمة من سُورة البقرة:
﴿۞ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾
ليتضح لنا أكثر كيف أن الآية تُعطي الخيرية للسُلوك التجريدي فتقدم القول و المغفرة على الصدقة!! بالرغم من أنهم أفعال تجريدية بحته ذات أثر باطني لا نراهُ ، و لكنهُ في النفس ، هذا الأثَّر كم هو عظيم جدا.
«بين الضجيج والخلوة..»
(( تأمل في ضوء فلسفة التشخيص والتجريد ))
تمضي بنا الأيام وتعبر تفاصيلها الكثيرة حياتنا.. وقد ينتهي حضور بعضها في الخارج بينما تظل تُقيم في داخلنا.. وتُشارك في تشكيل أحكامنا وانفعالاتنا.. وربما في توجيه اختيارات لم نعد نعرف على وجه الدقة من أين بدأت !
وكم من مرة ظننا أننا أقبلنا على أمر بكامل وعينا بينما كان في داخلنا شيء من أثر كلمة سمعناها أو صورة ألِفناها أو رأي تكرر أمامنا حتى أصبح جزءًا من الطريقة التي ننظر بها إلى العالم.
وقد أعادتني إشارة أستاذنا الفاضل د.هاشم في محاضرته قبل الأخيرة أثناء حديثه عن الفطرة والتشفير إلى التأمل في الضجيج من أفق أوسع..حين تناول ما تُحدِثه المؤثرات الخارجية عبر السمع والبصر من تشويش.. وأشار إلى العزلة في سياق الاتصال بالفطرة.
فما الذي يحدث للإنسان حين يستغرق في استقبال العالم إلى الحد الذي يغفل معه عن جهة أخرى من المعرفة أودعها الله في أصل تكوينه ؟
لقد تعلّمنا في هذه الفلسفة أن الفطرة تحمل علمًا مطلقًا مضغوطًا ومشفّرًا..وأن المعرفة أوسع من المعلومات التي تتراكم لدينا وأن ما يصل إلى الإنسان عبر عالم التشخيص يمثل جانبًا من رحلته المعرفية.. تتجاوزه مراتب أخرى من الكشف والارتقاء.
وهنا تبدو المفارقة عميقة..
(( فقد يمضي الإنسان عمرًا يجمع ما يستطيع من المعارف.. ويلاحق كل جديد ويزداد إحاطة بما يجري حوله.. بينما تظل علاقته بما يحمله في فطرته أبعد عن إهتمامه)) .
ومن هذا المنطلق أخذت آيات الاعتزال والخلوة تتجلى أمامي بصورة مختلفة.
فهذا إبراهيم عليه السلام قد قال
(وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا)
فالواضح في هذا التعبير أن الاعتزال شمل القوم وما يدعون من دون الله..
ثم تشرق عبارة (وَأَدْعُو رَبِّي) لتجعلنا نتأمل جهة الاتصال التي أعلن إبراهيم الإقبال عليها...
لكن ما أُضيء لي أكثر هو أن النسق القرآني لم يتوقف عند إعلان الاعتزال والدعاء.. ولكنه مضى بنا إلى ما أعقب ذلك..
(فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا)
(وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا)
فيا لجمال هذا النسق وما يفتحه أمامنا من آفاق..!!
فقد جاء الاعتزال متعلقًا بالقوم وما يعبدون.. وجاء الدعاء متوجهًا إلى ربه.. ثم نقرأ (وَهَبْنَا) و(جَعَلْنَا).. وكأننا أمام مشهد يستحق أن نتأمل فيه ما يباشره الإنسان باختياره وما يتحقق له من عطاءات وهِبات وجَعل..
...إبراهيم حين اعتزل ما كانوا يعبدون لم يكن اعتزاله انقطاعًا عن كل اتصال.. وإنما كان في قوله (وَأَدْعُو رَبِّي) إعلانًا عن جهة أخرى يتوجه إليها..
وهنا تكتسب الخلوة في بحثنا بُعدًا أعمق.. فقد يكون الاعتزال خروجًا من مؤثرات ومرجعيات استغرقت الإنسان.. لكنه يفتح كذلك مجالًا للنظر فيما يتوجه إليه بعد هذا الخروج..
أما الهِبة والجَعْل الواردان في الآيتين فلهما خصوصيتهما في قصة إبراهيم.. غير أن حضورهما بعد الاعتزال يضيء لنا فرقًا شديد الأهمية بين ما يباشره الإنسان من فعل وما يتحقق له من عطاء لا يملكه بمجرد مباشرته ذلك الفعل..
.....ومن إبراهيم إلى مريم عليها السلام نجد صورة أخرى تستحق الوقوف عندها
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا)
هنا يبرز لنا اجتماع الانتباذ والحجاب والإرسال في مشهد واحد...!
لكن النسق القرآني يأخذنا إلى ما هو أبعد من ذلك..
(قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا)
ثم نقرأ..
(قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا)
ما أروع ما يفتحه لنا اجتماع هذه الأفعال من آفاق للتأمل.. فالانتباذ والحجاب كانا مما باشرته مريم.. ثم جاء الإرسال والتمثّل وإعلان الهِبة والجَعْل والرحمة والأمر المقضي....!
وما يستحق الوقوف عنده أن ما ورد إلى مريم تمثّل لها في صورة بشر سويّ.. ثم جاء البيان عن حقيقة الرسالة وما تحمله من عطاء.. وهنا تتجلى دقة التمييز بين الصورة التي يقع عليها الإدراك وحقيقة الأمر الذي يتجاوز حدود ظهورها في عالم التشخيص..
وبهذا الأفق تتسع أمامنا دلالة الخلوة.. فقد كان الانتباذ ابتعادًا عن الأهل واتخاذًا للحجاب.. ثم جاء الإرسال والهِبة والجَعْل في مشهد له خصوصيته التي تستحق التأمل.. فالعزلة بذاتها ليست سببًا آليًا للعطاء ولا تختزل قيمتها في صورتها المكانية..وفي اجتماع هذه المعاني ما يثير الدهشة.. فالتمثّل جاء في عالم التشخيص.. بينما امتدت حقيقة ما جرى إلى ما وراء الصورة التي ظهر بها.. و في ذلك طرفًا من الصِلة العميقة بين عالم التشخيص وعالم الأمر.. صِلة ما زلنا نتلمس آفاقها بما تفتحه لنا هذه الفلسفة من مفاتيح..
فالمسافة بين أن يتخذ الإنسان حجابًا عن الناس وأن يدرك حدود الصورة التي ظهرت له وما يتجاوزها من أمر.. مسافة شاسعة...!
فالحواس التي تصِل الإنسان بعالم التشخيص لها وظائفها.. والعالم المنظور نفسه كتاب من كتب المعرفة كما تعلمنا من أستاذنا الفاضل د.هاشم..
وإذا كنا قد تعلمنا أن الكتاب المنظور والكتاب المسطور يدخلان في بناء معرفي أوسع فإن الخلوة التي نتأملها قد تتيح للإنسان أن يعيد النظر في علاقته بما يتلقاه.. وأن يمنح كل جهة من جهات المعرفة موضعها دون أن يشغله استغراقه في المؤثرات الخارجية عن الاتصال بما أُودِع في فطرته..
و تحضرني آية زكريا عليه السلام
(قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا) .
وفي موضع آخر
(قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ)
ما يثير الإنتباه هنا أن الآية تتحدث عن الامتناع عن مخاطبة الناس في سياق آية مخصوصة مع بقاء الذكر حاضرًا..وورود الرمز في طريقة التواصل...
وقد لا يصح لنا أن نعمم خصوصية زكريا على كل خلوة.. غير أن هذا المشهد يفتح بابًا لتأمل اختلاف جهات الاتصال ووظائفها..
وأربط هنا ما تعلمناه من دكتورنا الفاضل عن علاقة التنزيل بفك التشفير.. وأدرك في ضوء ذلك الفرق الدقيق بين العلم المودع في الفطرة وتحقُق الكشف عنه.. فوجود الشيفرة في أصل التكوين لا يعني أن ما تحمله حاضر في إدراك الإنسان على الدوام.. كما أن انحسار المؤثرات الخارجية لا يعني بذاته انكشاف ذلك العلم له..
(( وللخلوة في هذا الأفق دلالة تستحق التأمل.. فقد تفسح للإنسان مجالًا للعناية باتصاله بفطرته بعد أن استغرق طويلًا في استقبال ما يرد إليه من العالم المشخّص..)).
على أن الإنسان قد يحمل إلى خلوته التصورات ذاتها التي اعتاد النظر من خلالها.. وربما عاد منها أشد تعلقًا بها..
وربما كان هذا أحد وجوه الضجيج الأكثر خفاءً.. أن تظل آثار ما اعتاده الإنسان من تلقي وتفسير حاضرة في كل ما يحاول فهمه.. حتى يظن أنه يستقبل معرفة جديدة بينما يعيد في داخله ما سبق أن استقر لديه..
(( وقد تتجاوز قيمة الخلوة مفارقة العالم.. إلى مراجعة ما حمله الإنسان معه من آثار التشويش.. وما قد تكون تلك الآثار قد حجبته عنه من إمكانات الاتصال بما أودع الله في فطرته..)).
وتبرز لي في هذا السياق آية أصحاب الكهف..
(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا)
لقد اقترن الاعتزال هنا بالإيواء إلى الكهف.. ثم جاء الحديث عن الرحمة والتهيئة..لندرك أن الفتية باشروا الاعتزال والإيواء.. بينما جاءت الرحمة والتهيئة منسوبتين إلى الرب.. وفي هذا تمييز دقيق بين ما يباشره الإنسان في عالم التشخيص وما يرجوه من عطاء الله وتدبيره..
وإذا تأملنا ما مر بنا من مشاهد إبراهيم ومريم وزكريا وأصحاب الكهف وجدنا أن للاعتزال صورًا متعددة ووظائف مختلفة.. وأن ما اتصل بتلك المشاهد من هِبة وإرسال وجَعْل ورحمة وتهيئة يستحق أن يُقرأ في خصوصية كل مقام.. بعيدًا عن اختزال هذه المعاني جميعها في مجرد الابتعاد عن الناس..
فالمعرفة التي وصفها دكتورنا الفاضل بأنها تفاعلية تشاركية تكاملية تصاعدية سلّمية تفتح أمامنا أفقًا يتجاوز اكتفاء الإنسان بنفسه.
(( والخلوة إذا كانت مجالًا للعناية بالاتصال بالفطرة فإن ما يتصل بهذا المجال من ارتقاء معرفي ينبغي أن يجد موضعه كذلك في تفاعل الإنسان مع غيره وفي مسؤوليته عما يتعلمه وما يقدمه )).
ويبقى في مراتب المعرفة التي تعلمناها ما يستحق أن نتأمله في ضوء هذه القراءة.. فالبيانات والمعلومات والعلم والمعرفة والحكمة لكل منها موضعها في البناء المعرفي..
و((حين يستغرق الإنسان في تحصيل المزيد دون أن يراجع طبيعة ارتقائه فقد يلتبس عليه اتساع ما حصّله باتساع المعرفة))..
فقد نكون أمضينا شطرًا طويلًا من أعمارنا نتعلم كيف نصغي إلى العالم من حولنا.. بينما ما زلنا في أول الطريق إلى تعلّم كيف نعيد الاتصال بما أودع الله فينا...!!
لا توجد تعليقات بعد.
— دكتور… رأيت موسوعتك البارحة.
— ترينها كل يوم يا حياة.
— لا. البارحة رأيتها لأول مرة.
— وكيف رأيتها؟
— أحد عشر كوكبًا.
— مجلداتي؟
— نعم. باغتني الرقم، وحضرت الآية في قلبي:
﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾.
— جعلتِ المجلدات كواكب؟
— سأغامر كما علّمتني: نعم. هذه الأحد عشر، في قراءتي اليوم، هي الأحد عشر كوكبًا.
— والشمس والقمر؟
— هنا بدأت المشكلة.
— بهذه السرعة؟
— بل هنا بدأت المغامرة فعلًا. كنت سعيدة بالأحد عشر حتى انتبهت إلى أن الرؤيا لم تنته عندها. لم يأتِ كوكب ثانٍ عشر… تغيّر جنس المشهد: شمس وقمر.
— وإلى أين أخذتك هذه الملاحظة؟
— إلى جملة قلتها أنت.
— أي جملة؟
— إن هذه المجلدات الأحد عشر لم تتناول إلا ثلاثة مستويات فقط.
— نعم.
— لا تقل «نعم» بهذه البساطة يا دكتور! نحن أمام أحد عشر مجلدًا، وأنت أمام ثلاثة مستويات فقط.
— وما المشكلة في «فقط»؟
— المشكلة أنني كلما حاولت تجاوزها أعادتني إليها. نحن ننظر إلى الأحد عشر فنرى مشروعًا يكاد يملأ الأفق، وأنت تنظر إليها وتقول: ثلاثة مستويات فقط. نحن نحصي ما كُتب، وأنت تتحدث عمّا بقي أن يُكتب.
— وماذا فعلتِ ببقية المستويات؟
— في البداية بحثت لها عن مجلد ثانٍ عشر.
— ووجدتِه؟
— وجدت أنني وقعت في التشخيص.
— كيف؟
— افترضت أن ما سيأتي لا بد أن يكرر صورة ما جاء؛ مجلد بعد مجلد، وكوكب بعد كوكب. ثم أعادتني الآية إلى ترتيبها: أحد عشر كوكبًا… ثم لا كوكب آخر. الشمس والقمر.
— وهل عرفتِهما؟
— لا.
— وأنتِ التي قلتِ سأغامر؟
— المغامرة ليست أن أختلق لهما معنى يا دكتور. أحيانًا تكون المغامرة أن أصل إلى باب لا أعرف ما وراءه، وأمتنع عن تسميته قبل أن يُفتح.
— إذن ماذا عرفتِ؟
— عرفت أنني كنت أنظر إلى الموسوعة من الجهة الأسهل.
— وما الجهة الأسهل؟
— أن أعدّها.
واحد… اثنان… حتى أحد عشر.
أما حين توقفت عن العد، بدأت أرى ما لا يدخل في الرقم.
— مثل ماذا؟
— أن هذه الأحد عشر لم تبق حبيسة صورتها الأولى. عبرت إلى الإنجليزية، ثم خرجت من الصفحة إلى الصوت، ومنها إلى الأكاديمية والبث والحوار، وبقيت أنت حاضرًا معها؛ تشرح وتجيب وتناقش، وتفرح حين نغامر، وتعيدنا حين نخطئ، وكأن كتابة الموسوعة لم تكن نهاية مهمتك، بل بداية مسؤوليتها.
— وإلى أين أوصلك ذلك؟
— إليك أنت.
— إليّ؟
— نعم. كنت مشغولة بالكواكب عن صاحبها.
— وماذا رأيتِ حين التفتِّ إليه؟
— رأيت أن أحد عشر مجلدًا يمكن أن تكون عند رجل آخر سببًا كافيًا ليعلن الوصول، أما عندك فقد صارت سببًا لتقول لنا: بقي.
— بقي ماذا؟
— هذا ما لا أعرفه. وربما لهذا بدأت أفهم مقامك أكثر. لم تعد المسألة عندي كم تعرف، بل ماذا فعل بك ما عرفت.
— وماذا ترين أنه فعل؟
— لم يغلقك.
كلما اتسعت المعرفة بين يديك، اتسعت معها مساحة السؤال، وكلما ظننا أننا وصلنا إلى جواب دفعتنا إلى طبقة تحته. أعطيتنا موسوعة، ثم لم تطلب منا أن نسكنها؛ أعطيتنا فلسفةً ومنهجًا لنقرأ بهما أبعد مما كُتب.
— ولهذا عدتِ إلى كلمة «فقط»؟
— نعم.
— ما زلتِ عندها؟
— أكثر من البداية.
— لماذا؟
— لأنني بدأت أسمعها بطريقة أخرى. «ثلاثة مستويات فقط» لم تعد عندي تقليلًا من الأحد عشر، بل أصبحت تكشف حجم الأفق الذي تنظر منه إليها.
— ولهذا صارت الأحد عشر أصغر؟
— لا. صارت أعظم… لكنك جعلتني أرى ما هو أعظم من الإنجاز نفسه.
— وما هو؟
— مقام العالم أمام العلم.
أن يضع إنسان بين أيدي الناس أحد عشر مجلدًا، وأن يعبر علمه لغةً وصوتًا ودرسًا وحوارًا، ثم لا تتحول المعرفة في داخله إلى وهم إحاطة.
أن يبقى بعد كل جواب قادرًا على السؤال، وبعد كل كشف قادرًا على أن يقول: بقي، وبعد أحد عشر مجلدًا قادرًا على أن يقول:
ثلاثة مستويات فقط.
— وماذا ترين الآن حين تنظرين إلى الأحد عشر؟
— أرى أكثر مما رأيت في البداية.
— ماذا؟
— أرى علمًا، نعم… لكنني أرى أيضًا معلّمًا لم يحتفظ بما عرفه لنفسه. أرى ما فتحه الله لك يعبر منك إلى غيرك، حتى صار كتابًا لمن يقرأ، وصوتًا لمن يسمع، ودرسًا لمن يتعلم، وسؤالًا جديدًا في قلب من ظن أنه جاء يبحث عن جواب.
وأرى شيئًا آخر.
— ما هو؟
— أنني كلما أردت أن أشكرك على ما أعطيتنا، شعرت أن «شكرًا» أصغر من أن تحمل المعنى.
— فلا تقوليها.
— لن أقولها وحدها.
سأقول إن فضل المعلّم لا يُقاس فقط بما يضعه في يد تلميذه، بل بما يوقظه فيه حتى يصبح قادرًا على أن يرى من حيث لم يكن يرى، وأن يسأل من حيث لم يكن يجرؤ أن يسأل.
وهذا يا دكتور بعض ما فعلته بنا.
— وبعض؟
— تعلمت منك أن أحذر كلمة «كل»!
ضحك.
— الآن بدأتِ تتعلمين.
— بل الآن بدأت أفهم لماذا لم تعد الأحد عشر هي أكثر ما يدهشني.
— فما الذي يدهشك؟
— أن ما نقف نحن أمامه مبهورين، تقف أنت بعده وتقول:
بقي.
— بقي دائمًا يا حياة.
— وهذه وحدها أعادتني إلى سورة يوسف مرة أخرى.
— إلى الأحد عشر كوكبًا؟
— لا… هذه المرة إلى آية أخرى.
— أي آية؟
قلت:
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.
— أتدرين ما الجميل فيها؟
— ماذا؟
— أنها لم تجعل للعلم درجة أخيرة.
قلت:
— ولهذا يا دكتور… بدأت حديثي معك وأنا أعدّ أحد عشر كوكبًا، وأنهيه وقد توقفت عن العدّ. 🌹🌹🌹
التفاصيل التي تصنع الإنسان:
لا يخلو لقاء مع أبو راشد من لفت الانتباه إلى العمل على التفاصيل, لا باعتبارها جزئيات هامشية، بل باعتبارها جزءًا من فلسفة متكاملة ترى أن التفصيل الصغير قد يكشف عن بنية أكبر منه، وأن طريقة تعاملنا مع الأشياء الدقيقة تكشف في النهاية عن طريقة حضورنا في العالم ,حتى إنه حدّثنا عن الانتباه إلى البرواز المعلّق على حائطك, و قشرة الموز الذي تلقيها أرضا و لا تلقي لها بال، وما قد يترتب على ذلك من آثار، وهي أمثلة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تفتح سؤالًا أعمق: هل يمكن أن نبني الأشياء الكبيرة إذا لم نتعلم أولًا كيف نحسن التعامل مع أصغر تفاصيلها؟
نحن نميل إلى قياس أفعالنا بحجمها، بينما يلفت القرآن نظرنا إلى دقتها وأثرها: - فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ -
الآية تتحدث عن الجزاء، لكنها تفتح أيضًا سؤالًا عن طبيعة الفعل نفسه, هل ينتهي الفعل بمجرد وقوعه، أم أنه يترك شيئًا من نفسه في الإنسان الذي فعله؟
فالإنسان لا يمرّ بأفعاله مرورًا محايدًا.
الفعل يخرج منه، لكنه في الوقت نفسه يعود إليه بصورة أخرى.
حين نكرر طريقة معينة في العمل، أو في الكلام، أو في التعامل مع الناس، لا نكرر السلوك فقط،بل ندرّب أنفسنا على أن نكون أكثر قابلية له. ما كان في البداية اختيارًا واعيًا يصبح مألوفًا، ثم يصبح أسهل، حتى يستقر في النفس كأنه طبيعتها.
وهنا تحدث النقلة الحقيقية: من الفعل إلى الصفة.
وبذلك لا تكون العادة في الزمن الخطي مجرد تكرار للماضي، بل تصبح قوة تؤثر في المستقبل.
فالإنسان الذي صنعته عاداته لا يبدأ كل يوم من الصفر؛ إنه يدخل يومه محمّلًا بما راكمه بالأمس(البعد التراكمي).
ومن هنا تصبح التفاصيل ذات قيمة تتجاوز حجمها؛ فالتفصيل الصغير قد لا يُرى أثره في لحظته، لكنه قد يدخل في سلسلة من التفاعلات تتسع تدريجيًا، حتى يصبح أثره أكبر بكثير من حجمه الأول. وهذا هو ما يقرّب لنا معنى «تأثير الفراشة»: حركة تبدو ضئيلة في بدايتها، لكنها قد تغيّر مسارًا كاملًا في نهايتها.
كما اننا لو نظرنا إلى قوله تعالى-إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا-
نرى أن الآية تفتح معنى يتجاوز الزمن الخطي وتأخذنا إلى الزمن الدائري : فالماضي لا يُحكم عليه بما كان فقط، والحاضر ليس لحظةً معزولة، بل قد يأتي فعلٌ صغير في الحاضر فيعيد تشكيل أثر الماضي ويفتح للمستقبل نتيجةً مختلفة. وهنا تتجلى قيمة التفاصيل: قد يتغيّر المسار كله من تفصيلٍ يبدو في لحظته ضئيلًا؛ حتى إن السيئة نفسها، بالتوبة والإيمان والعمل الصالح، يمكن أن تدخل في مسار جديد فتُبدَّل حسنات.
وهذا يفسر لماذا يمكن أن يتحول العمل اليومي إلى تربية للنفس، ولماذا يمكن أن تلتقي العادة بالعبادة. فحين يصبح الإتقان أو الصدق أو الأمانة ممارسة مستمرة، لا يعود العمل مجرد وسيلة لإنجاز شيء خارج الإنسان، بل يصبح وسيلة لإعادة تشكيل داخله.
والقرآن نفسه يجمع بين الصغير والكبير في سياق علم الله:
-وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ-
فالذرة والسماء والأرض تظهر هنا داخل أفق واحد, لا شيء صغير إلى درجة أن يفقد معناه، ولا شيء كبير إلى درجة يخرج عن العلم والإحاطة.
ومن هذه الزاوية، يصبح العمل على التفاصيل موقفًا وجوديًا، لا مجرد كمالية في الأداء. أنت لا تضبط التفاصيل لأن التفاصيل مهمة وحدها، بل لأنك تعرف أن ما تفعله بها سيعود إليك في صورة أخرى: في طبعك، وفي نظرتك، وفي قدرتك على الاختيار و في مصائرك.
وهنا ربما تكمن المسألة الأعمق:
نحن نتصور عادةً أن الإنسان هو الذي يصنع أفعاله. وهذا صحيح، لكنه ليس الحقيقة كاملة.
فالإنسان يصنع الفعل، ثم يبدأ الفعل في صناعة الإنسان.
وكل اختيار يترك خلفه قابلية لاختيار آخر؛ وكل تكرار يغيّر المسافة بين الإنسان وبين ما يفعله. ومع مرور الزمن، قد يصل الإنسان إلى مرحلة لا يعود فيها يسأل: «ماذا سأفعل؟» بالقدر نفسه الذي أصبح فيه سؤاله الحقيقي: «من أصبحتُ حتى صار هذا الفعل يصدر مني بهذه السهولة؟»
وربما لهذا كان الميزان الإلهي دقيقًا إلى هذا الحد: لأن الله لا يحاسب فقط على المشهد الكبير الذي يراه الناس، بل يعلم الطريق الخفي الذي صنع ذلك المشهد؛ يعلم الذرة التي سبقت الذرة، والاختيار الذي سبق العادة، والنية التي سبقت الفعل.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال: ماذا فعلتَ في حياتك؟
بل: ماذا جعلتَ من نفسك، فعلًا بعد فعل، حتى أصبحتَ أنت؟
لا توجد تعليقات بعد.
اليوم كتبت هذه الفكرة وأحببت أن أشاركها معكم ولا أدري مدى دقتها أو صحتها ولكنني شعرت براحة تجاهها وأحببت أن أعرف كيف ترونها
لماذا هذا التمايز الهائل بين أفراد الإنسان الواحد وهذه الشفرة الواحدة ولماذا تتعدد المقامات والدرجات والطبقات والظروف والقدرات بين إنسان وآخر ونحن نؤمن أن كل شيء يجري بقدر بالغ الدقة وأن كل شيء في الوجود موضوع في موضعه ووقته المناسبين
ربما لأن الإنسان الواحد ليس أفرادا متشابهين يؤدون المهمة نفسها بل منظومة واحدة توزعت على أفرادها أدوار متعددة بحسب الاستحقاق والاختيار وبحسب ما ظهر في هذه المنظومة من إشكاليات وقيم مفقودة تحتاج إلى المعالجة فحمل كل فرد جزءا من القضية الكلية واستحق أدوات مختلفة وقدرات مختلفة وظروفا مختلفة تمكنه من أداء القيمة التي اختار واستحق أن يعالجها
ومن هنا قد لا يكون اختلافنا دليلا على تفاوت قيمتنا بقدر ما هو اختلاف في مواضعنا داخل المنظومة فليس كل من امتلك أكثر قدرا أعلى ولا كل من امتلك أقل قدرة أدنى لأن قيمة الأداة لا تقاس بحجمها وإنما بمدى مناسبتها للمهمة التي وضعت من أجلها
ولهذا لا يفلح الإنسان حين يجعل حياته مرآة يقيس فيها نفسه على حياة غيره لأن المقارنة تفترض تشابه المهمة بينما لكل إنسان مساره وأدواته ومشكلته وقيمته التي جاء ليحققها وقد يحمل إنسان أداة تبدو بسيطة في أعين الآخرين لكنها هي الأداة الدقيقة التي لا تستقيم مهمته بدونها
لعل الإنسان لا يكون في المكان الخطأ ولا في الزمن الخطأ ولا حتى في الظروف الخطأ كما يظن أحيانا بل يكون في الموضع الذي تتقاطع فيه قدرته مع القضية التي اختار واستحق أن يعالجها وما عليه إلا أن يتتبع واقعه طبقة بعد طبقة وأن يعمل بأفضل ما يستطيع بما أودع فيه من أدوات الاستخلاف دون أن يحمل نفسه ما لم توضع له أدواته لحمله
فربما ليست الحكمة أن نسأل لماذا لم أكن مثل فلان بل أن نسأل سؤالا أعمق
ما القيمة التي وُضعت في طريقي لأكون أنا أداة تحقيقها
أسئلة حائرة تدور في خواطر الكثير منا...منا من يبوح بها ويسأل.. ومنا من يُسرّها في نفسه ولا يُبدها.. حرجًا.. أو خشية أن يكون الخلل فيه وحده...!
لماذا أقرأ في فلسفة التشخيص والتجريد وأشعر أن بعض ما أقرأه لا يستقر...؟
لماذا أفهم الفكرة اليوم.. ثم أعود إليها بعد مدة كأنني لم أفهمها من قبل....؟
لماذا يفتح المصطلح نفسه لشخص معنى واسعًا..بينما لا يتجاوز عندي حدود المعنى الأول الذي تلقيته عنه....؟
وهنالك سؤال أكبر.. لماذا تأتي لحظة ينفتح فيها باب كامل للفهم من عبارة مررنا عليها مرات كثيرة.. بينما يحتاج هذا الفتح عند شخص آخر إلى زمن أطول وتجربة أعمق ومراجعات متكررة..؟
وهل يعني تأخر الفهم أننا لم نحسن القراءة.. أم أن للمعرفة نفسها شروطًا في الظهور لم ننتبه إليها...؟
اليوم اسمحوا لي أن أتكلم بصوتكم.. وأستعين بعد الله بما تفتحه علينا فلسفة التشخيص والتجريد.. وما ينقلنا إليه أستاذنا الجليل د. هاشم نصّار.
فكلما تقدمت في موضوعات هذه الفلسفة وجدت أن الروابط تتسع بين الفطرة.. والوحي.. والتشفير.. والاستحقاق.. والظهور.. حتى بدا لي أن المعرفة نفسها تحتاج إلى قراءة مختلفة.
وربما لا تُنقل المعرفة كما هي.. بقدر ما تجد في كل متلقٍّ طريقًا جديدًا للظهور..
فنحن ننقل الكلام.. وننقل المصطلح.. وننقل الشرح.. وننقل تجربة شخص آخر كما وصلت إلينا.
أما المعرفة نفسها فيبدو فيما ظهر لنا إلى الآن من مستويات الفلسفة أنها ليست بهذه البساطة...!
فقد يسمع شخصان العبارة نفسها.. فيفهم أحدهما منها قدرًا محدودًا.. بينما يحملها الآخر سنوات من غير أن تفتح له شيئًا.. ثم قد تأتي لحظة متأخرة فتلتقي تلك العبارة بخبرة أو سؤال أو تغيّر داخلي.. فتتجلى بمعنى لم يكن حاضرًا من قبل...العبارة لم تتغير.. ولكن الذي تغيّر هو موضعها في المتلقي...!
وهنا يطرح أستاذنا الفاضل د. هاشم نصّار موضوع التشفير بما يسمح بالاقتراب من هذا التعقيد من جهة أعمق.
((فالشفرة ليست الصورة الظاهرة للشيء ولا نتيجته الأخيرة.. وإنما ما يحمل إمكانية ظهوره حين تتهيأ شروطه))..!!
وحين يصل د. هاشم بين (العلم المطلق) و(الفطرة) ويتحدث عن حضوره فيها بصورة مضغوطة ومشفرة.. يصبح من الصعب اختزال الفطرة في مجرد مخزن جاهز لتفاصيل المعارف...!
فالأقرب في فلسفة التشخيص والتجريد أن الفطرة لا تختزن تفاصيل المعارف جاهزة.. وإنما تحمل قابلية أوسع بكثير مما ظهر منها حتى الآن...!
بُنية تستجيب لما يرِد عليها من الخارج.. وتفتح منه بحسب ما بلغته من سعة ومقام واستحقاق...
ولهذا لا يستغني الداخل عن الخارج.. فالكتاب قد يوقظ.. والمعلم قد يوقظ.. والتجربة قد تفتح ما لم تفتحه القراءة وحدها.. وحتى الخطأ قد يكشف أحيانًا ما كان غائبًا عن الانتباه.
((لكن ما يستيقظ في الداخل لا يأتي من فراغ))..!!
فبين ما يراه الإنسان خارج نفسه وما يجد صداه في داخله صِلات لا تظهر كلها دفعة واحدة.. وإنما ((تتكشف بقدر ما تتسع القدرة على استقبالها))..!
وعند هذه النقطة تقترب الفطرة من قانون الظهور أكثر..
((فوجود الإمكان لا يعني أن أوانه قد حان.. وما لم يظهر بعد لا يعني أنه غائب عن البنية))..
فقد يبقى معنى قريبًا من الإنسان سنوات من غير أن يجد فيه موضعًا يتسع له.. ثم تأتي تجربة أو كلمة أو سؤال فتفتح له ما كان يمر عليه من قبل ولا يراه.
((ولهذا نعود أحيانًا إلى نص قديم فنشعر أننا نقرأه للمرة الأولى... النص لم يتغيّر.. لكن شيئًا فينا أصبح أقدر على حمله)).
وعندها يمكن أن يُفهم الاستحقاق بعيدًا عن معناه السطحي.. لا كمنحة تأتي من الخارج وإنما كسعة تكوّنت وأصبحت قادرة على حمل ما لم تكن قادرة عليه من قبل...
ومن هنا نفهم لماذا لا تكفي كثرة القراءة وحدها دائمًا.. فقد نعرف العبارة ونحفظ المصطلح.. ونظل مع ذلك بعيدين عن المعنى الذي يحمله..!
هنا تظهر قيمة المعلم بصورة أدق.. فهو يقدّم العلم ويكشف مسالكه ويقرّب مفاتيحه.. وقد يختصر على المتلقي طريقًا طويلًا أو يعيد ترتيب سؤال أو يلفت انتباهه إلى علاقة كانت أمامه ولم يرها..
أما الفهم فلا يُسلَّم جاهزًا.. ولا يستطيع أحد أن يقوم به نيابة عن أحد...!
ويكتسب هنا وصف المعرفة في فلسفة التشخيص والتجريد بأنها (تفاعلية وتشاركية وتكاملية وتصاعدية وسُلَّمية) معنى أعمق.
فالتفاعل ليس مجرد أن يضيف كل شخص رأيًا إلى ما سبقه.. فقد يمر المعنى بوعي جديد فتظهر منه علاقة لم تكن ظاهرة في القراءة السابقة..ليس لأن المتلقي أنشأ حقيقة جديدة أو تجاوز صاحب الفكرة بالضرورة.. وإنما ((لأن المعنى التقى بسعة أخرى وتجربة أخرى ومقام آخر من القراءة))..
وهنا تصبح المسألة أدق..
فـ((الذي ينفتح للمتلقي قد يكون من أصل الفكرة نفسها.. لكن الذي ظهر له منها مرتبط أيضًا بموضعه منها وبما يحمله من خبرة وبقدر ما أصبح قادرًا على كشفه واستقباله)).
ولهذا قد يتعدد الفهم من غير أن تتعدد الحقيقة نفسها.
وهنا تصبح الأمانة أكثر دقة..
فالمطلوب ليس أن نجمّد ما وصل إلينا حتى لا يتغير.. ولا أن نتركه يتحرك حتى تضيع نسبته.. وإنما أن ((نبقي الحدود واضحة بين ما قاله صاحب الفكرة وما فهمناه من كلامه، وما ربطناه بغيره وما فتحه لنا استشرافًا من غير أن يكون قد قاله)).
[[فكلما اتسعت مساحة الفهم ازدادت حاجتنا إلى هذا التمييز..]]
لأن الخلط يبدأ حين يُنسب إلى صاحب الفكرة ما لم يقله.. أو حين يُنسى الطريق الذي أوصلنا إليه ويُتعامل مع ما وصلنا إليه كأنه بدأ من عندنا.
ولهذا يكتسب تأكيد د. هاشم على إنصاف العلماء وأصحاب المعرفة معنى يتجاوز التوثيق..
فـ((نسبة الفكرة إلى صاحبها ليست مجرد إجراء أكاديمي.. وإنما حفظ للطريق الذي عبرت منه إلينا)).
وربما يقترب هذا الإنصاف من الاستحقاق نفسه.. فالذي لا يُحسن حمل فضل من سبقه.. قد لا يكون قد تهيأ بعد لحمل ما هو أبعد..!
ومن هذا الباب يقترب معنى التقمص المعرفي الذي يطرحه د. هاشم.
فحين يتحدث عن "لبس قميص" عالم أو مفكر.. لا يقصد أن يذوب الإنسان فيه أو يتخلى عن موضعه وإنما (( أن يقترب من المسألة كما رآها صاحبها.. وأن يدخل منطقه بما يكفي لفهمه قبل أن يحكم عليه)).
وهذا يختلف عن التماهي الذي تضيع معه المسافة.
فالتقمص يسمح للقارئ أن يقترب من الآخر حتى يفهمه.. ثم يعود إلى موضعه محتفظًا بالقدرة على التمييز بين ما للآخر وما له.
((فالبقاء خارجه تمامًا قد يحجب عنا شيئًا من منطقه.. والذوبان فيه قد يحجب عنا الحدود بين صوته وصوتنا)).
ومع حضور عالم الأمر وعالم الخلق في فلسفة التشخيص والتجريد.. ومع ربط د. هاشم بين (التنزيل) و(فك التشفير) وبين (الفطرة) و(العلم المشفّر).. تبدو المعرفة أبعد من أن تكون مضمونًا ينتقل من شخص إلى آخر.
فالذي يعبر بين الناس يمكن نقله فعلًا.. كلمة.. مصطلح.. شرح.. تجربة.. أو طريق سبق أن سلكه آخر..
أما المعرفة نفسها فلا تبدو شيئًا يُسلَّم مكتملًا....
وإذا مددنا هذا الخيط إلى العلاقة بين عالم الأمر وعالم الخلق، من غير أن ننسب هذا الربط إلى د. هاشم ما لم يصرّح به أمكن أن نقترب من احتمال أعمق فما لم يتعيّن بعد لا يظهر في عالم الخلق إلا حين يأخذ الصورة التي تناسب مقام ظهوره.. وقد تكون المعرفة أيضًا محتاجة إلى عبور من هذا النوع يصل منها ما يدل عليها ويفتح طريقها.. ثم يبدأ في المتلقي فعل آخر.. تُفك فيه الشفرة بقدر ما تهيأت فيه شروط الكشف..!
وبهذا قد نكون أمام مستويين مختلفين اعتدنا أن نجمعهما تحت اسم واحد
(نقلٌ لما يدل على المعرفة)..
و(انكشافٌ للمعرفة نفسها)..
وهذا الفارق يفسر لماذا يمكن للكلمات أن تصل كاملة ولا يصل معناها بعد.. ولماذا قد تبقى العبارة معنا زمنًا طويلًا ثم تنفتح فجأة من الداخل...
وعند هذا الحد يتضح الفرق الذي ظل خفيًا وراء عبارة "نقل المعرفة"...
فـ((نحن ننقل ما أمكن نقله من آثار المعرفة ومفاتيحها.. أما المعرفة نفسها فقد لا تُنقل بقدر ما يُعاد فكّ شفرتها....)).
غيابت الجب
حوار مع الدكتور هاشم
أنا: دكتور… بقيت عالقة عند كلمة واحدة:
﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾.
لا أعرف لماذا أخذتني ﴿غَيَابَتِ﴾ أكثر من الجب.
الدكتور هاشم: ماذا رأيتِ فيها؟
أنا: الجب مكان، ويمكن للعين أن تتخيله: عمق، جدران، قاع. أما الغيابت فبدت لي شيئًا آخر؛ يوسف موجود، لكن صورته خرجت من مجال الرؤية.
كأن الغياب هنا ليس في يوسف، بل في العلاقة بين يوسف ومن لم يعد قادرًا على رؤيته.
الدكتور هاشم: أنتِ تنظرين إلى الغيابت من خارج الجب.
أنا: من جهة إخوته؟
الدكتور هاشم: نعم. هم غُيّب عنهم يوسف. لكن ماذا حدث ليوسف نفسه حين صار في الغيابت؟
أنا: انقطع عنهم.
الدكتور هاشم: بل انقطع قسرًا عن الخارج كله تقريبًا. في قاع الجب، ماذا بقي من التشخيص؟ مجال البصر ضاق، والسمع محدود، والحركة محصورة، والحواس لا تعمل إلا في أدنى حدودها.
يوسف دُفع من الخارج إلى الداخل.
أنا: إذن… ﴿غَيَابَتِ﴾ لا تصف فقط اختفاءه عن أعينهم، بل تصف أيضًا انحسار العالم المشخَّص عنه؟
الدكتور هاشم: هنا تبدأ الكلمة تفتح معناها.
غيابت… تغييب عن التشخيص ليتجلى التجريد.
أنا: انتظر يا دكتور…
إذا قرأتها هكذا، فالجملة التي بعدها تصبح مختلفة تمامًا:
﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾.
كأن الآية لا تترك فراغًا بين انحسار التشخيص وفتح جهة أخرى من التلقي.
الدكتور هاشم: بالضبط.
أنا: وهذا يعيدني إلى التاء المفتوحة في ﴿غَيَابَتِ﴾.
كنت أقرأ فيها دلالة التوليد؛ لم أشعر أن الغيابت إغلاق، بل طور يحمل في كمونه حركة ستظهر لاحقًا.
لكنني الآن أراها بصورة أدق: ما تحمله الغيابت يبدأ ظهوره أولًا في مستوى لا تملكه الحواس.
الدكتور هاشم: ولهذا لا تتوقفي عند ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾. اقرئي ما بعدها.
أنا:
﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
الدكتور هاشم: ما النبأ؟
أنا: خبر؟
الدكتور هاشم: أبعد.
النبأ يتعلق بالغيب.
أنا: إذن ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ تحمل بشارة أكبر من مجرد الخروج من الجب.
الدكتور هاشم: بل بشارة نبوة تأتيه وهو أحوج ما يكون إليها. هم ألقوه في الغيابت، وفي الغيابت نفسها جاءه الوحي يخبره بمقام سيبلغه.
أنا: هنا ينقلب المشهد كله…
هم عند الجب يظنون أنهم أنهوا حضور يوسف، وفي غيابته يُخاطَب هو بما يحمله مساره.
والآن أصبحت ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ عندي أخطر.
الدكتور هاشم: لماذا؟
أنا: لأنهم ليسوا جاهلين بما فعلوا. هم يعرفون أنهم ألقوه.
الذي لا يشعرون به هو ما يجري وراء حدود فعلهم.
يرون التشخيص الذي صنعوه: يوسف في الجب.
لكنهم لا يشعرون بما فُتح له في التجريد:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾.
الدكتور هاشم: تابعي النبأ في السورة.
أنا: تقصد أن ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ لا تنتهي هنا؟
الدكتور هاشم: يوسف أنبأهم بمستويين.
هنا مستوى تجريدي عبر الوحي، وهم لا يشعرون.
ثم سيأتي مستوى تشخيصي.
أنا: وأين يتعين؟
الدكتور هاشم:
﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾.
أنا: لحظة…
إذن ما جاء في الجب نبأً عبر الوحي، يعبر المسار حتى يأخذ صورة يسمعونها في عالم التشخيص:
﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾.
لكن… لماذا السرقة تحديدًا؟
الدكتور هاشم: ألم يسرقوا من يوسف؟
أنا: السقاية وُجدت في رحل أخيه، لا في رحلهم.
الدكتور هاشم: أنا لا أتحدث عن السقاية.
لقد سرقوا من يوسف سني عمره، وعشرته مع أبيه، وعيشه في كنفه.
أنا: إذن عليّ أن أعود إلى البداية:
﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾.
أخذوا يوسف من أبيه ليخلو لهم وجهه.
وكأن السرقة سبقت السقاية بزمن طويل، ثم جاء آخر المسار بصورة تعيد الكلمة إلى أصلها الأول.
الدكتور هاشم: والآن اقرئي ما قاله يوسف بعد أن رأى المسار كاملًا.
أنا:
﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
الدكتور هاشم: هنا المفتاح.
ما أرادوا أن يسرقوه منه سُرق منهم، وما كان تغييبًا له عن أبيه كان تقريبًا له من ربه، وما كان تقليلًا من شأنه أصبح رفعًا له، وما كان باطلًا أصبح حقًا.
أنا: الآن فهمت لماذا بقيت عبارتك معي:
«كمون لطف الله في مسارات حياتنا حتى وإن لم ندرك ذلك».
فاللطف لم يكن ينتظر يوسف في آخر الطريق؛ كان كامنًا في صلات الطريق منذ ﴿غَيَابَتِ﴾.
الدكتور هاشم: وكيف ترين التاء الآن؟
أنا: أراها أعمق.
كنت أقول إن التاء المفتوحة تحمل عندي دلالة التوليد.
والآن أرى التوليد حركةً لما يحمله المسار في كمونه من مستوى إلى آخر.
في الجب انحسر التشخيص، فانفتح التجريد.
وفي التجريد جاء:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾.
وفي الوحي جاء النبأ:
﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾.
ثم عبر النبأ الزمن حتى أخذ صورته في التشخيص.
الدكتور هاشم: واللطف؟
أنا: كان أسبق من قدرتهم على الشعور به.
وهنا، يا دكتور، أفهم أيضًا شيئًا عن فضل هذه الفلسفة علينا.
الدكتور هاشم: ما هو؟
أنا: أنها لم تعلّمنا أن نضع المصطلحات فوق القرآن، بل أن ندقق.
أن كلمة مثل ﴿غَيَابَتِ﴾ لا نعبرها سريعًا، وأن ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ قد تفتح لنا ما بعدها، وأن ﴿لَسَارِقُونَ﴾ قد تعيدنا إلى ما قبلها.
وأظن أن هذا هو فضل المعلّم الأعمق أيضًا:
ألا يعطينا ما نراه…
بل أن يدرّب فينا العين التي تعرف أين تتوقف.
الدكتور هاشم: والآن، ما غيابت الجب عندك؟
أنا: لم تعد حفرة غاب فيها يوسف.
أراها حدًّا دقيقًا انحسر عنده التشخيص حتى اتسع التجريد.
حين ظنوا أن يوسف صار أبعد ما يكون، جاء:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾.
وحين ظنوا أن ما فعلوه قد حسم مساره، جاء:
﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾.
وما لم يكونوا يشعرون به في الغيابت، احتاج المسار كله حتى يُقرأ باسمه:
﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾.
الدكتور هاشم: الآن وصلتِ.
أنا: لا يا دكتور…
الآن فقط عرفتُ من أين أبدأ.
في تعاملنا كطلاب مع فلسفة لها لغتها ومصطلحاتها نجد أنفسنا أمام مساحة شديدة الدقة والحساسية.. فنحن لا نتعامل مع ألفاظ منفصلة وإنما مع مفردات اكتسبت دلالتها من مواقعها وصلاتها داخل المنهج..
واللغة هنا قد تحفظ الفكرة كما قد تحركها عن موضعها من حيث لا نشعر.. لذلك كلما اتسعت مساحة الطالب في القراءة والكتابة وتطوير الفهم ازدادت حاجته إلى معرفة البنية التي يتحرك داخلها.. حتى تبقى قراءته وكتابته امتدادًا واعيًا للمعرفة من غير أن تختلط بأصلها..
وفلسفة التشخيص والتجريد تكشف هذه الحساسية بوضوح.. فمصطلحاتها لا تُفهم منفردة عن البناء الذي تعمل فيه.. ولا يكفي قرب لفظ من آخر حتى يقوم مقامه ما لم يؤد الوظيفة نفسها ويحفظ الصلات التي يحملها المصطلح في موضعه..
وتزداد هذه المساحة حساسية حين ينتقل الطالب من التلقي إلى إعادة صياغة ما فهمه..
فالمعنى في وعي صاحبه لا يكون جملة فقط وإنما تجربة وسياقًا وروابط لم تأخذ كلها صورة لغوية بعد.. وعندما يُصاغ في اللغة يأخذ صورة يمكن أن تنتقل إلى غيره.. ثم تدخل هذه الصياغة وعيًا آخر فتلتقي بما لديه من معرفة وتجربة وأدوات..
لذلك لا يكون التلقي محايدًا تمامًا.. فقد يتغير المثال أو ترتيب الشرح أو زاوية العرض من غير أن تضيع الفكرة.. وقد تبقى العبارة نفسها ويختل معناها حين تُنقل إلى سياق لا تنتمي إليه..
ومن هنا تصبح الأمانة أكثر تطلبًا من مجرد حفظ المصطلحات.. فهي تحتاج إلى التمييز بين ما ينتمي إلى المنهج وما استقر في فهم الطالب وما بدأ يتولد من هذا الفهم..
ولا يعني ذلك أن جميع المصطلحات تحتمل الدرجة نفسها من الحركة.. فبعضها مختار بدقة من داخل المنهج حتى إن تغييره بلفظ قريب قد يغيّر جهة المعنى أو يقطع صلة من صلاته.. وحينها تتسع مساحة الطالب في الفهم والشرح أكثر مما تتسع في تبديل المصطلح نفسه..
ومع الوقت قد لا يبقى الطالب ناقلًا فقط.. فما يتلقاه يمر عبر فهمه وما يكتبه قد يتجاوز حدود ما تلقاه حرفيًا..
وهنا تظهر أهمية النسبة..
فالخلل لا يكون في أن يتولد لدينا فهم أو امتداد جديد.. وإنما في أن نقدمه كجزء من الأصل أو ننسب إلى صاحب الفكر ما نشأ في قراءتنا نحن..
وقد يأتي هذا الخلط من زيادة في الفهم لا من نقصه فقط.. حين نرى في الفكرة إمكانًا جديدًا ثم نعيده إليها بدل أن نحمله كقراءة خرجت من تفاعلنا معها..
فالقراءة تحمل أثر القارئ معها.. وما يتولد منها يستطيع أن يحمل قيمته من غير أن يحتاج إلى العودة باسم الأصل..
ومن هذه النقطة يصبح انتقال الفكرة بين القراءات مساحة إنتاج أيضًا.. فقد يكشف الشرح جهة لم ننتبه إليها.. وقد تفتح مداخلة أو اعتراض علاقة جديدة.. وقد يعيد فهم لاحق وصل ما افترق في قراءة سابقة..
وهنا تقترب منا دلالة أن تكون المعرفة تفاعلية تشاركية تكاملية تصاعدية سلّمية.. فالفكرة تواصل حركتها بين أكثر من وعي من غير أن يعني ذلك ذوبان أصلها في كل ما يتولد حولها..
وهكذا تعود اللغة إلى صميم المسألة من جهة أخرى..
فالكلمة التي نختارها قد توسّع جهة في المعنى أو تضيّقها.. والمثال الذي يقرّب فكرة قد يربطها بصورة أضيق منها.. وحتى الاختصار الذي يبدو أمينًا قد يكون أكثر حساسية مما نظن.. لأنه قد يُبقي العبارة ويُسقط علاقة كانت جزءًا من بنائها..
وعليه تصبح اللغة جزءًا من حركة التشخيص والتجريد.. ففيها يأخذ المعنى صورة يمكن أن تنتقل من وعي إلى آخر من غير أن تختصره تلك الصورة كله..
وربما تنضج علاقتنا بالمصطلح حين نألف هذه الموازنة..
فنحن كطلاب مؤتمنون على المصطلح بقدر ما نحن مسؤولون عن فهمه.. ننتبه إلى موقعه وصلاته ونحفظ نسبته داخل البناء.. ثم نمنح قراءتنا مساحة للحركة والإضافة من غير أن نحمّله ما لم يقله أو ننسب إليه ما تولّد في وعينا نحن..وعندها يصبح الانتقال من التلقي إلى القراءة ثم إلى الإضافة جزءًا من أمانة المعرفة نفسها.. إذ يبقى واضحًا في وعينا ما الذي جاءنا في الأصل وما الذي نشأ خلال قراءتنا له.
لا توجد تعليقات بعد.
ما وراء القميص
كان للتفاعل الجميل الذي حظي به مقال القميص أثرٌ آخر فيّ؛ فقد شجّعني أن أعود إليه، لا لأضيف إلى ما قلته عنه، بل لأزيحه قليلًا عن موضعه… وأرى ما كان يقف وراءه.
وحين أزحته، وجدت أن السؤال لم يعد عن القميص وحده.
﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾.
توقفت هذه المرة عند الآية طويلًا. كان القميص لم يظهر بعد، والدم لم يوضع عليه بعد، ويوسف ما زال أمام أبيه… ومع ذلك كان شيء من القادم قد دخل إلى المشهد.
قال يعقوب:
﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾.
ثم مضى يوسف، وعاد إخوته يقولون:
﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾.
هنا بدأ السؤال.
فالذئب الذي خافه يعقوب لم يأكل يوسف، ومع ذلك يصعب أن نقول ببساطة إن شيئًا مما حمله ذلك الخوف لم يقع. لم يتحقق الذئب، لكن الفقد تحقق؛ خرج يوسف من المجال الذي كان فيه، وغابت صورته عن أبيه، ودخل مسارًا لم يعد يعقوب يرى منه شيئًا.
وقع شيء مما حمله الخوف… لكن خارج الصورة التي تشخّص بها.
والأغرب أن الذئب، بعد أن غاب عن الحدث، عاد في الرواية. أخذ الإخوة الصورة التي سبق أن نطق بها أبوهم وأعادوها إليه كأنها حقيقة وقعت، ثم لم يتركوا الرواية معلقة في الكلام:
﴿وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾.
هنا صار لما خرج أولًا في صورة خوف بناءٌ كامل في الخارج: ذئب في الرواية، وقميص ودم في المشهد. بل إن الصورة التي عادوا بها كانت قابلة للتصديق من جهة شديدة الدقة؛ فقد وافقت خوفًا سبق أن خرج من يعقوب نفسه.
ومع ذلك قال:
﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾.
وهنا يتغير موضع النظر.
فالقميص ليس وهمًا، والدم ليس عدمًا، لكن وجودهما لا يكفي لإثبات المعنى الذي أُريد لهما أن يحملاه. المشخَّص حاضر، لكن حضوره لا يكفي لإثبات الدلالة التي أُلبست له.
ولعل أخطر ما يمكن أن تفعله الصورة ليس أن تكون كاذبة في ذاتها، بل أن تأتي موافقة لصورة جاهزة فينا، فنمنحها من الحقيقة أكثر مما تستطيع أن تثبته.
لكن ما كان احتمالًا صار بعد ذلك فقدًا ممتدًا، وهنا بدأ الحزن يأخذ مكانه في المسار.
واللافت أنه كان حاضرًا منذ العبارة الأولى:
﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾.
غير أنه لم يبق عند لحظة الرحيل؛ امتد مع الغياب حتى صار لما في الداخل أثر ظاهر:
﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾.
بدت لي الحركة هنا معاكسة لحركة الخوف: الخوف تعلق بما لم يقع بعد في صورة، أما الحزن فحمل أثر ما وقع حتى ظهر في الجسد.
ومع ذلك، فإن يعقوب الذي قال عند الفقد:
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾
هو نفسه الذي ابيضت عيناه من الحزن.
إذن لم يكن الصبر غياب الحزن.
وهذه المسافة بالذات بدت لي مهمة في ضوء فلسفة التشخيص والتجريد؛ لأن التجريد إن كان يعني مغادرة ألم التشخيص وإنكاره، فقد صار هروبًا منه لا عبورًا خلاله. يعقوب لم ينكر الفقد، ولم يتعالَ على أثره، بل سمّاه صراحة:
﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾.
ثم جاءت في الآية نفسها:
﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
الحزن والعلم اجتمعا في النفس نفسها.
وهنا بدا الصبر لي في موضع آخر: ليس حارسًا يمنع الحزن من الدخول، بل ما يمنع الحزن من أن يتحول إلى حكم على ما لم يظهر بعد.
ولهذا لم يقل يعقوب لأبنائه: انتظروا.
قال:
﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾.
هنا ظهر الفرق بين الحزن واليأس.
الحزن يحمل أثر ما وقع، أما اليأس فيأخذ ما وقع ويغلق به ما لم يقع بعد.
يوسف غائب؛ هذه حقيقة المرحلة. لكن أن يصبح غيابه الآن حكمًا على استحالة عودته، فذلك شيء لم تقله المرحلة نفسها.
وربما لهذا جاء:
﴿فَتَحَسَّسُوا﴾.
لا تغادروا الواقع، بل عودوا إليه. ابحثوا فيه عما لم يظهر لكم بعد.
وهنا يصبح التجريد أبعد ما يكون عن الهروب من التشخيص؛ إنه يمنع الصورة الحاضرة من أن تدّعي أنها استنفدت كل الممكن، ثم يعيد الإنسان إلى الواقع نفسه ليقرأه من جديد.
وبعد ذلك بقليل يقول يعقوب:
﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾.
وهنا أعادني النص، من حيث لم أكن أقصد، إلى القميص الذي بدأت منه.
في أول الرحلة وصل إلى يعقوب قميص قبل الحقيقة: مشخَّص حاضر حُمّل دلالة لم تقع.
وفي آخرها وصلت إليه ريح قبل القميص: أثر لحقيقة لم تكتمل صورتها أمامه بعد.
في البداية كان شيء يُرى ويُلمس، لكنه لا يقول الحقيقة التي أُلصقت به.
وفي النهاية كانت حقيقة تقترب قبل أن تراها العين.
عندها اتسع السؤال مرة أخرى.
فليس كل ما تشخّص أمامنا قد كشف لنا حقيقته كاملة، كما أن ما لم يتشخّص أمامنا بعد لا يلزم أن يكون عدمًا.
وهنا أعادتني السورة إلى بدايتها.
قبل الذئب والقميص والجب كانت هناك صورة أخرى:
﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾.
كانت الرؤيا صورة تحمل حقيقة، لكنها لم تكن بعدُ الصورة التي سيتشخّص بها تحققها. وبين الرؤيا وتأويلها مر يوسف بمحطات كان كل واحد منها حقيقيًا في لحظته: الجب، والرق، والاتهام، والسجن.
لم يكن شيء منها وهمًا ينبغي إنكاره باسم حقيقة أعلى، لكن أيًّا منها لم يكن يملك وحده حق تعريف المسار كله.
وهنا يظهر فرق آخر أكثر دقة: ليست المشكلة دائمًا في تشخيص كاذب؛ فقد يكون التشخيص صحيحًا تمامًا، ويبدأ الخطأ عندما نأخذ حقيقة المرحلة ونمنحها مقام حقيقة المسار.
يوسف كان سجينًا فعلًا.
لكن السجن كان حقيقة مرحلته، لا حقيقة مساره.
ولهذا يصبح التأويل أوسع من مجرد فك صورة الرؤيا؛ إنه يعيد الصورة إلى موضعها داخل حركة أكبر، فلا يلغي ما وقع، ولا يسمح لما وقع أن يحتكر معنى الطريق كله.
حتى وصل يوسف إلى الموضع الذي استطاع منه أن يقول:
﴿يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾.
لم يُمحَ الجب حين تحققت الرؤيا، ولم يصبح السجن غير واقع، ولم يُلغَ الحزن الذي بلغ عيني يعقوب. كل ذلك بقي حقيقيًا في موضعه، لكن اكتمال المسار أعاد لكل محطة قدرها؛ فلا واحدة منها استطاعت بعد ذلك أن تقول: أنا الطريق كله.
ولذلك استوقفتني عبارة يوسف بعدها:
﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ... إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾.
لطيف.
بعد الجب، والدم، والفقد، والسجن، والحزن، تأتي هذه الكلمة.
ولعل اللطف لا يحتاج أن يكون ظاهرًا في صورة كل محطة حتى يكون جاريًا في المسار. فالجب لم يكن مطالبًا بأن يبدو عرشًا، والسجن لم يكن مطالبًا بأن يشبه الخروج منه، والحزن لم يكن مطالبًا بأن يحمل صورة اللقاء قبل أن يقع.
ربما كانت المشكلة في استعجال الصورة النهائية من داخل صورة لم تنته حركتها بعد.
وهنا فقط فهمت ما الذي كان يقف وراء القميص حين أزحته قليلًا عن موضعه.
خوفٌ لم تقع صورته، ودمٌ تشخّص ولم يقل الحقيقة، وحزنٌ بلغ العينين ولم يتحول إلى يأس، وريحٌ أعلنت اقتراب يوسف قبل أن تراه العين، ورؤيا ظل بينها وبين تحققها مسارٌ كامل من الصور والتحولات، حتى قال يوسف:
﴿هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾.
ولعل فلسفة التشخيص والتجريد لا تدعونا إلى مغادرة الصورة، ولا إلى الشك في كل ما يظهر، وإنما إلى أن نمنح كل صورة قدرها من الحقيقة، لا أكثر.
فقد تكون الصورة حاضرة ودلالتها كاذبة، كما كان الدم.
وقد تكون صادقة في مرحلتها، كما كان السجن.
وقد تحمل حقيقة لم يحن بعد شكل ظهورها، كما حملت الرؤيا.
وبين ذلك كله يبقى اللطف أوسع من استعجالنا للصورة النهائية؛ يعمل في مسار لا تستطيع محطة واحدة أن تختصره.
فليست كل حقيقة غائبة لأنها لم تتشخّص بعد، وليست كل صورة نهايةً لمجرد أنها الآن كل ما نراه.
كتبتُ هذه القصيدة بأسلوب العارفين القدامى، لتمزج بين أسرار الفتق والرتق، وهندسة الوعي، ورحلة النور نحو أصلها
من فتق النور المتناثر إلى رتق النور المكثف
يَا طَالِبَ النُّورِ مِنْ مِشْكَاةِ حِكْمَتِهِ
تأمَّلِ السِّرَّ إِذْ أَبْدَتْ عَجَائِبُهُ
بَدَأَ الوُجُودُ بِفَتْقٍ شُقَّ بَاطِنَهُ
كَكَنْزٍ خَفِيٍّ بِهِ الأَسْرَارُ طَاوِيَةُ
ثُمَّ انْثَنَى الفَتْقُ فِي الأَكْوَانِ مُتَّسِقاً
فَبَانَ فِي الخَلْقِ أَعْيَانٌ وَسِمَاتُ
صَارَ الكَثِيرُ كَثِيراً بَعْدَ وَحْدَتِهِ
وَتَفَرَّقَتْ فِي أَدِيمِ المَدَى ذَرَّاتُ
فَالْخَلْقُ ظِلٌّ لِمَعْنَاهُ فِي حَقِيقَتِهِ
تَبْدُو دَرَارِيُّهُ فِي عَيْنِ بَاصِرَةِ
فَاسْلُكْ طَرِيقَ التَّجَلِّي فِي مَبَادِئِهِ
بِعَزْمِ هَنْدَسَةٍ تَبْنِي مَعَالِمَهُ
فَارْتَقِ رَتْقاً إِلَى الأَصْلِ الَّذِي وُجِدَا
فَإِذَا ارْتَدَدْتَ إِلَى الحَقِيقَةِ وَاصِلا
وَرَجِعْتَ لِلْأَصْلِ الْقَدِيمِ مُطَهَّرَا
شَهِدْتَ العَوَالِمَ كُلَّهَا فِي وَحْدَةٍ
وَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنُ اليَقِينِ تَسَطُّرَا
فَالْقَلْبُ صَارَ مَنَارَةً لِعُلُومِهِمْ
وَالسِّرُّ بَانَ بَعْدَ الكَشْفِ مُصَوَّرَا
فَتَنْتَزِعُ الحُجْبَ عَنْ عَيْنٍ مُغَفَّلَةٍ
لِتُبْصِرَ مَا خَفْيَ البَاطِنِ الذي اسْتَتَرَا
تُهَنْدِسُ وعيَ النَّفْسِ مِنْ حَيْثُ جَاءَتْهُ
لِتَسْتَرِدَّ المَعْنَى بَعْدَ الصُّوَرِ
فَتَنْزِعُ أَسْبَابَ الكَثَافَةِ عَنْ بَصَرٍ
لِتُبْصِرَ سِرَّ الغَيْبِ مُنْكَشِفَا
فَذَاكَ الآنُ يُمْسِكُ كُلَّ أَمْرٍ
بِتَحْدِيثٍ يَهُزُّ العَالَمِينَا
سَقَيْنَا مِنْ عُطُونِ الأَرْبَابِ حَتَّى
لِنَشْهَدَ رَبَّ أَرْبَابِ اليَقِينَا
وَنَسْبِقُ فِي طَرَائِقِ كُلِّ قِدْمٍ
بِقِلَّةِ آخِرٍ بَلَغُوا المَعِينَا
فَيَسْتَقِرُّ النَّظْمُ فِي الأَصْلِ رَتْقاً
وَيَرْجِعُ كُلُّ حَيٍّ إِلَى حِينَا
من أثر الظهور إلى قانون الرجوع في المسافة بين التشخيص والتجريد
ربما بدأ هذا التأمل من أثرٍ تركه بث د. هاشم الاخير حول الهندسة العكسية أكثر مما بدأ من محاولة البحث عن إجابة.
فالهندسة العكسية، كما استوقفتني في سياق فلسفة التشخيص والتجريد، لا تعني أن نعيد الشيء إلى الوراء، ولا أن نعكس الزمن، وإنما أن نعكس اتجاه النظر: أن نبدأ مما ظهر، ثم نتتبع أثره، لنحاول أن نرى البنية التي جعلت هذا الظهور ممكنًا.
ومن هنا عادت إليّ أسئلة د. علا في خواتيم مقالتيها الاخيرتين "الهندسة العكسية من الفتق إلى الرتق في فلسفة التشخيص والتجريد" و " بين العدم والكمون في المطلق في فلسفة التشخيص والتجريد"
تلك الأسئلة التي لا تبدو وكأنها تغلق ما سبق، بل تترك الباب مفتوحًا لما بعده.
فإذا كان العدم ليس نقيضًا مطلقًا للوجود، وإذا كان الكمون ليس غيابًا للشيء، وإذا كان الفتق والرتق والهندسة العكسية تكشف إمكان الانتقال بين مستويات الظهور والانتظام، فالسؤال الذي بقي معي لم يكن: أين كان الشيء قبل أن يظهر؟
بل:
ماذا يترك الظهور وراءه؟
وإذا كان الظاهر أثرًا لقانون، فهل يستطيع الوعي أن يقرأ الأثر حتى يصل إلى القانون؟
وهنا تبدأ المسافة التي أراها بين التشخيص والتجريد.
تستوقفني في هذا السياق الاية :
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾
الأنبياء: 30
الحركة التي تفتحها أمام التأمل: رتقٌ وفتق، انفتاحٌ من حالة إلى حالة، وظهورٌ يجعل ما لم يكن مقروءًا قابلًا لأن يُرى ويُتأمل.
ومن هنا أفكر في الفتق لا بوصفه مجرد انفصال، بل بوصفه إمكانًا للظهور.
فالشيء الذي يتشخص ليس بالضرورة شيئًا بدأ وجوده لحظة تشخصه. قد يكون الظهور انتقالًا من مستوى إلى مستوى، من الكمون إلى التشخيص، ومن غير المقروء إلى ما يترك أثرًا يمكن قراءته.
وهنا يصبح الظهور بداية السؤال، لا نهايته.
فالفتق يفتح إمكان الظهور، والظهور يترك الأثر.
لكن الأثر لا يتكلم عن نفسه.
الصورة التي تظهر لا تحمل صورتها فقط؛ إنها تحمل آثار الطريقة التي انتظمت بها. والحدث لا يكتفي بأن يقع؛ بل يترك في وقوعه ما يمكن أن يدل على بنيته.
وهنا أجد أن التشخيص ليس مجرد صورة، كما أن التجريد ليس مجرد فكرة تتجاوز الصورة.
التشخيص هو مستوى يتعين فيه الأثر.
أما التجريد فهو حركة قراءة تتجاوز تعين الأثر، لا لإلغائه، بل لاستخراج ما ينتظم وراءه.
ومن هنا تأتي الهندسة العكسية.
في الحركة الأولى:
كمون ← فتق ← ظهور ← تشخيص
وفي الحركة العكسية:
تشخيص ← أثر ← قراءة ← تجريد ← قانون
وهذا ليس رجوعًا في الزمن، بل انقلابًا في اتجاه القراءة.
وتستوقفني هنا الآية:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ آل عمران: 190-191
فالخلق هنا يمكن أن يكون آية؛ أي إن الظاهر ليس بالضرورة مكتفيًا بذاته. قد يصبح الظاهر مدخلًا إلى قراءة تتجاوزه.
ومن ثم فالهندسة العكسية، في هذا التأمل، ليست هدمًا للتشخيص كي نصل إلى التجريد؛ بل هي قراءة التشخيص حتى يكشف ما يتجاوزه.
ما يظهر لا يُلغى.
وما يتشخص لا يُنكر.
بل يُقرأ.
ومن هنا تصبح الدقة في المصطلح ضرورية.
الأثر ليس القانون.
والقانون ليس الناموس.
والناموس ليس مجرد تفسير ذهني للصورة.
فربما يكون الأثر هو ما يتركه الظهور في مجال التشخيص، والقانون هو ما يمكن استخراجه من انتظام الآثار وعلاقاتها، أما الناموس فيفتح السؤال على مستوى أعمق: ليس فقط كيف ينتظم الظاهر؟ بل ما النظام الذي يجعل هذا الانتظام ممكنًا؟
لذلك لا أرى المسار مجرد:
صورة ← قانون
بل:
ظهور ← أثر ← تشخيص ← قراءة ← تجريد ← قانون ← ناموس.
كل انتقال هنا يغيّر موضع النظر.
وفي هذا المعنى تستوقفني الآية:
﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾
الأحزاب: 62
لا لأجعل «السنة» مرادفة للناموس، وإنما لأنها تفتح في التأمل سؤال الانتظام والسنن، وتدعونا إلى التمييز بين الصورة التي نراها وبين ما يمكن أن نستدل عليه من انتظامها.
لكن هنا يظهر السؤال الأصعب:
إذا وصل الوعي إلى القانون، فهل يكون قد وصل؟
ربما لا !!!
لأن استخراج القانون قد يكون نهاية مرحلة من القراءة، لا نهاية القراءة نفسها.
فالوعي الذي يستخرج قانونًا من مجموعة من الآثار قد يجعل القانون نفسه تشخيصًا جديدًا إذا اعتقد أنه امتلك النهاية.
وهنا يمكن أن يقع التجريد في الفخ الذي وقع فيه التشخيص.
فكما يمكن للصورة أن تتحول إلى نهاية مغلقة، يمكن للمفهوم أيضًا أن يتحول إلى صورة ذهنية مغلقة.
وهنا يبدأ الرجوع.
ليس الرجوع إلى الصورة بعد مغادرتها، ولا العودة إلى نقطة البداية، وإنما إعادة فتح ما ظُن أنه قد أُغلق.
لذلك لا أرى الرجوع مرحلة أخيرة في خط مستقيم.
بل أراه قانونًا يعيد تشغيل المسار.
كلما ظن الوعي أنه بلغ الأصل، كشف له ما بلغه عن مستوى أعمق لم يكن قد رآه.
وكلما استخرج قانونًا من أثر، أصبح القانون نفسه أثرًا بالنسبة إلى قراءة أوسع.
وكلما تجرد من تشخيص، ظهر له أن التجريد الذي بلغه يمكن أن يتحول بدوره إلى تشخيص إذا توقف عنده.
وهكذا لا يكون التشخيص والتجريد ضدين، بل حركتين متعاقبتين في الوعي:
التشخيص يُظهر.
والتجريد يكشف.
ثم يصبح ما كُشف مدخلًا إلى تشخيص أعمق، فيبدأ التجريد من جديد.
وهنا تستوقفني الآية:
﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾
[الذاريات: 20-21]
فالآيات ليست مجرد معلومات عن الخارج؛ إنها دعوة إلى أن يصبح الظاهر نفسه موضع نظر، وأن يصبح ما نراه في العالم وفي أنفسنا مدخلًا إلى طبقة أخرى من السؤال.
ومن هنا يمكن أن أفهم علاقة الفتق والرتق على نحو أكثر عمقًا.
فالفتق ليس فقط بداية الظهور، والرتق ليس فقط نهاية التعدد.
الفتق يفتح الرتق على التشخيص.
والتشخيص يترك الأثر.
والأثر يستدعي الهندسة العكسية.
والهندسة العكسية تفتح على التجريد.
والتجريد يكشف القانون.
والقانون يقود إلى سؤال الناموس.
ثم يعود الوعي إلى سؤال الرتق:
ما الوحدة التي تنتظم فيها هذه الكثرة؟
لذلك لا يكون الرتق مجرد جمع لما تفرق، بل يمكن أن يصبح كشفًا لوحدة الانتظام داخل التعدد.
والكثرة لا تُلغى حين تُرتق؛ وإنما يُكشف النظام الذي يجعلها كثرةً منتظمة.
ومن هنا أيضًا لا يكون الرتق ضد الفتق، كما لا يكون التجريد ضد التشخيص.
إنهما حركتان متقابلتان داخل نسق واحد.
وهنا يصبح استعمال الظاهر والباطن أكثر حساسية.
فالظاهر ليس مجرد ما تراه العين، والباطن ليس مجرد ما لا تراه.
الظاهر، في هذا المسار التأملي، هو مستوى التشخص الذي يحمل الأثر؛ والباطن هو ما يحاول الوعي أن يقرأه وراء الأثر.
لكنني أتوقف هنا بحذر أمام قوله تعالى:
﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
الحديد: 3
فأستحضر أولًا قول الدكتور هاشم إن أسماء الله الحسنى هي أسماء لله تتجلّى في الوجود مقاماتٍ عليا باسمه.
فالانتقال من الظاهر إلى الباطن لا يعني مغادرة الظاهر، بل قراءة ظهوره حتى يكشف أثرًا يقود إلى ما وراءه.
ومن هنا يمكن أن تكون العبارة الأدق:
من الظاهر إلى الباطن عبر قراءة الأثر.
وهنا يتضح معنى الرجوع أكثر.
إذا كان الظهور حركة من الكمون إلى التشخيص، فإن الرجوع ليس حركة ميكانيكية من التشخيص إلى الكمون.
فالوعي لا يعيد الظاهر إلى ما كان عليه، ولا يعكس الزمن.
إنما يعكس اتجاه النظر.
ينظر إلى الأثر، فيبحث عن القانون.
ينظر إلى القانون، فيبحث عن الناموس.
ثم يكتشف أن ما ظنه نهاية القراءة كان بداية لسؤال أعمق.
ولهذا تستوقفني:
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
البقرة: 156
لا باعتبارها تعريفًا فلسفيًا لمفهوم الرجوع، وإنما باعتبارها تفتح أمام التأمل معنى الرجوع بوصفه اتجاهًا.
فالرجوع ليس نقطة توقف.
إنه اتجاه نحو الأصل دون ادعاء امتلاك الأصل.
ومن هنا يظهر الفرق الدقيق بين القانون والناموس.
قد يصبح القانون الذي يستخرجه الوعي من الظواهر معرفةً وصياغةً.
لكن الناموس يظل أوسع من الصيغة التي أدركها الوعي.
وهنا يحمي الرجوع التجريد من أن يتحول إلى يقين مغلق.
فالإنسان قد يتحرر من أسر الصورة، ثم يصنع من المفهوم الذي استخرجه من الصورة صورةً جديدة.
قد يخرج من تشخيص الشيء ليقع في تشخيص الفكرة عنه.
ولهذا تكون قيمة الرجوع في إبقاء التجريد مفتوحًا.
ولهذا ربما لا تكون الصيغة الأعمق:
التجريد يكشف القانون.
بل:
التجريد يكشف القانون، والقانون يفتح على الناموس، والناموس يعيد الوعي إلى الرجوع.
فالرجوع هو ما يمنع المعرفة من أن تتحول إلى نهاية.
ومن هنا يتحول أثر الظهور إلى شيء أبعد من كونه نتيجة للفتق.
إنه ذاكرة الظهور في التشخيص.
فالظهور يترك أثرًا.
والأثر يحمل انتظامًا.
والانتظام يكشف قانونًا.
والقانون يدل على ناموس.
والناموس لا يغلق الطريق، بل يعيد الوعي إلى سؤال الرتق.
وهكذا قد تصبح الحركة:
الفتق ← الظهور ← الأثر ← التشخيص ← الهندسة العكسية ← التجريد ← القانون ← الناموس ← الرتق ← الرجوع.
لكن الرجوع لا يعيدنا إلى البداية.
إنه يفتح ظهورًا آخر.
ثم أثرًا آخر.
ثم قراءةً أعمق.
ولهذا فإن السؤال الذي أخرج به من هذا المسار ليس:
كيف نعود من الظاهر إلى الباطن؟
بل:
ماذا يحدث للوعي بعد أن يكشف ما وراء الظاهر؟
هل يصبح ما كشفه نهاية؟
أم يتحول الكشف نفسه إلى ظاهر جديد؟
هنا يبدأ قانون الرجوع.
ليس لأن الوعي لم يصل، بل لأنه وصل إلى مستوى جعل السؤال نفسه أعمق.
فالرجوع لا يعيدنا إلى النقطة التي بدأنا منها؛ بل يعيدنا إلى السؤال نفسه من مستوى آخر.
وهذا هو الفرق بين الدائرة المغلقة والحركة المتجددة.
الدائرة المغلقة تعيدك إلى الموضع ذاته.
أما الرجوع فيعيدك إلى الأصل وقد تغيّر موضع النظر.
وتستوقفني في هذا المعنى: الاية الكريمة :
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾
الانشقاق: 6
ففيها حركةٌ إلى الله؛ لا أتعامل معها كتفسير لمفهوم الرجوع الذي أبنيه، وإنما كأفق تأملي يجعل الحركة نفسها ذات معنى، ويجعل الطريق مستمرًا ما دام الوعي يتحرك.
ومن هنا ربما يمكنني أن أرى المسار كله في حركة واحدة:
الفتق يفتح إمكان الظهور.
والظهور يترك الأثر.
والأثر يستدعي القراءة.
والهندسة العكسية تعكس اتجاه النظر.
والتجريد يستخرج البنية.
والقانون يكشف الانتظام.
والناموس يفتح على أفق أوسع من الصيغة.
والرتق يكشف وحدة الانتظام داخل الكثرة.
والرجوع يعيد فتح السؤال.
وهنا لا يعود الرجوع خاتمة الرحلة، بل يصبح ما يمنع الرحلة من أن تتحول إلى يقين مغلق.
فكل وصول يكشف عتبة.
وكل قانون يمكن أن يصبح أثرًا في قراءة أوسع.
وكل كشف يهيئ لكشف آخر.
ومن هنا، ربما، يكون أعمق ما تتركه أسئلة د. علا، وهي تتقاطع مع أثر الهندسة العكسية في بث د. هاشم، ليس جوابًا جديدًا بقدر ما هو تحويل لموضع السؤال:
من سؤال: ماذا ظهر؟
إلى سؤال: ما الذي جعل ظهوره ممكنًا؟
ثم من:
ما القانون الذي اكتشفناه؟
إلى:
ما الذي يكشفه هذا القانون عن مستوى أعمق من الانتظام؟
ثم، في النهاية، إلى السؤال الذي لا أراه نهاية:
حين نعود، من أي مستوى من الوعي نعود؟
لأن الرجوع، في أعمق صوره، ليس عودة الموجود إلى مكان بدأ منه، وإنما عودة الوعي إلى السؤال بعد أن تغيّر مستوى رؤيته.
ومن أثر الظهور يبدأ السؤال.
ومن السؤال تبدأ الهندسة العكسية.
ومن الهندسة العكسية يبدأ التجريد.
ومن التجريد يظهر القانون.
ومن القانون ينفتح الناموس.
ومن الناموس يعود السؤال إلى الرتق.
ومن الرتق يبدأ رجوع آخر.
وهكذا لا يغلق الرجوع دائرة الوجود.
بل يفتحها.
ولا ينهي السؤال.
بل يحرره من المستوى الذي ظن أنه نهايته.
فالفتق يُظهر، والتشخيص يُعيّن، والأثر يدل، والهندسة العكسية تقرأ، والتجريد يكشف، والقانون ينتظم، والناموس يفتح، والرتق يعيد الوحدة إلى التعدد، والرجوع يعيد فتح السؤال.
ومن أثر الظهور... يبدأ قانون الرجوع.
ثلاث مرات عاد القميص في قصة يوسف، وفي كل مرة كان يحمل علاقة مختلفة بالحقيقة، حتى بدا لي أن تتبع مساره وحده يكشف خيطًا خفيًا يمتد من أول القصة إلى آخرها.
في المرة الأولى جاء الإخوة إلى يعقوب يحملونه وعليه الدم:
﴿وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾.
كان المشهد مكتملًا بما يكفي لأن تقبله العين؛ قميص يوسف أمامها، والدم عليه، والخبر الذي جاء به الإخوة يربط بين الاثنين ويمنح الصورة معناها، ومع ذلك كان أهم ما في المشهد غائبًا تمامًا: ما حدث فعلًا.
فالخديعة هنا لم تُبنَ من فراغ، وإنما من أشياء موجودة جرى ترتيب العلاقة بينها بحيث أصبحت الصورة قادرة على قول ما لم يقع. وهذا ما يجعل «الدم الكذب» أعمق من مجرد دليل مزور؛ فالأثر قد يكون حاضرًا أمام العين، ومع ذلك تكون الدلالة التي أُقيمت عليه هي موضع الخلل، وكأن الحقيقة قد تُحجب أحيانًا لا بنقص الصورة، بل باكتمال صورة أُحسن تركيبها في الاتجاه الخطأ.
ثم مضت القصة من الجب إلى البيع والبيت، وعاد القميص مرة أخرى، لكن وظيفته تغيرت هذه المرة؛ فلم يأتِ به أحد ليصنع رواية عن يوسف، وإنما تمزق أثناء حركة وقعت فعلًا:
﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾.
ولم يحتج الشاهد إلى أكثر من النظر في جهة القَدّ حتى يعيد بناء ما لم يشهده:
﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
هنا لم تعد قيمة القميص فيما يظهر عليه، بل في الكيفية التي صار بها إلى حاله؛ فالشق من الخلف يحتفظ داخل بنيته بحركة انتهت قبل وصول الشاهد: يوسف يتجه إلى الباب، ويد تمتد إليه من ورائه، ومحاولة خروج تقابلها محاولة استبقاء. غابت الواقعة، لكن هندستها بقيت محفوظة في الأثر، وكأن المشخَّص يستطيع أن يحمل في صورته تاريخ تشكّله لمن يعرف كيف يقرأه.
وهذه النقلة هي التي استوقفتني؛ ففي المشهد الأول استُعمل القميص لبناء صورة عن حدث لم يقع، بينما أصبح في الثاني أثرًا يمكن الرجوع منه إلى حدث وقع فعلًا. لم تعد المسألة فيما تعرضه الصورة وحدها، بل في القدرة على النفاذ من هيئتها الظاهرة إلى الحركة التي أنشأتها، ومن الأثر المستقر إلى العلاقة التي تركته على هذه الصورة دون غيرها.
ثم غاب القميص مرة أخرى، ومضت سنوات السجن والملك والسنين والإخوة والكيل، حتى عاد للمرة الثالثة، لكن جهة الحركة انقلبت هذه المرة؛ فلم يأتِ به الإخوة من تلقاء أنفسهم، ولم تمزقه يد أخرى، بل كان يوسف هو الذي أرسله:
﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾.
استوقفتني عبارة ﴿بِقَمِيصِي هَٰذَا﴾؛ فالقميص الذي دخل القصة أول مرة محمولًا إلى يعقوب في غياب يوسف ليُصنع من خلاله خبر عنه، يعود في آخرها بأمر يوسف نفسه. وبين القميصين كان قميص آخر قد حفظ أثر حركته، فكأن العلاقة بين يوسف وصورته الخارجية اقتربت في كل مرة أكثر من مصدرها: مرة صُنعت الصورة عنه، ومرة ترك هو أثر حركته فيها، وفي الثالثة أصبح هو الذي يرسلها.
لكن قبل أن يصل القميص حدث شيء أربكني أكثر من القميص نفسه.
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ﴾.
القميص لم يصل بعد.
ومع ذلك قال يعقوب: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾.
وهنا تتغير جهة القراءة كلها؛ فقبل أن تعود الصورة إلى مجال الحس المباشر، وقبل أن يُلقى القميص على وجهه، كان هناك إدراك سابق لوصوله. لم ير يوسف، ولم يكن يوسف أمامه، ولم يكن القميص قد بلغ يديه، ومع ذلك كان شيء من الغائب قد وصل إليه بطريقة أخرى.
ثم جاء البشير:
﴿فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾.
عند هذه النقطة لم أعد أستطيع أن أقرأ القمصان الثلاثة باعتبارها تفاصيل متفرقة في قصة واحدة؛ فالمسار الذي بدأ بصورة قادرة على أن تقول للعين ما لم يحدث، مرّ بأثر احتفظ داخل بنيته بحركة غابت، ثم بلغ لحظة كان فيها إدراك يوسف سابقًا لوصول صورته، لينتهي لا بإضافة دليل جديد فحسب، وإنما بعبارة مختلفة تمامًا:
﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾.
ولعل هنا ينبغي أن نتريث قليلًا أمام اللفظ.
فالقرآن حين وصف أثر الحزن قال:
﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾.
العينان هنا في موضع الأثر المشخَّص، أما حين تحدث الاستعادة لم يقل إن العينين عادتا إلى حالهما، وإنما قال: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾.
وبين العين والبصر مساحة تستحق التأمل، كما أن بين البصر والنظر فرقًا لا يسمح لنا أن نجعلهما شيئًا واحدًا؛ فالنظر يوجّهنا إلى الشيء ويدعونا إلى تتبعه وفحصه، أما البصر فيفتح معنى القدرة التي يقع بها التبيّن. ولذلك لم يكن المطلوب في القميص الثاني أن تقع العين عليه فحسب، بل أن يُنظر في كيفية تشكله حتى يكشف ما وراء صورته.
ومن هنا تحديدًا أخذني القميص إلى فلسفة التشخيص والتجريد.
فالمشخَّص ليس حجابًا ينبغي التخلص منه للوصول إلى الحقيقة، كما أنه ليس نهاية المعرفة لمجرد أنه صار ظاهرًا؛ إنه موضع تشكّل يمكن أن تحتفظ فيه الحركة بأثرها، ولذلك لا نغادر القميص الثاني حتى نفهم الواقعة، بل ندخل في تفاصيل تشخصه أكثر، حتى يصبح الظاهر نفسه منفذًا إلى ما لم يعد ظاهرًا.
والتجريد، بهذا المعنى، لا يكون ابتعادًا عن المادة ولا قفزًا فوق الصورة، وإنما قدرة على استعادة شروط تكوّنها؛ من موضع القَدّ نستعيد اتجاه الحركة، ومن اتجاه الحركة نستعيد العلاقة، ومن العلاقة نقترب من القانون الذي جعل الأثر يتشخص بهذه الهيئة. وهكذا لا تصبح الصورة نقيضًا لما وراءها، بل طريقًا إليه متى تجاوز النظر سطحها إلى البنية التي تحملها.
وهنا أجد شيئًا من الأثر العميق الذي تركه الدكتور هاشم من خلال فلسفة التشخيص والتجريد؛ فلم يعد السؤال عندي متعلقًا بكثرة الأشياء التي يمكن أن ننظر إليها، وإنما بما يحدث لطريقة النظر نفسها حين نتعلم ألا نساوي بين حضور الصورة واكتمال الحقيقة.
ولهذا عدت إلى القميص الأول بصورة مختلفة.
كان هناك قميص، وكان هناك دم، وكانت هناك رواية تبدو قادرة على جمعهما، لكن الحقيقة كانت في مكان آخر. ثم جاء القميص الثاني ليكشف أن الأثر الذي يمكن أن يُستعمل لحجب الحقيقة يستطيع، حين تتغير طريقة قراءته، أن يصبح طريقًا إليها.
أما القميص الثالث فقد نقل المسألة إلى مقام آخر؛ لأن يعقوب لم ينتظر الصورة حتى «يجد» يوسف:
﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾.
ثم جاء القميص، ثم:
﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾.
وكأن المسافة الممتدة بين ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ و*﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾* لم تكن رحلة قميص بقدر ما كانت رحلة في مراتب التلقي؛ من صورة يمكن أن تستولي على النظر، إلى أثر يحتاج أن تُستعاد منه الحركة، إلى إدراك يسبق اكتمال الصورة، ثم إلى بصر يعود وقد اكتملت الدائرة.
ولهذا لم يعد السؤال الذي تركه القميص عندي: ماذا رأى يعقوب؟ بل ما الفرق بين أن يقع الشيء أمام العين، وأن ننظر فيه، وأن نبصر ما يحمله؟
ربما لهذا ظل القميص حاضرًا من أول القصة إلى آخرها، بينما كانت علاقته بالحقيقة تتغير في كل مرة؛ فالأشياء قد تبقى أمامنا كما هي، لكن الرحلة الأعمق لا تحدث دائمًا فيها.
أحيانًا تحدث فينا نحن...
حين يتغير البصر.
في ضوء بث البارحة، حاولت أن أجمع بعض الخيوط التي فتحها الدكتور هاشم، وأتركها تقودني قليلا أبعد مما استقر في ذهني لحظة الاستماع.
وكان أول ما عدت إليه الاية
﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾.
حين وُضع الأول والظاهر في جهة الفتق والتشخيص، والآخر والباطن في جهة الرتق والتجريد، لم تعد هذه الأسماء أمامي مجرد تقابلات بين بداية ونهاية أو ظهور وخفاء، وإنما بدت كأنها ترسم اتجاهين لحركة التكوين نفسها: اتجاها يزداد فيه (الوجود) تعيّنا حتى يبلغ التمظهر، واتجاها عكسيا تتراجع فيه الكثافة والحدود نحو التجريد والصمدية.
ومن هنا عدت إلى قوله تعالى: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾، واستوقفني أن الفتق، داخل هذا البناء، لا يفتح المسافة فحسب، بل يفتح إمكان التعيّن؛ فالشيء لا يصبح مشخَّصا إلا حين تكون له حدود تميزه، وكل حد ينشئ نسبة وعلاقة ومرتبة، حتى يدخل الموجود في شبكة القوانين والوسائط التي تحكم ظهوره في مرتبته.
لذلك بدا لي أن الهندسة الأمامية لا تدفع الموجودات نحو الظهور فقط، بل نحو مزيد من التحديد؛ فكلما ازداد التعيّن ازدادت قابلية الموجود للتشخيص، ومن هنا تلتقي في الجهة نفسها، دون أن تكون مترادفة، حركات الفتق والفطر والفلق والذرء والبث والنشر؛ ألفاظ تختلف في دلالاتها، لكنها تجعلنا أمام حركة يتسع فيها التكوين ويتمايز ويتكثر.
وهنا أثارت الفيزياء الحديثة عندي سؤالا قريبا من جهة أخرى. فنظرية الحقول الكمومية لا تجعل الصورة المألوفة للجسيم المنفرد المستوى الوحيد لوصف الواقع، بل تصف الجسيمات بوصفها إثارات لحقول كمومية، كما أن الانتقال من الوصف الكمومي إلى العالم الكلاسيكي يكشف أن الاستقرار والتعيّن اللذين نراهما في الأجسام الكبيرة لا يمكن نقلهما ببساطة إلى جميع مستويات الواقع.
>>لا أبحث هنا عن مطابقة بين الحقل والباطن أو بين الجسيم والظاهر، وإنما عن الإشارة التي يفتحها اختلاف مستويات الوصف: الأكثر تشخصا ليس بالضرورة الأعمق. فما يظهر في مرتبة ما بوصفه جسما محدد الحدود والخصائص قد يحتاج، في مرتبة أعمق، إلى لغة مختلفة لوصفه.
وهنا ازداد معنى ما طرحه الدكتور عن الكثافة وضوحا بالنسبة إليّ؛ فالتشخيص يصبح اتجاها تتراكم فيه الحدود والخصائص والعلاقات كلما تحرك التكوين نحو التمظهر، حتى يبلغ الموجود مرتبة تدخل فيها صورته ضمن قوانينها ووسائطها. وعندها تصبح «مصفوفة الأرباب» ملازمة لعالم التشخيص؛ لأن ما دخل الحد دخل القانون، وما تعيّن في مرتبة دخل في شروطها.
لكن الآية لم تقل الأول والظاهر وحدهما، بل قالت أيضًا: ﴿وَالْآخِرُ وَالْبَاطِنُ﴾. وهنا تنفتح الهندسة العكسية، لا باعتبارها محوًا لما ظهر، وإنما حركة رتق وتجريد تتراجع فيها الكثافة كلما تراجعت الحدود التي صنعت التشخص.
وعند هذه النقطة بدت لي صورة الطي شديدة الأهمية:
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾.
فالقرآن لا يقول هنا إن الامتداد يُمحى، بل إنه يُطوى، ولا يجعل المآل قطيعة مع البدء، وإنما يصله به: ﴿كَمَا بَدَأْنَا... نُعِيدُهُ﴾. والأدق أن القرآن لم يقل في هذا الموضع: «نرتقه»، وإنما قال: ﴿نُعِيدُهُ﴾.
وهذا التفصيل جعلني أتريث أمام التناظر السهل بين الفتق والرتق؛ فقد يكون المسار الذي تفتحه الآيات أوسع من مجرد حركة في اتجاه ثم انعكاسها: رتق، ثم فتق وتمظهر، ثم طي وإعادة. وعندها لا تكون الإعادة مجرد رجوع ميكانيكي إلى الحالة الأولى، بل حركة تتراجع فيها الحدود التي صنعت الامتداد والتشخيص، من الكثافة نحو اللطافة، ومن التفرق نحو الاجتماع، ومن التعيّن نحو التجريد.
ومن هنا تأخذ الصمدية موقعها داخل الهندسة العكسية بصورة أعمق؛ فالعودة إليها لا يمكن أن تعني جمع الكثرة في «واحد» عددي، لأن الواحد العددي نفسه ينتمي إلى نظام يسمح بالاثنين والثلاثة والكثير، بينما تفتح ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، في هذا الأفق الفلسفي، على ما لا يقوم على التجزؤ والحدود والوسائط. وبذلك يصبح الرتق في مداه الأبعد تراجعًا عن شروط التكثر ذاتها، لا مجرد ضم أجزاء كانت متفرقة.
ثم استوقفتني الآية التالية مباشرة لرباعية الحديد:
﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾.
بعد الأول والآخر والظاهر والباطن تأتي حركة كاملة: يلج ويخرج، ينزل ويعرج. وكأننا لا نقف أمام جهات ساكنة، وإنما أمام حركة تجري داخل إحاطة واحدة، تتبدل فيها المراتب والاتجاهات دون أن يكون شيء منها خارج العلم.
وهنا عدت مرة أخرى إلى الآية الأولى، ولكن هذه المرة إلى نهايتها التي كنت قد مررت عليها سريعًا:
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
ربما هنا يتغير موضع النظر كله؛ لأن «الشيء» يمكن أن يدخل الفتق فيتعين، ويبلغ الظهور فيتكثف، ثم يدخل الطي والإعادة فتتراجع حدوده ومراتبه، لكن تغير الصورة لا يعني تغير الإحاطة بها.
وعندها يصبح للتشخيص والتجريد معنى آخر: نحن نحتاج إلى التشخيص لندرك الشيء في تعيّنه، ونحتاج إلى التجريد لنتجاوز خصوصية الصورة إلى ما هو أوسع منها، أما العلم الذي ختمت به الآية فلا يحتاج إلى أن ينتقل من الظاهر إلى الباطن حتى يعلم، ولا أن ينتظر الآخر بعد الأول حتى يحيط:
﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
باختصار، يقول قانون السببية أن: (لكل نتيجة سبب ولكل سبب سبب ولا شىء يأتي من العدم).
أدرك العلم أن لا شك بأن الانتظام الكوني يسير وفق نظام دقيق ومحكم من السنن والأسباب التي تربط المقدمات بالنتائج، ولكن هذا الإدراك العلمي اعتبر أن "العدم" خالِ من أي محتوى، فهو فارغ لا شيء فيه! وهذه نتيجة منطقية للمنهج العلمي العقلي الغارق في التشخيص ولا يرى إلا ما تمظهر من الحقائق. وهنا تدخلت فلسفة التشخيص والتجريد لترى بأن معنى العدم هنا هو حالات كمون الاحتمالات المطلقة في علم الله المطلق قبل أن يتشيء او يتعيّن منها اي احتمال.
يقول هاشم نصار في مقدمة موسوعته عن فلسفة التشخيص والتجريد: (فالعدم السابق لانبثاق التمظهر المادي يمثل مرحلة "الكمون" السابقة للتشيء، وفضاء الإمكان المطلق في علم الله).
قانون السببية بصيغته الحالية لا يصلح ليستند إليه قانون "الفتق والرتق" الذي تقوم علية حركة الوجود كله نشوءاً وزوالاً؛ فهناك ضرورة حتمية لإضافة معنى "الكمون" كمحتوى للاحتمالات المطلقة التي ينبثق عنها التشيّء عندما يأتي الأمر الإلهي "كن" ليبدأ المخلوق بالتمظهر "فيكون". ولتكتمل دورة الوجود يمثل "الكمون" مآل العودة لتحقيق معنى "إنا لله وإنا إليه راجعون".
عند الغوص في فلسفة التشخيص والتجريد، نكتشف أن فهم الأشياء لا يتوقف عند صورتها الظاهرة؛ فكل ما يظهر هو نتيجة لبنية أعمق، وكل نتيجة تحمل في داخلها آثار الطريق الذي أوصل إليها.
وهنا يمكن أن نقرأ، بصورة فلسفية، مفهوم الهندسة الأساسية والهندسة العكسية في ضوء قوله تعالى:
﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾.
فالهندسة الأساسية،) الفتقية الانشطارية(في هذا التصور، تنطلق من الأوّل والظاهر: من الأصل إلى التجلي، ومن المصدر إلى الأثر، ومن الوحدة إلى التعدد.
أما الهندسة العكسية )الرتقية الاندماجية و الصمدية( فتنطلق من الآخر والباطن: من الأثر الظاهر إلى ما وراءه، ومن التعدد إلى البنية، ومن البنية إلى الأصل. وهنا يلتقي التشخيص والتجريد مع الهندسة العكسية؛ إذ نشخّص ما ظهر، ثم نجرّده من خصوصياته، لنعود عبره إلى ما أوجده.
وبذلك يصبح لدينا مساران متقابلان، لكنهما يلتقيان في نقطة واحدة:
مسار انشطاري: من الأوّل إلى الظاهر، ومن الوحدة إلى الكثرة؛ وهو مسار التجلي والظهور.
ومسار اندماجي صمدي: من الآخر والباطن إلى الأوّل، ومن الكثرة إلى الوحدة؛ وهو مسار العودة والكشف.
فالهندسة العكسية هنا ليست مجرد تفكيكٍ لنظام قائم، بل حركة وعي عائدة من الأثر إلى المصدر. وكلما تعمق التشخيص، واتسع التجريد، بدأ التعدد يكشف عن وحدةٍ خلفه.
وهنا تظهر قيمة الزمان والمكان أيضًا؛ فكل ما يتجلى في المكان هو نتيجة لمسار في الزمان، وما نراه في اللحظة الراهنة ليس إلا محطةً بين أصلٍ سابق ومآلٍ لاحق.
لذلك قد لا تكون الرحلة الحقيقية هي الانتقال من الظاهر إلى الباطن فقط، بل إدراك أن الظاهر والباطن، والأوّل والآخر، والانشطار والاندماج، ليست مسارات منفصلة؛ بل حركتان ضمن بنية الكون.
ومن هنا يمكن تلخيص وحدة المنهج:
الهندسة الأساسية تُظهر الطريق من الأصل إلى الأثر،
والهندسة العكسية تكشف الطريق من الأثر إلى الأصل.
والتشخيص يرى ما ظهر،
والتجريد يكشف ما وراء ظهوره.
وفي نقطة الالتقاء، لا يعود الهدف مجرد فهم الأشياء، بل الاقتراب من الوحدة التي تنتظم وراء كثرتها؛ حيث يصبح كل ظاهرٍ دالًا، وكل أثرٍ طريقًا، وكل آخر بابًا للعودة إلى الأوّل.
فالوجود، في هذه القراءة، ليس مجرد ما يظهر لنا؛ بل حركةٌ بين أصلٍ يتجلّى، وأثرٍ يعود، ووعيٍ يتعلم أن يرى الوحدة في قلب التعدد
في البدء يقوم الوجود في عمقه على مصفوفة محيطة، يختصرها قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} [الحديد: 3]. هذه الأسماء هي محاور "الهندسة الكونية" التي تدير مطلق التكوين بمطلق الأزمان؛ حيث يتجلى الأول والآخر كامتداد للزمان المطلق (الأزل والأبد)، بينما يمثل الظاهر والباطن امتداد المكان والوعي.
عند صدور أمر التكوين الأول (كُن)، تفتق الكون عن الغيب الإلهي، فتزمن كل شيء. ولم يكن الزمان بعداً واحداً، بل تشكلت طبقات زمكانية متراكبة تتطابق مع كل حدّ سماوي وحدود المراتب الوجودية، ليصبح "مكان الأصل" عند الله وعاءً مشحوناً باحتمالات مطلقة، قابلاً لأن يكون مكاناً لأي شيء.
أولاً: *الهندسة الأمامية* (الفتق، التمظهر، ومصفوفة الأرباب)
الهندسة الأمامية هي حركة الوجود الطاردة من المركز إلى المحيط، وهي عملية الفتق والتشخيص الأولى المقابلة لخط (الأول - الظاهر):
قانون التمظهر والبعد عن المركز: كلما ابتعدت المكونات عن "المركز الإلهي"، زاد كثافتها وتشخصها، وأصبحت أكثر تمظهراً في عالم المادة والنشر. هذا البعد والتشخيص هو ما يعبر عنه قوله تعالى: {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} [الشورى: 11]، حيث تتعدد الطبقات الزمكانية في كل طبقة سماوية.
*الدخول في مصفوفة* *الأرباب* : أي شيء يخرج إلى التكوين ويتشخص في عالم الفتق والتمظهر، فإنه يدخل تلقائياً في "مصفوفة الأرباب" (أرباب الأنواع، القوانين الحاكمة، والوسائط الملائكية المدبرة للسموات والأرض)، مبتعداً عن الغيب المحض..
ثانياً: *الهندسة العكسية* (الرتق، التجريد، والصمدية)
في المقابل، يمثل خط (الآخر - الباطن) الهندسة العكسية للكون، وهي حركة الجذب والعودة العروجية من المحيط إلى المركز:
• الهندسة العكسية هي عملية رتق وتجميع، تمثل التراجع عن الكثافة نحو اللطافة، وتفكيك أبعاد الزمان والمكان، يجعل حركة الوعي والوجود في هذا الخط خارقة للحدود الزمكانية المعتادة.
• العودة إلى صمدية الله وأخرويته: الهدف النهائي للهندسة العكسية هو الخروج من مصفوفة الأرباب والوسائط المتمظهرة، والعودة إلى صمَدية الله (حيث لا جوف، لا كثرة، ولا أبعاد) وأخروية الله (حيث الفناء عن التزمن) قوله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [الأنبياء: 104]. "الطي " هنا يمثل الارتداد لطبقات الزمكانية نحو نقطة الأحدية الصمدية.
خلاصة :
يظهر الكون كأنه "شهيق وزفير" كوني. الشهيق (الامتداد الأمامي) يبني الطبقات الزمكانية ويوجه الوجود نحو التمظهر والدخول في مصفوفة القوانين والأرباب. بينما الزفير (العودة العكسية) يطوي هذه الطبقات بتجريد فائق، متجاوزاً كل الوسائط المادية والطاقية ليرتمي الوجود والوعي في حضن الصمدية والأخروية الإلهية.
التواتر… ما يعبر بين الأطوار
قال الدكتور هاشم إن التواتر موجود في كل شيء؛ في العلوم، وفي الثقافات، وفي اللغة، وفي الحضارات… في كل شيء.
استقرت العبارة في ذهني، وتركت خلفها سؤالًا: إذا كانت هذه الأشياء جميعًا لا تبقى على حالها، فماذا يعني أن تتواتر؟
أخذني السؤال إلى:
﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾.
الخطاب واحد، والأطوار متعددة.
ثم إلى:
﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾.
استوقفتني دقة التركيب: <خلقًا آخر>… و<أنشأناه>الآخر حاضر، لكن الاتصال لم ينقطع. كأن التحول لا يقع خارج المسار، بل هو من صميمه.
ومن هنا عدت إلى ما تفرّقنا إليه في حديثنا عن النفس:
﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾،
ثم:
﴿أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾.
توقفت عند اجتماع المستقر والمستودع. لا لأضع لهما تعريفا جاهزا، وإنما لأن وجود أحدهما إلى جوار الآخر يمنعني من الاكتفاء بما استقر وكأنه استنفد المشهد.
وهنا ظهرت لي صلة لم أكن أبحث عنها بفلسفة التشخيص والتجريد.
فالتشخيص قد يكون أعمق من الوقوف عند شخص أو حادثة؛ قد يبدأ حين نأخذ ما تعيّن أمامنا ونمنحه حقَّ تعريف الكل.
أما التجريد، فلا يحتاج إلى إلغاء ما ظهر، بل إلى تحرير المعنى من أن يُختزل في إحدى صور ظهوره.
عندها بدا التواتر مختلفا.
فالعلوم لا تتواتر بتكرار نتائجها، واللغة لا تتواتر بتجميد دلالاتها، والحضارات لا تستمر باستنساخ صورها. هناك اتصال لا يحتاج إلى التطابق.
وهنا انقلب السؤال عندي.
ربما لم يكن الأهم: ما الذي يبقى رغم التحول؟
بل: ماذا لو كان التحول نفسه أحد شروط الاستمرار؟
عندها تصبح الأطوار أكثر من تعاقب، ويصبح ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ أكثر من صورة لاحقة؛ لأن الآخر لم يأتِ ليقطع ما سبقه، بل ظهر من حركة كانت جارية فيه.
وهنا فقط اتسعت عندي عبارة الدكتور هاشم.
فالتواتر، بهذا المعنى، لا يخبرنا فقط أن شيئا وصل من زمن إلى زمن، أو من ثقافة إلى ثقافة، أو من معرفة إلى معرفة؛ بل يكشف مأزق التشخيص نفسه:
نحن نبحث عن الثبات في الصورة، بينما قد يكون سر الاستمرار في القدرة على تجاوزها.
ولعل هذا هو ما يجعل التجريد ضرورة؛ لا ليأخذنا بعيدا عن الصورة، بل ليمنعها من أن تصبح الحد الأخير لما يمكن أن يظهر.
فالخلق أطوار…
وكل طور، مهما استقر، يبقى داخل حركة تتسع لـ:﴿خَلْقًا آخَرَ﴾.
تُقاس قيمة الأدوات المعرفية، في ابتداء أمرها، بقدرتنا على إعمالها في تفكيك الظواهر وتجريد المعاني.
وقبل أن أمضي في هذا العبور، أعتذر عن طول النص؛ فقد كان من الصعب اختزال رحلةٍ تشكلت عبر سنوات، أو ضغط أسئلةٍ لم تأتِ دفعةً واحدة، وإنما تراكبت وتكشفت طبقةً بعد طبقة. ولعل طول المقال هنا ليس رغبةً في الإطالة، بقدر ما هو وفاءٌ لبعض المسار الذي قادني إلى هذه القراءة؛ فبعض المعاني حين تُختصر كثيرًا تفقد شيئًا من المسافة التي قطعتها حتى انكشفت.
غير أنى اظن ان المعيار الأعمق لاستيعاب فلسفة التشخيص والتجريد لا يقف عند حدود قدرتنا على تطبيقها على الكلمات والأفكار من حولنا؛ بل يبدأ حين تنفذ هي إلى بنية وعينا نحن، فتُعيد تشكيل طريقة الرؤية ذاتها.
فالامتلاك الحقيقي للفكرة ليس أن نحفظها، ولا أن نجعل منها قالبًا مرجعيًا نعود إليه كلما واجهتنا مسألة، وإنما أن تتجاوز الفكرة حدود الذاكرة لتصبح فعلًا جاريًا في الوعي؛ حتى نرى بها قبل أن نتحدث عنها، ونكتشف بها قبل أن نستدعيها، ونتجاوز بها حتى ما ظنناه يومًا نهايةً للمعرفة.
ومن هنا أجدني استقرأ معنآ أعمق في عبارة استاذى الفاضل د. هاشم نصار:
،، إن لم يأتِ أحد ليكسر هذه الفلسفة فسأكسرها بنفسي ،،
لم أفهمها بوصفها إعلانًا عن مرونة منهجية فحسب، بل بوصفها إشارة إلى قانون السريان نفسه؛ فالمعول الحقيقي لا يُرفع على الفلسفة بوصفها بناءً معرفيًا، وإنما يُرفع على السقف الذي قد نصنعه منها حين نحولها من أداة للعبور إلى مقام للإقامة، ومن منهج حي إلى صورة جامدة، ومن طريق إلى نهاية.
فالكسر هنا ليس هدمًا لفلسفة التشخيص والتجريد، بل حماية لها من أن تتحول إلى حجاب.
وهذا الكسر لم يكن عندي يومًا تمرينًا ذهنيًا منفصلًا عن حياتي ، ولا اشتغالًا مجردًا بالأسئلة، بل كان معنىً أخذ يتكشف في مساري منذ البدايات الأولى؛ حين بدأت الأسئلة الماورائية تهبط على النفس، لا لتسأل عن ظاهر الأشياء وصورها، وإنما لتنفذ إلى ما وراء المألوف والشكل: ما وراء خَلق الإنسان والكون؟ وما الغاية الأعمق من وجودهما؟ وما الذي يُراد للإنسان أن يصير إليه من خلال هذا الوجود؟
ثم امتد السؤال إلى القرآن نفسه: هل المصحف، بما يحمله من حروفٍ وآياتٍ وأشكال، هو نهاية التلقي، أم أن وراء هذا الظهور معنىً أوسع، يتجاوز القراءة إلى أن يصبح القرآن فعلًا ممتدًا في الإنسان؛ يعيد ترتيب وعيه، ويهذب إرادته، ويعيد تشكيل نظرته إلى نفسه والوجود وربه؟
ولم تكن هذه الأسئلة، في جوهرها، تبحث عن أجوبة تستقر عندها، بقدر ما كانت تبحث عن وجهةٍ تهديها. كانت تتجذر كلما تقدمت، وتتسع كلما ظننت أنني اقتربت من نهايتها؛ حتى جاءت نقطة التحول الحاسمة في حياتي، قبل نحو ربع قرن، حين أقبلت على الله بصدق التوجه، وأنا يومها لا أعلم أصلًا الفرق الجوهري بين الألوهية والربوبية، ولا أملك من التصورات ما يفسر ما كنت أطلبه. لم أكن أمتلك آنذاك لغةً لهذا الطلب؛ كان كل ما أملكه رغبةً صافيةً في أن أجد الطريق. وكان دعائي، ببساطته الأولى، حرفيًا:
،، يا الله… أريد السير في طريقك، والوصول إليك،،
ولم أكن أعلم يومها أن هذه العبارة البسيطة ستصبح، مع الزمن، أعمق سؤالٍ في حياتي، وأن «الوصول» الذي كنت أتصوره كغايةٍ يمكن بلوغها، سيتحول شيئًا فشيئًا إلى معنى آخر: أن يتغير السائر نفسه في الطريق، حتى يصبح السير هو فعل التحول، وتصبح كل محطةٍ لا نهايةً، بل كشفًا لما وراءها.
ومنذ ذلك الحين، أخذت أرى أن السيرورة الإلهية لا تمنح الإنسان جوابًا نهائيًا يغلق السؤال، بقدر ما تنقله من سؤالٍ إلى أعمق، ومن إدراكٍ إلى ما وراءه، ومن صورةٍ إلى حقيقتها، ومن حقيقةٍ أدركها إلى حقيقةٍ لم يتسع لها وعيه بعد. فهي لا تملأ الوعي بالمعلومات بقدر ما تعيد تشكيل الوعي الذي يستقبلها؛ تنقي النظر، وتهذب الإرادة، وتكشف مواضع التعلق، وتعيد ترتيب علاقة الإنسان بنفسه وبالكون وبالله.
ولهذا، كلما اتسع الوعي، لم تتكاثر الإجابات بقدر ما اتسعت قابلية الإنسان للرؤية؛ وكلما ظننا أننا بلغنا محطة، انكشفت المحطة نفسها كعتبةٍ إلى ما بعدها. وكأن الطريق، في أعمق معانيه، لا يقود الإنسان إلى نقطةٍ ينتهي عندها السير، بل ينتزع منه وهم الوصول، ليبقيه في حركةٍ دائمة من التشخيص إلى التجريد، ومن التجريد إلى الوعي، ومن الوعي إلى مزيدٍ من العبودية لله.
وهنا ربما بدأ يتكشف لي المعنى الأعمق لذلك الدعاء القديم: لم أكن، في الحقيقة، أطلب أن أصل إلى «مكان»، بقدر ما كنت أطلب أن أُصاغ في الطريق الذي يُراد لي أن أمشيه إلى الله.
حتى وصلت بي الرحلة إلى فلسفة التشخيص والتجريد.
وهنا ظهرت لي دلالة شديدة العمق: أن المعارف قد تأتي من مدارس ومسارات تبدو متباعدة في ظاهرها، ثم ينتظم بعضها مع بعض في مسار معرفي صاعد؛ لا ليؤسس لنا بناءً نهائيًا، وإنما ليعلّمنا كيف نكسر المحطة حين تتحول إلى سقف، ونفتح الأفق حين يصبح البناء قيدًا.
فليس المطلوب أن نجمع المحطات، بل أن نعي قانون العبور بينها.
وعند هذه المرتبة يبدأ المنهج في الانتقال من كونه شيئًا نمارسه إلى كونه شيئًا يجري فينا.
يصبح التشخيص تلقائيًا: حساسيةً فورية تجاه الجمود قبل أن يتصلب، وقدرةً على تمييز المعرفة الحية التي ما زالت تتحرك، من الصورة التي بدأت تتكلس حتى تكاد تتحول إلى جدار أو صنم فكري داخل النفس.
ويصبح التجريد تلقائيًا: قدرةً على خلع الثياب اللفظية والشكلية عن المعنى، والعبور من الصورة إلى ما وراءها، ومن المرحلة إلى ما تفتح عليه، دون أن تلتصق الذات بالبناء المعرفي الذي وصلت إليه، ودون أن تذوب فيه.
وهنا لا يعود التشخيص و التجريد عمليةً نخصص لها وقتًا ثم نعود بعدها إلى حياتنا؛ بل يتحول إلى حالة وعي. حالة من السيولة الداخلية التي تسمح للإنسان بأن يتجاوز ما صنعه بنفسه، وأن ينزع الحصانة عن المألوف، وأن يراجع حتى الأدوات التي أعانته على المراجعة.
وعندها لا نحتاج إلى أن نستدعي المنهج كل مرة كي نحاكم به الأشياء؛ لأنه يكون قد أصبح الشاشة التي نرى من خلالها، والنور الذي نكتشف به المسافة بيننا وبين ما تعلمناه.
وهنا، في ظني، يلتقي معنى التشخيص والتجريد مع معنى السعي.
فكل ما نكابده من تشخيص وتجريد، وكل محطة نعبرها، وكل معول نرفعه لكسر سقفٍ صنعناه، ليس ادخارًا لصورة جديدة، ولا بحثًا عن بناء معرفي نستقر فيه، وإنما هو حركة تطهير وعبور؛ استجابة لقانون السعي الذي يضعه القرآن أمام الإنسان:
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ﴾
وهنا تتغير دلالة السعي.
فالسعي ليس أن نصل إلى صورة أخيرة للمعرفة، ولا أن نحرس ما بلغناه من فهم؛ بل أن نبقى في حركة العبور ما دام فينا ما يحتاج إلى التجريد.
لأن «إلى ربك المنتهى» تعني، في أعمق ما تفتحه في الوعي، أن كل ما نصل إليه في الطريق ليس هو المنتهى.
كل صورة معرفية هي معبر.
كل مفهوم هو أداة.
كل مرحلة هي محطة.
وكل أفق نبلغه يمكن أن يكون بدايةً لأفق أوسع.
ولهذا فإن أعظم تجريد قد لا يكون أن نتجرد من صورةٍ إلى صورة، وإنما أن نتجرد من وهم امتلاك النهاية.
وهنا يكتمل معنى الرجوع.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
فالرجوع ليس حركةً تأتي بعد الوصول، وكأن الإنسان يبلغ غايته ثم يبدأ رحلة العودة؛ بل لعل الرجوع هو عين السعي.
رجوعٌ من الصورة إلى أصلها،
ومن الظاهر إلى ما يكشفه،
ومن السبب إلى مسببه،
ومن المعرفة التي ظننا أننا امتلكناها إلى الحقيقة التي ندرك، في كل تجريد جديد، أننا لم نملكها قط.
فنحن منه، وإليه؛ وبين «منه» و«إليه» تتحرك رحلة الإنسان كلها: تشخيصًا ثم تجريدًا، قبضًا ثم انخلاعًا، معرفةً ثم تجاوزًا للمعرفة، وصولًا ثم كسرًا لوهم الوصول.
ومن هنا يصبح كسر الفلسفة هو أعمق نجاح لها.
أن تنجح الفلسفة في تربيتنا إلى الحد الذي يصبح فيه تجاوزها جزءًا من وعيها.
أن نصل إلى اللحظة التي لا نحتاج فيها إلى أن نتذكر فلسفة التشخيص والتجريد كي نمارسها؛ لأنها تكون قد انتقلت من فكرة في وعينا إلى وعيٍ يعيش بنا.
وعندها فقط يصبح التجريد حياة:
أن أكون لله،
وأن أمضي إليه،
وأن أظل في السعي حيًّا بما يكفي لأعبر كل ما ظننته نهاية.
فربما لا يكون المنتهى محطةً نقف عندها، بقدر ما هو وجهةٌ تُصحح اتجاهنا في كل محطة.
ولعل جوهر فلسفة التشخيص والتجريد، في نهايتها الأبعد، ليس أن تمنحنا طريقةً أفضل لفهم الأشياء، وإنما أن تربّي وعينا حتى لا نستقر في شيءٍ يحجبنا عن الحق.
أن تعلّمنا كيف نستخدم الصورة دون أن نُستعبد لها، ونستفيد من المنهج دون أن نؤلّهه، ونطلب المعرفة دون أن نجعل منها حجابًا، ونسير في الطريق دون أن نخلط بين الطريق والمنتهى.
وعندها يصبح قوله تعالى:
﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ﴾
ليس خاتمةً للرحلة ، بل معيارًا لكل الرحلة.
فكل ما يقربنا من الله يُؤخذ منه بقدر ما يفتح، وكل ما يتحول بيننا وبينه إلى صورةٍ مغلقةٍ يحتاج إلى تجريد.
وهكذا لا يكون السعي حفظًا لما وصلنا إليه، بل استعدادًا دائمًا لتركه حين يحين وقت العبور.
ولا يكون الرجوع نهاية الطريق، بل حقيقة الطريق.
نحن منه، وإليه.
نسعى، فنُرى.
نعرف، فنتجاوز.
نبني، ثم نكسر ما بنيناه حين يصبح البناء حجابًا.
حتى لا يبقى من السعي إلا صدقه،
ولا من الصور إلا ما دلّ على ما وراءها،
ولا من الطريق إلا وجهته:
أن نكون لله، وأن نرجع إليه.
وفي ختام هذا العبور، يبقى الشكر أعمق من أن يكون امتنانًا للكلمات؛ فهو امتنانٌ لما تفتحه الكلمات من أفق، ولما تتركه في الوعي من أثرٍ لا يُغلق على نفسه.
كل الشكر لأستاذي الدكتور هاشم نصار، على هذا البحر الذي لا يهبنا شاطئًا نقيم فيه، بل يعلّمنا كيف نعبر، وكيف نكسر حتى المراكب التي أوصلتنا.
وشكرًا لحبيبتي أسماء، على ذلك النص الملهم؛ نصٍّ لم يضف إلى ما أعرفه فحسب، بل أزاح شيئًا من حجاب ما كنت أظنه معرفة.
ولعل أجمل ما تهبه لنا فلسفة التشخيص والتجريد، أن تقودنا، في لحظةٍ ما، إلى ما هو أبعد منها؛ حيث لا تبقى الفكرة فكرة، ولا الطريق طريقًا، ولا الوصول وصولًا… بل يبقى السعي نفسه فعلًا من أفعال الرجوع.
فشكرًا لكل فرد في هذه المجموعة (مجموعة الأبعاد السبعة )ولكل كلمةٍ كانت معبرًا، ولكل معنىً كسر فينا سقفًا، ولكل أفقٍ علّمنا ان ما وراءه ليس نهاية الطريق.
أشارككم رحلة تأملية مررت بها قبل أيام... لعل نفسًا تنتفع بها... فقد أدركت لوهلة أن طول الاشتغال على المنهاج لا يراكم معرفة فقط.. وإنما قد يصنع من حيث لا نشعر ألفةً قد تتحول تدريجيًا إلى هوية معرفية...!
فقبل أيام ذكر د. هاشم ما معناه.. «إن لم يأتِ أحد ليكسر هذه الفلسفة فسأكسرها بنفسي».. وأصابتني العبارة بشعور غريب لم أكن منتبهة إلى تشكّله... شيء من الانقباض.. كأن ما استقر في داخلي بدأ يفقد ثباته للحظة...!!
لقد كنت أظن أنني أُجيد مراقبة نفسي.. لأكتشف أنني كنت أزداد إستغراقًا من حيث لا أشعر...!
فالاستغراق العميق يمنح الفكر قوة في داخلنا.. ومع غياب المراقبة الدقيقة قد يتجاوز أثره حدود المعرفة إلى مساحات أعمق في الوعي..
ويبدو أن الذي ارتبك للحظة كان شيئًا من العلاقة بما تعلمته.. فبعض موضوعات الفلسفة ومصطلحاتها وقوانينها التي نظل نعود إليها في القراءة والربط والتأمل تدخل مع الوقت في طريقتنا في النظر وفي لغتنا وفي تفسير كثير مما يمر بنا...
ولكن.....حين يكون صاحب الفلسفة نفسه مستعدًا لكسرها.. فهو يسحب منها أي حصانة قد يسبغها عليها طلابه.. ويتركها خاضعة للقانون الذي جاءت به...!
وهذا من أعمق ما يمكن أن تفعله فلسفة تحمل في اسمها التشخيص والتجريد.. فتجمّد مصطلحاتها قد يحولها إلى قوالب.. واعتبار ما انتهت إليه موسوعتها سقفًا ..يجعل منها مرجعية مغلقة.. أما حين يصبح طلابها أكثر حرصًا على تثبيت صورتها من قدرتهم على تجاوزها يكون التشخيص قد تسلل إلى داخل المشروع نفسه...!
وهذه النقطة هي التي استوقفت وعيي..
فما يقترب منا كثيرًا يصعب أحيانًا أن نراه بوضوح كافٍ للمراجعة.. فنبدأ في التعامل معه كأنه امتداد طبيعي لطريقتنا في الفهم.. ويصبح الفصل أدق بين قيمة ما عرفناه وحاجتنا إلى بقائه كما هو..
فالفكرة مهما عظمت لا تتوقف عند صورتها الحالية.. والمرحلة قد تكون ضرورية من غير أن تتحول إلى نهاية.. والمصطلح قد يفتح مساحة واسعة ثم يأتي وقت تحتاج فيه المعرفة إلى لغة أوسع منه.
والتجريد هنا يأخذ معنى أكثر صعوبة.. فهو يمتد إلى ما أحببناه وما اقتنع به وعينا.. إلى اللغة التي أصبحت مألوفة لنا.. وإلى البناء الذي منحَنا وضوحًا كنا ننشده...
وهذه المنطقة تحديدًا لا ينبغي أن تبقى خارج فعل التجريد..
فبعض التشخيصات تنمو في المواضع التي نمنحها أكبر قدر من الثقة.. ولهذا قد تتخفّى عن المراجعة أكثر من غيرها..
لهذا تجاوزت عبارة د. هاشم عندي معناها المتعلق بمرحلة معرفية قادمة.. ولامست الطريقة التي نبني بها علاقتنا مع الفكر نفسه..فالفلسفة التي تفتح لنا طريق تجاوز الصور القديمة ينبغي أن تبقى صورتها هي أيضًا قابلة للعبور...!
والطالب الذي تعلّم منها كسر التشخيص يحتاج أن يحتفظ بجرأته على تطبيق الأداة نفسها على ما تلقّاه منها...!
وهنا تصبح مسؤولية طالب الفلسفة أكبر من إتقان المنهج..
أن يتعلم من غير أن يتحول إلى حارس.. ويقترب من الفكرة من غير أن يذوب فيها.. ويسمح لها أن تغيّره مع احتفاظه بالقدرة على رؤيتها من جديد.. ويحمل ما تعلمه من غير أن يجعله تعريفًا نهائيًا لنفسه..
و(( حين يضع المفكر فلسفته تحت المعول.. فهو يدفع طلابها إلى أن يبقوا أكبر من البناء..))
وهذا نوع من الوفاء أشق من الحماية..
فالحماية قد تجمع الشواهد وتشدّ أركان البناء وتنتصر لما أحبّت..
أما الوفاء لفكرة جاءت أصلًا لتكسر التشخيص.. فيبدأ من ألّا نشخّصها هي أيضًا.. وأن نقبل بأن بعض ما نتعلمه اليوم قد يغدو غدًا درجة أدت وظيفتها ورفعت وعينا إلى موضع أوسع.
لهذا كان احتمال كسر الفلسفة كافيًا لأن يربكني للحظة.. وأظن أن ذلك الارتباك كان ضروريًا...!
فقد أعاد شيئًا من المسافة بيني وبين الفكرة..مسافة لا تنتقص من المحبة.. إنما تنضجها وتمنع الإقتناع من أن يتحول إلى ثبات..
وتبيّن لي أن أصدق علاقة نبنيها مع فكر أحببناه قد تكون في أن نترك له حق التغيّر.. ونترك لأنفسنا حق العبور معه..حتى لو بلغ الكسر يومًا أكثر ما حسبناه رسوخًا في داخلنا....
...شكرًا للمعاول التي تقتلع بنورانية عالية ما كاد يتحول في وعينا إلى جدار... وتترك لنا الطريق أوسع مما كان... 🙏🌷🙏
لا توجد تعليقات بعد.
يطرح الدكتور هاشم نصّار في حديثه عن الطبيعة الطينية والطبيعة النارية بناءً لا يقوم على إقصاء إحداهما لصالح الأخرى وإنما على استواء كل طبيعة على قوانينها ثم استواء الطبيعتين معًا داخل الإنسان.
فالطبيعة الطينية ترتبط بالتقوى وحين تبقى دون إحاطة كافية بقوانينها قد يتحول الحذر فيها إلى خوف واللوم إلى تعطيل والتقوى إلى انكماش يحد من الحركة.
أما الطبيعة النارية أو الطاقية فترتبط بالفجور بمعنى تفجير الطاقة والإمكان..وحين تعمل دون استواء قد تنتقل من الإقدام إلى التهور ومن القدرة إلى الاستحواذ ومن الظهور إلى تضخم طلب الظهور.
الاستواء بهذا المعنى لا ينتج عن انتصار طبيعة على أخرى ولكنه إعادة كل قوة إلى مقدارها.
فحين يَضبط الحذر الاندفاع من غير أن يلغيه وتدفع الطاقة الحذر من غير أن تخرجه عن مقامه تظهر الشجاعة نتيجة لهذا الاتزان .
وكما يطرح الدكتور هاشم فإن النفس المطمئنة لا تنمو بعيدًا عن الطبيعتين وإنما تتفعل كلما ارتفعتا معًا في العلم والاستواء.
وقد جاء مثال الشمعة شديد الدلالة..فمادة تقابل نارًا..وحين تعمل العلاقة بينهما وفق قانونها لا يبقى الناتج مجرد احتراق حيث هنا يظهر النور..
وهذا المثال يفتح أمامي معنى أوسع للإرتقاء..فالمستوى الأدنى لا يختفي حين يستوفي وظيفته وإنما يعاد إدراجه داخل مستوى أعلى.
فما كان طينًا ونارًا يتحول أثره..وكأن ما كان طبيعة مستقلة يصبح جزءًا مشفرًا في بناء أوسع..فيصبح النور ثمرة استواء لا ثمرة إلغاء.
وحين ينتقل الدكتور هاشم إلى موضوع السحر يظهر وجه آخر لهذا البناء
فالسحر في طرحه لا يبقى صورة خارجية غامضة فهو يتحدث عن الإختراق والتهكير ويربط "التأثير" بالسمع والبصر والفؤاد وبالإستحواذ على المعلومات وتحويلها إلى أفكار ومشاعر وسلوك.
إذًا...هناك مدخل...وموضع يستقبل...ومعالجة تحدث...ثم تظهر نتيجة.
وكلما انتقل التأثير إلى مستوى أعمق في المعالجة قلّت حاجته إلى الإكراه المباشر.
فقد يتغير ما يسمعه الإنسان..أو ما يراه..أو الطريقة التي يفهم بها ما سمعه ورآه.
وكذلك قد يتغير الشعور الملازم للمعلومة حتى تنتج عنها استجابة لم تكن لتنتج في حالة أخرى.
بهذا يصبح الفرق بين السيطرة والإستحواذ بالغ الدقة.
فالسيطرة تدفع الإنسان من الخارج...أما الإستحواذ فيجعل الخارج جزءًا من آلية العمل في الداخل.
لنجد أن الإنسان قد يستمر في التفكير والاختيار بينما تكون بعض مقدمات الإختيار قد تشكلت قبل لحظة القرار.
وفلسفة التشخيص والتجريد تضع في هذا السياق مفاهيم "التحصين" و"الإختراق" و"الحافظ" و"الإستواء" وهي الأصل والأساس الذي أنطلقُ منه فيما سأجمعه في هذه القراءة تحت تعبير "حصانة الوعي"..( أن يصل الإنسان إلى درجة تقل فيها قابليته لأن يتحول المؤثر الخارجي إلى مستحوذ على مركزه الداخلي).
وعند إعادة قراءة الطبيعتين من هذه الزاوية يصبح "الإختلال" أكثر من (اضطراب في السلوك) إذ يمكن أن يحدد( نوع القابلية التي ينفذ منها المؤثر)..
فمن يغلب عليه الخوف قد يكون أكثر قابلية للترهيب...ومن يتضخم لديه حب الظهور قد يكون أكثر قابلية للإغراء بالإعتراف والتقدير..
ومن يطغى عليه التملك قد يُستمال بوعد المكسب أو التوسّع...ومن يخشى خسارة القبول قد يُضغط عليه بالعزل أو التهديد بالنبذ..
وهنا لا أضيف إلى ما يطرحه الدكتور هاشم عن الثغرات والإختراق معنى وجود المنفذ نفسه.. وإنما أحاول قراءة العلاقة بين (اختلال الإستواء) و(نوع المنفذ الذي يصبح الإنسان أكثر قابلية للتأثر من خلاله).
فالقوة حين تفقد مقدارها لا تضعف فقط وإنما قد تكشف الجهة التي يصبح التأثير من خلالها أيسر.
فالطموح والحذر والرغبة والمعرفة كلها قوى..لكن اختلاف موضع اختلالها قد يعني اختلاف الطريق الذي يستطيع المؤثر أن يعمل من خلاله.
وهكذا لا تعود التزكية تهذيبًا للسلوك فقط..
إنها تضييق لقابلية هذه المنافذ أن تُستثمر... ويصبح الإستواء أحد وجوه التحصين لأن القوة حين تعرف مقامها لا تُلغى وإنما تقل إمكانية قيادتها من الخارج..
وموضوع السحر حمل عنصرًا آخر يستحق التوقف عنده وهو ((الأثر)).
ففيما يطرحه الدكتور هاشم يمكن أن يكون أثر الإنسان مدخلًا في عملية السحر بما يحمله في هذا التصور من إمكانية الوصول إلى معلومات تتصل بصاحبه.
هذا المعنى هو ما استوقفني.
((أن يترك الإنسان شيئًا يدل عليه ثم يتحول هذا الشيء إلى مدخل لمعرفة أوسع عنه)).
ومن هذه النقطة تحديدًا بدا لي أن ((الأثر)) يأخذ امتدادًا آخر في واقعنا المعاصر..ليس لأن الصورة واحدة ولكن (( لأن الإنسان اليوم يترك آثارًا من نوع جديد تتولد أثناء تفاعله نفسه مع العالم...))..!
فالأثر في صورته المألوفة شيء ينفصل عن صاحبه..أما في العالم الرقمي فقد أصبح الإنسان قادرًا على إنتاج أثره أثناء فعل يبدو عاديًا..
يتوقف أمام مادة مدة أطول..يعود إلى مقطع بعينه...يتجاوز مادة بسرعة...ينقر..يمرر...يعيد المشاهدة...!!
((وقد تضيف تقنيات تتبع النظر حين تكون موجودة إشارات أخرى مثل "مواضع التثبيت البصري" و"مدة النظر"...!!
هذه الإشارات لا تكشف ما في الإنسان يقينًا لكنها يمكن أن تدخل في بناء تقدير احتمالي لما يستوقف انتباهه أو يثير اهتمامه)).
وهنا تتغير دلالة الأثر..
فلم يعد بالضرورة شيئًا ملموسًا تركناه وراءنا...
فقد يكون شيئًا ننتجه ونحن نظن أننا لم نفعل شيئًا..!!
النظرة تصبح أثرًا..والتوقف أثرًا..والعودة أثرًا..والزمن الذي استغرقه انتباهنا لمادة ما يصبح جزءًا من صورة يمكن بناؤها عنا..
والأهم ليس ما يكشفه الأثر عن صاحبه فقط وإنما ما يمكن أن يحدث بعد قراءته..!!
فالمعرفة المستخرجة من الأثر يمكن أن تدخل في التخصيص..أي أن يعود إلى الإنسان محتوى أقرب إلى ما دلّ عليه سلوكه السابق.
وهنا لا يبقى الأثر مجرد معلومة مسجلة ولكنه يصبح عنصرًا في تشكيل ما سيأتي بعده..!
(( فالأنظمة التي تقترح للمستخدم محتوى استنادًا إلى أنماط تفاعله واهتماماته السابقة لا تحتاج في كل مرة إلى سؤال مباشر عما يفضله..يكفيها أن تتعلم من أنماط تفاعله..
إذا دلّ السلوك على اهتمام معين ازداد حضور المواد القريبة منه..
وإذا استجاب لها تصبح الاستجابة نفسها "أثرًا جديدًا"...)) !
هكذا تنتقل الصورة من وصف الإنسان إلى المشاركة في ترتيب البيئة أمامه..
هنا يبرز دور الحلقة الراجعة..بمعنى أني أترك أثرًا...يُقرأ الأثر...يُبنى عليه تخصيص..
يعود التخصيص إليّ في صورة بيئة معرفية أقرب إلى ما استُدل عليه عني...أستجيب لهذه البيئة..فتنتج الاستجابة أثرًا جديدًا.
عندها لا يعود التأثير خطًا مستقيمًا بين مؤثر ومتلقي وإنما يصبح دائرة يتعلم فيها الوسيط من الإنسان وهو يشارك في تشكيل المجال الذي يتحرك داخله..
وعليه تتجاوز المسألة جمع البيانات والخصوصية.. فلم يعد الأهم ما تعرفه الخوارزمية عني..وإنما ما تفعله بي المعرفة التي راكمتها عني حين تعيدها إليّ في صورة عالم مرتب على مقاسي...!
وهنا تصبح فلسفة التشخيص والتجريد واضحة الحضور..
فالخوارزمية تحتاج إلى صورة كي تعمل..تبني صورة مما فعلته سابقًا....مما جذبني..مما رفضته...مما مكثت عنده..ومما عدت إليه..
هذه الصورة قد تكون نافعة ودقيقة في جانب من جوانبي..لكنها تظل صورة..فالإنسان ليس مجموع آثاره السابقة..ولا تاريخ نقراته..
ولا متوسط زمن انتباهه..ولا ما كان يرغبه بالأمس...
هذه كلها تشخيصات عنه ولا تستنفده.
الخطر الذي أراه لا يكمن في مجرد أن تخطئ الخوارزمية في قراءته..فقد يكون أعمق حين تُصيب في قراءة ماضيه..ثم تستمر في إعادته إلى ما قرأتْه عنه حتى تضيق أمامه إمكانات لم تدخل أصلًا في صورته السابقة...!
في تلك اللحظة لا يعود التشخيص مجرد وصف..فهنا يبدأ في المشاركة في إنتاج ما يصفه..تراني على صورة فتعطيني ما يناسب الصورة..فأعيش داخل ما يناسبها..ثم يصبح سلوكي الجديد دليلًا إضافيًا على صحة الصورة الأولى...!
هنا تنغلق الحلقة....!
وهذا ما يمكن أن يُوصف بما معناه حلقة الاستحواذ الراجعة...ولا أقصد بالاستحواذ حكمًا على كل خوارزمية أو كل تخصيص وإنما الحالة التي يصبح فيها الوسيط قادرًا على التعلم من أثر الإنسان ثم إعادة تشكيل المجال أمامه بما يزيد احتمال إنتاج أثر جديد من النوع نفسه..
فلسفة التشخيص والتجريد تمنحنا التجريد والإستواء والتمييز بين (الصورة والحقيقة) وبين (الذكاء والوعي).
أما ما أحاول استخراجه من امتداد هذه الأدوات إلى الحالة الرقمية فإن جاز تسميته بالسيادة الإدراكية..
وهي ((قدرة الإنسان على ألا يكتفي بوزن ما يصل إليه وإنما أن يصبح واعيًا أيضًا بالكيفية التي جرى بها ترتيب ما وصل))..
أن يعرف أن اختياره لا يبدأ لحظة الضغط..وأن القرار لا يولد دفعة واحدة..وأن المجال الذي ظهرت داخله الخيارات جزء من شروط القرار نفسه...!
بهذا تصبح الحرية أوسع من حرية المخرج..حيث تمتد إلى المدخل..وإلى المعالجة..وإلى معرفة من شارك في ترتيب المدخل..
فالإنسان قد يكون حرًا بين مجموعة من الخيارات ومع ذلك تبقى حريته ناقصة إذا غاب عنه أن المجال الذي اختار داخله قد صيغ استنادًا إلى صورة سابقة عنه.
وحين تقرأ الخوارزمية أثر الإنسان ثم تعيد إليه العالم على أساسه تصبح حصانة الوعي أكثر من مجرد رفض للمؤثر..
تصبح قدرة على ألا تتحول الصورة الرقمية للإنسان إلى قفص يعود إليه باستمرار..أن يستطيع تجاوز تاريخه السلوكي..أن يرى ما لم تقترحه صورته السابقة عنه..أن يغير اتجاهه..
أن يفاجئ النموذج..((أن يبقى أوسع من التشخيص الذي بُني من "أثره" )).
وهنا يكتسب التجريد وظيفة معاصرة شديدة الدلالة...ف((إذا كان التشخيص يلتقط ما ظهر فإن التجريد يحفظ للإنسان إمكان ما لم يظهر بعد))..
وهذه المسافة بين ما كنتُه بحسب الأثر وما يمكن أن أصيره قد تصبح من أهم مساحات الحرية في العصر الرقمي...!
بهذا المعنى لا تصبح الخوارزمية خصمًا ولا التقنية موضع اتهام...المشكلة ليست في أن تعرف الأداة شيئًا عن الإنسان..المشكلة تبدأ حين تصبح المعرفة التي كوّنَتها عنه أضيق منه ثم تتحول إلى بيئة تعيد إنتاج هذا الضيق.
فالأداة يمكن أن توسع العالم..وتفتح المعرفة..وتقرب البعيد.
فالتخصيص يخدم الإنسان حين يوظّف ما عرفه عنه لتوسيع خياراته أما الخضوع للتخصيص فيبدأ حين تصبح الصورة التي بناها النظام عنه هي الطريق شبه الوحيد الذي يعود العالم من خلاله إليه.
وعند هذه النقطة تكتمل ملامح هذه القراءة...
من السحر إلى الخوارزمية لا يعني مساواة صورتين مختلفتين..إنه انتقال تجريدي لاستخراج قانون يستحق النظر.
(( في موضوع السحر يظهر الأثر مدخلًا للنفاذ إلى صاحبه..
وفي العالم الخوارزمي يظهر الأثر السلوكي مدخلًا للاستدلال على صاحبه..))..
ثم يضاف مستوى آخر حين يعود ما استُدل عليه إلى الإنسان في صورة محتوى وبيئة أكثر تخصيصًا فيتحول الأثر من مجرد علامة تُقرأ إلى منفذ يعاد عبره ترتيب المجال من حول الإنسان ثم يعود هذا المجال ليؤثر في اختياراته واستجاباته فتنتج عنه آثار جديدة تجعل الوصول إليه أدق والتأثير فيه أكثر خفاءً...!
وتعود قراءتي في نهايتها إلى الإستواء الذي بدأ منه الدكتور هاشم.
فالطبيعة غير المستوية قد تمنح المؤثر موضعًا ينفذ منه بينما يضيّق الإستواء مساحة هذا النفاذ.
كما أن العصر الرقمي يضيف إلى ذلك مستوى آخر فالخارج لم يعد يكتفي بانتظار الثغرة وإنما يستطيع أن يتعلم من أثرها..ويعيد على أساسه ترتيب ما يصل إلى الإنسان ثم يقرأ استجابته لهذا الترتيب من جديد..
وهكذا تنشأ علاقة دائرية يتبادل فيها الداخل والخارج التأثير والتشكيل.
وربما تكون هذه هي حصانة الوعي في صورتها الأكمل..ألا يتحول ما تركه الإنسان من أثر إلى مدخل يعاد عبره رسم الطريق أمامه وألا تصبح قراءة الأداة له وسيلة ترده باستمرار إلى الصورة التي كوّنتها عنه حتى يغدو ما بدأ أثرًا عابرًا..قوة خفية تعيد توجيهه من حيث لا يشعر...!
وأن تبقى الأداة قادرة على قراءته من غير أن تتحول قراءتها له إلى قدر يحاصره داخل نفسه.
قال الدكتور هاشم:
«ستكتشف الإنسانية أن كل المعارف موجودة فينا بالفطرة».
استقر القول في ذهني كاملًا؛ لم يكن من تلك العبارات التي تمرّ بعد أن يُفهم معناها، بل بقي مفتوحًا على شيء لم أتبينه منذ اللحظة الأولى. وكان القرآن أمامي، كما هو دائمًا، لا لأحمله إلى ما أريد، بل لأرى إلى أين يحملني هو.
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾.
في «فطرت» استوقفتني التاء المفتوحة؛ ففي دلالتها الرمزية التوليد، وكان ذلك كافيًا ليغيّر زاوية النظر. فالفطرة لا تعيدني فقط إلى أصل سابق، بل تفتح أمامي أصلًا يحمل قابلية أن يتولد منه ما لم يظهر بعد؛ وكأنها، بهذا الوجه، لا تغلق الإنسان على ما بدأ به، بل تترك فيه متسعًا لما يمكن أن ينكشف منه.
وعندها برزت أمامي دقة الفعل الذي اختاره الدكتور: «ستكتشف». لم يقل إن الإنسانية ستُعطى المعارف، بل جعلها هي التي تكتشفها، مع أنه يرد هذه المعارف في الوقت نفسه إلى ما هو «فينا بالفطرة». ومن هذا التجاور نشأ السؤال: كيف يكون الشيء فينا، ثم نحتاج إلى اكتشافه؟
ومضيت حتى وقفت أمام:
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.
كانت ﴿كُلَّهَا﴾ هي التي أمسكتني. الدكتور يقول: «كل المعارف»، والقرآن يضع في مشهد تعليم آدم: ﴿كُلَّهَا﴾. لم أحتج إلى أن أجعل إحداهما تفسيرًا للأخرى؛ كان يكفيني أن يطلّ «الكل» من الآية ليمنع السؤال من أن يضيق، وليبقي أمام الإنسان أفقًا لا يحق لما ظهر من معرفته أن يدّعي أنه استنفده.
لكن القرآن لم يترك مشهد آدم عند التعليم:
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.
التعليم حاضر، والعهد حاضر، ثم يأتي النسيان، فينقل السؤال من سعة ما يمكن أن يُعرف إلى إمكان غياب ما كان حاضرًا. ومن هنا لم يعد الطريق إلى قول الدكتور يمر بالاكتشاف وحده؛ صار بين ما هو في الإنسان وبين ظهوره حجاب آخر اسمه النسيان.
وفي الجهة الأخرى من النسيان جاء:
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
هنا توقفت.
فالمسار الذي بدأ من معرفة قال الدكتور إنها فينا، ثم مرّ بما يمكن أن يغيب عن الإنسان، انتهى بي إلى فعل لا يضيف اسمه شيئًا غريبًا إلى الداخل، بل يستدعي ما يمكن أن يستجيب فيه:
التذكير.
وعندها ظهر لي موقع الدكتور هاشم نفسه في هذا التأمل:
الدكتور هاشم مذكِّر.
لا أقولها لقبًا أضيفه إلى اسمه، بل مقامًا أقرأ من خلاله أثره؛ لأن قوله لم يصل إليّ كإجابة أغلقت السؤال، وإنما أصاب موضعًا فتحه. ومن هنا لم تعد قيمة العبارة عندي في مقدار ما تخبر به، بل في الحركة التي استطاعت أن تحدثها بعد أن قيلت.
وهذا يجعل المذكِّر أوسع من مجرد شخص يعيد معلومة منسية إلى الذاكرة. قد يكون التذكير إيقاظًا لقابلية لم تكن تعمل قبل الإشارة؛ فالقول يأتي من الخارج، لكن ما ينهض استجابة له لا يكون نسخة منه بالضرورة. وهنا بالذات يلتقي التذكير بالفطرة من غير أن يصبح أحدهما تفسيرًا للآخر: إذا كان في الإنسان ما يستطيع أن يستجيب، أمكن للكلمة أن تكون مفتاحًا لا مخزنًا، وأن يكون أثرها أكبر من محتواها المباشر.
لهذا بدت لي ﴿إِنَّمَا﴾ في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾ دقيقة إلى حد بعيد؛ فهي ترسم للمذكِّر حدّه وتحفظ له مقامه في آن واحد. إنه لا يحتل المساحة التي يفتحها، ولا يقوم مقام من استجاب له؛ وظيفته أن يبلغ بالإشارة إلى موضعها، ثم يظل ما يحدث بعد ذلك متعلقًا بمن تلقاها.
وهنا يتغير معنى «ستكتشف» نفسه. فالاكتشاف لا يمكن أن يُنجَز بالنيابة؛ قد تأتي الإشارة من آخر، وقد يكون الآخر سببًا في انقلاب زاوية النظر كلها، لكن ما لم تقع الاستجابة في الداخل يبقى القول قولًا، ولا يصبح كشفًا.
ومن هذا الموضع تحديدًا أرى فلسفة التشخيص والتجريد حاضرة من غير حاجة إلى أن نشرحها. فالقول يبقى منسوبًا إلى صاحبه، لكن أثره لا يتوقف عند صورته الأولى؛ يعبر منها إلى ما يستطيع أن يفتحه في وعي آخر. لا يُلغى القائل، ولا يُستنسخ قوله، وإنما يتحرر المعنى من أن يكون محصورًا في حدود العبارة التي حملته أول مرة.
ولهذا لم أعد أنظر إلى عبارة الدكتور هاشم بوصفها فكرة عن المعرفة فحسب؛ فقد أصبحت تجربتي معها جزءًا من معناها. قال إن الإنسانية ستكتشف، ثم كان أثر قوله فيَّ أن دفعني إلى الاكتشاف؛ قال إن المعارف فينا بالفطرة، ثم لم يملأ المسافة بإجابات جاهزة، بل ترك للكلمة أن تبلغ حيث تستطيع أن توقظ سؤالها.
وعند هذا الحد أفهم أيضًا لماذا لا أحتاج إلى أن أبحث للمذكِّر عن مقام يتجاوز التذكير. يكفي أن يكون قوله قادرًا على إحداث تلك النقلة الدقيقة التي لا يضيف فيها إلى الإنسان جوابًا بقدر ما يغيّر موضع السؤال؛ لأن السؤال حين يتغير، قد تصبح الأشياء التي كانت أمام العين طوال الوقت قابلة لأن تُرى للمرة الأولى.
وهنا يعود قول الدكتور هاشم إلى بدايته من غير أن يعود المقال إلى الوراء:
«ستكتشف الإنسانية أن كل المعارف موجودة فينا بالفطرة».
الآن لم تعد «ستكتشف» عندي مجرد وعد بما سيأتي، ولم تعد «بالفطرة» مجرد إحالة إلى ما كان؛ بينهما انفتح مجال كامل: شيء في الإنسان قابل للظهور، وكلمة قد توقظه، ومذكِّر يعرف أن مهمته تنتهي عند العتبة التي يبدأ منها اكتشاف الآخر.
ولهذا حين أقول:
الدكتور هاشم مذكِّر
فأنا لا أصف الرجل من خارجه، وإنما أسمّي الأثر الذي تركه قوله في مسار هذا التأمل.
قال كلمة عن الفطرة، ففتحت سؤالًا.
والسؤال مضى بي حتى ردّني القرآن إلى كلمة واحدة:
﴿مُذَكِّرٌ﴾.
وعندها بدا لي أن قول الدكتور لم يكن يخبرني فقط بأن الإنسان سيكتشف.
كان، في اللحظة نفسها، يضعني أمام التجربة ذاتها:
ذكّرني… فاكتشفت.
تمهيد
هذا المقال مستوحى من منظوري وتأملاتي الخاصة في ضوء ما طرحه الدكتور هاشم نصار في محاضرته حول فلسفة التشخيص والتجريد، وما أثارته تلك المحاضرة من أسئلة حول الإنسان والرمز والناموس وانتقال المعنى من صورته المشخصة إلى دلالته المجردة. وما يرد في هذا المقال هو محاولة لقراءة بعض القصص والرموز القرآنية من هذه الزاوية الفكرية، لا بوصفها نقلاً حرفياً لما ورد في المحاضرة، وإنما بوصفها امتداداً لتأمل شخصي نشأ من الحوار مع تلك الأفكار وإعادة النظر فيها من منظور التشخيص والتجريد.
إن الحديث عن الإنسان الأول ليس حديثاً عن جسد ظهر في التاريخ فحسب، بل عن بداية مسار انتقل فيه الوجود الإنساني من التشخيص إلى التجريد، ومن الصورة إلى المعنى، ومن الطين بوصفه مادةً إلى النفس بوصفها برنامجاً يحمل قابلية الارتقاء والمعرفة.
فالله سبحانه وتعالى هو الخالق المبدع للوجود، المتعالي عن التشخيص والتجسيد، ولا يصح أن تُنقل صفات الخالق المطلقة إلى أي مخلوق، مهما علت منزلته أو ارتفع مقامه. فالأنبياء عليهم السلام مخلوقات مصطفاة، تحمل الرسالة وتدل على الناموس، لكنها لا تتحول إلى آلهة ولا إلى خالقين. ومن هنا فإن آدم عليه السلام يمثل بداية التشخيص الإنساني على الأرض، بينما يمثل نوح عليه السلام مرحلةً متقدمة في إدارة هذا التشخيص وحراسة استمراره في مسار البشرية.
لقد كان آدم عليه السلام بداية ظهور الإنسان في عالم الشهادة، حيث التقت البنية المادية بالنفخة من الروح، فظهرت النفس باعتبارها ذلك الوسيط الذي يصل الإنسان بعالم الأمر، ويمنحه قابلية المعرفة والتكليف والارتقاء. ومن هنا لا ينبغي أن نفهم الروح باعتبارها جسماً يسكن الجسد أو جوهراً مادياً محبوساً داخل الطين، وإنما باعتبارها أمراً إلهياً يتجاوز حدود التشخيص الحسي، بينما تتحرك النفس داخل الإنسان باعتبارها البرنامج الذي يحمل قابلية التدرج والارتقاء.
وعندما نصل إلى نوح عليه السلام، فإننا نرى إنساناً مصطفى حمل أمانة مرحلة فاصلة من تاريخ البشر. لقد أصبح نوح رمزاً للانتقال من عالمٍ استنفد استحقاقه إلى عالمٍ جديد يحمل إمكانية إعادة بناء المسار. وهنا تصبح السفينة أكثر من مجرد وسيلة للنجاة من الماء؛ تصبح في القراءة التجريدية صورةً للبرنامج الذي يحفظ بذور الاستمرار حين ينهار الشكل القديم.
فالطوفان، في مستواه التشخيصي، حدثٌ يرتبط بالماء والسفينة والقوم والنجاة، أما في مستواه التجريدي فإنه يكشف عن قانون أعمق: حين يبلغ الفساد حداً يستحيل معه استمرار البنية القديمة، تبدأ عملية تفكيكها تمهيداً لظهور بنية جديدة. وهنا تصبح السفينة فضاءً لحفظ الاستحقاق، وحفظ القابلية، وحفظ ما يمكن أن يعاد به بناء المسار الإنساني.
لم تكن السفينة إذاً مجرد مركب يحمل أجساداً من مكان إلى مكان، بل يمكن النظر إليها بوصفها بنيةً حافظةً للنسق؛ تحفظ ما ينبغي أن يستمر عندما يتهاوى ما حوله. وكأن الطوفان لا يغرق الأشياء وحدها، بل يغسل منظومةً كاملة من العلاقات والقيم والأنماط التي استنفدت قدرتها على إنتاج الحياة المعرفية والأخلاقية.
ومن هنا يمكن فهم نوح عليه السلام بوصفه حارساً لمرحلة الانتقال. فهو يحمل أمانة المحافظة على استمراره وفق الناموس الإلهي. والفرق بين الخالق والحامل للأمانة هو الفرق بين مصدر الفعل الإلهي وبين الأداة التي يتحقق الفعل من خلالها في عالم التشخيص.
وحين ننتقل من نوح إلى موسى عليه السلام، نجد أن الرمز يتغير، لكن الناموس يستمر. فالعصا ليست إرثاً سحرياً إنما يمكن قراءتها ضمن منظومة الآية والناموس، حيث تتحول الأشياء المشخصة إلى أدوات يظهر من خلالها قانون يتجاوز ظاهرها المادي.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين الشيء وبين القانون الذي يعمل من خلال الشيء. فالعصا في ذاتها ليست مصدر القوة، كما أن السفينة في ذاتها ليست مصدر النجاة، وكما أن الإنسان في ذاته ليس خالقاً للوجود. إنما تكمن القيمة في الناموس الذي يجعل من الشيء المشخص وسيلةً لظهور معنى يتجاوز صورته.
وهذا هو جوهر الانتقال من التشخيص إلى التجريد: أن نتوقف عن التعلق بالصورة حين تكون الصورة مجرد حامل للمعنى، وأن ننتقل من سؤال «من هو الشخص؟» إلى سؤال «ما الناموس الذي يظهر من خلاله؟».
فالأنبياء عليهم السلام هم علامات في مسار الهداية، وكلما ارتفع الإنسان في المعرفة انتقل من التعلق بالشخص إلى فهم الرسالة، ومن تقديس الأداة إلى إدراك القانون، ومن قراءة الحدث باعتباره قصةً منفصلة إلى قراءته باعتباره جزءاً من منظومة سننية أوسع.
ومن هنا أيضاً يمكن فهم الإنسان بوصفه مشروعاً لا نقطةً ثابتة. فالجسد هو تشخيص الإنسان في عالم الشهادة، بينما النفس هي المجال الذي يمكن من خلاله أن يحدث الارتقاء. وكلما ارتقت النفس بالمعرفة والعمل والتزكية، انتقلت من مستوى إلى مستوى، لا انتقالاً مكانياً في السماء، وإنما انتقالاً في دوائر الوعي والاستحقاق.
ولهذا فإن الحديث عن السماوات لا ينبغي أن يُختزل في صورة مكانية جامدة، وإنما يمكن أن يُقرأ كذلك بوصفه تدرجاً في مراتب الإدراك والوعي والارتقاء. فالسماء في هذا السياق ليست مجرد جهة فوق الإنسان، بل يمكن أن تصبح رمزاً لمستوى أعلى من التجريد، ينتقل إليه الإنسان كلما تجاوز حدود التشخيص الضيق.
ومن هنا فإن عبارة «أبناء الحضور الإلهي» تحتاج إلى إعادة فهم دقيقة؛ فالإنسان ليس جزءاً من ذات الله، ولا يحل فيه الإله، ولا يحمل الله في جسده، وإنما الإنسان مخلوق يحمل قابلية التكليف والمعرفة والارتقاء، وتأتي قيمته من كونه قادراً على الانتقال من المادة المشخصة إلى المعنى المجرد.
ويبقى القرآن الكريم حاضراً بوصفه النص الذي يعيد الإنسان إلى ميزان الهداية، فلا يجعل من الرموز آلهة، ولا من الظواهر المادية غايات نهائية. إنه يفتح أمام الإنسان باباً يتجاوز الشكل إلى الدلالة، والحدث إلى الناموس، والقصة إلى السنن، والتشخيص إلى التجريد.
وعند هذه النقطة يصبح الطوفان أكثر من ماء، والسفينة أكثر من خشب، والعصا أكثر من مادة، والإنسان أكثر من جسد؛ فكل تشخيص يحمل وراءه معنى، وكل صورة يمكن أن تكون بوابةً إلى تجريد، بشرط ألا نتوقف عند الصورة ونحسبها الحقيقة النهائية.
إن رحلة آدم ونوح وموسى ليست رحلة أشخاص منفصلين في التاريخ فحسب، بل يمكن قراءتها كرحلة للوعي الإنساني نفسه: آدم يمثل بداية التشخيص، ونوح يمثل حفظ المسار عند انهيار البنية، وموسى يمثل ظهور الناموس من خلال الآية، والقرآن يفتح المجال أمام الإنسان للانتقال من مشاهدة الصورة إلى إدراك القانون.
وهنا تكمن فلسفة التشخيص والتجريد: أن نرى الشيء، ثم نتجاوز الشيء؛ أن نقرأ الرمز، ثم نبحث عن القانون الذي يحكمه؛ أن نعرف الرسول، ثم نفهم الرسالة؛ وأن ندرك أن جميع الموجودات، مهما علت مراتبها، تبقى ضمن عالم الخلق، بينما الخالق سبحانه وتعالى متعالٍ عن كل تشخيص وحدّ وصورة.
فمن طين آدم تبدأ الحكاية في عالم الشهادة، ومن سفينة نوح يستمر المسار بعد انكسار عالم قديم، ومن آية موسى يتكشف معنى الناموس، وبين هذه المراحل كلها يبقى الإنسان في رحلة لا تنتهي: من الصورة إلى المعنى، ومن التشخيص إلى التجريد، ومن ظاهر الوجود إلى قانون الوجود.
مقالة مستوحاة من محاضرة للدكتور هاشم في (فلسفة التشخيص والتجريد)، وهي محاولة أولية لفهم بعض المفاهيم التي طُرحت في المحاضرة وربطها بتأملات في النص القرآني. وما يرد هنا هو قراءة شخصية متواضعة قابلة للنقد والتصحيح والإضافة.
في البدء، يتجلى الوجود كـمصفوفة كونية محكومة بنظام صارم من السنن والقوانين الحتمية، حيث لا يصدر الخلق عن عبث، بل يتدفق من رحم هذه القوانين البدئية. وضمن هذا الهيكل الشامل، يمكن النظر إلى الإنسان من خلال ثلاث طبيعات متمايزة ومتفاعلة: طبيعة طينية تمثل التقوى، وطبيعة نارية تمثل المغامرة والمخاطرة وتفجير الطاقات والإبداعات، وطبيعة نورانية تمثل النفس العليا، وهي الروح.
وهذه الطبيعة النورانية قد تكون في الطريق الشيطاني والطريق الرحماني، لأن النور في ذاته لا يكفي لتحديد المسار، وإنما تتحدد جهة السير بما تقوم به الأنفس من توجيه لهذا النور وما تقيمه من علاقة بين الطاقة والتقوى.
ومن هنا تأتي فكرة استواء الأنفس لتفعيل النفس المطمئنة.
فالطبيعة الطينية يجب أن تستوي على عرش التقوى، أما الطبيعة النارية فيجب أن تستوي على عرش الطاقة، وأي نقصان في إحدى الطبيعتين قد يؤثر في الأخرى. بمعنى أن كلما قل وجود الطبيعة الطاقية أو النارية، أدى ذلك إلى التأثير في التقوى، فيزيد الخوف، ويصير في لوم أكثر، وخوف أكثر.
وهنا لا تكون المشكلة في وجود الطبيعة النارية، ولا في وجود الطبيعة الطينية، وإنما في اختلال النسبة بينهما؛ فالتقوى إذا انفصلت عن الطاقة قد تتحول إلى خوف ولوم وتردد، والطاقة إذا انفصلت عن التقوى قد تتحول إلى اندفاع لا تحكمه الغاية.
لذلك يأتي المعنى الأعمق في إحراق الطبيعة الطينية والنارية بالنار لتصبح نوراً.. أي انتقال الطبيعتين من حالتهما الأولى إلى حالة أكثر تجرداً ووعياً، بحيث لا يبقى الطين مجرد ثقل، ولا تبقى النار مجرد اندفاع، بل يتحول كلاهما إلى نور قادر على الحركة في الطريق الذي يستوي فيه الإنسان مع أمر ربه.
فالطبيعة الطينية جاهلة، ولذلك جاء:
«وعلّم آدم الأسماء كلها».
ومن هنا نقول:
«واتقوا الله ويعلّمكم الله».
أما الطبيعة النارية فهي عالمة، لكنها تحتاج إلى ترويض لتتجسد لأمر ربها. فهي تحمل الطاقة والمغامرة والمخاطرة وتفجير الطاقات والإبداعات، لكنها تحتاج إلى الاستواء حتى لا تتحول المعرفة والطاقة إلى خروج عن الأمر.
ومن هنا يمكن النظر إلى الفرق بين معصية آدم وفسوق إبليس من زاوية لغوية وفلسفية؛ فـ (عصى) من معنى استعصى عليه الأمر، أما إبليس فسق عن أمر الله. فهناك فرق بين طبيعة تستعصي عليها الاستجابة، وطبيعة تخرج عن الأمر.
ولهذا يجب أن تقوم النفس اللوامة، وهي الطبيعة الطينية، بتثبيط الفسوق وتقوى الله، حتى لا تنفصل الطاقة عن التقوى، ولا يتحول العلم إلى فسوق، ولا تتحول التقوى إلى خوف يستهلك الطاقة.
ومن هنا يمكن أن ننتقل إلى سورة الصافات، حيث يظهر بُعد آخر من أبعاد هذه المصفوفة الكونية.
لا تمثل مفاهيم «التذكير» و«التأنيث» مجرد تصنيفات بيولوجية عابرة، بل يمكن النظر إليها بوصفها قوى وجودية فاعلة وقوانين جوهرية تسكن في عمق المصفوفة الكونية، وهي أحد ثنائيات الرحمان.
ومع ذلك، شهد التاريخ البشري انحرافاً إدراكياً؛ فالوعي الإنساني، أو فئات منه، استوعب بُعد «التذكير» وتمثله في واقعه المعاش كحقيقة وظيفية، في حين انكفأ مفهوم «التأنيث» وتعرض للاختزال والتأطير المشوه، فتحول من قانون وجودي كوني إلى مجرد تشخيص وتجسيد قاصر تمليه الثقافة والموروث الاجتماعي.
وهذا التناقض المعرفي والظلم الوجودي هو ما تفككه الآية الكريمة:
«فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ».
فهي لا تعيد سرد ظاهرة اجتماعية فحسب، بل تفتح مساءلة عميقة للوعي البشري التاريخي، ولطريقة اختزاله للأنوثة في صورة محدودة، بينما يتجاوز المفهوم في أصله حدود التشخيص الاجتماعي إلى معنى أوسع داخل النظام الكوني.
ثم يذهب النص القرآني إلى أبعد من ذلك في مساءلته بقوله:
«أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ».
وهنا تأتي ملاحظة مهمة: «وهم شاهدون» ليست إثباتاً بأنهم شهدوا، بل تأتي في سياق الاستنكار والسؤال عن مصدر هذا الادعاء. وكأن السؤال القرآني يعيد الإنسان إلى أصل المعرفة: من أين جاء بهذا الحكم؟ ومن أين له أن يقرر حقيقة غيبية لم يشهدها؟
ومن هذا المنظور يمكن فهم «الأنوثة» بمفهومها الوظيفي الكوني بوصفها ركيزة من ركائز الوجود العليا، لا مجرد تشخيص بشري محدود. أما عبارة «وهم شاهدون» فتأتي لتكشف المفارقة بين الادعاء البشري وبين حقيقة الشهادة والمعرفة.
وهنا تتضح إحدى الإشكالات الأساسية في علاقة الإنسان بالتشخيص والتجريد؛ فالإنسان حين يعجز عن إدراك القانون في تجرده، قد يقوم بصبه في صورة مادية أو اجتماعية ثابتة، ثم يتعامل مع الصورة وكأنها هي الحقيقة ذاتها.
وهذا هو الخطر في التشخيص القاصر؛ أن يتحول القانون الكوني إلى صورة مغلقة، وأن يتحول المعنى إلى قالب، وأن يتحول التجريد إلى تشخيص جامد.
أما الحقيقة الكونية فتقوم على التناغم الوظيفي التام، بعيداً عن أوهام الاستعلاء البشري، لأن الاختلاف بين الطبيعة الطينية والنارية والنورانية، وبين التذكير والتأنيث، لا يعني بالضرورة مفاضلة في القيمة، وإنما يمكن أن يشير إلى تنوع في الوظيفة داخل المصفوفة الكونية.
وهنا تعود فكرة استواء الأنفس إلى مركز المشهد؛ فالاستواء ليس إلغاءً لطبيعة لصالح أخرى، وإنما هو إعادة كل طبيعة إلى موضعها، بحيث تستوي الطبيعة الطينية على عرش التقوى، وتستوي الطبيعة النارية على عرش الطاقة، وتتجه الطبيعة النورانية نحو النفس العليا، حتى تتفاعل هذه المستويات دون أن يطغى أحدها على الآخر.
فالطين يحتاج إلى النار، والنار تحتاج إلى الترويض، وكلاهما يحتاج إلى النور.
وإذا استوت الأنفس، أمكن للطبيعة الطينية أن تتجاوز الجهل بالخضوع للتقوى، وللطبيعة النارية أن تتجاوز الاندفاع بالترويض، وللطبيعة النورانية أن تتجاوز احتمالات الانحراف بتحديد الطريق الذي تسلكه.
وهكذا يصبح استواء الأنفس ليس مجرد حالة نفسية، بل حركة انتقال من التشخيص إلى التجريد، ومن الصورة إلى القانون، ومن الخوف إلى التقوى، ومن الطاقة المنفلتة إلى الطاقة المستوية، ومن المعرفة المجردة إلى التجسد لأمر الرب.
خاتمة
لعل جوهر المسألة كلها أن الإنسان لا يحتاج إلى إلغاء طبيعته، بل إلى إحراقها بنار المعرفة حتى تتحول إلى نور؛ فلا يقتل الطين فيه، ولا يخمد النار، ولا يحبس النور داخل تشخيص ثابت، وإنما يجعل لكل طبيعة عرشها ووظيفتها ومسارها. فالتقوى بلا طاقة قد تتحول إلى خوف ولوم، والطاقة بلا تقوى قد تتحول إلى فسوق، والنور بلا توجيه قد يسلك الطريق الشيطاني أو الرحماني. لذلك يبقى استواء الأنفس هو الطريق إلى النفس المطمئنة، حيث لا تتصارع الطبيعة مع الطبيعة، بل تستوي كل واحدة منها في موضعها، لتلتقي في النهاية عند معنى واحد: أن يتحول التشخيص إلى وعي، والتجسيد إلى معنى، والطين والنار إلى نور.
في كل ورقة خضراء يلتقي عالمان: عالم السماء البعيد، حيث تشتعل الشمس على مسافة مئة وخمسين مليون كيلومتر، وعالم الأرض القريب، حيث التراب والماء. والشجرة هي المكان الذي يتصالح فيه هذان العالمان. ولا يسعى هذا المقال إلى إثبات النص بالعلم، ولا إلى إخضاع العلم للنص. غايته أن ينظر في الظاهرة بعين العالِم أولاً، ثم يتأملها بعين المتدبّر.
أولاً: ما الذي يفعله الضوء في الورقة؟
حين يسقط الضوء على الورقة، تلتقطه صبغة الكلوروفيل، وهي تمتص الأحمر والأزرق من طيف الشمس وتعكس الأخضر. ذلك الأخضر الذي نراه هو ما رفضته الشجرة من الضوء.
تثير طاقة الفوتون إلكتروناً في الكلوروفيل فتدفعه خارج مداره. ولكي تعوّض الشجرة ما فقدته، تفعل شيئاً مدهشاً: تشطر جزيء الماء. ومن هذا الانشطار يخرج الأكسجين الذي نتنفسه. فالأكسجين الذي تطلقه الشجرة مصدره الماء، لا ثاني أكسيد الكربون كما يُظن عادة.
ثم تأتي المرحلة الثانية. تستعمل الشجرة الطاقة التي اختزنتها من الضوء، ومعها إنزيماتها الخاصة، وأشهرها إنزيم "روبيسكو"، لتلتقط ثاني أكسيد الكربون من الهواء وتبني منه السكر. ومن السكر يُبنى الخشب واللحاء والجذر وكل شيء فيها.
فالضوء يَفصل، والشجرة تَبني. الضوء لا يصنع الشجرة، والشجرة لا تستغني عن الضوء.
ومن أغرب ما كشفه العلم أن معظم كتلة الشجرة لا يأتي من التربة. فقد زرع الطبيب البلجيكي فان هلمونت في القرن السابع عشر شتلة صفصاف في وعاء موزون من التراب، ورواها بالماء وحده خمس سنين. زاد وزن الشجرة عشرات الكيلوغرامات، بينما لم ينقص التراب إلا بضع عشرات من الغرامات. فالشجرة في جوهرها هواءٌ وماءٌ عقدهما الضوء، أما التراب فيمنحها الماء والمعادن ويمنحها المقام.
ثم إن الشجرة لا تستقبل الضوء استقبالاً سلبياً، بل تتوجّه إليه. فهرمون "الأوكسين" يتجمّع في الجانب المظلل من الساق، فتستطيل خلاياه أكثر من خلايا الجانب المضاء، فينحني الساق نحو النور. ولهذا تنمو أشجار الغابة الكثيفة طويلة نحيلة تتسابق إلى الضياء، بينما تنبسط الشجرة الوحيدة في السهل على جوانبها.
ثانياً: النار والطين
يتصوّر المشروع الفلسفي في "فلسفة التشخيص والتجريد" لهاشم نصار الإنسانَ كائناً يلتقي فيه عنصران: عنصر ناريّ وعنصر طينيّ، ومن اجتماعهما تتشكّل النفس، فلا هي نار خالصة ولا طين خالص.
وإذا نقلنا هذه الرؤية إلى الشجرة، وجدنا البنية نفسها ماثلة أمامنا. فضوء الشمس ليس إلا ناراً في أصله، إنه ثمرة اندماج نوويّ في قلب نجم مشتعل، قطع المسافة إلى الأرض في نحو ثماني دقائق. والتربة والماء هما الطين. والشجرة هي الكائن الثالث الذي لا يُردّ إلى أحدهما: هي النار حين تسكن الطين، والطين حين يتشرّب النار.
والدليل على أن النار ساكنة في الشجرة أنها تعود إذا احترق الخشب. فاللهب الذي يخرج من الحطب هو ضوء الشمس المختزن يُطلَق من جديد بعد سنين من الحبس. وهنا يحضر قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: 80]. الشجر أخضر رطب، ومع ذلك تسكنه النار.
فالضوء طاقة مجرّدة لا جسد لها، والتمثيل الضوئي هو تشخيصها وإنزالها إلى جسد من خشب وورق. أما الاحتراق فهو التجريد المعاكس: الجسد يعود طاقةً ونوراً. فالشجرة تقف على الحدّ بين المجرّد والمشخّص، تستقبل الأول وتصير الثاني.
ثالثاً: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾
في سورة الرحمن: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 5–6].
والسجود في هذه الآية لا يُفهم بمعنى العبادة، بل بمعناه الأصيل في اللغة: الميل والانحناء وتطويع الذات. فالعرب تقول "نخلة ساجدة" إذا أمالها حملها. فالنخلة لا تعبد شيئاً، لكنها تنحني لأن ثقل ثمرها طوّع قامتها. وبهذا المعنى يكون سجود النجم والشجر تطويعاً للقدرة: كلٌّ منهما يطوّع ما يملكه من قدرة ليلتقي بالآخر.
فالنجم يملك قدرة هائلة: نار اندماج نووي لو اقتربت لأحرقت كل شيء. لكنه يطوّع هذه القدرة فيرسلها ضوءاً بقدر، على مسافة محسوبة، فتصل إلى الورقة طاقةً تحتملها وتنتفع بها. وليس عبثاً أن تسبق الآيةَ عبارةُ ﴿بِحُسْبَانٍ﴾، فالعطاء الذي لا يُطوَّع يُهلك، والعطاء المطوَّع يُحيي.
والشجرة كذلك تملك قدرتها: قدرة الطين على الحمل والإمساك والبناء. فتطوّعها لاستقبال النار، فتنحني نحو الضوء، وتفرد أوراقها له، وتشطر الماء لتفسح له مكاناً في جسدها، ثم تبني منه خشباً وثمراً. فهي لا تتلقى الضوء كما هو، بل تطوّع نفسها لتصير وعاءً له، وتطوّعه ليصير جسداً.
وهذا هو جوهر السجود المتبادل: النار تنزل عن شدّتها لتلائم الطين، والطين يرتفع عن كثافته ليستقبل النار. لا أحدهما يُلغي الآخر، ولا أحدهما يذوب فيه، بل كلٌّ منهما يطوّع قدرته فتولد من اللقاء حياة ثالثة.
وهذا بعينه هو مبدأ فلسفة التشخيص والتجريد. فالمجرّد لا يتجسّد إلا إذا طوّع إطلاقه، والمشخَّص لا يرتقي إلا إذا طوّع كثافته. التجريد وحده نارٌ بلا مستقر، والتشخيص وحده طينٌ بلا روح، ولا يكون الوجود الحيّ إلا في المنطقة التي يسجد فيها كلٌّ منهما للآخر.
وكما تتكوّن النفس الإنسانية من التقاء النار بالطين حين يطوّع كلٌّ منهما قدرته للآخر، كذلك تتكوّن الشجرة من التقاء نار النجم بطين الأرض. فالسجود ليس انكساراً ولا تبعية، بل هو الشرط الذي به يلتقي المختلفان، والقانون الذي به تُبنى الحياة من عناصر متباعدة.
خاتمة
ليس القرآن كتاباً في علم النبات، ولا ينبغي أن يُحمَّل ما لم يقصد إليه. لكن العلم حين يكشف أن الشجرة ضوءٌ مُجسَّد، وأن أنفاسنا ماءٌ شطره النور، وأن الحطب شمسٌ مختزنة، فإنه يفتح باباً أوسع لتدبّر الآية.
فالنجم والشجر يسجدان، أي يطوّع كلٌّ منهما قدرته للآخر: النجم يعطي بقدر، والشجرة تأخذ بقدر، ومن هذا التطويع المتبادل تقوم الحياة. وبين نار السماء وطين الأرض تقف الشجرة كما يقف الإنسان: كائناً لا يكتمل بقوته وحدها، بل بقدرته على أن يطوّع هذه القوة للقاء ما يكمّله.
كم مرة قرأناها ؟ كم مرة مررنا بهذه الأيات مرور الكرام ؟ اليوم فقط أدركت معناها التجريدي بعد ما كنت أعتقد أن الله عز و جل يحدثنا عن ما سبقنا من الرسل و الأنبياء و الصالحين، و كأن الزمان توقف عندهم ولم يعد هناك صلاح و لا صالحون !!!
يزداد اعتقادي يوما بعد يوم أن فلسفة التشخيص والتجريد هي منهج حياة يصبح به كل ما يدورحولنا لا نلتقطه بفؤادنا فقط بل يسبقنا إليه القلب .
فتجاوز التشخيص لا يعني اقصاؤه بل التعمق في باطن المعنى والمقصود .
تساءلت لماذا كرر الله عز وجل كلمة "السابقون" ؟ هل للتأكيد ؟ أم أن هناك أكثر من سابق وسباق ؟
أبو راشد فتح أمامي بابا للتفكر حين جرد معنى الآية وجعلها تحمل مقامين تشخيصي وتجريدي.
حيث أشار أن سرعة اتصالنا بالله تجعلنا من السابقون تشخيصيا و تجريديا ,وهذا يحيلنا إلى موضوع السباق ,السبق ,السرعة , الزمن , وفيزياء الكم.
ولعل كلمة السابقون تفتح لنا بابا أوسع للتأمل في مفهوم السبق نفسه: فما معنى أن تسبق؟ وهل السبق دائما سباق في المكان، أم يمكن أن يكون سباقا في الزمن، وفي الوعي، وفي سرعة الاتصال والتمعرج ؟
نحن نتصور الزمن عادة كما في الفيزياء الكلاسيكية القديمة خطا تسير عليه الأشياء من الماضي إلى المستقبل، ونقيس السبق بمقدار ما قطعناه على هذا الخط أسرع من غيرنا. لكن فيزياء الكم جعلتنا نعيد النظر في هذه التصورات البسيطة عن المكان والزمن , ففي العالم الكمي، لا ينحصر الجسيم في موضع واحد بل يوجد في حالة تراكب كمي تتضمن احتمالات متعددة في نفس الوقت، كما يظهر التشابك الكمي إمكانية الاتصال الفوري بين الجسيمات دون الحاجة لقطع الطريق خطوة بخطوة.
فيزياء الكم تفتح مفاهيم الاحتمال وعدم اليقين، الانتقال من عالم واضح إلى عالم من الاحتمالات حيث تتعدد اختياراتنا للاشياء فيكرس الله لنا كل السبل وكل الأسباب، شبكه معقدة وخوارزميات متعددة ، ولنا الإختيار أي طريقاً نسلك؟ وبأي سرعة؟ وإلى أين الوجهة؟
يمكن أن نستأنس بهذه الصورة لنسأل: هل السبق يتعلق فقط بمن وصل أولا في المسار المادي، أم بمن كان أسرع اتصالا وإقبالا واستجابة؟
فإذا كان الزمن عندنا مقياسا ظاهرا للسبق، فإن السبق في معناه الأعمق هو سبق بالوعي وحضور القلب, إنه تجاوز للمسافة بين الإنسان ومقصده اتصال فوري يختصر كل الأوقات والخطوات، حتى يصبح السؤال ليس: من سبق في الطريق؟ بل: من كان أسرع وصولا وإقبالا؟
« إنا لله وإنا إليه راجعون »
ثمة نصوص لا نقرأها لنفهم ما كُتب فيها فحسب بل نقرأها فتفتح في داخلنا أبوابًا جديدة لفهم ما كنا نظنه مفهومًا من قبل وهذا ما فعله بي نص الدكتورة أسماء إذ لم يأخذني إلى الصبر والرضا والتوكل والأمانة بوصفها مقامات منفصلة في التجربة الإنسانية بل أعادني إلى أصل أعمق تتجمع عنده هذه المقامات كلها في حركة واحدة هي حركة الإنسان بين الصورة والمعنى وبين التشخيص والتجريد وبين ما يظهر له في لحظته وما ينكشف له حين تتسع رؤيته ومن هنا استوقفتني من جديد الآية الكريمة ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ لا بوصفها عبارة تقال عند الفقد فحسب بل بوصفها مفتاحًا بنيويًا لحركة الإنسان كلها فنحن لله في أصل الأمانة وإليه في أصل الرجوع وما بين الانتماء والرجوع تتشكل رحلة الوعي وتتراكم السعة وتتحدد الأهلية وتتبدل دلالات الأحداث فما نراه نهاية قد يكون شرطًا لبداية وما نحسبه منعًا قد يكون احترازًا وما نعيشه صبرًا قد يكون في حقيقته بناءً داخليًا لمقام لم تكتمل شروط ظهوره بعد ومن هذا الأفق أخذت أقرأ مقامات الصبر والرضا والتوكل والأمانة من خلال المنظور التحليلي للأبعاد السبعة في فلسفة التشخيص والتجريد للأستاذي الفاضل الدكتور هاشم نصار لأرى كيف يمكن للحدث أن ينتقل من مجرد صورة تقع علينا إلى وظيفة داخل البنية ثم إلى مقام تتحدد فيه قيمته وصولًا إلى أثر يتجاوز اللحظة ويعيد تشكيل وعينا بحركة الرجوع ذاتها..
وعليه بدأ لي جليآ كيف ان فلسفة التشخيص والتجريد للدكتور هاشم نصار تقدم لنا حركة إدراكية متكاملة، ينقل فيها الإنسانُ الحدثَ من مجرد "صورة" حسيّة أو واقعة جزئية إلى "وظيفة" تؤدي دورًا في البنية، ثم إلى "مقام" يمنح هذه الوظيفة قيمتها، وصولًا إلى "الأثر والمعنى" الذي يتجاوز اللحظة الزمنية. ففي مستوى التشخيص، يظهر الحدث في شكله الظاهر: فقدٌ، أو تأخير، أو منع، أو فرصة، أو تحول. أما التجريد، فلا يلغي الصورة ولا يهدر الواقعة، بل يقرأ ما وراءها بحثًا عن السعة المطلوبة لحملها، والاستحقاق المؤهل للدخول في قوانين مقامها الجديد.
تفاعل الأبعاد السبعة مع شروط الظهور:
البعد الافتراضي (انفتاح الإمكان): يتأسس على أن الواقع ليس صورة مغلقة أو حتمية معتمة، بل هو مجالٌ مفتوح لإمكانات متعددة. فما نراه بوعينا المحدود "نهاية" قد يكون في الشروط الأوسع "بداية"، وما نعدّه "تعطيلًا" هو إمكانٌ لمسار لم تكتمل شروط ظهوره بعد. هنا يتدرّب الوعي على ألا يحصر الحقيقة في الطبقة الأولى التي يقدمها الحس.
البعد التراكمي (بناء السعة وتراكم الأثر): يكشف أن التجارب لا تُهدر مطلقًا، حتى تلك التي تبدو في ظاهرها مؤلمة أو معطلة. فكل موقف يضيف إلى سعة الكيان، وكل صبر يراكم قدرة باطنية، وكل مراجعة تعيد بناء آلية الاستقبال في القلب والفؤاد. وبذلك يتجلى الصبر لا بوصفه انتظارًا سلبيًا للزمن الخطي، بل «تراكمًا باطنيًا واستكمالًا لشروط الظهور» يهيئ الإنسان لحمل ما سيظهر له لاحقًا.
البعد الاستحقاقي (شرط الأهلية ومقام الحمل): أن مجرد الرغبة في الشيء لا تعني الأهلية لحمله؛ فالرغبة تتعلق بالصورة، أما الاستحقاق فيتعلق بـ "المقام" ومتطلباته. فقد يطلب الإنسان مساحة جديدة فيما بنيته القديمة ما تزال تعمل بقوانين مساحة أصغر. ومن هنا يصبح تأخر الظهور رحمةً واستكمالًا للأهلية؛ حتى لا يتحول الظهور المبتسر إلى عبء يهدِم البنية قبل اكتمال سعتها.
البعد الاختياري (تفعيل الإرادة ومقام التوكل): يؤكد أن الإنسان ليس متلقيًا انفعاليًا للمسار، بل هو شريك في تشكيل تجلياته عبر الاختيار والاستجابة. وهنا يتجلى التوكل بمفهومه الأعمق في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159]؛ إذ يأتي التوكل بعد بذل الوسع والعزم (أي استنفاد الأسباب الاختيارية في مستوى التشخيص)، لتسليم النتائج وإحالتها إلى المسبب في مستوى التجريد.
البعد الاعتباري (إعادة ترتيب القيمة والمعنى): يعيد تنظيم سلم القيم ودلالة الأحداث داخل الوعي. فما كان يُقرأ كخسارة يرتفع ليكون درسًا بانيًا، وما بدا حرمانًا يتكشف عن حماية. وهذا يتطابق مع المفهوم القرآني للرضا في قوله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ... وَاللَّهُ ييعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تيلَعْمُونَ﴾ [البقرة: 216]. فالرضا لا ينفي شعور الألم الطبيعي في الصورة، لكنه يحرر دلالة الحدث من حكم الوعي العاجل، وينقله إلى مقام الاعتبار.
البعد الاحترازي (عصمة المسار وحفظ السعة): يتجلى في الأبواب المغلقة، والنتائج التأجيلة، والمنع الظاهر. فالمنع في حقيقته ليس حرمانًا بقدر ما هو «وظيفة وقائية» تحمي الكيان من ورود معارف أو تجارب تتجاوز سعة استيعابه الحالية فتفسد بنيته. فالاحتراز هو الصيانة الإلهية للمسار حتى تتشكل في الداخل قابلية الحمل.
البعد الانسياقي (امتداد الأثر وتجاوز اللحظة): يكشف أن الأحداث لا تستنفد معناها في لحظة وقوعها، بل تمتد أفقياً ورأسياً لتسحب الإنسان نحو مقاصد أوسع. فقد يدخل المرء تجربة لغاية يظنها نهائية، ثم يتكشف له بالأثر الرجعي أنها كانت مجرد مرحلة إعداد وتجسير لمقام لم يكن قادرًا على دخوله مباشرة.
الأمانة، والمعراج، وحقيقة الرجوع:
في هذا النسق المتكامل، تأخذ «الأمانة» أبعادًا وجودية تتجاوز التكليف الظاهر إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ... وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾ [الأحزاب: 72]. فالأمانة هنا هي «قدرة الانسان على حمل مستوى أوسع من الحقيقة دون مسخها أو إفسادها أو إعادة تقزيمها داخل النماذج القديمة». وكلما اتسعت سعة الإدراك، عظمت الأمانة وتضاعفت المسؤولية؛ لأن ما يدخل دائرة الوعي يدخل حُكمًا في دائرة الفعل والأثر.
ومن هذا المنطلق، اقراء الآية الكريمة: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ كدلالة بنيوية شاملة:
﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾: تحرير كامل للإنسان من وهم التملك المطلق للصور والنتائج، وإرجاع لمبدأ الملكية والأمانة إلى أصلها الإلهي.
﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾: وضع كل تجربة جزئية (من فقدٍ أو كسب) داخل حركة "الزمن الطباقي/الدهري" ومسار الرجوع الأكبر، فلا تعود الخسارة حدثًا منقطعًا عن الغاية، ولا يبقى الفقد خروجًا عن المعنى.
أما «المعراج»، فيتحول في هذه القراءة من مجرد واقعہ تاريخية إلى نموذج معرفي يمثل «انتقالًا حقيقيًا في قابلية الوعي والسعة والمقام». إنه الارتقاء من أسر "الصورة" إلى إطلاق "التجريد"، ومن استهلاك الغلاف إلى استخلاص الجوهر. وهنا تتجلى لي قراءه اكثر تجريدا لقولة تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: 1]، فإن رؤية الآيات مشروطة بمدى الأهلية والقابلية للرؤية والتمكين الباطني؛ إذ كل ارتقاء في المقامات يستدعي تجريدًا متزايدًا من حدود المستويات السابقة لاستيعاب تجليات المستوى الأعلى، وهنا ايضا استحضرني ما كان يردده دائما استاذى الفاضل ابوراشد في مقام سيدنا ابراهيم وما اضاءة لنا في قراءة الايه ﴿ وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ .
ومن وحي نص الدكتورة أسماء وركائز فلسفة التشخيص والتجريد، وجدت اضاءه جديده في قراءة هذه المقامات :
الصبر: تراكمٌ باطني للسعة، واستكمالٌ لشروط الاستحقاق، وليس انتظارًا سلبيًا لمرور الزمن.
الرضا: إعادة تموضع لقيمة الحدث ودلالته داخل المسار الكلي، وليس إنكارًا للواقع أو تحييدًا للشعور.
التوكل: ممارسة اختيارية تجمع بين استنفاد الأسباب في عالم التشخيص، وتسليم الغايات إلى الحكمة في عالم التجريد.
الأمانة: المقياس الدقيق لمدى أهلية البنية لحمل الحقائق وتنزيلها في الواقع دون تحريف.
الرجوع: البوصلة الكلية التي تذكرنا بأن الوجود أوسع دائمًا مما نراه، وأن العالم القابل للظهور يتسع كلما اتسعت قدرتنا على الحمل والارتقاء.
«لا أبالي بعد اليوم… أعلم أن الرسالة وصلت واستقرت بمشيئة الله… قوة يا الله… مدد يا الله.»
هكذا كتب الدكتور هاشم.
استوقفتني المسافة بين وصلت واستقرت.
فالوصول يمكن أن يحدث بمجرد أن تعبر الفكرة إلى الآخر، أما الاستقرار فلا يُقاس بما حُفظ منها ولا بما أُعيد قوله. ثمة شيء آخر ينبغي أن يحدث بعد الوصول حتى يستطيع صاحب مشروع فكري أن يطمئن إلى أن رسالته لم تُسمع فقط، وإنما وجدت موضعًا تعمل منه.
ومن هذه المسافة أخذني القرآن إلى البلاغ:
<مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ>
ثم:
<فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ>.
يضع القرآن حدًا دقيقًا بين ما يحمله المبلِّغ وما يحدث بعد أن يبلغ. هناك فعل يمكن القيام به إلى غايته، ثم تأتي لحظة تعبر فيها الرسالة إلى مساحة أخرى، فلا يعود مصيرها كله في يد من حملها.
وحتى في جرس البلاغ وبنيته يظل معنى البلوغ حاضرًا: حركة لا تقف عند صدور القول، وإنما تمتد إلى أن يبلغ مداه. أما ما يبدأ بعد ذلك، فلا يعود جزءًا من سلطة المبلِّغ.
ومن هنا لم أعد أقرأ عبارة الدكتور هاشم في حدود موقف قيلت فيه.
ماذا يعني أن تصل رسالة مشروع فكري؟
فلسفة التشخيص والتجريد لا تختبر وصولها حين تنتشر مفرداتها فقط. فالمصطلح أسرع الأشياء انتقالًا؛ يمكن أن ينتقل من كتاب إلى حديث، ومن حديث إلى مقال، وأن يظل في رحلته كلها على سطح الوعي.
يمكن أن نقول «التشخيص» و«التجريد» كثيرا دون أن يتغير الموضع الذي ننظر منه، وأن نتحدث عن السعة ثم نضيق أمام التصويب، وأن ندعو إلى تحرير القراءة من المحمولات السابقة ثم نحملها معنا إلى النص دون أن نشعر.
وقد يتحول المنهج الذي جاء ليفتح السؤال إلى أجوبة جاهزة نحرسها.
عندها يكون اللفظ قد بلغ، ولم يبلغ المنهج بعد.
فالمنهج يستقر حين يبدأ الاشتغال في الطريقة التي نقرأ بها، وفي نوع السؤال الذي نبنيه، وفي قدرتنا على مراجعة ما انتهينا إليه.
وحين يحدث ذلك في أكثر من شخص، يتغير شكل البلاغ نفسه.
لا تعود هناك رسالة تنتقل من مركز إلى أطراف صامتة. يبدأ الذين تلقوا بالمشاركة في حركتها؛ سؤال يفتح سؤالًا، وقراءة تستدعي قراءة، وتصويب يعيد بناء معنى، ثم يخرج من كل ذلك شيء لم يكن موجودًا بالصورة نفسها عند نقطة البداية.
وهنا استوقفني قوله تعالى:
<هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ>
بلاغ للناس.
ومن هذه الزاوية يتسع أثر فلسفة التشخيص والتجريد عن أي فرد بعينه.
فإذا أحدث المنهج تحولا في قارئ، ثم ظهر شيء من ذلك في نص يقرؤه آخر، فقد خرج الأثر من العلاقة المباشرة مع مصدره ودخل دائرة جديدة. وإذا ولّد سؤالًا فتح بدوره بحثًا آخر، فقد صار للمشروع امتداد لا يمكن اختزاله في تكرار ما قيل فيه.
وقد يصل شيء من هذا الأثر إلى إنسان لم يقرأ الموسوعة أصلًا؛ لا يصل إليه اسم المصطلح بالضرورة، وإنما تصل إليه ثمرة سؤال، أو دقة تمييز، أو قراءة أعاد شخص آخر بناءها تحت تأثير المنهج.
هنا تبدأ دوائر البلاغ.
ومنذ تلك اللحظة لا يعود المشروع محمولا بصوت واحد.
تتعدد الأصوات، وتتعدد معها زوايا النظر. يدخل كلٌّ من موضعه، ويلتقط ما استطاع أن يراه، ثم يضيف السؤال الذي لم يكن موجودًا قبله. وإذا بقي الجميع يبحثون عن العبارة ذاتها ليعيدوها، فلن تتسع الرسالة؛ سيتسع صداها فقط.
وهنا وجدتني أعود إلى تركيب قرآني بالغ الإيجاز:
<فَبَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ>
ما أُنزل إليك.
ففي البلاغ أمانة تجاه ما يُحمل؛ لأن المعنى حين يعبر من إنسان إلى آخر يمر عبر وعي حامله، وهنا تصبح المسافة دقيقة بين أن نفتح للمنهج طريقًا جديدًا، وبين أن نضيف إليه من صورنا ثم نحسبها منه.
وهذا يجعل الذين يكتبون ويناقشون داخل فضاء فلسفة التشخيص والتجريد جزءًا من حركة المشروع نفسها، لا مجرد متلقين له.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر صعوبة:
ماذا سيحدث للمشروع وهو يعبر؟
فالرسالة التي تجاوزت صاحبها بدأت حياتها خارجه. ستدخل أسئلة لم تكن مطروحة عند تأسيسها، وتلتقي بمعارف جديدة، وتوضع أدواتها أمام مسائل لم تُختبر فيها من قبل.
وهناك يظهر معدن المنهج.
أن يستطيع الذهاب إلى الجديد دون أن يفقد أصوله، وأن تبقى العودة إلى الأصل ممكنة دون أن تتحول إلى إقامة دائمة عند لحظة البداية.
وعندها لا يعود أثر الدكتور هاشم قابلا للقياس بعدد الذين يتحدثون عن فلسفة التشخيص والتجريد، وإنما بما أصبح ممكنًا في فضائها: أسئلة لم تكن لتُطرح بالطريقة نفسها، وقراءات تعيد فحص أدواتها، ومساحات معرفية يفتحها المنهج من غير أن تكون نسخا لما سبقها.
وهنا أعود إلى الجملة الأولى، وقد أصبح وقعها مختلفا:
«أعلم أن الرسالة وصلت واستقرت.»
لعل الاستقرار لا يعني أن الرسالة وجدت مكانًا تسكن فيه.
قد يعني أنها وجدت مكانا تنطلق منه.
وهنا يتغير معنى الوصول كله.
فأبعد نقطة يبلغها مشروع فكري ليست بالضرورة آخر شخص يسمع به، وإنما اللحظة التي يصبح فيها قادرًا على أن يغادر صوت صاحبه، ويمر عبر عقول متعددة، ويفتح ما لم يكن مفتوحًا، من غير أن يفقد الخيط الذي يصله بأصله.
عندها لا يعود البلاغ نهاية حركة بدأت عند صاحب المشروع.
يصبح بداية حركة لم يعد صاحب المشروع وحده من يصنع مداها.
ولعل لهذا جاءت بقية العبارة:
«قوة يا الله… مدد يا الله.»
فحين تبدأ الرسالة حياتها خارج صاحبها، لا يكون الطريق قد انتهى.
يكون قد اتسع.
خرجتُ اليوم من موقف لايعدو في ظاهره إلا ملاحظة على مقال.. ثم اكتشفت أن معناه كان أعمق من المقال نفسه...
أدركتُ أن الفكر لا يُختبر دائمًا في قدرتنا على شرحه ولا في براعتنا في الدفاع عنه ولا في كثرة المصطلحات التي نحسن استخدامها..
أحيانًا تكشف ملاحظة صغيرة مقدار ما انتقل من المعرفة إلى داخلنا خصوصًا حين تمس شيئًا ربما كتبناه بمحبة واجتهاد...
...هناك فرق كبير
بين أن أحمل فكرة وبين أن تحملني هي...!
بين أن أعرف معنى السعة وبين أن تتسع نفسي فعلًا...
بين أن أتحدث عن التجريد وبين أن أستطيع في لحظة النقد أن أُجرّد ذاتي عن النص الذي كتبته فلا أتعامل مع الملاحظة كأنها انتقاص مني....
..قد نحفظ أوسع المفاهيم ونكتب عنها بأجمل لغة ثم تنكشف حقيقة علاقتنا بها عند أول احتكاك يمس صورتنا أمام الآخرين.
(( فحين تتحول الفكرة إلى هوية ندافع عنها..يصبح النقد تهديدًا...!
ولكنها حين تتحول إلى أمانة يصبح النقد جزءًا من صيانتها..)).
((((..الملاحظة التي تأتي على النَص لا تنتقص من صاحبه..بل ربما كانت هي إحدى أجمل وأوفى وأكمل صور احترامه..))))
لأن النَص الذي يستحق أن يُقرأ يستحق أيضًا أن يُراجع وأن يُناقش وأن يُفتح فيه موضع أوسع للمعنى.
..تعلمت (( أن السعة ليست إستيعاب رأي الآخر فقط...ولكنها ألا تضيق النفس حين تتغير صورتها عن نفسها..وأن تستقبل التصويب من غير أن تبحث سريعًا عن حماية لتلك الصورة..
أن يبقى القلب مفتوحًا في اللحظة التي كان يمكن للأنا أن تغلقه...)).
وربما كان هذا إحدى صور الإستحقاق..فنحن لا نستحق حمل معرفة أكبر لأننا قرأنا أكثر فقط..
فربما كان من شروط الإستحقاق أن تصبح بنيتنا الداخلية قادرة على حمل أثر هذه المعرفة من غير أن تحولها إلى سلطة أو تفوق أو صورة نتشبث بها....
الفكر الكبير يحتاج وعاءً يتسع له..
فإن اتسعت الفكرة وضاق حاملها تحولت مع الوقت إلى عبء عليه وإن ارتفع الخطاب وبقي الداخل خاليًا أصبحت الكلمات أكبر من صاحبها...
لهذا أجد أن الأخلاق ليست شيئًا يضاف إلى الفكر بعد اكتماله ولكنها جزء من أهليتنا لحمله أصلًا...فالوعي الذي لا يظهر في طريقة الإصغاء وفي التواضع أمام التصويب وفي القدرة على فصل الذات عن الفكرة ((يبقى معرفة لم تكتمل شروط ظهورها بعد..)).
وحين يبدأ المنهج بالعمل فينا تتغير طريقة تلقينا وتصرفنا وحضورنا مع الآخرين..
وحين يصل الفكر إلى هذه المساحة يصبح أثرًا في الأخلاق والسلوك وليس مجرد فكرة نحسن حملها في الكلام..
.
وهنا عرفانًا مني بالفضل لابد لي أن أقول...
شكرًا لمن علّمني هذا كله من غير أن يلقنني كلمة... 🙏🥹
شكرًا للقدوة حين تصبح أبلغ من الشرح وأعمق من الدرس... 🙏حين يصل المعنى إلينا مجسدًا في السلوك قبل أن يصلنا مكتوبًا في الكلمات...
يبدأ أحد أعمق التحولات التي أحدثتها فينا فلسفة التشخيص والتجريد حين ندرك أن الوجود وحده لا يكفي لفهم ما يظهر لنا منه.
فالشيء قد يكون موجودًا أمامنا قريبًا منا.. داخل حياتنا نفسها ومع ذلك يبقى خارج مجال وعينا الفعلي.
وحين يتغير الوعي يتغير مقدار ما يستطيع أن يظهر من العالم.
في هذا الموضع تفقد الصورة قدرتها على احتكار المعنى فالتشخيص يمسك بما ظهر ( حدثًا.. شخصًا.. نباتًا.. مكانًا.. كلمة.. تقنية.....الخ)
أما التجريد فيقرأ ما وراء الصورة دون أن يلغيها.. يبحث عن الوظيفة ثم عن المقام الذي تعمل فيه هذه الوظيفة وعن الشروط التي جعلت ظهورها ممكنًا في هذا الموضع وهذا الزمن.
بهذه القراءة لا تُفهم دلالة الشيء من ماهيته وحدها وإنما من موقعه داخل البنية أيضًا.
فالشيء الواحد يمكن أن يؤدي وظائف مختلفة تبعًا للمقام الذي يدخل فيه..والفعل نفسه قد تتغير قيمته حين يتغير الموضع الذي يصدر عنه.
ف(الوظيفة) تكشف ماذا يفعل الشيء..و(المقام) يكشف لماذا أصبحت لهذه الوظيفة قيمتها هنا تحديدًا.
وإذا كان المقام يحدد موضع الوظيفة فإن (السعة) تكشف مقدار ما يستطيع الوعي أن يحمله منها.
فالوعي لا ينفتح على الوجود كله بالدرجة نفسها..وما يتجاوز سعته قد يمر أمامه من غير أن يدخل حيّز المعرفة..فالسعة ليست كثرة معلومات إنها(( قدرة الكيان على حمل مستوى أوسع من الحقيقة من غير أن يعيده قسرًا إلى نماذجه القديمة)).
ولهذا تتداخل السعة مع الأمانة..فالأمانة لا تتعلق بما يصل إلينا فقط وإنما (( بما نستطيع أن نحمله من غير أن نفسده)).
وكل اتساع حقيقي يحمّل الإنسان مسؤولية أكبر لأن ما يدخل دائرة إدراكه يدخل معها إلى دائرة فعله وأثره.
(( يمكن للحقيقة إذن أن تكون موجودة فيما يبقى ظهورها لنا مؤجلًا حتى تتشكل في الداخل قابلية حملها )).
وهنا يتكشف الاستحقاق في معنى "الأهلية".. وفي مقدار ما أصبح الكيان قادرًا على دخوله وحمل تبعاته..
فالإنسان يتحرك داخل أبعاد متعددة وتتداخل في تجربته قابلية الفرد مع قابلية الجماعة.. والمعدل التراكمي مع الاختيار.. والاحتراز مع الانسياق.. والمسار الخاص مع مرحلة أوسع منه.
(( فالاستحقاق يكشف ما أصبح الكيان قادرًا على الدخول إليه..وما أصبح قادرًا على حمل نتائجه)) فقد يرغب الإنسان في مساحة جديدة فيما بنيته القديمة ما تزال تعمل بقوانين مساحة أصغر..
وقد تصل إليه فرصة يكون امتلاك صورتها أسهل بكثير من حمل مقامها...فنحن لا نحمل الأشياء بوجودها الخارجي وحده وإنما نحمل معها متطلباتها.. والذي يفتح بابًا إلى مستوى جديد يحتاج أن يصبح قادرًا على الحياة وفق قوانين ذلك المستوى.
عندها لا يعود التأخير مجرد مسافة زمنية بين الرغبة والنتيجة..
فما يبدو تأخرًا قد يكون استكمالًا لشروط الظهور..!
والزمن في فلسفة التشخيص والتجريد لا يبقى مجرد قياس خارجي للحدث.. فالحديث عن مستويات الوجود بدءًا من الخطي ثم المنحني الدائري فالطبقي فالطباقي وصولًا إلى الدهر يفتح تصورًا مختلفًا للعلاقة مع الزمن إذ لكل مرتبة علاقتها به وطريقتها في معالجة الأثر ليصبح التوقيت جزءًا من بنية الحدث نفسه (( فبعض الأشياء لو ظهرت قبل اكتمال شروطها تحولت إلى عبء وبعض المعارف إذا دخلت وعيًا لا يملك سعتها أُعيد تشخيصها داخل صوره القديمة فيما تحتاج بعض التحولات إلى تراكم سابق يجعلها قابلة لأن تُعاش لا أن تُفهم نظريًا فقط..)).
وهنا يظهر الفرق الشاسع بين (معرفة الفكرة ) وبين (القدرة على الحياة وفقها)..
فنحن كثيرًا ما نعرف قبل أن نكون قادرين ثم تأتي مرحلة يصبح فيها ما عرفناه منذ زمن حقيقة معاشة..عندها لا يكون التحول في مقدار المعرفة بقدر ما يكون في (( انتقال المقام))..!
ولهذا قد نعود إلى النَص نفسه فنجد أن طبقته لم تتغير وإنما اتسع المجال الذي نستقبله منه.
ومن هذا الفرق بين (وصول المعلومة) و(القدرة على حملها) يمكن الاقتراب من" القلب والفؤاد".
فإذا كان الفؤاد وحدة معالجة طاقية وإذا كان القلب في بنية الإنسان أعمق من العضو المادي..فإن تحولات الإدراك لا تبقى محصورة في الذهن وحده..
فقد تصل المعلومة إلى الذهن فيما تظل البنية الداخلية تشتغل بالنموذج السابق.. وقد يفهم الإنسان العبارة من الخارج دون أن تصل إلى مقام التحول..
فالمعرفة التي لا تعيد تشكيل طريقة المعالجة تبقى قريبة من الصورة.. أما حين تتغير آلية الاستقبال نفسها تصبح الأشياء القديمة قابلة لأن تظهر بمعاني جديدة ((عندها يُفهم التجريد انتقالًا في الرؤية أكثر منه تكديسًا في المعرفة))
فنحن لا نهجر الصور ولكننا نعيدها إلى مواضعها..فهي ضرورية.. والخطر يبدأ حين تتحول من وسيلة للفهم إلى حد للمعنى.
من هنا يكتسب مثال البحر الميت قيمته في منهاج فلسفة التشخيص والتجريد.. لا من حيث صورته وإنما مما يكشفه وراءها فالبحر يمكن أن يبقى بحرًا في مستوى الحس ثم يصبح بابًا لقراءة أخرى حين يتحرر الوعي من أسر الاسم والخاصية والصورة.. والأمر نفسه ينسحب على النبات والشجرة وكل ظاهرة تمر بنا فالمسألة ليست صناعة رموز اعتباطية للأشياء وإنما(( تدريب الوعي على ألا يتوقف عند أول طبقة يقدمها الحس)).
وهذا ما يجعل الذكاء الاصطناعي مثالًا شديد الدلالة على شروط الظهور نفسها..
ففي (مستوى الصورة) هو أداة تُولّد النصوص والصور وتعالج كمًا هائلًا من البيانات.
وفي (مستوى الوظيفة) هو توسع مذهل لقدرة الإنسان على المعالجة.
أما في (مستوى المقام) فتتسع القراءة إلى معنى ظهور أداة بهذه القدرة في هذه المرحلة من تاريخ الإنسان وإلى السعة اللازمة لحملها والأمانة التي ترافق انتقال جزء من وظائف الذاكرة والتحليل والإنتاج إلى منظومات صنعها الإنسان.
وبهذا يصبح ظهور التقنية اختبارًا للأهلية بقدر ما هو توسع في القدرة.
وتمتد هذه القراءة من التقنية إلى ما هو أوسع منها فالرسالة أيضًا لا تدخل التاريخ معزولة عن قابلية الوعي الذي يستقبلها.
ولهذا ظهر التدرج في الشرائع وفي طرائق الخطاب وفي مقدار التجريد الذي تستطيع كل مرحلة حمله.
وما يبدو اختلافًا بين الصور قد يشير إلى حركة أعمق في قابلية الإنسان نفسه.
وينسجم هذا المسار مع ما طرحه أستاذنا الفاضل د. هاشم عن تطور الحق..
(( فما كان يحقق الحق في مستوى من الوعي قد يحتاج إلى صورة أوسع حين تتسع قابلية الإنسان)).
ومن هذا المنظور فالحقيقة لا تضيق وإنما الذي يتغير هو مقدار ما يمكن للوعي حمله منها.
وحين تصبح القابلية نفسها جزءًا من معنى الظهور تنفتح هذه القراءة على معنى "المعراج".
فالمعراج يمكن أن نقرأه ضمن هذا التصور (( انتقال في قابلية الوعي وفي مقدار ما يستطيع أن يراه ويحمله ويعبر إليه)).
فكل مقام أعلى يحتاج سعة تناسبه وكل انتقال حقيقي يستدعي قدرًا من التجريد من صورة المستوى السابق وحدوده.
فما يؤدي وظيفته في مرحلة قد يتحول إلى حجاب إذا أصررنا على حمل صورته إلى ما بعدها.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة صلة بين المعراج و"المعدل التراكمي" فالتجربة لا تُهدر وإنما يُستخلص منها ما يرفع القيمة فيما تسقط الحاجة إلى الاحتفاظ بالصورة بعد أن تستنفد وظيفتها..نأخذ الجوهر ونترك الغلاف..
و((حين يُستخلص الجوهر من التجربة لا تبقى دلالتها ثابتة في وعينا وإن بقيت الواقعة نفسها ثابتة)).
ومن هنا يظهر الأثر الرجعي.
فالأثر الرجعي لا يعيد كتابة الحدث وإنما يعيد تموضعه داخل المسار..
فما عشناه كخسارة قد يظهر من مقام أوسع كجزء من بناء شرط لم يكن ظاهرًا لنا وما بدا تعطيلًا قد يتبين ذا وظيفة احترازية وما حسبناه فراغًا قد يكون جزءًا من بناء السعة اللازمة للمسار..
فالواقعة لا تتغير وإنما تتغير علاقتنا بها حين يتغير المقام الذي نقرأها منه.
وهنا يتضح أن الظهور قد يكون حدثًا وجوديًا قبل أن يكون حدثًا زمنيًا.
فالشيء قد يظهر حين تكتمل قابلية البنية له..
وعندها يصبح ما ندركه من الحقيقة أضيق من الوجود نفسه..فنحن لا نرى كل ما هو موجود وإنما نرى منه مقدار ما أصبحنا قادرين على استقباله.
وهذا يفتح علاقتنا بما لا نفهمه على احتمال أوسع.. فبدل أن نضعه سريعًا في خانة الخطأ أو الاستحالة يمكن أن تكون المسافة بيننا وبينه ((مسافة سعة))..ويظل القلب قائمًا بوظيفته في التعقل والتمييز.
فيما يحفظ التجريد للتشخيص حدوده ويمنعه من ادعاء الإحاطة ومن داخل هذه المسافة بين الموجود والقابل للحمل يأخذ "البعد الاحترازي" معنى أوسع ((فبعض المنع قد يكون حماية من مقام لم تكتمل شروط حمله.. وبعض الأبواب المغلقة قد تكون جزءًا من بناء الأهلية)).
أما "البعد الانسياقي" فيظهر ((حين لا تستنفد الأحداث معناها في لحظة وقوعها وإنما تمتد بالإنسان إلى ما بعدها)).
فقد يدخل تجربة لغاية يظنها نهائية ثم يتكشف له لاحقًا أنها كانت مرحلة إعداد لموضع لم يكن قادرًا على دخوله مباشرة.
عندها يصبح ما حسبناه مقصدًا جسرًا إلى مرحلة أخرى.
وبهكذا قراءة يمكن أن نرى عمل الأبعاد السبعة داخل هذا السياق..
فالافتراضي يفتح مجال الإمكان والنماذج الممكنة..
التراكمي يجمع أثر التجارب..
الاستحقاقي يكشف مقدار الأهلية..
الاختياري يفتح مجال الإرادة..
الاعتباري يعيد ترتيب القيمة..
الاحترازي يحمي المسار..
الانسياقي يدفع التجربة إلى امتدادها....
وحين تتشابك هذه الأبعاد يصبح من الصعب اختزال ما يحدث في سبب واحد.
لذلك لا أرى شروط الظهور معادلة تختزل الاستحقاق في ظهور ما يريده الإنسان فهذه قراءة أضيق بكثير من التصور الذي تفتحه هذه العلاقة.
فقد يظهر ما لم نطلبه لأنه يخدم مسارًا أوسع وقد يتأخر ما نريده لأن السعة لم تكتمل ..وقد نفقد ما ظهر بعد أن تنتهي وظيفته..وقد يعود الشيء نفسه في صورة أخرى حين يتغير مقامنا منه.
المعيار ليس امتلاك الأشياء...المعيار هو الحركة التي أحدثتها داخل المسار.
عند هذه النقطة يصبح "المقام" أهم من الصورة و"السعة" أعمق من الكثرة و"الاستحقاق" أوسع من المكافأة فيما يغدو التوقيت جزءًا من الحقيقة لا ظرفًا خارجيًا لها فنحن لا نسير نحو الأشياء وإنما نتشكل أيضًا كي نصبح قادرين عليها.
لكن القابلية نفسها قد تتشكل داخل مسار أوسع من الخطية التي نراها مباشرة..
ففي الخطي يظهر التتابع بوضوح وتبدو لنا العلاقة بين السبب والنتيجة أكثر مباشرة.
ومع المنحني الدائري تدخل إمكانات الرجوع والتصحيح وإعادة تموضع الأثر..فتتسع دلالة التجربة عن لحظة وقوعها.
أما الطبقي فيفتح الوعي على تعدد الحيوات المتوازية داخل المستوى نفسه..فتتسع معه قراءة التراكم عن حدود السيرة الخطية الواحدة..
ويأخذ "المعدل التراكمي" عندها معنى أعمق..
(( فما يظهر في مسار قد يكون ثمرة تراكم أوسع تتشكل منه قابلية النفس وقيمها وأثرها واستعدادها للانتقال)).
وقد نرى النتيجة في موضع واحد فيما تكون شروطها قد تشكلت داخل بناء أكثر اتساعًا من القراءة الخطية المباشرة.
ويظهر الاستحقاق ضمن هذه البنية التراكمية الأوسع..وتتسع قابلية النفس بقدر ما استطاعت أن تحمله وتستخلصه عبر مسارها.
ومع الطباقي تتغير الحركة مرة أخرى..فينتقل التعدد داخل المستوى نفسه إلى انتقال من مستوى إلى ما فوقه..فتتغير دلالة الظهور تبعًا للمقام الذي تنتقل إليه النفس.
(( فما أدى وظيفته في مستوى قد تتغير دلالته في مقام أعلى حين تكتمل القيمة التي حملها)).
ولهذا لا تُهدر التجربة..وإنما يُستخلص منها ما يرفع المعدل فيما تسقط الحاجة إلى الاحتفاظ بما استنفد وظيفته.
ومع اكتمال ما تحتاجه النفس من تراكم يتسع الاستعداد للانتقال إلى ما فوق المستوى الذي اكتملت فيه وظيفة المرحلة..وعند هذه النقطة تلتقي شروط الظهور بشروط المعراج..
فالأهلية التي سمحت بانكشاف شيء داخل مقام معين تدخل في بناء أهلية أوسع تفتح مقامًا أعلى...((ويصبح الظهور أثرًا لحركة النفس نفسها عبر مراتب الوجود))..
ثم يأتي الدهر ليضع هذه المستويات كلها داخل أفق أوسع من الزمن الجزئي...ومع هذا الأفق (( تتغير قراءة ما يظهر لنا وما يتأخر عنا..فما نراه نتيجة في مسار قد يكون متصلًا بتراكم أوسع وبمقام أعلى وبأثر يستمر أبعد من لحظة ظهوره)).
ومن هذه العتبة يقترب معنى "شروط الظهور" من طبقته الأبعد..
فما يظهر في حياتنا قد يكون الموضع الذي أصبح فيه أثر أوسع قابلًا لأن يتشخص فيما نستطيع حمله..ثم يدخل ما استخلصته النفس منه في تراكم يعيد تشكيلها ويهيئها لمقام أوسع.
وهكذا (( يصبح الظهور مرحلة في حركة الوعي من معنى إلى معنى أوسع ومن مقام إلى مقام ومن قابلية إلى قابلية أرحب..حتى يدخل في مجال القلب ما كان خارج قدرته على الحمل ثم يصبح جزءًا من مسار ارتقائه)).
قالها لي أبي مرة وأنا في واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في حياتي:
"إنتِ بتطلبي حب ما بتستحقيه."
صدمني الكلام… ليس لأنني لم أفهمه، بل لأن جزءًا مني فهمه فورًا، وجزءًا آخر لم يكن مستعدًا أن يسمعه.
كنت غاضبة. وبمجرد أن قالها، توقفت عن الغضب. وكأن الجملة لم تضف معلومة جديدة إلى المشكلة بقدر ما غيّرت موقع النظر إليها.
كنت أنظر إلى زوجي… وفجأة أصبحت أنظر إليّ.
كنت أسأل: "لماذا لا يحبني بالطريقة التي أحتاجها؟"؛ فجعلني أسأل: "هل أنا أصلًا أحبه بالطريقة التي أطلبها؟"
وهنا تغيّر شيء ما، وخفّ الغضب، واتسعت مساحة الإنصات. وبدل أن أبحث عن المزيد من الأدلة التي تثبت خطأ الآخر، بدأت أبحث عن الأشياء التي لا أريد أن أراها في نفسي.
وكانت المفاجأة أن كثيرًا من الصفات التي كنت أضعها أمامي وأنا أقول: "هذه مشكلته"، كنت أستطيع أن أجد لها صورة ما في داخلي.
ومن هنا بدأت أفهم شيئًا مختلفًا عن العلاقات؛ أن الإنسان قد يقضي وقتًا طويلًا وهو يحاول إصلاح الصورة التي أمامه، بينما لم يتوقف ليسأل: "ماذا تكشف لي هذه الصورة عني؟"
ربما هذه أحد المواضع التي أفهم فيها معنى التشخيص، حيث أن المعاني الكبرى لا تبقى دائمًا في صورتها المجردة؛ فالحب يتشخص في شخص، والرحمة تتشخص في موقف، والقسوة تتشخص في كلمة، والوفاء يتشخص في فعل، والخوف يتشخص في سلوك، والإنسان الذي أمامي قد يكون هو الصورة التي أستطيع من خلالها أن أرى معنى كان موجودًا في داخلي، لكنني لم أكن أراه.
وهذا لا يعني أن كل ما أكرهه في الآخر موجود فيّ بالطريقة نفسها، ولا أن الآخر نسخة مني. بل يعني أن وجوده في حياتي قد يجعل شيئًا في داخلي قابلًا للرؤية.
وهنا كان عليّ أن أتعلم الفرق بين أن أرى الشخص، وبين أن أتوقف عند الصورة التي ظهر بها لي. لأنني كنت أفعل العكس تمامًا؛ كنت أفسر تصرفاته من خلال مفاهيمي أنا. ما أراه قوة هو القوة. ما أراه اهتمامًا هو الاهتمام. ما أراه حبًا هو الحب. وما يخالف صورتي يصبح نقصًا أو عنادًا أو أنانية.
إذا فعل شيئًا لا أفهمه، كان يعني بالنسبة لي شيئًا سيئًا، وإذا لم يتغير، فهو متزمت، أنا إذا اهتز أو تردد، فهو ضعيف، وإذا تصرف بأنانية، فهو أناني.
ولكن عندما أفعل أنا الأشياء نفسها، فكان لدي دائمًا تفسير. كنت أرى تصرفه، ولا أرى سياقه. أرى النتيجة عنده، والنية عندي.
كنت أطلب منه أن يدخل إلى عالمي، بينما لم أكن قد تعلمت بعد كيف أدخل إلى عالمه.
ثم وجدتني أمام كلمة أكبر: الميثاق. يقول الله تعالى:
﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾
[النساء: 21]
كنت أعرف (الميثاق) باعتباره عهدًا. لكن كلما اتسعت دلالة الكلمة، شعرت أن التعبير القرآني أكبر بكثير من مجرد وصف لعقد الزواج.
الميثاق من معنى الوثاق: ما يُشدّ به الشيء ويُوثق. وفي التشخيص، يظهر ذلك بوضوح؛ حيث أن الزواج ليس مجرد شعور بين شخصين. إنه عقد، وحقوق، وواجبات، وخصوصية، ومسؤولية، وحياة تتداخل فيها القرارات والمصائر، وأسرار لا يعرفها الآخرون، ومساحات من الضعف لا نكشفها عادة إلا لمن وثقنا به. أي أن هناك شيئًا يُوثق إنسانًا بإنسان.
لكن كلمة (غليظ) هي التي تستوقفني؛ فالغِلَظ في أصل اللغة يتصل بالضخامة والكثافة والشدة، وهو ضد الرقة. ويقال: شيء غليظ، أي كثيف أو قوي أو شديد.
فلماذا لم يقل: ميثاقًا؟ لماذا ميثاقًا غليظًا؟
لأن الميثاق هنا ليس رباطًا رقيقًا يمكن أن نحكم عليه من خلال شعور عابر؛ إنه رباط ثقيل بالمعنى، وكثيف بالمسؤولية، وعظيم الأثر، وقوي التبعات.
وكلما اتسع فهمي لهذه الكلمة، شعرت أن الزواج ليس مجرد (أنا أحبك وأنت تحبني).
بل:
أنا أضع جزءًا من وجودي في مساحة مشتركة معك، وأقبل أن يصبح لما أفعله أثر في وجودك، كما يصبح لما تفعله أثر في وجودي.
وهنا يصبح (الغليظ) ليس وصفًا لشدة العقد فقط، وإنما وصفًا لعمق ما يترتب عليه.
والأعجب أن القرآن يسبق الميثاق بكلمة: (أفضى)
﴿وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ﴾
نعم، للفظ (أفضى) في سياق الآية معنى معروف في التفسير، وحمله كثير من المفسرين على المباشرة والجماع.
لكن اللفظ في أصله اللغوي يحمل أيضًا معاني الوصول والبلوغ والانتهاء، ويقال: أفضى إليه، أي وصل إليه، وأفضى بالسر إليه أي كشفه وأعلمه به، وأفضى المكان أي اتسع وخلا. والجذر هو ف ض و. الفضاء.
وهنا، على مستوى التجريد، يصبح التعبير بالغ العمق.
أفضى بعضكم إلى بعض… ليس فقط أن جسدًا وصل إلى جسد. بل أن إنسانًا وصل إلى إنسان. وصل إليه. بلغ إليه. خرج من حدوده إلى مساحة الآخر. اتسع له، وخلا له من بعض حواجزه، وأصبح بينهما من القرب ما يجعل كل واحد منهما قد وصل إلى مناطق في الآخر لم يكن يصل إليها أحد.
ثم، بعد هذا الإفضاء، يأتي:
﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾
كأن القرب نفسه ليس شيئًا عابرًا؛ فكلما أفضيت إلى إنسان، صار لما بينكما وزن. وكلما صار لما بينكما وزن، صار الميثاق أعظم.
ولهذا تغيّر عندي معنى الحب؛ حيث كنت أظن أن استحقاقي للحب يعني أن يحبني الآخر بالطريقة التي أفهم بها الحب.
كنت أريد أن يفهمني دون أن أشرح، وأن يكون قويًا وحنونًا في الوقت نفسه، وأن يعرف متى يقترب ومتى يترك لي مساحتي، وأن يتصرف بالطريقة التي أراها صحيحة.
وأردت منه أشياء كثيرة، بعضها متناقض أصلًا، ثم كنت أتعامل مع الصورة التي صنعتها في رأسي وكأنها تعريف موضوعي للحب.
ثم أدركت أنني لم أكن أطلب الحب فقط، بل كنت أطلب من إنسان آخر أن يحبني داخل الصورة التي رسمتها أنا للحب.
وهذا فرق هائل؛ فالحب قد يكون له مفهوماً واحدًا عند البعض، لكن صوره متعددة.
وقد لا أحب طريقة الآخر في التعبير، دون أن يعني ذلك أن المعنى الذي وراءها غير موجود.
وقد يكون عليّ أحيانًا أن أتعلم لغة لم أكن أفهمها، كما أتوقع من الآخر أن يتعلم لغتي.
وهنا لم يعد الحب عندي حقًا في أن يُحبني الآخر كما أريد.
صار الحب مسؤولية في أن أتعلم كيف أحب الإنسان الذي أمامي، لا الصورة التي أريد منه أن يكونها.
ثم جاءت الآية التي أعادت ترتيب معنى الكراهية بالنسبة لي:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
[النساء: 19]
أكثر ما استوقفني فيها أنه سبحانه وتعالى لم يقل: لا تكرهوا. لم ينكر الشعور. قال: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ أي أن الكراهية نفسها يمكن أن تكون موجودة، ولكنها ليست نهاية الرؤية.
قد نكره شيئًا. وهذا حقيقي. لكن هل ما نكرهه هو كل الحقيقة؟ هل نملك أبعاد الصورة كلها؟ هل نعرف إلى أين ستصل؟
وهنا تأتي:
﴿فَعَسَىٰ﴾
وكأنها تفتح في الوعي نافذة لاحتمال بل احتمالات لم نرها بعد.
ثم:
﴿وَيَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
لا تقول الآية إن الشيء الذي أكرهه سيصبح فجأة محبوبًا، ولا تقول إن كل ما نكرهه يجب أن نبقى فيه، ولا أن الألم خير لمجرد أنه ألم. لكنها تضع أمام الإنسان حقيقة أعمق: أن حكمه الأول على الشيء ليس بالضرورة نهايته.
ثم تأتي جملة (ويجعل) التي يقشعر لها بدني كلما تأملتها.
لم يقل: وقد جعل الله فيه خيرًا كثيرًا. بل: ﴿وَيَجْعَلُ﴾
فعل مضارع يترك الباب مفتوحًا على فعل لم… ولن ينتهِ ظهوره.
قد يكون الخير موجودًا في الشيء منذ البداية ونحن لا أراه، وقد يتولد منه، وقد يظهر أثره بعد زمن، وقد لا يكون الخير في الصورة التي كرهتها أصلًا، بل في المعنى الذي كشفتْه لي.
وهنا يتسع المعنى مع لفظة (فيه). فيه ماذا؟ في الشخص؟ في الصفة التي كرهتها؟ في العلاقة؟ في التجربة؟ في الأثر الذي تركته؟ في الإنسان الذي أصبحت عليه بعدها؟
لا أظن أن علينا أن نحصر الضمير في طبقة واحدة.
وهنا تكمن روعة القرآن في أن اللفظ يستطيع أن يحتمل المعنى في طبقته الظاهرة، ثم يفتح لمن يتأمله أبوابًا أعمق دون أن يلغي الطبقة الأولى.
ومن هنا فهمت شيئًا عن التجريد؛ حيث أن التشخيص أعطاني الصورة. أما التجريد فعلّمني ألا أتخذ الصور مسلّمات. أن أرى الإنسان، ثم أتساءل عن المعنى الذي يتشخص فيه. أن أرى الخلاف، ثم أبحث عن القانون الذي يكشفه. أن أرى ما أكرهه، ثم أسأل: ما الذي يجعلني أكرهه؟ وماذا يكشف عني؟ وما الذي أراه في الآخر لأنني أعرفه في نفسي؟ وما الذي أحتاج إلى فهمه قبل أن أطالب الآخر بتغييره؟
وهنا لم تعد العلاقة بالنسبة لي مجرد مكان للحب أو الخلاف، بل أصبحت مساحة للتعرّف على الآخر، وعليّ، وعلى المعاني التي لا تظهر لنا إلا حين تتجسد في الحياة.
ربما لهذا أصبحت أؤمن أن بعض الأشخاص لا يدخلون حياتنا عبثًا.
ليس بمعنى أن كل شخص يشبهنا، ولا أن كل ما يحدث لنا قدرٌ يجب أن نقبله بلا وعي، بل بمعنى أن اللقاء بالآخر قد يكون من أعظم طرق الإنسان في رؤية نفسه.
قد يكشف لي شخص عن أجمل ما فيّ، وقد يكشف لي آخر عن أقبح ما فيّ، وقد يجعلني ثالث أواجه شيئًا كنت أهرب منه سنوات.
فربما الخير الكثير ليس فقط أن نكتشف عيبًا في أنفسنا، بل أن نفهم أن وجود هذه المرايا في حياتنا هي في ذاتها صورة من صور العدل الإلهي؛ فما أرحم أن لا يُترك الإنسان أسيرًا لصورة نفسه عن نفسه.
أن يُعطى، من خلال علاقاته ولقاءاته ومواقفه، مرايا تكشف له ما لم يكن يستطيع أن يراه وحده.
وهنا لا يسعني إلا التأمل في معنى العمل على البعد التراكمي؛ فنحن لا نبدأ كل يوم من الصفر. بل نحمل معنا ما يتراكم في أنفسنا من أفكار وأفعال وصور وأحكام ومخاوف ورغبات وطرق في النظر إلى الأشياء.
ثم يأتي البعد الاستحقاقي ليكشف لنا، من خلال ما نلتقيه وما نستثيره وما نراه في الآخرين، جوانب من هذا التراكم لم نكن نراها.
وهذا في حد ذاته رحمة؛ لأن أرحم ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يُعطى فرصة ليحاسب نفسه قبل أن يُحاسَب عليها. أن يكون على نفسه رقيبًا وحسيبًا. أن لا ينتظر أن تأتيه الحقيقة من الخارج، بل أن يتعلم أن يفتش عنها في داخله كلما اضطربت علاقته بالعالم.
ومع كل إجابة، تنكشف طبقة. ومع كل طبقة تنكشف، يصبح الإنسان أخف. أقل تزمتًا. أقل حكمًا. أكثر رحمة، وأكثر قدرة على رؤية نفسه والآخر دون أن يختزل أيًا منهما في صورة واحدة.
يتنقّى ويتلطّف حتى لا تعود المرايا بحاجة إلى أن تكون مؤلمة كي تكشف.
لكنني أيضًا لا أريد أن أستخدم فكرة (المرآة) لأختزل الآخر أو أحمّله ما في نفسي، بل أراها كدعوة إلى المسؤولية؛ فأنا مسؤولة عن نفسي، وعن نظرتي، وعن حكمي، وعن رد فعلي، وعن ما أراكمه، وعن ما أختار أن أنقّيه.
وهذه ربما من أرحم صور العدالة: أن لا تكون محاسبتنا على ما لم نستطع رؤيته، وأن تُتاح لنا في الحياة، مرة بعد مرة، فرص لأن نراه.
وربما لهذا لم تعد الجملة التي قالها لي والدي: "إنتِ بتطلبي حب ما بتستحقيه" جملة عن الحب أصلًا، بل أصبحت جملة عن الاستحقاق.
وهنا يصبح العمل على النفس ليس مشروعًا للوصول إلى نسخة مثالية منها، بل رحلة تنقية وتلطيف وتحرير. طبقة بعد طبقة. حتى تتسع النفس عن الصور التي حبست نفسها فيها. حتى تقل المسافة بين ما أظنه عن نفسي وما أنا عليه. حتى أرى الآخر دون أن أبحث فيه عن نفسي فقط، وأرى نفسي دون أن أعزلها عن الآخر. حتى نصل، شيئًا فشيئًا، إلى ما هو أعمق من (أنا) و(أنت).
إلى النفس الواحدة.
وربما عندها فقط نفهم شيئًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فإذا كنا منه وإليه، فربما تكون الرحلة كلها عودة.
عودة من كثافة الصورة إلى لطافة المعنى. من الحكم إلى الفهم. من القسوة إلى التلطّف. من التعلق بالذات إلى تجاوزها. ومن أن نرى أنفسنا منفصلة عن الآخر، إلى أن نرى أن كل مرآة في الطريق كانت تدعونا إلى شيء واحد: أن نعود إلى أنفسنا وقد صارت أصفى، وأرحم، وألطف، وأقرب إلى حقيقتها.
وربما يكون هذا هو الخير الكثير الذي لم نستطع أن نراه في البداية. وربما كانت هذه هي الرحلة كلها:
أن نمرّ بالمرايا حتى نصل إلى النفس الواحدة… إلى الله.
من مُستوى تفعيل للسلوك الفِطري الإنساني
إلى طُقوس شكلية ( مُصافحة باليدِ لغرضِ إلقاء التَحِيَّة ) ؟!
يتم مُمارستها فقط تِجاه من يُشابهونهم في الصورة و الإنتِماء !
بَيْدَ أنّ الحديث المعروف الاِنتسابه للرسول مُحمد من الأساس ما كان ليَقصِد بِكلمة " بينكُم " فِئة معينة مِـن الناس و حاشاهُ أن يميل بهواهُ لأفراد أو جماعات لا سِيما و أنه هُو الرَسُول الذي أُرسل رحمةً
للعَالمِين و للناسِ كافةً مبشراً و نذيراً ، لِيعلمهم الكِتاب و الحِكمة و يزكيهم!!.
و من هُنا يُصبح لِزامًا علينا أن نحاول الربط و التعمق أكثر في مُراد النص لِنتيقن بأن المعنى الذي جاء في النصوص الأخرى هو بِلاشك
مُطابق في المضمون و كلها تشير بِإستمرار إلى المعنى الذي يُراد به تفعِيل سُلوك السِلم و هذا السُلوك الذي هو حقٌ عليكم ، " فِيما بينكُم "
تِجاه كُل مَن " يُقابلكم بِمثله " مِن تفعِيل سُلوك السِلم في لِسانه و يدِه" و هو الحدُ الأدنى المطلوب بِحسب ما أُشترِط عليه في النصِ الذي يُمثل أصلاً شخصِية النَّبِي مُحمَّدٖ ، إذا كان النَّبِي دائماً ما يُقرِن بين أقوالِه و سُلوكِه المُتجسِدة على أرضِ الواقِع. *يأيها الناس :** إن هذه النصوص التي بين أيدينا تدعُونا إلى التفكُر في معانِيها و التدبُر في سطُورها بحياية مطلقة
و تجرُد مُتعالي بعديدا عن الأنا المُتفجِرة مُستعينين بمقام الخشية من الله نتقِي تحذيرِه !
فالحذر الشديد من التحريف في المُراد السامي لهذه النصوص التي أذن الله بنفسِه العَلِيّة القَدِيرَة على كل شيء ، بأن تكون هذه النصوص مُتاحة إلى يومنا هذا بين إيدينا و لِذلك و من هُنا أصبح لِزامًا علينا أن نُحافظ على معانِيها من تَضْلِيل الهوى و إنحِراف الأنا ما إستطعنا إلى ذلك سبِيلًا و نُبقي لها على الحرم الأمِن بَعِيدًا
عن السِياسات الدُنيا و ( ما لا تهوى أنفسكم إستكبرتم )!!
طبعا بعد خوضي في فلسفة التشخيص و التجريد و علم الدكتور هاشم الذي انار العقول ، وكان سببًا في تقويم الفكر وتقعيده، والانتقال به من مجرد ملاحظة الأشياء إلى تحليلها وتأملها بصورة أكثر عمقًا و رؤيتها من زاوية مختلفة، تتجاوز الظاهر التشخيصي، فتنتقل إلى الباطن التجريدي، ومن ملاحظة الشيء في حضوره المباشر إلى التساؤل عن معناه وما يختبئ وراءه من أبعاد.
جلب انتباهي حديثه عن أصل حواء الذي طرحه في إحدى لقاءاته حيث أشار بأن أمنا حواء هي من الجن !. كانت فكرة غريبة نوعاً ما عن النمطية الموروثة.
لكن خطر ببالي موضوع علمي/بيولوجي عن الميتاكوندريا فربطه بطرح د هاشم . (أرجو أن يكون ربطي موفقاً).
الميتوكوندريا بين الطاقة والجِنّ والأم الأولى :
الميتوكوندريا هي عضيات صغيرة موجودة داخل معظم خلايا الجسم، وتُعرف غالبًا بأنها «مصانع الطاقة» في الخلية، إذ تساهم في تحويل الطاقة الكيميائية الموجودة في الغذاء إلى طاقة قابلة للاستعمال، تحتاج إليها الخلايا للقيام بوظائفها والحفاظ على بقائها.
وقد اهتمت الدراسات العلمية بخصوصية الميتوكوندريا من الناحية الوراثية، ومن بينها دراسة Molecular Basis for Maternal Inheritance of Human Mitochondrial DNA، التي تناولت الأساس الجزيئي للوراثة الأمومية للـDNA الميتوكوندري. ويُعرف علميًا أن الـDNA الميتوكوندري عند الإنسان يُورث عادةً عبر الأم، في حين أن المادة الوراثية النووية تأتي من الوالدين معًا.
لكن الميتوكوندريا لا تثير اهتمامًا علميًا فقط، بل يمكن أن تصبح أيضًا موضوعًا للتأمل الفلسفي، لأنها تفتح أسئلة تتعلق بالأصل والهوية والوراثة والعلاقة بين الأم والابن.
تبدو الميتوكوندريا، في النظرة الأولى، مجرد عضية داخل الخلية مسؤولة عن عمليات إنتاج الطاقة. غير أن وجودها يفتح سؤالًا فلسفيًا أعمق: إلى أي حد يساهم أصلنا البيولوجي في تشكيل هويتنا؟
فالإنسان لا يرث مادته الوراثية بالطريقة نفسها من الأب والأم. وبينما يأتي معظم الـDNA النووي من الوالدين معًا، ينتقل الـDNA الميتوكوندري عادةً عبر الأم. وهذا يجعل الميتوكوندريا، من زاوية فلسفية، أثرًا بيولوجيًا متواصلًا يربط الأجيال بخط أمومي.
وهنا يمكن أن تصبح الميتوكوندريا مدخلًا للتفكير في مفهوم الطاقة النارية الجنية. فإذا كانت النار في صورتها المادية ظاهرة مرتبطة بالحرارة والتحول وتحرير الطاقة، فإن النشاط الميتوكوندري نار داخلية لا نراها بالعين، لكنها ترتبط بالعمليات التي تجعل الحياة ممكنة.
وكأن داخل كل خلية شعلة صغيرة صامتة؛ لا تضيء كما تفعل النار الخارجية، ولا تحرق بالطريقة نفسها، لكنها تساهم في استمرار الحياة والحركة والبقاء والتجدد , تنتقل عبر الأم. طاقة تسمح باستمرار الحياة، وسلسلة من الأجيال تربط الإنسان بماضيه.
ومن هنا تبرز فكرة فلسفية تجمع بين الطاقة النارية الجنية والأم الأولى التي ترمز إليها حواء وأصل الإنسان
ومن هنا يمكن الانتقال إلى مفهوم التجريد. فالميتوكوندريا نفسها كانت، بالنسبة إلى الإنسان القديم، جزءًا من عالم لا يمكن رؤيته مباشرة، ثم أصبح العلم قادرًا على كشفها ودراسة وظائفها وقياس بعض عملياتها. ولذلك يمكن القول إن الميتوكوندريا تمثل لامرئيًا علميًا: شيء لا نراه بأعيننا، لكنه قابل للملاحظة غير المباشرة والقياس والتفسير العلمي.
أما الطاقة الجنية فتنتمي إلى مجال مختلف؛ مرتبط بالمجال الديني والتجريدي ،. ومن هنا يمكن طرح تمييز فلسفي مهم:
الميتوكوندريا تمثل اللامرئي العلمي، بينما يمثل الجن اللامرئي التجريدي.
وبذلك تصبح الميتوكوندريا نقطة التقاء بين عدة أسئلة: سؤال الطاقة، وسؤال الحياة، وسؤال الأصل، وسؤال الأم، وأخيرًا سؤال التجريدي. ومن خلال هذا التقاطع يمكن للميتوكـوندريا أن تتحول من مجرد موضوع بيولوجي إلى مدخل فلسفي للتفكير في الإنسان: كائن يحمل في داخله أثر ماضيه)أمه حواء الجنية النارية(، وطاقة حاضره، وتساؤلًا دائمًا حول أصله وما يظل خفيًا وراء وجوده.
وفي النهاية، لا أتعامل مع هذا الربط بوصفه حقيقة علمية أو إثباتًا لتطابق المفاهيم، وإنما كمساحة للتأمل وفتح الأسئلة؛ فحين يلتقي التشخيص بما يكشفه العلم مع التجريد بما يفتح أبواب التساؤل، يصبح الإنسان نفسه ساحةً للبحث عن المعنى. وربما تكمن قيمة الفكرة لا في الوصول إلى إجابة نهائية، بل في قدرتها على نقلنا من رؤية الشيء كما يبدو، إلى التساؤل عمّا يمكن أن يكون وراءه، ومن المعلوم إلى المجهول، ومن التشخيص إلى التجريد.
﴿وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾
لفتني أولا أن القرآن لم ينف عنهم النظر؛ إنهم ينظرون فعلا، ثم تأتي المفارقة: ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾.
إذن، ثمة مسافة بين النظر والإبصار.
وهنا أجد التجريد ينقلني من العين إلى المتلقي؛ فليس كل ما يصل إلى الإنسان يصبح بالضرورة جزءا من وعيه. قد يحدث الاستقبال، بينما البنية الداخلية ما تزال تعيد ما استقبلته إلى صورها السابقة، إلى ذاكرتها وما استقر فيها من تشخيصات.
وكأن الإنسان قد لا يكون أعمى عن الشيء فقط، بل قد يصبح أعمى به يراه لكن من داخل صورة سبقت رؤيته إليه، فلا يصل إلى ما أمامه إلا بعد أن يكون قد أعاد تشكيله على مقاس ما فيه.
وهنا أربكني سؤال الآية:
﴿أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾
لماذا يأتي السؤال عن الهداية بعد إثبات النظر؟
ربما لأن الخارج يستطيع أن يضع أمامك العلامة، وأن يدلّك عليها، بل وأن يزعزع يقينك، لكنه لا يستطيع أن يقوم مقامك في فعل التجرد.
هناك عتبة في الداخل لا يعبرها عن الإنسان معلّم، ولا كتاب، ولا معرفة مهما بلغت؛ لأن الانتقال من النظر إلى الإبصار لا يتعلق فقط بما هو حاضر أمامك، بل بما أصبح فيك مستعدا لاستقباله.
وهنا أعود إلى ما تعلمناه من فلسفة التشخيص والتجريد: ربما لا تغيب الحقيقة بقدر ما تضيق عنها أحيانا سعة الوعاء؛ وكلما تجرد المتلقي من صورة ظنّ أنها نهاية المرئي، اتسع لاستقبال وجه لم يكن غائبا عنه، وإنما لم يكن قد أصبح قابلا لرؤيته بعد.
لذلك لم تعد الآية عندي تسأل:
هل ترى؟
بل أخذتني إلى سؤال أشد قسوة:
كم مرة كنتُ أنظر… بينما الذي ينظر من داخلي لم يكن مستعدا بعدُ لأن يبصر؟
شكرًا أستاذنا د. هاشم بعض الآيات لا تحتاج أن نبحث لها سريعًا عن إجابة، بقدر ما تحتاج أن نسمح لها بأن تغيّر فينا موضع السؤال.
أغلقتُ المقال، لكن البحر لم يُغلق معي.
بقيت كلمة واحدة تعود إليّ كلما ظننت أن الفكرة قد استقرت، كأنني مررت بها من قبل دون أن أنتبه إلى أنها لم تقل بعد كل ما فيها.
السفينة.
هذه المرة لم أذهب بعيدًا معها، بل عدت مباشرة إلى المشهد:
﴿فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾.
قرأتها ببطء، لكن عيني تعلقت بالفعل نفسه:
﴿خَرَقَهَا﴾.
الخرق حدث فعلًا، ولذلك جاء اعتراض موسى من داخل ما رآه:
﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾.
لم يتوهم موسى الخرق.
كان أمام فعل حقيقي أصاب سفينة تحمل أهلها في البحر، وما ظهر أمامه كان كافيًا ليجعل اعتراضه مفهومًا.
لكن العبد الصالح لم يناقشه في حقيقة ما رأى.
قال له:
﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾.
وهنا توقفت.
لم يقل: ما لا تعرف.
قال: ﴿لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾.
وفجأة بدا لي أن المسافة بين الرؤية والإحاطة أوسع بكثير مما نظن.
قد أرى الشيء كما وقع تمامًا، ثم أخطئ حين أتصور أن ما رأيته هو المشهد كله. وقد لا تكون المشكلة في العين التي رأت، بل في اللحظة التي نغلق فيها دائرة المعنى حول ما ظهر لنا، قبل أن نعرف ما يتصل به مما لم يظهر بعد.
وعلى غير انتظار، عبرت صورة الدكتور هاشم في ذهني.
ابتسمت.
في رحلتي السابقة كان نجمًا؛ كنت عند الدفّة أبحث عن الاتجاه، وكان حضوره يضيء الطريق دون أن يأخذ الدفّة من يدي.
أما هنا، أمام هذه الآية تحديدًا، وجدتني أقبل مغامرة أخرى:
ماذا لو انتقل الدكتور هاشم في رحلتي هذه من النجم إلى مقام العبد الصالح؟
وتركت الصورة تمضي بي.
فهذا بالضبط ما تفعله بي الرحلة معه كلما ظننت أنني أمسكت بالمعنى: لا يسحب مني ما رأيت، وإنما يفتح أمامه امتدادًا لم أدخله بعد في رؤيتي.
وكم مرة قلت في داخلي وأنا أقرأ الموسوعة:
الآن فهمت.
ثم قلبت الصفحة...
فاكتشفت أنني لم أكن أمام نهاية الجواب، بل أمام بداية سؤال آخر.
ومنذ ذلك الحين بدأت ﴿لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ تأخذ عندي معنى مختلفًا؛ لم تعد نقصًا في المعرفة بقدر ما أصبحت تذكيرًا بألا أجعل ما بلغته منها جدارًا يمنعني مما بعدها.
ثم جاء تفسير الخرق:
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾.
هذه المرة لم تستوقفني السفينة أولًا.
استوقفتني كلمة واحدة:
﴿وَرَاءَهُم﴾.
كان الملك موجودًا منذ البداية.
لم يظهر بعد الخرق ليغيّر معنى ما حدث، بل كان جزءًا من المشهد منذ اللحظة الأولى، وإن لم يكن داخل مجال رؤية موسى.
وهنا تغير السؤال عندي.
لم يعد: ماذا رأى موسى؟
بل: ما الذي لم يدخل بعد في مجال رؤيته؟
رأى الخرق، ولم يرَ «وراءهم».
وحين دخل «وراءهم» في المشهد، لم يتغير الخرق؛ الذي تغير هو المعنى الذي أصبح ممكنًا أن نراه فيه.
عندها شعرت أن كلمة «وراء» بدأت تخرج من حدود الحكاية.
لأنني أنا أيضًا، حين أنظر إلى شيء، لا أقف أمامه وحدي.
يأتي معي شيء من ورائي.
ذاكرة سبقت اللحظة، ومألوف استقر طويلًا، وخوف قديم، ورغبة خفية، وصورة كوّنتها عن نفسي وعن العالم، وأجوبة تعلمت أن أطمئن إليها قبل أن أعرف لماذا اطمأننت إليها.
كل ذلك قد لا يظهر أمامي...
لكنه يدخل معي في الرؤية.
وفجأة لم يعد الملك وحده هو الذي كان «وراءهم».
صار السؤال أقرب:
ماذا يوجد ورائي أنا حين أقول: هكذا أرى؟
هنا عادت السفينة.
ولست أتعامل مع حروفها بوصفها قاموسًا مغلقًا أو تفسيرًا ملزمًا، وإنما أتتبع حركتها حين تفتح في الكلمة بابًا للتأمل؛ ففي السين يلوح لي السريان والحركة، وفي الفاء فتح وانكشاف، وفي النون احتواء وحمل للأثر.
سريان، ثم فتح، ثم حمل.
وبدا لي أن السفينة لا تكشف حقيقتها وهي راسية.
لا بد أن تدخل البحر.
فالحركة هي التي تختبر بنيتها، والعبور هو الذي يكشف ما تستطيع حمله، وما يمكن أن يحدث فيها وهي تحمل.
وهنا جاءني سؤال لم أكن أبحث عنه:
من هي الحاملة؟
بدا الجواب أول الأمر واضحًا.
السفينة.
هي التي تحمل، وهي التي تدخل البحر، وهي التي وقع فيها الخرق.
لكن شيئًا في الجواب لم يتركني أكتفي به.
فأنا أيضًا أحمل.
أدخل إلى المعرفة ومعي لغة سبقتني، وذاكرة، وتجارب، ومخاوف، ومسلمات، وصور كوّنتها عن نفسي وعن الأشياء. ثم أقرأ وأتعلم وأضيف معلومة إلى معلومة، وفكرة إلى فكرة، وقد أظن أنني تغيرت لأن ما أحمله أصبح أكثر.
لكن السفينة قد تمتلئ...
وتبقى السفينة نفسها.
وهنا انفتح الفرق أمامي فجأة:
هناك معرفة تدخل الحمولة،
ومعرفة تصل إلى الحاملة.
الأولى تزيد ما عندي.
أما الثانية فتفعل شيئًا فيَّ أنا.
وعند هذه النقطة فقط فهمت لماذا ظل الخرق يلاحقني منذ بداية المقال.
لأنه لم يقع في البحر.
ولم يقع في الحمولة.
وقع في السفينة نفسها.
وسكتُّ أمام الفكرة لحظة.
ثم لم أعد أرى سفينة موسى أمامي.
كنتُ أنا السفينة.
أنا التي تدخل البحر بما تحمله.
وأنا التي يمكن أن تجمع من المعرفة الكثير، بينما تظل البنية التي تستقبل بها تلك المعرفة على حالها.
وأنا التي قد أفرح بكل ما أضيفه إلى حمولتي، دون أن أسأل إن كان شيء مما تعلمته قد وصل فعلًا إلى الطريقة التي أرى بها.
عندها عاد الخرق، لكنني لم أعد أراه ثقبًا في خشب.
رأيته سؤالًا يصل إلى موضع لم أكن أريد فتحه.
رأيته لحظة يدخل فيها معنى جديد إلى يقين قديم، فلا يضيف نفسه إليه بهدوء، بل يحدث فيه شقًا يسمح لي بأن أرى من خلاله شيئًا لم تكن الصورة المكتملة تسمح لي برؤيته.
وهنا فقط اقترب مني قوله:
﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾.
أعيبها.
كم نخاف هذه الكلمة.
نريد صورنا مكتملة، وأفكارنا متماسكة، ويقيننا بلا شقوق. وكلما ظهر خرق أسرعنا إلى ترميمه، كأن سلامتنا رهينة بأن تبقى السفينة كما عرفناها.
لكن سفينة المشهد نجت لأنها لم تبق كما كانت.
العيب الذي أصاب صورتها هو نفسه الذي أخرجها من الصورة التي كان الملك يريدها.
ولو بقيت «كاملة» في عينه، لأُخذت غصبًا.
وهنا أصبح السؤال أكثر إزعاجًا:
كم صورة أحرسها في داخلي لأنني أخشى أن تُرى ناقصة، بينما يكون بقاؤها مكتملة هو ما يمنعني من تجاوزها؟
صورة العارف الذي لا يراجع.
صورة المتعلم الذي يريد أن يصل سريعًا إلى: «فهمت».
صورة الإنسان الذي يطمئن إلى ما ألفه، ثم يدافع عنه لا لأنه أحاط به، بل لأنه أصبح جزءًا من الطريقة التي يرى بها نفسه.
عندها فهمت لماذا تستطيع بعض الأجوبة أن تريحنا، بينما تقلقنا بعض الأسئلة.
فالجواب يمكن أن أضعه في السفينة إلى جانب ما أحمله.
أما السؤال الحقيقي...
فقد يخرق السفينة.
وهنا وجدت فلسفة التشخيص والتجريد تعمل فيَّ من مكان أعمق من المصطلحات.
لم تعد المسألة عندي أن أمتلك مفاهيم جديدة أصف بها الواقع، بل أن ألتفت إلى البنية التي تصنع الصورة في داخلي قبل أن أقول عن الخارج: هكذا هو.
أن أسأل عمّا جاء معي إلى الرؤية.
عن الذاكرة التي لونتها.
عن المألوف الذي رسم حدودها.
عن الخوف والرغبة والصورة السابقة التي ربما كانت تعمل في الخلفية بينما كنت أظن أنني أنظر إلى الشيء وحده.
وعندما عدت إلى المشهد كله، رأيت شيئًا بالغ البساطة لم أنتبه إليه من قبل.
العبد الصالح لم يغيّر البحر.
ولم يغيّر طريق السفينة.
ولم يُزل الملك من مكانه.
لقد غيّر السفينة التي ستواجه كل ذلك.
وهنا عادت إليّ الجملة الأولى من المقال.
كنت أظن أن البحر لم يُغلق معي لأن كلمة «السفينة» بقيت عالقة في ذهني.
والآن فقط أدركت لماذا.
لأنني منذ البداية لم أكن أبحث عن السفينة.
كنت أبحث عني.
وما زالت الرحلة مفتوحة.
ولا أعرف أي خرق ينتظر صورة أخرى ظننتها مكتملة.
وللمرة الأولى، لا أريد أن أعرف مسبقًا.
يكفيني أنني حين يضطرب فيَّ شيء كنت أظنه مستقرًا، لن أسرع إلى ترميمه لمجرد أن الخرق أخافني.
ربما سأتريث قليلًا.
سأنظر إلى ما حدث...
ثم أتذكر أن ما أمامي ليس بالضرورة كل ما في المشهد.
فقد يكون هناك دائمًا شيء وراء ما أراه.
وقد يكون بعض ما ظننته عيبًا هو المنفذ الذي أحتاجه كي لا أبقى كما كنت.
ولعل السفينة لا تنجو دائمًا بأن تصل سليمة كما انطلقت...
لعلها تنجو أحيانًا لأنها لم تعد كما كانت هذا التص الذي وصله
من خلال ما تعلّمته من معلمينا الدكتور هاشم والدكتورة علا بدأت أرى العلاقات من زاوية مختلفة فالأخر ليس دائمًا مجرد شخصٍ نلتقيه بل قد يكون مرآةً تكشف لنا شيئًا في أنفسنا، وقد يكون ما يقع علينا من أثرٍ بدايةً لتحولٍ أعمق في وعينا.
ولعل أسمى وأجمل ما يمكن أن يُكتب عن جوهر العلاقات والأخلاق لا يحتاج أحيانًا إلى كثير من الكلام لأنه قد تجسّد أمامنا في سلوكهما وتعاملهما. ويكفي أن نتأمل ما يجسّدانه من جمالٍ في العلاقة، ورقيٍّ في التعامل، وصدقٍ في المعنى، حتى ندرك أن بعض القيم لا تُشرح فقط، بل تُرى وتُعاش، وتترك فينا وقعًا عظيمًا.
ومن هنا، ومن خلال فلسفة التشخيص والتجريد كانت هذه بعض الأفكار التي بدأت أفهمها من خلال هذه الرؤية ...
حين لا تكون العلاقة مع الآخر إلا علاقةً مع نفسك
نحن نعيش في وجودٍ لا يبدو فيه شيءٌ بلا أثر ، وجودٍ تجري فيه الأشياء ضمن سنن وقوانين، ويُحاسَب فيه الإنسان على ما يصدر عنه، حتى على ما قد يظنه هو صغيرًا عابرًا لا يستحق الالتفات. ولذلك فإن الكلمة التي نلقيها بلا تفكير، والموقف الذي نمارسه في لحظة غضب، قد لا ينتهي بانتهاء اللحظة، فقد تهوي الكلمة في نفس إنسانٍ فتستقر فيها، وتعيد تشكيل نظرته إلى نفسه، ثم نظرته إلى الحياة، ثم طريقته في التعامل مع من حوله.
فالوقع لا يتوقف عند لحظة وقوع الفعل.
كلمة قاسية من أب، أو إهانة من أم، أو تجريح من شريك، أو موقف يشعر فيه الإنسان بأنه غير مرغوب أو غير كافٍ، قد يتحول مع الزمن إلى جدارٍ داخلي. والإنسان حين يتألم لا يبني دائمًا جدارًا لأنه يريد القسوة، بل قد يبنيه لأنه يريد النجاة. ثم ينسى، بعد سنوات، أنه هو الذي بناه، فيظن أن الجدار هو شخصيته.
ومن هنا تبدأ مشكلة العلاقات.
نحن كثيرًا ما ندخل العلاقة ونحن لا نرى الآخر، بل نرى أنفسنا من خلاله. نبحث عن عيوبه، ونحصي أخطاءه، ونمسك بنقاط ضعفه كما لو أننا في ساحة حرب، وكأن انتصارنا لا يتحقق إلا إذا أثبتنا أن الآخر أسوأ منا. وربما كان السبب الأعمق أننا لم نكن صادقين مع أنفسنا بما يكفي لنرى عيوبنا.
فالإنسان قد يرفض في نفسه صفةً معينة، ثم يغضب حين يراها في غيره. وقد يطلب من الآخر أن يكون ما عجز هو عن أن يكونه. وقد يحوّل عيب الآخر إلى سلاح، لا ليعينه على التخلص منه، وإنما ليغطي به على عيبه هو.
وهنا تأتي دلالة المرآة.
حين قيل: «المؤمن مرآة أخيه»، يمكن أن نتأمل المرآة قبل أن نتأمل الصورة. فالمرآة لا تخترع وجهًا، وإنما تعكسه. لكنها إن كانت مغطاة بالغبار، فلن تُظهر الصورة كما هي ستظهر مشوهة بقدر ما عليها من شوائب.
وكذلك الإنسان.
إذا كانت داخله أحقاد، واستكبار، وإسقاطات، وعدم صدق مع الذات فقد يرى الآخر من خلال غبار نفسه، فيظن أنه يراه كما هو بينما هو في الحقيقة يرى صورةً صنعها هو عنه.
أما المرآة الصافية، فلا تستعمل ما تراه سلاحًا ولا تفضح العيب لتنتصر وإنما تكشفه لكي يُصلح.
وهنا يتغير معنى العلاقة كلها:
لماذا أرى ضعف الآخر؟
هل لأنتصر عليه، أم لأعينه؟
ولماذا ظهر هذا الشخص في حياتي بهذه الصفات تحديدًا؟ ولماذا أثار في داخلي هذا الغضب أو هذه الشدة؟
ربما لأن العلاقة ليست دائمًا مجرد لقاء بين شخصين ربما تكون أيضًا مواجهة الإنسان مع شيء في نفسه.
ومن هنا يمكن أن نفهم أهمية البعد الافتراضي في تعاملنا مع الآخر.
ماذا لو افترضت أن هذا الإنسان الذي أمامي، بما فيه من ضعف وعيب وقصور، ليس خصمًا لي، وإنما فرصة لأرى شيئًا لم أكن أراه في نفسي؟
ماذا لو افترضت أن وجوده في حياتي ليس لكي أزدريه، وإنما لكي أختبر ما في داخلي أنا؟
هل أنا رحيم حقًا؟
هل أنا حليم حقًا؟
هل أستطيع أن أعين الضعيف؟
أم أنني لا أكون رحيمًا إلا حين يكون الآخر كاملًا، ولا أكون حليمًا إلا حين لا يستفزني أحد؟
عندها لا يعود الآخر «ندًّا» لي، بل يصبح جزءًا من رحلة الارتقاء.
وهنا نصل إلى طبقة أعمق: الخط الرحماني والخط الشيطاني.
فبعض ما يقع في حياتنا يأتي في صورة تأزيم، وكسر، وإغواء، وقسوة، وإفساد للعلاقات وقد يصبح الإنسان حين يستسلم لهذه الدوافع أداةً في مسار شيطاني من حيث لا يشعر يغضب فيؤذي، ويُؤذى فينتقم، ويُهان فيهين، ويُكسر فيكسر غيره.
وهكذا لا ينتهي الأثر عند صاحبه، بل ينتقل من إنسان إلى آخر.
وهنا تكمن خطورة المسألة: أن يتحول الإنسان الذي وقع عليه الأذى إلى أداة جديدة تستكمل المسار نفسه.
لكن هل يعني ذلك أن ما جاء عبر الخط الشيطاني لا يمكن أن ينتج عنه إلا شر؟
هنا يظهر دور الوعي.
فالإنسان قد لا يملك دائمًا اختيار ما يقع عليه، لكنه يملك مساحةً عظيمة في كيفية تعامله مع ما وقع عليه.
قد يأتيك الأذى من مسارٍ شيطاني في ظاهره، لكنك تستطيع ألا تسمح له بأن يعبر منك بالطريقة نفسها.
يمكن أن يأتيك الغضب، فلا تعيده غضبًا.
أن تأتيك القسوة، فلا تصبح قاسيًا.
أن يأتيك الكسر، فلا تجعل مهمتك كسر الآخرين.
أن يزرع أحدهم فيك الخوف، فلا تزرع الخوف فيمن بعدك.
وهنا يتحول الأمر كله إلى وقود.
فالخط الشيطاني قد يقدم المادة الخام: الألم، الصراع، الاستفزاز، القسوة، الخلاف، والضغط. لكن الإنسان الواعي يستطيع أن يأخذ هذه المادة نفسها ويفهمها ويكشف ما أخرجته من داخله ثم يحولها إلى صبر ووعي ورحمة وحكمة.
فيتحول ما كان يمكن أن يكون وقودًا للخط الشيطاني إلى وقود للارتقاء في الخط الرحماني.
وهنا نفهم {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ ما نراه اذى وشدة هو خيرًا في ذاته فما يكون في ظاهره عذاب في باطنه رحمة .
إن الإنسان يستطيع أن ينتزع من التجربة المؤذية بابًا للارتقاء، بدل أن يسمح لها بأن تصنع منه نسخةً أخرى من مصدر الأذى.
وهذا يقودنا إلى قصة شاب لم يكن سيئًا في أصله بل كان طيب القلب محبًا للناس بسيطًا في تعامله لكنه عاش قسوة شديدة في حياته الأسرية وكان لما تعرض له من أبيه وقعٌ عميق فيه.
شيئًا فشيئًا تشكل حول ذلك القلب اللين جدار.
جدار من الشدة، والعناد، والكبرياء، والمكابرة عن الخطأ.
لم يكن ذلك الجدار هو حقيقته الأولى، وإنما كان شيئًا بناه مما عاشه ليحمي نفسه.
واجه العالم بالأداة نفسها التي واجه بها العالمُ قلبه وما كان في البداية وسيلةً للحماية أصبح مع الزمن حجابًا يحجب عنه ذاته.
ثم أصبح سجينًا داخل الجدار الذي بناه.
لكن حين بدأ يعي نفسه بدأ يهدمه.
والأعمق من ذلك أنه اكتشف أن من آذوه لم يكونوا فقط مصدرًا للألم بل أصبحوا من حيث لا يشعرون أدواتٍ أظهرت له شيئًا كان مستورًا فيه.
لقد أخرج الأذى إلى الظاهر ما كان يمكن أن يبقى خفيًا: الشدة، والعناد، والكبرياء، وعدم القدرة على الاعتراف بالخطأ.
وهنا تغير السؤال...
لم يعد لماذا فعلوا بي هذا؟
بل ماذا أظهر هذا فيّ؟
وهنا بدأت الرحلة من الخط الشيطاني إلى الخط الرحماني.
فبدل أن يستعمل ما عاشه مبررًا ليؤذي غيره استعمله مادةً لفهم نفسه وبدل أن يقول «أنا هكذا لأنهم صنعوني هكذا» بدأ يقول: «لقد كشفوا لي ما أحتاج إلى إصلاحه».
فالأذى الذي كان يمكن أن يعيد إنتاج نفسه من خلاله، أصبح وقودًا لتحرير نفسه منه.
وتظهر الفكرة نفسها في قصة رجل تزوج امرأة تحمل بعض الصفات التي كانت موجودة فيه هو أيضًا، لكنه لم يكن يراها في نفسه.
كان عنيدًا شديدًا، وكان يرى عناد زوجته وشدتها عيبًا فيها. وكثرت بينهما الخلافات، وكان يمكن لكل طرف أن يظل مشغولًا بإثبات أن المشكلة في الطرف الآخر.
لكن شيئًا تغير.
بدأ الرجل ينظر إلى المرآة بدل أن يحطمها.
قال في نفسه: ماذا لو كان ما أراه فيها موجودًا فيّ؟
فبدأ يغير نفسه يخفف عناده، ويضبط شدته، ويتجنب أن يجعل كل خلاف معركةً لإثبات الذات.
وما إن تغير هو حتى بدأ شيء من العلاقة يتغير.
فاكتشف بعد ذلك أن المرأة التي كان يظن أنه أفضل منها، كانت لها عليه فضيلة عظيمة، لقد جعلته يرى في نفسه ما لم يكن يستطيع رؤيته وحده.
وحين أصلح ما رآه فيها، انعكس إصلاحه عليها.
وهنا تتجلى صورة العلاقة على نحو آخر:
أننا أمام مرآتين متقابلتين، كل واحدة منهما تكشف للأخرى ما تحتاج إلى إصلاحه.
فإذا كان الآخر ضعيفًا، فربما لا يكون الاختبار فقط في ضعفه، بل في الطريقة التي سأتعامل بها مع ضعفه.
وإذا كان مخطئًا، فربما لا يكون السؤال فقط كيف أعاقبه على خطئه؟
بل: هل أستطيع أن أعينه على الخروج منه دون أن أزيده غرقًا فيه؟
ولهذا يصبح معنى : «لا تُعِن الشيطان على أخيك» كما يذكرنا الدكتور هاشم أعمق من مجرد الامتناع عن الأذى لأنك حين تدفع إنسانًا بعيبه أو تحطم ضعفه، أو تستعمل خطأه سلاحًا عليه، فقد تكون قد ساعدت المسار الذي كان ينبغي أن تساعده على الخروج منه.
وفي الوقت نفسه، قد تكون قد كشفت شيئًا في نفسك أنت: قسوتك، أو غلظتك، أو عدم صبرك، أو رغبتك في الانتصار.
وهكذا يصبح الآخر اختبارًا لك كما أنت اختبار له.
لذلك ربما علينا أن نعيد النظر في مفهوم «الآخر» نفسه.
لماذا نراه دائمًا ندًا؟
لماذا لا نراه إنسانًا آخر في رحلة الإنسان نفسها؟
لماذا لا نفترض أن ضعف هذا الإنسان فرصة لأن يظهر مني ما إذا كنت رحيمًا حقًا؟
وأن عناده فرصة لأرى مقدار صبري؟
وأن إساءته فرصة لأرى هل سأكون امتدادًا للإساءة أم نقطة توقفها؟
فقد يدخل إلينا الأذى لكن ليس من الضروري أن يخرج منا أذى.
قد يدخل الكسر ويخرج وعيًا.
وقد تدخل القسوة وتخرج رحمة.
وقد يدخل الاستفزاز ويخرج منه حلم.
وهنا يصبح الارتقاء الحقيقي ليس في أن نعيش في وجودٍ خالٍ من الصعوبات، وإنما في أن نعبر الصعوبة دون أن تسمح لها بأن تعيد تشكيلنا على صورتها.
فالخط الشيطاني قد يضع أمامك المادة، لكنه لا ينبغي أن يحدد نهايتك.
قد يفتح لك باب الصراع، لكنك تستطيع أن تختار باب الرحمة.
قد يكشف لك أسوأ ما فيك، لكنك تستطيع أن تجعله ظاهرًا لكي تعالجه، لا لكي تستسلم له.
وقد يستخدم إنسانًا لإيذائك، لكنك تستطيع ألا تتحول إلى أداةٍ جديدة لإيذاء غيرك.
وهنا ربما يكون أعظم ما نتعلمه من العلاقات:
أن الآخر ليس دائمًا من جاء ليؤذيك، ولا من جاء ليكملك، ولا من جاء لتغيّره قد يكون من جاء ليكشفك لنفسك.
والسؤال الحقيقي إذن ليس فقط:
ماذا فعل الآخر بي؟
بل: ماذا أظهر الآخر فيّ؟
ثم السؤال الأعمق:
ماذا سأفعل أنا بما أظهره؟
فمن هنا تبدأ الرحلة: من الوقع إلى الوعي، ومن التشخيص إلى التجريد، ومن رؤية الآخر إلى رؤية النفس، ومن أن نكون أدواتٍ في سلسلة الأذى… إلى أن نقطع السلسلة ونحوّل ما وصل إلينا من وقودٍ مؤلم إلى طاقةٍ نصعد بها في الخط الرحماني.
منذ أن طُرح عنوان (الوقع في العلاقات) استعدادا للقاء الليلة، ظلت كلمة واحدة تشدني إليها أكثر من العلاقة نفسها:
الوقع.
كنت أستطيع أن أمرّ عليها باعتبارها أثرا يتركه إنسان في آخر، لكن شيئا في الكلمة كان يرفض هذا الاختصار. فالأثر نراه بعد أن يحدث، أما الوقع فيأخذني إلى لحظة أسبق: ماذا يحدث فينا حين يصل إلينا شيء من الآخر؟
كلمة، نظرة، موقف، صمت… أشياء قد لا تستغرق إلا لحظة، ومع ذلك لا تتساوى في مرورها بنا. بعضها يعبر كأنه لم يكن، وبعضها يدخل إلى موضع لا نعرفه إلا حين نكتشف أن شيئا فينا قد تغيّر.
وهنا وجدتني أعود، كما أفعل كلما أربكني ظاهر المعنى، إلى ما تعلمته من فلسفة التشخيص والتجريد: ألا أتوقف عند صورة الواقعة وحدها، بل أحاول أن أرى الحركة التي تعمل خلفها.
فلماذا تقع الكلمة نفسها في نفسين بوقعين مختلفين؟
ربما لأننا لا نستقبل بعضنا على أرض خالية.
فالذاكرة ليست مجرد مكان نعود إليه لاستحضار ما مضى؛ إنها حاضرة في بنية التلقي نفسها. حين تصلني كلمتك لا تدخل فراغًا، بل تدخل نفسًا لها بنيتها وإدراكها وصورتها عن ذاتها وعن الآخر.
وهنا استوقفني قوله تعالى:
<وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا>
في أنفسهم.
كأن القول لا ينتهي عند خروجه من قائله؛ له رحلة أخرى تبدأ حين يبلغ النفس.
وهنا حضرت أمامي صورة الشجرة. فالماء الذي يصل إلى الجذر لا يبقى قطرة كما دخل؛ تتلقاه بنية حية، فيسري فيها ثم يظهر ورقا أو زهرا أو ثمرا.
فماذا لو كان شيء من ذلك يحدث في العلاقات؟
ربما نحن أيضا لا نحفظ كلمات بعضنا كما قيلت، بل نحوّلها فينا.
ولهذا لا تكفي أحيانا عبارة: «لم أقصد ذلك»، لأن القصد يصف ما خرج مني، لكنه لا يصف وحده ما حدث حين بلغك. وفي المقابل، لا يكفي أن أجعل إحساسي دليلا كاملا على قصدك؛ لأنني أنا أيضًا كنت حاضرا في عملية التلقي.
وبين الاثنين بدأت أرى معنى الوقع.
وفي قراءة رمزية لحروف وَقْع، لفتني مسارها:
و: وصل.
ق: إحاطة وقبض.
ع: ظهور وتعيّن.
وكأن شيئا يصل، فيُحتوى، ثم يظهر.
لكن الذي يظهر فيَّ بعد أن تلقيتك لن يبقى فيَّ؛ سيعود إليك في كلمة أو نظرة أو استجابة، فيقع فيك بدوره.
وهنا لم أعد أرى العلاقة خطا بين شخصين، بل حركة بين وعاءين: أتلقى منك، يتحرك ما تلقيته فيَّ، ثم أفيض إليك؛ فتتلقى أنت، ثم تعيد الحركة من جديد.
وربما لهذا استوقفتني كلمة واحدة في قوله تعالى:
<وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً>
بينكم.
كأن العلاقة لا توجد في أحد الطرفين وحده، بل يتكوّن لها مجال ثالث: ما بيننا.
وهنا يمكن أن نفهم كيف يصنع الوقع وجهين مختلفين للعلاقة.
قد تقع كلمة في إنسان فتضيّقه، وقد تقع فيه كلمة أخرى فتوسّعه. كلمة واحدة طيبة قد تعيد إليه ثقته، أو تمنحه سكونا كان يحتاجه، أو تجعله يرى في نفسه إمكانية لم يكن يراها.
وربما لهذا جاءت الصورة القرآنية للكلمة الطيبة مدهشة:
<كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ>
لم يشبّهها بشيء يمرّ، بل بشيء ينبت.
وهنا يصبح الوقع الطيب أعمق من كلمة جميلة. فقد تقول لإنسان كلمة وتنساها أنت، لكنها تجد فيه موضعا صالحا، فتنمو، ثم تظهر يوما في موقف أو قرار أو ثقة أو رحمة يفيض بها هو على غيره.
كأن الكلمة لم تقع فيه فقط؛ امتد وقعها من خلاله.
والعكس ممكن أيضا.
قد يقع الخوف فيَّ فأدافع، فيقع دفاعي فيك هجوما، فتبتعد، فيقع ابتعادك فيَّ رفضا… وبعد قليل لا نعود نعرف أين انتهى فعلك وأين بدأ رد فعلي.
وهنا، إذا بقينا في التشخيص، سننشغل بمن قال ومن بدأ ومن أخطأ. أما التجريد فيسمح لنا أن نرى ما هو أعمق:
الدورة التي بدأ الوقع يصنعها بيننا.
وهنا يعود السكون بمعنى آخر.
<لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا>
فالسكينة ليست فقط أن أشعر بالراحة معك؛ ربما هي أيضا أن تصبح نفسي أكثر قابلية لأن تتلقاك دون أن يسبق اضطرابها حضورك.
لأن النفس المضطربة قد تسمع خوفها في كلامك، وترى صورتها عنك قبل أن تراك أنت.
وحين يحدث ذلك قد لا أعود في علاقة معك، بل مع الصورة التي كوّنتها عنك.
وهنا يظهر التجريد في أدق صوره: ألا أنكر ما وقع، لكن ألا أختزل الإنسان فيما وقع منه. أن أبقي باب التلقي مفتوحا، لأن الإنسان أوسع من موقف، والعلاقة أوسع من لحظة.
وعند هذه النقطة توقفت أمام قوله تعالى:
<ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ>
مرة أخرى يعود البين.
لكن هذه المرة مع فعل: ادفع.
وقد لا أملك ما وصلني منك، ولا أول حركة أحدثها فيَّ، لكنني أملك شيئا بالغ الأهمية: ما الذي سأدفع به أنا بعد أن أتلقى؟
وهنا توجد، ربما، مساحة الاختيار.
أن يصلني شيء فلا أكون مضطرا إلى إعادته كما وصل. أن يمرّ عبر وعيي قبل أن يعود إليك.
فإذا كان الوقع الجارح قادرا على أن يتكاثر بين نفسين، فلماذا لا يكون الوقع الطيب قادرا أيضا على أن يغيّر اتجاه العلاقة كلها؟
ومن هنا لم يعد سؤالي:
ما وقعك فيَّ؟
بل أصبح أوسع:
ماذا نصنع نحن بما يقع بيننا؟
وهنا أصل إلى السؤال الذي أريد أن أتركه مفتوحا :
إذا كان الوقع يولد من التقاء ما يصدر عن الإنسان ببنية النفس التي تتلقاه، فأين تقف مسؤولية صاحب الفعل، وأين تبدأ مسؤولية المتلقي؟
ثم، حين يعود كل واحد منا فيفيض على الآخر بما تلقاه منه، هل تبقى المسؤولية فردية فقط، أم تنشأ معها مسؤولية أخرى عن ذلك الشيء الذي نصنعه معا، والذي سمّاه القرآن بهذه الكلمة الدقيقة:
«بينكم»؟
ربما لهذا شدّتني كلمة «الوقع».
لأنها بدأت عندي بسؤال عن أثر إنسان في إنسان، وانتهت بي أمام شيء أكبر:
نحن لا نعبر بعضنا فقط… نحن نشارك في تشكيل ما يصبح ممكنًا بيننا.
لا أدري لماذا قفزت إلى ذهني الآية الكريمة:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
ربما لأن ما بين الانتقال والجدار، وما بين الصمت والكلام، قد يكون أعمق بكثير مما تسمح لنا الصورة برؤيته.
فالكظم، في أحد وجوهه، ليس مجرد حبسٍ للغضب، كما أن العفو ليس مجرد تجاوزٍ لفعل الآخر. ثمة حركة أعمق تحدث في النفس؛ حركة تتعلق بصورة الذات عن ذاتها، وبحاجتها إلى الدفاع عن صورتها، وإثبات حضورها، وانتزاع الاعتراف من الآخر.
فماذا يحدث حين تسقط هذه الحاجة؟
هل يصبح الكظم، حين يصفو، تحررًا من الذات التي تريد أن تنتصر؟
وهل يصبح العفو أوسع من إسقاط حق، إلى التحرر من الحاجة لأن يبقى الآخر أسيرًا للصورة التي كوّناها عنه؟
وهنا يأخذني السؤال إلى معنى التجريد.
فالتجريد ليس بالضرورة أن نكظم أو نتكلم، ولا أن نصمت أو نعفو بوصفها أفعالًا ظاهرة؛ بل قد يكون التجريد الحقيقي هو أن يتجرّد الباطن من تلك «الأنا التشخيصية» التي تجعل من كل موقف ساحةً لإثبات الصورة والدفاع عنها.
عندها لا يعود السؤال: ماذا فعل الآخر بي؟
بل يصبح: ما الذي يحدث في داخلي حين أرى ما فعله؟
وهنا تبدأ المسافة بين الحدث وتأويله، بين الفعل والصورة التي نصنعها عنه، وبين الأذى كما وقع والأذى كما تشخّص في وعينا.
ولعل أعمق وجوه التجريد أن ينتقل الإنسان من كظم الفعل إلى تجريد الدافع، ومن العفو عن الآخر إلى التحرر من الذات التي تحتاج إلى الانتصار عليه.
ومن هنا يفتح ختام الآية بابًا أبعد:
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
فحين يسقط طلب الاعتراف، وحين لا يعود الفعل صادرًا عن ذاتٍ تريد أن تُرى أو تثبت نفسها، ماذا يبقى؟
لعل الذي يبقى هو الأثر.
وهنا يأتي التأمل الذي فتحته لي كلماتكِ يا دكتورة علا: أن التجريد لا ينتهي عند فكّ ارتهان الوعي بصورة الآخر، بل قد يمضي إلى موضع أعمق؛ إلى الموضع الذي تبدأ فيه ثنائية الأذى والخير، والفاعل والمفعول بالتراجع، لا بمعنى إنكار الحدث أو تبرير الأذى، وإنما بمعنى التحرر من الصورة التي أغلقت معناه.
فما بدا في البدء أذىً، قد لا يبقى كذلك حين يتجرّد المشهد من تشخيصه الأول؛ فقد تكون الشفرة التي عبر منها الأذى هي ذاتها المعبر الذي يعبر منه الخير.
ولعل هنا يكمن أحد أسرار التحوّل الذي تفتحه الآية:
﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾
ليس بالضرورة أن يكون الآخر هو الذي تغيّر، بل قد يكون الذي تغيّر هو موضع الرؤية؛ فتتبدل علاقة الوعي بالحدث، وتنفتح خلف صورة العداوة طبقةٌ أخرى لم تكن مرئية.
وعندها لا يعود الإحسان فعلَ «أنا» تجاه «آخر»، لأن الأنا نفسها تكون قد تراجعت عن مركز المشهد.
فيصبح الإحسان أعمق من فعلٍ يصدر عن ذاتٍ تريد أن تُحسن؛ يصبح انكشافًا لخيرٍ كان يعبر المشهد من حيث لم نكن نراه.
وربما هنا تحديدًا يبدأ التجريد الحقيقي:
حين لا نعود أسرى للصورة،
ولا أسرى للدور،
ولا أسرى للحاجة إلى الانتصار،
وحين يتراجع «أنا الفاعل»…
ويبقى الفعل وأثره.
فالإحسان، في أعمق صوره، قد لا يكون أن تفعل الخير فحسب، بل أن تتجرّد من الذات التي تريد أن تُرى وهي تفعله.
لطالما شعرت أن الصمت أوسع من أن يُختصر في غياب الكلام...
فالصورة قد تبدو واحدة... فيما يكون ما يجري خلفها على طرفي نقيض.
قد يكون الصمت امتلاءً بلغ فيه المعنى حدًا لم تعد العبارة قادرة على حمله وقد يكون انكماشًا بلغ فيه الخوف حدًا تعجز معه النفس عن إخراج ما فيها.
لهذا لا يُقرأ الصمت من صورته بقدر ما يُقرأ من الموقع الذي يصدر عنه...
هناك صمت يأتي من سعة وصمت يولد من ضيق... صمت تبقى فيه السيادة بيد الوعي وصمت تنسحب فيه النفس تاركة للخوف أن يدير المشهد من خلفها..
في هذه المسافة يبدأ الفارق الحقيقي...
في فلسفة التشخيص والتجريد لا تكشف الصورة وحدها حقيقة الفعل فالفعل يأخذ معناه من البرنامج الذي صدر عنه ومن الأثر الذي يتركه ومن الموقع الذي ينقل النفس إليه.
فقد يصمت الإنسان لأنه استوعب المشهد إلى حد تجاوزه وقد يصمت لأن المشهد تجاوز قدرته على حمله...
قد يحفظ الصمت معنى أكبر من العبارة وقد يحبس معنى لم يجد طريقه إلى العبور...
وفي هذه المسافة الدقيقة يتبدل كل شيء...
فالتجريد حين يمس الصمت لا يلغي اللغة ولا ينتقص من شأنها وإنما يردها إلى حجمها الحقيقي...تصبح الكلمة وعاء...ويصبح اللفظ صورة...ويبقى المعنى أوسع من كليهما..
[[ وفي بعض حالات الوجد يبلغ المعنى منطقة تضيق بها اللغة نفسها...هناك لا تضيع الكلمات لأن الداخل خالٍ منها وإنما لأن ما امتلأ به أوسع من أن ينتظم في عبارة..كأن النفس تكون قد عبرت إلى موضع تتأخر عنه اللغة...
فيصبح الصمت أصدق من كلام ينتقص من التجربة لحظة يحاول أن يحتويها...!
في هذا الموضع يترك الوعي للمعنى سعته وللوجد مداه حتى تنضج العبارة إن كان لها أن تأتي...
وربما كانت بعض أصفى لحظات التجريد هي تلك التي يعرف فيها الإنسان أن ما أدركه لا يحتاج فورًا إلى اسم...وأن بعض المعاني كلما اقتربت من النور صار القول بها أقل من حقيقتها...!
عندها لا يكون الصمت عجزًا عن الكلام...
يكون وفاءً لمعنى لم تكتمل للغة بعد أهلية حمله....!
وحين يصل الوعي إلى هذه الطبقة قد يصبح الصمت أمانة...امتلاءً لا يستجدي إثبات نفسه...]]...!
في الداخل لا يتوقف الفؤاد وإنما يبدأ عمله الأعمق...يعالج الأثر ويعيد تنظيم الانفعال ويخفف من كثافة النار فيما تعيد النفس تموضعها حتى يسترد الوعي سيادته ويُفسح للنور مجالًا أوسع في المشهد.
ومن الخارج لا يُرى شيء تقريبًا...سكون فقط...
في الداخل تتبدل علاقة النفس بالمشهد وينفصل الأثر عن اندفاعه الأول وتغدو الكلمة إن خرجت بعد ذلك أكثر صفاءً وأقل خضوعًا للنار التي أنشأتها اللحظة...لهذا قد يكون الصمت حركة كاملة تحت هيئة السكون...حركة تجري في العمق حيث لا يعود كل أثر محتاجًا إلى أن يُفرغ فورًا ولا كل استفزاز جديرًا بأن يمنح سلطته على الفؤاد ولا كل قدرة على الرد سببًا كافيًا لاستخدامها.
في تلك المساحة تنكشف الحرية بصورة أدق... فالحرية ليست أن أتكلم حين أستطيع ولا أن أصمت حين أريد أن أبدو متجاوزة...
الحرية أن يبقى الاختيار لي...ألا يدفعني خوف قديم إلى الصمت ولا نار قديمة إلى الكلام ولا صورة صنعتها عن نفسي إلى الدفاع عنها في كل مشهد..هناك فقط تصبح السيادة حقيقية...ويصبح الكلام والصمت صورتين لفعل واحد أعمق...أن أتحرك من موضعي أنا لا من الموضع الذي دفعني إليه الآخر.
لكن للصمت وجهًا يتقن التنكر...!
فقد يبدأ يومًا كوسيلة نجاة...لحظة خوف أو أذى أو عجز لم تجد النفس معه طريقًا آخر...
ثم يتكرر...ومع التكرار لا يعود موقفًا عابرًا...يتسلل إلى البرنامج النفسي حتى يصبح الصمت الطريق الأكثر أمانًا ثم الطريق المألوف ثم يكاد يتحول إلى تعريف خفي للعلاقة مع العالم....
تضيق السعة قليلًا قليلًا...
يتراجع التعبير...وتتكدس الأشياء التي لم تُقل حتى يصبح ما في الداخل أثقل من المشهد الذي أنشأه أصلًا...عندها لا يعود الصمت مساحة...
يصير جدارًا...!
والأخطر أن البرنامج النفسي قد يضع على هذا الجدار أسماء جميلة...
هدوءًا...اتزانًا...تجاوزًا...
سلامًا...
بينما يكون خلفها خوف لم يعبر بعد...عندها يصبح الصدق مع النفس أشد قسوة من الكلام نفسه...
أن أرى موقعي بلا تجميل...أن أعرف إن كان الصمت قد وسّعني فعلًا أم منح عجزًا قديمًا صورة أكثر قبولًا...هنا يظهر الاستحقاق في موضعه الأدق...
فالأهلية لا تُقاس بالصمت ولا بالكلام وإنما بالقدرة على اختيار موضع كل منهما...أن تأتي الكلمة بقدر المعنى...وأن يأتي السكوت بقدر الحكمة...
وأن يبقى الأثر أمانة لا يُهدر في كل موضع ولا يُحبس في كل موضع.
فالقلب ليس ساحة مباحة لكل ما يمر...والفؤاد ليس معالجًا بلا حدود...والسعة نفسها تحتاج إلى أن تُصان من الاستنزاف كما تحتاج إلى أن تُفتح حيث يكون الفتح ضرورة.
لذلك قد يكون الصمت أمانة لأنه يحفظ المعنى من أن يُلقى في موضع لا يملك أهلية حمله...
وقد تكون الكلمة أمانة لأن السكوت في موضع آخر يرسّخ الخلل...عندها لا تعود الصورة كافية للحكم..!
فالصمت لا يستمد قيمته من هدوئه ولا الكلام من جرأته...فالقيمة أبعد من الصورة...في البرنامج النفسي الذي يتحرك...
في الأثر الذي يترسب.. في المعدل التراكمي الذي تُضاف إليه التجربة...في السيادة التي تستعاد أو تُفقد...وفي السعة التي تنفتح أو تضيق بعد انقضاء المشهد.
وعند هذه الطبقة يكشف الصمت علاقتنا بأنفسنا أكثر مما يكشف علاقتنا بالآخر...يكشف مقدار ما بقي فينا من صورة قديمة ما زلنا نحرص على حمايتها...ويكشف مقدار ما تزال النار قادرة على تحريكه من الخلف ومقدار ما أصبح الوعي قادرًا على حمله دون حاجة دائمة إلى العرض أو الشرح أو انتزاع الاعتراف.
ومن هنا يقترب الصمت من التنزيه...تنزيه المعنى عن أن يُختزل في رد فعل...والذات عن أن تبقى أسيرة صورة المدافع أو المنتصر أو المظلوم... والمشهد عن أن يحتل من الوعي مساحة أكبر من حجمه.
هناك يبدأ التشخيص نفسه بالتفكك...فلا يعود الصمت مجرد امتناع عن الكلام وإنما تحريرًا من الحاجة إلى ضبط الصورة في وعي الآخر ومن التعلق بأن يخرج من المشهد حاملًا الرواية التي نرضاها عن أنفسنا.
وحين تسقط هذه الحاجة يتغير معيار الصمت كله...
فلا يعود الفهم الخارجي هو المرجع.. ويصبح الأثر هو الشاهد.
إن خرجت النفس منه أوسع وأخف كثافة وأكثر قدرة على الرؤية وأقل ارتهانًا للمثير فقد حدث انتقال.
وإن خرجت أضيق...أكثر احتباسًا...أشد خوفًا... وأقل قدرة على التعبير حين يصبح التعبير أمانة..فقد بقي الموقع كما هو مهما بدا المشهد هادئًا.
وهنا يظهر الصمت من أدق المواضع التي تكشف المسافة بين التشخيص والتجريد...
قد تتشابه الصورة فيما يجري الفارق كله في مكان لا يراه أحد...
في الفؤاد...في البرنامج النفسي...في السعة...في السيادة..في الاستحقاق... وفي مقدار ما بقي من النور بعد أن انطفأ الصوت.
فالصمت الذي يعبر بالنفس من موضعها القديم يصبح انتقالًا...
والصمت الذي يثبتها فيه يتحول إلى جدار...
وبين الانتقال والجدار...
قد لا يسمع أحد شيئًا...!
اليوم، بعد أن نشرت تأملي حول اللوح والدُّسُر والفُلك، فرحت كثيرا، لاقى النص إعجابا ، ووصلتني كلمات جميلة أسعدتني فعلا. قرأت التعليقات أكثر من مرة، وشعرت بذلك الفرح الذي يعرفه كل من يكتب من داخله ثم يكتشف أن شيئا مما تحرك فيه استطاع أن يصل إلى غيره.
وكان يمكنني أن أبقى طويلا في تلك اللحظة.
لكن شيئًا أعادني سريعا إلى نفسي.
وجدتني أفكر في الدكتور هاشم نصّار.
ربما لأنني بدأت أدرك أن الأثر الحقيقي لرحلتي معه ومع فلسفة التشخيص والتجريد لم يعد يظهر فقط حين أقرأ أو أناقش فكرة فلسفية، بل صار يظهر حتى في الطريقة التي أتعامل بها مع نفسي.
فرحت بالمديح، نعم…
لكنني لم أرد أن أسكن فيه.
وكأن شيئا مما تعلمته خلال هذه الرحلة قال لي بهدوء:
عودي إلى الدفّة.
ابتسمت حين خطرت لي العبارة.
فأنا منذ ساعات فقط كنت أكتب عن الفُلك، وها هو النص نفسه يعيدني إليه من باب لم أفكر فيه وأنا أكتبه.
في الصباح كنت أنظر إلى الفُلك.
والآن وجدتني داخله، يدي عند الدفّة، والبحر أمامي، وفي ذهني رجل كان له أثر كبير في أن أصل أصلا إلى هذه الطريقة في النظر.
الدكتور هاشم.
وهنا أدركت أن عليّ أن أحدد موضعه في هذا المشهد.
لم أستطع أن أراه ربّانا.
ليس انتقاصا من موقعه، بل لأنني شعرت أنني لو منحته الدفّة، لكنت قد خالفت واحدا من أعمق الآثار التي أحدثتها فلسفته فيّ.
فالدكتور هاشم لم يعلمني أن أضع عقلي بين يديه.
علّمني أن أعود إلى عقلي.
لم يدفعني إلى أن أستبدل إجابات قديمة بإجاباته، بل جعلني أكثر قلقا أمام الإجابة الجاهزة، وأكثر انتباها إلى ما أضيفه أنا إلى الشيء قبل أن أشخّصه.
ومع الوقت، لم أعد أتعلم منه أفكارا فقط…
كنت أتعلم منه فعل النظر نفسه.
بقيت صورة الفُلك أمامي، وبقي موضع الدكتور هاشم فيها غير مكتمل، حتى رفعت بصري في خيالي إلى السماء.
فحضرت الآية:
<وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ>.
وسكنت عندها.
هذا هو الموضع.
النجم.
وشعرت أن الصورة أنصفت المعلم والتلميذ معا.
فالنجم عالٍ في موضعه، يُرى ويُهتدى به، لكنه لا ينزل إلى الفُلك ليمسك دفته.
والآية، بدقتها، لم تجعل الإنسان غائبا عن فعل الاهتداء:
<هُمْ يَهْتَدُونَ>
النجم علامة، لكن الاهتداء فعل.
ومن هنا رأيت الدكتور هاشم بطريقة ربما لم أرها من قبل.
لقد ظهر في مرحلة من رحلتي كنجم معرفي جعلني أنتبه إلى اتجاهات لم أكن أراها.
فلسفة التشخيص والتجريد لم تمنحني فقط موضوعات جديدة أفكر فيها؛ لقد أحدثت خللا جميلا في عادتي القديمة في النظر.
ما كنت أمر به، صرت أتوقف عنده، ما كنت أعدّه بديهيا، صار قابلا لأن أعود إليه، وما كنت أنسبه إلى الشيء، بدأت أسأل نفسي إن كان فيه فعلا أم أنني أنا التي وضعته فيه.
وهنا بدأ التشخيص يتحرك في اتجاه لم أتوقعه.
فبعد أن كنت أوجهه إلى الأشياء، وجدته يعود إليّ.
ولعل هذا هو السبب الذي جعلني، بعد نشر مقالي اليوم، لا أستسلم طويلا لسعادة المديح.
فالمديح نفسه يحتاج أحيانا إلى وعي.
قد يكون جميلا ومحفزا، لكنه يستطيع أيضا أن يصنع حول الإنسان صورة يحبها، ثم يبدأ من حيث لا يشعر بالدفاع عنها.
وهنا فهمت أن الدفّة ليست مجرد صورة للقرار، بل لمسؤولية أعمق: أن أبقى قادرة على مراجعة نفسي حتى وأنا في لحظة نجاح.
وأن أسمح للسؤال بأن يقترب حتى مما يسعدني.
عند هذه النقطة بالذات حضرت أمامي سفينة أخرى:
<حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا>
الخرق.
شيء كان يبدو سليما، فإذا بفتحة تصيبه، ومن داخل اللحظة لم يكن المشهد يحتمل إلا الاعتراض:
<أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا>
ثم ظهر ما لم يكن مرئيا:
<وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا>
استوقفتني الصورة معرفيا.
فليس كل خرق هدما.
وأحيانا يكون السؤال خرقا صغيرا في يقين شديد التماسك.
نغضب منه لأننا نراه يفسد بناء اطمأننا إليه، ثم نكتشف أن ما خرق لم يكن الحقيقة نفسها، بل الصورة التي أحكمنا إغلاقها حولها.
وهذا من الأشياء التي بدأت أفهمها أكثر مع الدكتور هاشم.
التشخيص ليس أداة أستخدمها فقط حين أريد تفكيك فكرة الآخر، قيمته الحقيقية تظهر حين أسمح له بالاقتراب من فكرتي أنا.
من يقيني أنا.
ومن الصورة التي أحب أن أراها عن نفسي.
عندها فقط يصبح التجريد أكثر من تمرين فكري؛ يصبح امتحانا للنزاهة مع الذات.
ومن الخرق انتقلت بي الآيات إلى فُلك نوح، وإلى قوله:
<إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي>.
هذه المرة أمسكتني كلمة واحدة:
<مِنْ أَهْلِي>.
كم من الأشياء تدخل مع الزمن إلى «أهلنا» الداخلي؟
فكرة رافقتنا طويلا، حكم ورثناه، معنى أحببناه، صورة صنعناها عن أنفسنا… حتى يصبح الفصل بينها وبين ذواتنا مؤلما.
ثم يأتي الدرس ليضع حتى هذا القرب أمام الفحص، ليس كل ما استقر فيّ هو أنا، وليس كل ما طال بقاؤه في فكري يصبح بمنأى عن التشخيص.
وربما هنا بدأت أفهم بصورة أعمق لماذا أصرّ الدكتور هاشم دائما، في هذه الرحلة الفكرية، على الحركة وعدم الجمود عند مستوى واحد.
فالفلسفة التي تتحول إلى أقوال نرددها تفقد قدرتها على إحداث التحول.
أما حين تصبح التشخيص والتجريد فعلين في طريقة القراءة، فإن صاحبها لا يبقى أمامك فقط…
بل يصبح أثره حاضرا في كيفية رؤيتك لما أمامك.
وهذا بالنسبة إليّ هو المعنى الأرقى للأستاذ.
ليس أن يجعلني أقول ما يقول.
بل أن يرفع مستوى السؤال في داخلي.
ليس أن يحميني من الحيرة.
بل أن يجعلني أكثر قدرة على المرور خلالها دون أن أستعير يقينا جاهزا للخروج منها.
وهنا، كأن الآيات كانت تجمع المشهد خطوة خطوة، حضرت أمامي:
<كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ>.
وتوقفت عند:
<وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ>.
الآن اكتمل عندي موضع النجم والدفّة معا.
الدكتور هاشم يستطيع أن يفتح لي مجالا لم أكن أراه.
أن يضع بين يدي فلسفة أعادت تشكيل علاقتي بالسؤال.
أن يكون نجما أستدل به في مرحلة من رحلتي.
لكن «تدرسون» تعيدني دائمًا إليّ.
أنا المطالبة بأن أدرس.
أن أختبر.
أن أشخّص.
أن أجرّد.
وأن أعود حتى إلى ما تعلمته من أستاذي، لا لأهدمه ولا لأثبت ولائي له، بل لأجعله حيًا في فعل الدرس.
ولعل هذا أجمل ما أستطيع أن أقوله اليوم عن الدكتور هاشم نصّار:
لم يزد عدد الأفكار التي أحملها فحسب…
بل غيّر هيئة الحاملة نفسها.
ولهذا، حين وصلتني اليوم كلمات الإعجاب بمقالي، فرحت بها من قلبي.
لكنني لم أشعر أنني وصلت.
شكرت أصحابها، واحتفظت بدفئها…
ثم عدت إلى الدفّة.
وكان الدكتور هاشم حاضرا، ولكن ليس أمامي ليقودني.
رفعت رأسي…
فوجدت موضعه أجمل في الأعلى.
نجما.
<وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ>
وعندها أدركت أن بعض المعلمين لا تكبر مكانتهم فينا لأننا نسير وراءهم، بل لأننا بعد لقائهم نصبح أقدر على السير بوعي.
لا يصنعون حول نورهم دائرة نبقى فيها، بل يكشفون لنا به اتساعا لم نكن نراه.
ولا يكون أجمل الوفاء لهم في تكرار كلماتهم، بل في أن يصبح ما أيقظوه فينا قادرا على أن يواصل الحياة والسؤال والتجاوز.
لهذا لا أريد للدكتور هاشم أن يكون ربّان فُلكي.
ذلك الموضع، بما علّمني إياه، أعادني إلى مسؤوليتي أنا.
أريده حيث رأيته اليوم:
نجما عاليا في سمائي المعرفية؛
كلما رفعت رأسي إليه، لم يقل لي إلى أين أصل…
بل ذكّرني أن أرى، وأن أدرس، وأن أهتدي.
ثم أعود إلى الدفّة.
لا لأبتعد عن النجم…
بل لأنني تعلمت منه أن قيمة النور ليست في أن نبقى مأخوذين ببريقه، وإنما في مقدار ما يكشفه لنا من الطريق داخلنا.
فالمعلم الكبير لا يورّث تلميذه وجهته،
بل يوقظ فيه أهلية الاتجاه.
وحين يحدث ذلك، لا يعود النجم مجرد علامة في السماء…
بل يصبح أثرا من النور في عين من تعلّم أن يهتدي.
هل الصبر تحمّلٌ للواقع، أم إعادةُ تشكيلٍ للذات أمام واقعٍ لا يتغيّر؟
ما أصعب ما يمكن أن يختبره الإنسان؟
قد نظن أن الألم هو أقسى ما يمكن أن نواجهه، أو الفقد، أو الظلم، أو الانتظار الطويل، لكن ثمة امتحانًا أعمق من كل ذلك؛ أن يقف الإنسان أمام واقعٍ لا يستطيع تغييره، دون أن يسمح لهذا الواقع بأن يغيّره هو من الداخل.
ومن هنا يبدأ الصبر.
فالصبر، في معناه الأول، يبدو وكأنه احتمالٌ لما يؤلمنا، لكن في معناه الأعمق هو امتحانٌ لطريقة تشكّلنا أمام ما يؤلمنا. ولذلك لم يأتِ الصبر في القرآن بوصفه حالةً سلبية أو مجرد احتمالٍ للمعاناة، بل ارتبط بالعزم والتقوى والتوكل والمعية الإلهية، حتى يبلغ المعنى ذروته في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾.
لكن السؤال الذي يفتح بابًا أعمق للتأمل هو: ما الذي يجعل الصبر جميلًا؟
هل الجمال في أن نصمت أمام الألم؟ أم في أن نحتمل ما لا نستطيع تغييره؟ أم أن الجمال الحقيقي يكمن في ألا نسمح لما يحدث لنا أن يعيد تشكيل حقيقتنا الداخلية وفق صورته؟
هنا تنتقل المسألة من تشخيص الصبر إلى تجريده.
في المستوى التشخيصي، للصبر موضوع واضح: فقدٌ نتحمله، أذى نصبر عليه، ظلمٌ يقع علينا، انتظارٌ يطول، أو واقعٌ لا نملك في اللحظة الراهنة القدرة على تغييره.
لكن حين ننتقل إلى المستوى التجريدي، يتغير السؤال.
لا يعود السؤال: ماذا حدث لي؟
بل يصبح:
ماذا يفعل ما حدث لي في تكويني؟
وهنا تبدأ فلسفة الصبر.
فالحدث ليس هو القيمة، والمحنة ليست هي المعنى، وما يصيب الإنسان لا يساوي بالضرورة ما يصبح عليه الإنسان بعده. قد يقع الظلم، لكن الأخطر من الظلم أن يتحول إلى هوية. وقد يحدث الفقد، لكن الأخطر أن يتحول الفقد إلى فقدٍ للمعنى. وقد نتألم، لكن الخطر الأكبر أن يصبح الألم هو اللغة الوحيدة التي نعرّف بها أنفسنا والعالم.
ولهذا فإن الصبر الحقيقي لا يعني أن نتوقف عن مقاومة ما ينبغي تغييره، ولا أن نبرر الظلم، ولا أن نستسلم للواقع استسلامًا يلغي الإرادة.
الصبر هو أن تبقى إرادتك حيّة، دون أن تسمح للواقع بأن يستولي على وعيك.
أن تقول للألم: أعترف بوجودك، لكنني لا أسمح لك أن تصبح تعريفًا لي.
أن تقول للفقد: لقد أخذتَ مني شيئًا، لكنك لن تأخذ مني قدرتي على صناعة المعنى.
وأن تقول للمحنة: سأعبرك، لكنني لن أسمح لك أن تحددي من أكون.
ومن هنا يمكن فهم الصبر بوصفه عملية إعادة تشكيل للذات؛ فالمحنة لا تكون فقط حدثًا يقع على الإنسان، بل تصبح مساحةً تكشف ما في داخله، وتختبر قدرته على تحويل التجربة من مجرد ألمٍ واقعٍ عليه إلى قيمةٍ تتشكل فيه.
وهنا يظهر الفرق بين الصبر التشخيصي والصبر التجريدي.
الصبر التشخيصي هو أن يتحمل الإنسان ما يحدث له.
أما الصبر التجريدي فهو أن يستخرج من تحمّله قيمةً جديدة تُضاف إلى تكوينه.
في الأول نحن نحافظ على أنفسنا من الانهيار.
وفي الثاني نحن نبني أنفسنا من جديد.
وهذا هو التحول الأعمق في فلسفة الصبر: أن المحنة لا تنتهي بمجرد انتهاء الحدث، بل تنتهي حين تتحول التجربة إلى معرفة، والمعرفة إلى قيمة، والقيمة إلى جزءٍ من البنية الداخلية للإنسان.
فقد يخرج شخصان من المحنة نفسها؛ أحدهما أكثر قسوة، والآخر أكثر حكمة. أحدهما أكثر غضبًا، والآخر أكثر بصيرة. أحدهما يحمل جرحه كهوية، والآخر يحمل أثره كمعرفة.
الحدث واحد، لكن التجريد مختلف.
ولهذا لا يكون السؤال الحقيقي أثناء المحنة فقط: متى ستنتهي؟ بل: ماذا ستصنع بي وأنا أعبرها؟
إن الصبر بهذا المعنى ليس تجميدًا للذات، بل تحديثٌ لها.
كل تجربة صعبة يمكن أن تترك في النفس أثرًا من اثنين: أثرًا يزيد كثافتها، أو أثرًا يزيد وعيها. ويمكن للألم أن يتحول إلى غضبٍ دائم، كما يمكن أن يتحول إلى قدرةٍ أعمق على الفهم. ويمكن للفقد أن يغلق الإنسان على ذاته، كما يمكن أن يفتح فيه معرفةً جديدة بقيمة ما كان يملكه.
وهنا تكمن مسؤولية الإنسان عن تجربته، لا عن الحدث نفسه.
فليس كل ما يحدث لنا من اختيارنا، لكن الطريقة التي نعيد بها بناء أنفسنا بعد ما يحدث لنا تصبح جزءًا من مسؤوليتنا.
ولعل هذا ما يجعل الصبر مرتبطًا بالعزم؛ لأن العزم ليس مجرد قوة على الاحتمال، بل قدرة على ألا تفقد البوصلة الداخلية حين تضطرب خارطة الخارج.
ومن هذه الزاوية يمكن أن نفهم قوله تعالى:
﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾
فالصبر هنا ليس ضعفًا، والغفران ليس محوًا لما حدث، بل كلاهما فعلٌ من أفعال القوة الداخلية؛ قوة الإنسان على ألا يصبح نسخةً من الأذى الذي تعرّض له.
ثم تأتي الآية:
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾
وكأن السلام يأتي في الجهة الأخرى من الصبر.
ليس بالضرورة لأن العاصفة لم تحدث، بل لأن الإنسان خرج منها ولم يفقد جوهره.
فالسلام، في هذا المعنى، ليس غياب العاصفة، وإنما سلام الذات بعد أن تعلّمت كيف تعبر العاصفة دون أن تتحول إلى عاصفة.
وهنا يصبح الصبر رحلةً من التشخيص إلى التجريد؛ من أنا أتألم إلى أنا أفهم ما يصنعه الألم فيّ، ومن هذا ما حدث لي إلى هذه القيمة التي استخرجتها مما حدث لي.
وربما لهذا لا يكون أعظم انتصار للإنسان أن ينتصر على الواقع، فثمة وقائع لا نستطيع تغييرها، وإنما أن ينتصر على إمكانية أن يتحول الواقع إلى سجنٍ داخلي.
قد لا نستطيع تغيير ما حدث.
لكننا نستطيع، بقدر ما أوتينا من وعي وإيمان، أن نقرر ماذا سيصبح ما حدث داخلنا.
وهنا تحديدًا يصبح الصبر أكثر من فضيلة؛ يصبح فعلًا من أفعال إعادة تشكيل الذات.
فنحن لا نصبر فقط حتى تتغير الأيام، بل نصبر حتى لا نفقد أنفسنا قبل أن تتغير.
ولا نعبر المحنة فقط كي تنتهي، بل كي نخرج منها ونحن أكثر وعيًا، وأكثر اتزانًا، وأكثر قدرةً على رؤية المعنى الذي لم يكن ظاهرًا لنا ونحن في قلب العاصفة.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الأعمق في الصبر:
متى ستنتهي هذه المحنة؟
بل:
من سأكون عندما تنتهي؟
فربما لا يكون الصبر هو أن تبقى كما أنت حتى ينتهي الألم، بل أن تعبر الألم دون أن تفقد جوهرك، ثم تخرج منه بذاتٍ أكثر وعيًا، وقيمةٍ أكثر رسوخًا، ونفسٍ أصبحت تعرف أن ما أصابها ليس بالضرورة ما يعرّفها.
وهنا فقط يصبح للصبر جماله.
أن يتغير العالم من حولك، دون أن يفقد قلبك بوصلته.
كنتُ أقلب صفحات على لوحي الإلكترونيtablet كعادتي؛ أفتح صفحة المفكر هاشم نصا، أحفظ صورة، أعود إلى ملاحظة، وأنتقل في دقائق بين كمٍّ من المعلومات كان يحتاج الوصول إليه قديما إلى مكتبات وأسفار.
وفجأة توقفت.
لم يوقفني شيء مما كنت أقرأه، بل أوقفني اللوح نفسه.
قلت: أنا أحمل لوحا.
لوحا يستطيع أن يحمل آلاف الكتب والصور والملفات، وأن يستقبل من المعلومات أكثر مما يمكنني استيعابه في سنوات، ومع ذلك فهو لا يعرف شيئًا مما يحمل.
وهنا أخذتني كلمة «اللوح» بعيدا عن الجهاز الذي بين يدي، وحضرت أمامي الآية:
<وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ>
ثم قفزت إلى ذهني اية أخرى:
<وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا>.
ألواح هنا… وألواح هناك.
لكن ما بين الصورتين استوقفني أكثر من التشابه بينهما.
في الأولى هناك شيء كتب في الألواح؛ فاللوح حامل للمكتوب.
أما في الثانية، فقد دخلت الألواح نفسها في تركيب أكبر: (ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ)
لم تعد المسألة لوحا يحمل معلومة، بل ألواحا انتظمت بعلاقات من الوصل والإحكام حتى أصبحت بنية تحمل.
وهنا بدأت أرى الفرق.
فاللوح وحده يمكن أن يحمل المكتوب، لكن ألف لوح متجاور لا يصنع فُلكا.>>لا بد من الدُّسُر.>>
شيء يصل الأجزاء، ويشد بعضها إلى بعض، ويمنح كل جزء موضعه داخل الكل، حتى لا يعود أمامنا ركام من الألواح، بل ذات متماسكة قادرة على الحمل.
وهنا شعرت بأثر فلسفة التشخيص والتجريد في طريقة قراءتي للمشهد.
فقد بدأت أتعلم معها ألا أتوقف طويلا عند الأشياء منفردة، بل أن أبحث عن العلاقة: أين يقع الجزء داخل البنية؟ بماذا يتصل؟ ماذا يتغير إذا تغير موضعه؟ وما القانون الذي يجعل أجزاء متفرقة تتحول إلى نظام قادر على أداء وظيفة لم يكن أي جزء منها قادرا على أدائها منفردا؟
ومن هنا تغير السؤال عندي.
لم يعد:
ماذا يحمل اللوح؟بل:
كيف تتحول المعلومة التي يحملها اللوح إلى بنية قادرة على أن تحمل الإنسان؟
وهنا بدا لي واقعنا المعرفي اليوم وكأنه يعيد السؤال بصورة أشد إلحاحا.
فنحن نعيش زمنا لم تعد فيه المعلومة نادرة.
نحمل ألواحنا في أيدينا، ونصل في لحظات إلى الكتب والصور والأبحاث والأخبار، ونستدعي عبر محركات البحث والذكاء الاصطناعي كمّا هائلا من البيانات.
لقد تضاعفت الألواح من حولنا…
لكن هل تضاعفت الدُّسُر في داخلنا؟
قد نقرأ فكرة من هنا، ونسمع معلومة من هناك، ونحفظ مقطعا، ونشارك اقتباسا، وننتقل إلى فكرة أخرى، حتى تمتلئ ذاكرتنا كما تمتلئ ذاكرة أجهزتنا.
لكن الامتلاء ليس بالضرورة بناء.
فالمعلومة التي لا تجد علاقتها بغيرها قد تزيد عدد الألواح، لكنها لا تبني فُلكًا.
وهنا تصبح الدُّسُر بالنسبة إليّ صورة معرفية شديدة العمق.
فالقيمة ليست فقط فيما نعرف، وإنما في كيفية اتصال ما نعرف.
حين تجد كل معلومة موضعها، وتتضح علاقتها بما قبلها وما بعدها، ويتحول المتفرق إلى شبكة من العلاقات، تبدأ المعرفة بالخروج من حالة التراكم إلى حالة البنية.
وهنا يبدأ الفُلك بالتشكل.
فالفُلك ليست مجموعة ألواح.
الفُلك هي ما أصبحت عليه الألواح بعد أن انتظمت.
وهذا التحول وحده يقلب العلاقة بين الإنسان والمعرفة:
في البداية يحمل الإنسان المعلومة.ثم، إذا انتظمت المعلومة في داخله وأصبحت منهجا للرؤية والتشخيص واتخاذ الاتجاه، تصبح المعرفة نفسها قادرة على حمله.
وكأننا ننتقل من:
لوح يحمل معلومة
إلى دُسُر تنظم العلاقة
إلى بنية تتماسك
إلى فُلك يحمل
إلى حركة تعبر.
ولهذا استوقفتني الكلمة التالية مباشرة:
<تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا>
تجري.
فالفُلك لم تُبنَ لتبقى ساكنة على اليابسة.
كل ذلك الوصل والإحكام كان استعدادا لدخول مجال الحركة.
وهنا يظهر الماء.
الماء لا يمنح الفُلك أرضا ثابتة؛ إنه وسط متحرك، تتبدل فيه القوى والاتجاهات، وقد يبلغ حد الطغيان:
<إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ>
وهنا اكتملت أمامي الصورة.
ربما لا تُختبر المعرفة حين يكون الواقع هادئا ومتوافقا مع ما نعرفه، وإنما حين يطغى الماء.
حين تتغير الظروف.حين تتكاثر الاحتمالات،حين تتدافع الأخبار والقراءات،حين تهتز الصورة التي اعتدناها، ونجد أنفسنا أمام واقع لا تكفي لمواجهته معلومة محفوظة أو إجابة جاهزة.
هناك يظهر الفرق بين من جمع ألواحا ومن بنى فُلكًا.
الأول قد تغرقه كثرة المعلومات نفسها؛ كل معلومة تسحبه إلى جهة، وكل رأي يعيد تشكيل موقفه، وكل موجة جديدة تمحو أثر السابقة.
أما الثاني فقد تحولت المعرفة لديه إلى بنية؛ يستطيع أن يدخل بها مجال المتغير دون أن يفقد اتجاهه.
وهنا أفهم شيئًا آخر من أثر فلسفة التشخيص والتجريد في رحلتي.
فالتشخيص لا يضيف لي لوحًا آخر إلى ما أملك من ألواح فحسب؛ بل يدفعني إلى البحث عن موضع اللوح داخل الصورة الكبرى.
والتجريد لا يلغي التفاصيل، بل يحاول أن يكشف من خلالها القانون الذي يجمعها.أي أن المسألة لا تبقى:كم معلومة امتلكت؟
بل:
ما البنية التي تشكلت من هذه المعلومات؟
وهنا عدت أنظر إلى اللوح الصغير بين يدي بصورة مختلفة.
هذا الجهاز يستطيع أن يحمل لي مكتبة كاملة، لكنه لا يستطيع أن يبني الفُلك عني.
يمكنه أن يحفظ المعلومة، ويستدعيها، ويرتبها في ملفات، بل ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يكشف لي علاقات لم أكن أراها…
لكن تبقى رحلة الوعي أعمق من مجرد الوصول إلى البيانات.
فاللوح يستطيع أن يحمل المعلومة إليّ.
أما أنا، فعليّ أن أتعلم كيف أربط ألواحي، وكيف أكتشف دُسُرها، وكيف تتحول المعرفة من أشياء أعرفها إلى بنية أتحرك بها.
وربما لهذا لم تعد عبارة:
<ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ>
تمر أمامي كما كانت تمر من قبل.
لأنني بدأت أراها كسؤال يمتد إلى واقعنا:
نحن في عصر امتلأت فيه أيدينا بالألواح، وامتلأت الألواح بالمعلومات…
لكن هل عرفنا كيف نَدسُر بينها؟
هل انتظمت معرفتنا حتى أصبحت فُلكًا؟
وهل تستطيع هذه المعرفة أن تحملنا حين يطغى ماء الواقع؟
ربما كان هذا أحد التحولات التي أحدثتها فيّ فلسفة التشخيص والتجريد:
أنني لم أعد أبحث فقط عمّا هو مكتوب على اللوح…
بل عمّا يجعل الألواح، حين تنتظم علاقاتها، تصبح فُلكًا قادرا على العبور.
منذ ٤٦٠٠ سنة تساءل طاليس: ما هو جوهر الوجود؟
فبدأت الفلسفة في هذه الدنيا تتناول عناصر الطبيعة كموضوع للبحث، الماء والتراب والهواء والنار تكلم بها حكماء الإغريق وظهرت السفسطة واستمرت 200 سنة حتى جاء سقراط في غمار هذه الفوضى الفكرية، التي خُتمت بهزيمة أثينا أمام اسبارطة، باحثاً عن الفضيلة ومتسائلاً عن جوهر الحياة وماهية الآلهة المتعددة التي لم تستطع حماية المدينة فكانت هزيمة نكراء فتحولت الفلسفة من الطبيعة إلى الإنسان في الوجود. وكانت صدمة إعدام سقراط فيما بعد سبباً في تحول الفلسفة إلى البحث عن المعنى الحقيقي للديمقراطية والحرية والفضيلة على يد تلامذة سقراط أفلاطون وأرسطو خارج حدود المدينة.
في الشرق، وفي القرن الخامس ق م، ولسبب غير معروف، تزامن ظهور الفلسفة الصينية مع ما حدث في اليونان، على يد كونفوشيوس بعد انهيار حكم سلالة تشو التي كانت تحكم الصين بتفويض من السماء لمدة ٥٠٠ سنة، ومع انهيار النظام السماوي تفككت الصين إلى ١٠٠ إمارة ومملكة صغيرة تحارب بعضها بعضاً فكان سوءال الفلسفة هنا: كيف نعيد النظام عندما انهار كل شيء؟!
في العصور التالية وباختصار شديد، انهار العالم القديم بعد الاسكندر الأكبر وسقوط روما وقفزت الفلسفة من السياسة إلى الكون تبحث عن مصدر الوجود نفسه بدلاً عن كيف تكون الدولة المثالية! أفلوطين والرواقيون المتأخرون بحثوا كيف تحافظ على سكينتك الداخلية بينما الكون كله ينهار من حولك؟ هذا التحول هو الذي مهد الطريق مباشرة للمسيحية والفلسفة الإسلامية المبكرة. عندما يفشل المنطق الأرضي، تبحث عن منطق سماوي.
في العصر الحديث عندما انهار منطق الكنيسة وتشوهت فلسفة الأديان لم تعد الفلسفة تشرح العالم، أصبحت تشرح كيف يستطيع العقل أن يفهم عالماً خرج عن مقاسه.
الناظر إلى هذا التاريخ المختصر للتحولات في موضوع الفلسفة على مر الزمن يلاحظ بأن: الفلسفة تزدهر في الأزمات، لكنها تمرض في الفوضى. عندما ينهار المنطق السليم، لا تموت الفلسفة، بل تغير حجم سؤالها. من كيف نحكم المدينة؟ إلى ما هو مكاننا في كون يبدو وكأنه لا يحكمه أحد؟
بنظري، عندما فشلت الفلسفة الكونية حتى الآن في النفاذ إلى آفاق الكون سعياً وراء معرفة المعنى الحقيقي للوجود كان ذلك بسبب قصورها في تفكيك شيفرة هذا الوجود كما جاءت من خالقه، وهذا ما سعى إليه هاشم نصار على مدار ٢٨ عاماً من البحث والاستنباط للخروج مبدئياً ب ١١ مجلد بعنوان فلسفة التشخيص والتجريد، ويكفيني أن أشير إلى العناوين الأربعة التي مكنتني من وصل الأرض مع السماء من خلال موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد:
الله (سبحانه)
الوجود
المعرفة
الأخلاق
من هذا البحث أدركت وبوضوح معنى الله "المطلق" والوجود "المحدود" والشيفرة التي تصلهما معاً "المعرفة والأخلاق".
فلسفة استحقت الظهور "الآن" ليكتمل الوعي الإنساني ولتبدأ رحلة الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى بيسر وسلامة.
في حوار فلسفي جمعني اليوم بصديقي الدكتور هاشم نصار، مؤلف موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد والأبعاد السبعة، انطلقنا من سؤال يبدو أخلاقيًا في ظاهره، لكنه سرعان ما قادنا إلى سؤال أعمق في الوعي والوجود: ما معنى أن تكون منصفًا؟
في المستوى التشخيصي، يبدو الإنصاف واضحًا نسبيًا؛ أن أعطي الآخر حقه، وألا أحمّله ما لم يفعل، وأن أزن أفعاله بميزان لا تحكمه مصلحتي أو انفعالاتي. هنا يكون أمامي فاعل وفعل ونتيجة: شخص آذاني، وأذى وقع عليّ، وحكم أخلاقي أحاول أن أصدره بعدل. لكن ماذا يحدث عندما نغادر شاطئ الإنصاف التشخيصي إلى أفق الإنصاف التجريدي؟
هنا لم يعد السؤال فقط: ماذا فعل بي الآخر؟ بل يصبح أيضًا: ما الذي فعلته هذه التجربة بي؟ وما موقعها في بنائي الوجودي والوعيوي؟ عند هذه النقطة يبدأ معنى الإنصاف بالتغير. فالشخص الذي آذاني قد يبقى، في المستوى التشخيصي، مسؤولًا عن أذاه؛ لأن التجريد لا يلغي الفعل ولا يمحو المسؤولية الأخلاقية. لكن اختزال ذلك الإنسان في صورة "الشرير" قد يكون هو نفسه تشخيصًا آخر؛ لأنني جعلت حقيقة الإنسان كلها مساوية للحظة واحدة من تفاعله معي.
أما التجريد فيدفعني إلى تجاوز صورة الفاعل والفعل إلى شبكة التفاعل التي أنتجت التجربة، وإلى السؤال عن موقعها في مسار الوعي والاستحقاق والتحول. ومن هنا يظهر سؤال أكثر جرأة: هل يمكن أن يكون من آذاني شرًا في صورة التجربة، لكنه أدى وظيفة خير في معناها الأبعد؟
قد يكون قد هدم فيّ وهمًا كان ينبغي أن يُهدم، أو كشف ضعفًا كنت أجهله، أو أخرجني من علاقة كان استمرارها سيحول دون ارتقائي، أو وضعني أمام حقيقة كنت أهرب منها، أو دفعني إلى مراجعة ذاتي وقيمي واختياراتي. عندئذ لا يعود الإنصاف أن أقول إن الأذى خير؛ فالأذى يظل أذى في مستواه التشخيصي، وإنما أن أمتنع عن اختزال معنى التجربة كلها في الألم الذي أحدثته. وهنا يمكن أن يظهر معنى أعمق للاستحقاق: فقد لا يكون ما أستحقه دائمًا هو ما يوافق رغبتي المباشرة أو يمنحني الراحة، وإنما قد يكون ما يدفع وعيي إلى الموضع الذي ينبغي أن يصل إليه.
ومن هذه الزاوية يصبح إنصاف من آذانا فعلًا من أفعال تحرير الوعي؛ لأنني حين أنصفه، أحرر فهمي للتجربة من أن يبقى أسيرًا لصورته.
ومن هنا قادنا الحوار إلى سؤال أشد عمقًا: "أليس الرب يرى ما يحدث، فلماذا لا يحرك ساكنًا؟"
هذا السؤال نفسه قد ينشأ من داخل الوعي التشخيصي؛ لأن الإنسان يرى الواقعة في حدود زمانها المباشر: يرى ألمًا، فينتظر رفعه؛ ويرى ظلمًا، فينتظر إيقافه؛ ويرى خسارة، فينتظر تعويضها. فإذا لم يحدث ما ينتظره، وصف المشهد بأنه سكوت. ولكن ماذا لو كان هذا السكوت موجودًا فقط في الصورة التي كوّنها وعينا عن الكيفية التي ينبغي أن يتدخل بها الرب؟ ماذا لو لم يكن عدم تغيّر الواقعة غيابًا للفعل، وإنما كان جزءًا من فعل يجري في مستوى لا تدركه العين التي توقفت عند التشخيص؟ هنا ينقلب السؤال من: "لماذا لم يمنع الرب عني ما حدث؟"، إلى: "ماذا لو كان ما حدث جزءًا من نظام حقّ وخير لا أستطيع إدراكه ما دمت أحاكم الكل من خلال الجزء الذي آلمني؟"
فالإنسان يرى اللحظة، بينما سؤال التجريد يتعلق بموقع اللحظة داخل الكل. ويرى الفقد، ولا يرى بالضرورة ما سيولد منه؛ ويرى الباب الذي أُغلق، ولا يرى المسار الذي فتحه إغلاقه؛ ويرى من آذاه بوصفه خصمًا، بينما قد تكشف التجربة، بعد اكتمال أبعادها التفاعلية، أن هذا الخصم كان أحد العوامل التي دفعت الوعي إلى طور آخر. وهنا يبلغ الإنصاف مستوى أكثر تجريدًا: أن ننصف الوجود نفسه من أحكامنا المتعجلة عليه.
فنحن كثيرًا ما نصف الواقعة بأنها شر لأننا تألمنا منها، ونصف عدم منعها بأنه سكوت، ونصف من تسبب بها بأنه شرير؛ ثم نبني حكمًا كليًا انطلاقًا من مشهد جزئي. أما التجريد فيدعونا إلى تعليق هذا الاستعجال، لا إنكارًا للألم ولا تبريرًا للظلم، وإنما اعترافًا بأن حقيقة التجربة أوسع من صورتها الأولى.
لذلك قد يكون السؤال الأعمق في الإنصاف ليس: "هل أنصفني الآخر؟"، بل: "هل أنصفتُ الآخر حين اختزلته في أذاه؟ وهل أنصفتُ التجربة حين اختزلتها في ألمي؟ وهل أنصفتُ الرب حين سمّيت ما لم أفهم حكمته سكوتًا؟". عندها يتحول الإنصاف من مجرد فضيلة تنظّم علاقتنا بالآخرين إلى مقام من مقامات الوعي؛ مقام يتحرر فيه الإنسان من أسر الصورة المباشرة، ليرى العلاقات والأحداث والألم والاستحقاق ضمن أبعادها التفاعلية الأوسع. وربما تكون المفارقة الكبرى هنا أن بعض ما سميناه شرًا لأنه آلمنا، لم يكن خيره في الألم ذاته، بل في المعنى الذي لم يكن ليولد فينا من دونه.
وعند هذه النقطة لا يعود التجريد إنكارًا للتشخيص، بل يصبح إنصافًا له؛ لأننا نضع الصورة في موضعها من الكل، بدل أن نجعل الصورة هي الكل. فالإنصاف التشخيصي يعطي كلَّ فاعل حقَّه في الحكم على فعله؛ أما الإنصاف التجريدي، فيحاول أن يعطي كلَّ تجربة حقَّها في المعنى.
حين بدأت قراءة المجلد الأول من موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للدكتور هاشم نصّار لم أشعر أنني أمام معرفة تُضاف إلى ما أعرفه، بل أمام زحزحة هادئة وعميقة تعيد ترتيب موضعي من الأشياء نفسها. كلما تقدمت في الصفحات، بدا أن بعض ما استقر في الوعي طويلًا بوصفه حقيقة نهائية بدأ يفقد صلابته، لا لأنه انهار، بل لأنه انفتح على أفق أوسع.
ومن هنا كان انبهاري الحقيقي بهذا الكنز المعرفي الذي أسسه الدكتور هاشم نصّار. فالمجلد الأول لا يكتفي بأن يمنح القارئ مفاهيم جديدة، بل يضعه أمام سؤال أشد عمقًا: هل ما نراه هو حقيقة الشيء، أم حدود ما سمحت لنا أدواتنا أن نراه منه؟
لهذا أسميه، من تجربتي في قراءته، مجلد الزحزحة.
فالزحزحة التي أحدثها في وعيي لم تكن انتقالًا من فكرة إلى فكرة، بل من مستوى في النظر إلى مستوى أوسع. وجدتني أعود إلى كثير من الأسئلة التي رافقتني سابقًا حول الإنسان، والصورة، والواقع، والحدود، لكنني أعود إليها هذه المرة بأدوات أكثر دقة تعلمتها داخل نسق الدكتور هاشم نصّار.
ومع الدكتور هاشم نصّار بدأت أفهم بوضوح أكبر أن التشخيص لا يُلغى، بل يُضبط، وأن التجريد لا يمحو التعيّن، بل يحرره من أن يتحول إلى سجن.
فالتشخيص ضرورة؛ لأننا لا نعيش بلا أسماء ولا حدود ولا تعيّن. لكن الخطر يبدأ حين يتحول الاسم إلى الحقيقة كلها، والصورة إلى الأصل، والحد إلى نهاية المعنى. وهنا يأتي التجريد ليعيد للوعي قدرته على العبور من الصورة إلى ما تكشفه من علاقات أوسع، دون أن يفقد الشيء تعيّنه.
ومن هذا التعليم تشكلت في داخلي تدريجيًا طريقة أعمق للنظر: أن نحفظ للشيء تعيّنه وحدوده، ثم ننظر فيما يكشفه من علاقات تتجاوز صورته الجزئية.
وهنا تظهر، في تقديري، قيمة الدكتور هاشم نصّار كمؤسس بالفعل.
فالمؤسس لا يكتفي بابتكار مصطلحات، بل يبني نسقًا يستطيع أن يعيد تشكيل طريقة النظر نفسها. والتشخيص، والتجريد، والكثافة، والتموج، والرجعى، والشهود، والمصدر، والاستقلال، وفك الارتباط، والمعايرة، ليست في المجلد الأول مفردات متناثرة، بل أجزاء من هندسة فلسفية واحدة تعيد بناء علاقة الإنسان بالمعرفة والوجود.
ومن أكثر ما أثّر فيّ داخل هذا المجلد أن الدكتور هاشم نصّار لا يجعل محدودية الحواس معيارًا لحدود الحقيقة.
فالإنسان يرى ضمن مدى، ويسمع ضمن مدى، ويفكر داخل لغة وذاكرة وتجربة. لكن محدودية الأداة لا تساوي محدودية الوجود. وهذه الفكرة وحدها كافية لأن تهز كثيرًا من اليقين الذي نبنيه فقط لأننا ألفنا أدواتنا.
وهنا يصبح التجريد عند الدكتور هاشم نصّار فعلًا من أفعال التحرر المعرفي.
ليس هروبًا من الواقع، ولا إنكارًا للمادة، بل رفضًا لاختزال الوجود في المستوى الذي تدركه كثافتنا الحالية.
ومن هنا تبلورت عندي فكرة «الأرض غير الأرض» لا كتصور منفصل عن المجلد، بل كمعنى اختباري كثيرًا ما شعرت أن الدكتور هاشم نصّار يفتح نحوه الأبواب دون أن يحصره في صيغة واحدة. فحين يعيد الوعي معايرة أدواته، وحين تتراجع سلطة الصورة، وحين لا يعود المحسوس هو الحد الأخير للوجود، يصبح السؤال مشروعًا: هل تتبدل الأرض فقط عندما يتبدل شكلها، أم يمكن أن تتبدل أيضًا حين يتبدل الوعي الذي يدركها؟
بهذا المعنى، تصبح «غير الأرض» أقرب إلى تحول في مقام الإدراك قبل أن تكون مجرد انتقال في المكان. ليست قطيعة مع الواقع، بل كشفًا لمستوى أوسع منه؛ وكأن الأرض التي نعرفها ليست نهاية الحقيقة، وإنما صورتها داخل مستوى بعينه من الوعي.
ومن هنا أيضًا أفهم الانتقال من البعد الثالث إلى أبعاد أسمى.
ليس كرحلة خيالية خارج الواقع، بل كارتقاء في قدرة الوعي على استقبال مستويات أوسع من المعنى؛ من وعي لا يرى إلا الكتلة والمسافة والحد، إلى وعي يرى العلاقة، والسنّة، والشيفرة، والاتصال، والبنية التي تتحرك خلف الظاهر.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية فلسفة الدكتور هاشم نصّار بالنسبة إليّ كفلسفة تؤسس لمرحلة فكرية قادمة.
فنحن ندخل زمنًا لن تكون مشكلته نقص المعلومات. الذكاء الاصطناعي قادر اليوم على إنتاج اللغة والصورة والتحليل بسرعة هائلة، ولذلك لن يصبح السؤال الأهم: كم يعرف الإنسان؟
بل: من الذي يدير المعرفة داخله؟
هل بقي الإنسان سيد الأداة؟
هل ما زال قادرًا على التمييز بين الأصل والصورة؟
بين المعلومة والوعي؟
بين التشخيص والحقيقة؟
وهنا تبدو فلسفة التشخيص والتجريد للدكتور هاشم نصّار شديدة الراهنية، لأنها لا تحذرنا من المعرفة، بل من تحوّل صورتها إلى سلطة، ولا من الأداة، بل من أن يصبح الإنسان تابعًا لما صنعه.
ولهذا لا أرى في موسوعة الدكتور هاشم نصّار مجرد مشروع ثقافي كبير، بل كنزًا معرفيًا وتأسيسيًا يستحق أن يُقرأ باعتباره إعلانًا عن إمكان مرحلة جديدة في التفكير.
والمجلد الأول هو عتبتها.
ليس لأنه يشرح كل شيء، بل لأنه يبدأ بإعادة تشكيل القارئ الذي سيواصل السير في بقية الموسوعة.
لقد دخلت هذا المجلد وأنا أحمل أسئلتي، وخرجت منه بأسئلة أكثر اتساعًا، لكن بأداة أكثر قدرة على فحصها.
وهنا تكمن الزحزحة الأعمق التي أحدثها الدكتور هاشم نصّار في تجربتي:
لم أعد أسأل فقط:
ماذا أرى؟
بل أصبحت أسأل:
من أي مستوى من الوعي أرى؟
وربما من هذا السؤال تحديدًا تبدأ الطريق من كثافة الصورة إلى رحابة المعنى، ومن البعد المألوف إلى أبعاد أسمى، ومن الأرض التي اعتدناها إلى إمكان غير الأرض.
نموذج إبراهيم عليه السلام
قراءة تحليلية وفق فلسفة التشخيص والتجريد كما يقدمها الدكتور هاشم نصار
بقلم عصام أبو سنينة – مستشار الفلسفة الإكلينيكية
مقدمة:
حين نتأمل نموذج إبراهيم عليه السلام من خلال عدسة فلسفة التشخيص والتجريد كما يطرحها الدكتور هاشم نصار، فإننا لا نقف أمام قصة نبوية فحسب، بل أمام منهج معرفي تربوي متكامل، يبدأ من الواقع المحسوس (التشخيص)، لينتهي إلى الحقيقة المجردة (التجريد)، في مسار تصاعدي يعيد تشكيل الوعي الإنساني.
إبراهيم عليه السلام لم يطرح الحقيقة دفعة واحدة، بل قاد العقل إليها قيادةً تربوية واعية؛ فبدأ بتشخيص الواقع كما هو: كواكب، قمر، شمس، أصنام، سلطة، ملك… أي كل ما يمكن أن يتعلّق به الإدراك الحسي للإنسان. ثم أخذ هذا التشخيص بيد المتلقي نحو التفكيك، لا بالهدم المباشر، بل بالحوار، وبإثارة السؤال، وبكشف التناقض الداخلي في الفكرة ذاتها. وهنا تتجلى عبقرية المنهج الإبراهيمي؛ إذ لا يُسقط الفكرة من الخارج، بل يجعلها تسقط من داخلها.
في جداله مع الذي حاجّه في ربه، نرى انتقالًا ذكيًا من مستوى جدلي قابل للمراوغة (أنا أحيي وأميت)، إلى مستوى كوني مجرد لا يمكن التحايل عليه (فإن الله يأتي بالشمس من المشرق). هذا الانتقال ليس مجرد حجة، بل هو نقلة من التشخيص المغلوط إلى التجريد اليقيني.
وفي رحلته مع الكوكب والقمر والشمس، لا نجد ترددًا في الإيمان، بل نرى تمرينًا عقليًا تربويًا يُدرِّب الوعي على تجاوز الظاهر إلى الحقيقة؛ فكل تشخيص (هذا ربي) يُفكَّك عبر معيار الأفول، ليؤسس في النهاية لمفهوم تجريدي خالص: ﴿إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض﴾. هنا يبلغ العقل ذروة التجريد بعد أن مرّ بمراحل التشخيص المتدرجة.
أما في حواره مع أبيه وقومه، فيتجلى البعد الإنساني التربوي؛ خطاب مليء بالرفق (يا أبتِ)، لكنه في الوقت ذاته صارم في كشف الوهم. إنه لا يصادم الأشخاص، بل يصادم الأفكار، ولا يهدم الانتماء، بل يعيد بناءه على أساس الوعي.
إن النموذج الإبراهيمي، وفق هذا المنظور، ليس مجرد دعوة إلى التوحيد، بل هو دعوة إلى تحرير العقل من أسر التشخيص السطحي، والارتقاء به نحو التجريد العميق؛ من عبادة الصورة إلى إدراك الحقيقة، ومن التبعية للواقع إلى إعادة تشكيله وفق وعيٍ يقيني.
وهكذا، يغدو إبراهيم عليه السلام ليس فقط نبيّ التوحيد، بل معلمًا للوعي، ومؤسسًا لمنهج جدلي تربوي، يعبر بالإنسان من المحسوس إلى المعقول، ومن الظاهر إلى الجوهر، في رحلةٍ هي جوهر كل نهضةٍ إنسانية حقيقية.
المبحث الأول: الآيات التي تتحدث عن نموذج إبراهيم عليه السلام:
♦ ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 258].
♦ ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 260].
♦ ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ [الأنعام: 74 - 89].
♦ ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ﴾ [مريم: 41 - 50].
♦ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 51 - 73].
♦ ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 69 - 89].
المبحث الثاني: كيف يؤسس قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (الأنبياء 51)، لفهم يقين إبراهيم عليه السلام ومنهجه الجدلي في الدعوة، وينفي شبهة الشك عن إيمانه؟
يشكّل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ نقطة تأسيسية مركزية لفهم البنية المعرفية والوجودية لنموذج إبراهيم عليه السلام، إذ تقطع هذه الآية الطريق على أي قراءة سطحية قد تُوهم بأن مساره كان مسار شكٍّ أو تردد، وتؤكد بدلًا من ذلك أن انطلاقته كانت من الرشد لا من الضياع، ومن اليقين المؤسس لا من القلق المعرفي. فالرشد هنا ليس مجرد هداية عامة، بل هو وعي مبكر مركّب يجمع بين الإيمان والعلم والمعرفة؛ أي أنه حالة من النضج الإدراكي التي تؤهّل صاحبها ليمارس التفكيك والبناء في آنٍ واحد. وهذا المعنى ينسجم تمامًا مع منهج التشخيص والتجريد؛ حيث لا يكون الانتقال من المحسوس إلى المجرد انتقال الباحث المتردد، بل انتقال العارف الذي يوظّف التشخيص كأداة تعليمية، لا كمرحلة ضياع حقيقي.
ومن هنا، فإن كل الحوارات الإبراهيمية، سواء مع أبيه، أو قومه، أو الملك، يجب أن تُفهم ضمن هذا الإطار، إطار الرشد السابق. فحين يقول: ﴿هذا ربي﴾ في سياق الكوكب والقمر والشمس، فليس ذلك تعبيرًا عن اعتقاد، بل بناءٌ مقصود لمسار جدلي تعليمي طبقي، يبدأ من مسلّمات الخصم، ثم يرتقي بها تدريجيًا نحو إسقاطها من داخلها. إنه يمارس التشخيص ليكشف محدوديته، ويقود إلى التجريد بوصفه الحقيقة الثابتة.
وبهذا المعنى، فإن الآية تُعيد تأطير الحوار الإبراهيمي بوصفه حوارًا كاشفًا لا حوارًا باحثًا. أي أنه لا يبحث عن الحقيقة لأنه يجهلها، بل يكشفها لأنه يمتلكها. وهذا فارق جوهري في فهم طبيعة الجدل عند إبراهيم عليه السلام؛ إذ يتحول الحوار من حالة دفاع إلى حالة بناء، ومن ردّ فعل إلى فعلٍ مقصود يُعيد تشكيل وعي المتلقي. كما أن قوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ يضيف بعدًا عميقًا لهذا التأسيس؛ فهو يشير إلى أن هذا الرشد لم يكن طارئًا، بل كان معلومًا في علم الله، أي أنه متجذّر في تكوين إبراهيم عليه السلام، ومؤهَّل به لحمل مشروع الهداية. وهذا يمنح حواراته بُعدًا رساليًا، لا مجرد اجتهاد عقلي فردي.
وعليه، فإن الآية تمثل ردًا ضمنيًا على كل من حاول قراءة التجربة الإبراهيمية بوصفها تجربة شك، أو تصوير تسلسلها بوصفه انتقالًا من الضلال إلى الهداية؛ إذ تؤكد أن ما يبدو ظاهريًا تدرجًا في البحث، هو في حقيقته تدرج في التعليم. فإبراهيم عليه السلام لم يكن ينتقل بين الأفكار ليصل إلى الله، بل كان ينقل الآخرين من أوهامهم إلى الحقيقة. إن هذا الفهم يفتح الباب أمام قراءة أعمق لأسلوبه الجدلي في الدعوة؛ حيث يتأسس على ثلاثة أبعاد متكاملة: يقين سابق (الرشد)، ووعي بمنهج العرض (التشخيص)، وقدرة على الارتقاء بالمتلقي (التجريد). ومن هذا التكامل، يتشكل النموذج الإبراهيمي بوصفه نموذجًا تربويًا حواريًا، لا يكتفي بإعلان الحقيقة، بل يصنع الطريق إليها داخل عقل الإنسان ذاته.
المبحث الثالث: أمثلة قرآنية لتوضيح نموذج إبراهيم عليه السلام بين التشخيص والتجريد
1- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 258].
يقدّم هذا المقطع القرآني نموذجًا مكثّفًا لطبيعة الجدل عند إبراهيم عليه السلام، حيث لا يقوم الحوار على مجرد عرض الفكرة، بل على إدارةٍ واعية لمسار الحُجّة، وفق بناءٍ تصاعدي يكشف زيف الخصم ويُظهر الحقيقة في آنٍ واحد. ففي البداية، يطرح إبراهيم عليه السلام تعريفًا تجريديًا لله: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، وهو تعريف يتجاوز الحسّ إلى المعنى الكلي للقدرة الإلهية. لكن الخصم (نمرود بن كنعان بحسب ما ورد في التفسير) يعيد هذا المعنى إلى مستوى التشخيص السطحي، حين يزعم: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾، عبر تأويل مغلوط لمفهوم الإحياء والإماتة. هنا تتجلى عبقرية المنهج الإبراهيمي؛ إذ لم ينشغل بالرد داخل الإطار نفسه الذي حرّفه الخصم، بل انتقل بالحوار نقلة نوعية، من مستوى قابل للالتباس إلى مستوى لا يقبل التأويل. فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ﴾، وهذا انتقال من جدل مفاهيمي قابل للّعب إلى جدل كوني حاسم، يضع الخصم أمام حقيقة لا يستطيع التلاعب بها: ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾. وبالتالي يمكننا هنا استخلاص ملامح النموذج الجدلي الإبراهيمي:
أولًا: الانطلاق من المشترك المفهومي
إبراهيم يبدأ من فكرة يمكن للطرف الآخر أن يتفاعل معها (الإحياء والإماتة)، لكنه لا يفرض الحقيقة فرضًا، بل يفتح مجالًا للحوار.
ثانيًا: كشف التلاعب التشخيصي
حين يُسيء الخصم فهم المفهوم أو يحرّفه، لا يهاجمه مباشرة، بل يكشف محدودية منطقه من خلال تجاوزه.
ثالثًا: النقلة الجدلية الحاسمة
وهي أهم خصائص هذا النموذج؛ حيث ينتقل من مستوى جدلي قابل للمراوغة إلى مستوى كوني يقيني، يُسقط الخصم دون حاجة إلى جدال طويل.
رابعًا: إفحام بلا صدام
النتيجة: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾، أي أن الحُجّة أسقطت الخصم من داخله، دون انفعال أو تصعيد شخصي.
خامسًا: التدرّج من التشخيص إلى التجريد
فالمفهوم الأول (الإحياء والإماتة) أُسيء تشخيصه، فانتقل إبراهيم إلى تجريد أعلى (النظام الكوني للشمس)، ليعيد توجيه الوعي نحو الحقيقة.
إن هذا النموذج يكشف أن الجدل عند إبراهيم عليه السلام ليس صراعًا لإثبات الذات، بل عملية تربوية لإعادة بناء عقل الخصم. فهو لا يكتفي بإبطال الفكرة، بل ينقل المتلقي من وهم السيطرة إلى إدراك العجز، ومن التمركز حول الذات إلى الانفتاح على الحقيقة المطلقة. وبذلك، يغدو الجدل الإبراهيمي نموذجًا راقيًا في إدارة الحوار: حوارٌ يختار معركته بدقة، وينتقل بين مستوياته بذكاء، وينتهي بإظهار الحقيقة دون أن ينزلق إلى جدلٍ عقيم أو صراعٍ شخصي.
2- ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 51 - 73].
يُقدّم هذا المقطع القرآني نموذجًا أكثر عمقًا واتساعًا في الجدل عند إبراهيم عليه السلام، حيث لا يقتصر الجدل على ردّ الحجة، بل يتحوّل إلى مسار تربوي متدرّج لإعادة بناء الوعي، قائم على الانتقال الذكي من التشخيص إلى التجريد. يبدأ المشهد من تشخيص الواقع العقدي: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾، وهو سؤال لا يهاجم بقدر ما يكشف، إذ يضع الفعل موضع مساءلة عقلية. ثم يأتي التقرير: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، وهو حكم مبني على رؤية معرفية، لا على انفعال. لكن التحول الأعمق يظهر في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، حيث يتم تأسيس الرؤية التجريدية الكبرى التي ينطلق منها إبراهيم؛ أي أن ما سيأتي ليس بحثًا عن الحقيقة، بل عرضٌ لها عبر مسارٍ تعليمي. في تجربة الكوكب والقمر والشمس، نرى نموذجًا فريدًا من الجدل التربوي: إبراهيم لا يُلقي الحقيقة مباشرة، بل يُشرك المتلقي في بنائها. يبدأ من التشخيص الحسي: (هذا ربي)، وهو تعبير يلامس وعي القوم، ثم يضع معيارًا داخليًا للنقد (الأفول). ومع كل مرحلة، لا يفرض النتيجة، بل يتركها تتولد من داخل التجربة ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾. وهنا تتجلى ملامح النموذج الجدلي الإبراهيمي في هذا السياق:
أولًا: المحاكاة الواعية لوعي الخصم
إبراهيم يتكلم بلغة القوم، لا ليقرّها، بل ليعيد توجيهها من الداخل.
ثانيًا: بناء المعيار من داخل التجربة
لم يقل لهم مباشرة هذه ليست آلهة، بل جعل معيار الألوهية يتشكل تدريجيًا: الثبات، عدم الأفول، الكمال.
ثالثًا: التدرج التصاعدي في الحجة
من كوكب، إلى قمر، إلى شمس، انتقال ليس في الأجرام فقط، بل في مستوى الحجة، حتى تبلغ ذروتها ثم تنهار كلها بمعيار واحد.
رابعًا: الانتقال الحاسم إلى التجريد
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، هنا ينتقل من كل تشخيص ممكن إلى حقيقة مجردة مطلقة: الخالق، لا المخلوق.
خامسًا: تحويل الجدل إلى مراجعة داخلية
﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (في موضع آخر من القصة)، وهو الهدف الأسمى: أن يتحول الجدل من صراع خارجي إلى يقظة داخلية.
ثم يتصاعد الحوار إلى مستوى آخر، حين يحاجّه قومه، فيُعيد ضبط ميزان الخوف والأمن: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾، فيحوّل القضية من مجرد نقاش فكري إلى سؤال وجودي يمسّ شعور الإنسان بالأمان والمعنى. إن هذا النموذج يكشف أن الجدل الإبراهيمي هنا ليس تفنيدًا للأصنام فقط، بل تفكيك لبنية التفكير الوثني؛ إذ ينتقل بالإنسان من التعلّق بالمحسوس، إلى اختبار خصائصه، إلى اكتشاف نقصه، إلى البحث عن الكمال، إلى الإقرار بالحقيقة المطلقة. وبذلك، يصبح إبراهيم عليه السلام ليس مجرد محاور، بل مربّيًا للعقل؛ يقود خصمه عبر تجربة فكرية كاملة، تجعله يصل إلى النتيجة بنفسه، لا أن تُفرض عليه. وهنا تبلغ فلسفة التشخيص والتجريد ذروتها: تشخيصٌ يُستخدم لا لترسيخ الوهم، بل لكشفه، وتجريدٌ لا يُطرح كفكرة مجردة، بل كنتيجة حتمية لمسارٍ واعٍ من النظر والتأمل.
3- ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 69 - 89].
يُجسّد هذا المقطع من سورة الشعراء نموذجًا ناضجًا من الجدل عند إبراهيم عليه السلام، حيث يبلغ الحوار ذروته في الانتقال من تفكيك الباطل إلى بناء الحقيقة، ضمن مسارٍ يجمع بين الحُجّة العقلية والتربية الوجدانية. حيث يبدأ إبراهيم بسؤال تشخيصي بسيط في ظاهره، عميق في بنيته: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾، وهو سؤال لا يقدّم حكمًا، بل يستفز الوعي ليُعرّف ذاته. فيأتي الجواب كاشفًا: ﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾، فيُظهر التعلّق والسلوك دون وعي بالحقيقة. وهنا يبدأ التفكيك المنهجي، عبر أسئلة تقود إلى إسقاط القيمة الوهمية للمعبودات: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾، ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾، ﴿أَوْ يَضُرُّونَ﴾. إنه لا يهاجم الأصنام مباشرة، بل يفكك علاقتهم بها، ويعيد تقييمها وفق معايير عقلية: السمع، النفع، الضرر. لكن الجواب يأتي من خارج العقل: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وهنا ينكشف أن أساس الاعتقاد ليس الحقيقة، بل التقليد. وعند هذه النقطة، ينتقل إبراهيم نقلة حاسمة: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾، فيحوّل الحوار من الدفاع عن الموروث إلى مساءلته، ثم يعلن موقفه بوضوح: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾. لكن عبقرية النموذج لا تقف عند التفكيك، بل تبدأ مرحلة أعمق: بناء البديل الحق. فيعرض إبراهيم تصورًا تجريديًا لله، ولكن عبر وظائف وجودية تمسّ الإنسان مباشرة: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾. وهنا يتحول التجريد إلى تجربة معاشة؛ فالله ليس مفهومًا نظريًا، بل حضور فاعل في كل أبعاد الحياة. وأما ملامح النموذج الجدلي الإبراهيمي في هذا السياق:
أولًا: السؤال التشخيصي الكاشف
البداية بسؤال يعرّي الواقع دون صدام، ويجعل الخصم يصرّح بموقفه بنفسه.
ثانيًا: تفكيك الاعتقاد عبر معايير وظيفية
ليس النقاش حول من هو الإله؟ بل ماذا يفعل؟، وهو نقل ذكي من الهوية إلى الفاعلية.
ثالثًا: كشف الجذر النفسي (التقليد)
إبراهيم لا يكتفي بإسقاط الفكرة، بل يكشف منشأها: الاتّباع الأعمى.
رابعًا: الجمع بين التفكيك والبناء
بعد إسقاط الباطل، لا يترك فراغًا، بل يملؤه مباشرة بالتصور الحق.
خامسًا: تحويل التجريد إلى معايشة وجودية
الله يُعرّف عبر أثره في الوجود الإنساني، لا عبر تعريفات مجردة فقط.
سادسًا: الانتقال من الجدل إلى الدعاء
في ختام المقطع، يتحول الخطاب من حوار مع الآخرين إلى مناجاة: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا...﴾. وهذا يكشف أن الحقيقة ليست قضية فكرية فقط، بل علاقة وجودية حيّة. إن هذا النموذج يكشف أن الجدل عند إبراهيم عليه السلام هنا قد تطوّر من مجرد إبطال الشرك، إلى إعادة تأسيس العلاقة مع الله على مستوى العقل والقلب معًا. فهو لا يحرّر الإنسان من صنمٍ خارجي فقط، بل من صنمٍ داخلي أعمق: صنم التقليد، وصنم العادة، وصنم الغفلة. وبذلك، تتجلى فلسفة التشخيص والتجريد بأبهى صورها: تشخيصٌ يكشف الوهم في جذوره، تجريدٌ يعيد بناء الحقيقة كخبرةٍ حيّة، لا كمفهومٍ نظري فقط.
المبحث الرابع: خاتمة نموذج إبراهيم عليه السلام
في ختام هذا المسار، يتبيّن أن نموذج إبراهيم عليه السلام في الدعوة ليس مجرد عرضٍ لحججٍ عقلية متفرقة، بل هو بناءٌ منهجيّ متكامل، يقوم على هندسة الوعي الإنساني عبر مرحلتين متلازمتين: التشخيص والتجريد. فقد كشف إبراهيم، من خلال حواراته المتعددة، أن أصل الانحراف لا يكمن في ضعف الحجة فحسب، بل في خللٍ في آلية النظر ذاتها؛ حيث يبدأ الإنسان من التسليم بالموروث، أو الارتهان للمحسوس، أو الخضوع للسلطة، دون أن يُخضع ذلك كلّه لميزان الفحص العقلي والوجودي. ومن هنا جاء التشخيص الإبراهيمي دقيقًا، لا يهاجم الظواهر بقدر ما يكشف بنيتها، ولا يصادم النتائج بقدر ما يعود إلى جذورها. ثم يتدرّج هذا المسار نحو التجريد، لا بوصفه انفصالًا عن الواقع، بل بوصفه تحريرًا للوعي من أسر الجزئي إلى أفق الكلي؛ حيث ينتقل الإنسان من عبادة الظواهر إلى إدراك المبدأ، ومن التعلّق بالمتغيّر إلى الاتصال بالمطلق، ومن الانشغال بالفعل إلى الانتباه إلى الفاعل.
إن الجدل الإبراهيمي، في ضوء هذا الفهم، ليس صراعًا لإثبات الغلبة، بل حركة إيقاظ، تستهدف نقل الإنسان من التلقّي السلبي إلى المشاركة الواعية، ومن التبعية إلى الاستقلال، ومن التكرار إلى الاكتشاف. ولذلك، كان يعتمد السؤال أكثر من التقرير، والتدرّج أكثر من الصدمة، وبناء القناعة أكثر من فرضها. كما يتضح أن هذا النموذج لا ينفصل فيه العقلي عن الوجودي، ولا البرهاني عن التربوي؛ إذ تنتهي كل حجة إلى إعادة تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبربه، بحيث تصبح الحقيقة مُعاشة لا مُجرّدة فقط، ومُدرَكة لا مُلقاة.
وعليه، فإن استحضار النموذج الإبراهيمي اليوم لا ينبغي أن يكون بوصفه قصةً تاريخية، بل باعتباره منهجًا حيًّا في التغيير؛ قادرًا على تفكيك أنماط التفكير الجامدة، وإعادة بناء الإنسان على أساس من الوعي، والحرية، واليقين.
تُعدّ فلسفة التشخيص والتجريد التي أسّسها هاشم نصار نسقًا فكريًا متكاملًا يقوم على ثنائية دقيقة؛ حيث يعبّر التشخيص عن الارتباط بالبعد البشري في تجلياته الحسية والواقعية، بينما يعبّر التجريد عن البعد الإنساني الروحي الذي يسمو بالمعنى ويتجاوز حدود الظاهر. ومن هذا التفاعل تنبثق رؤى معاصرة مثل أنسنة الآلة ورقمنة الإنسان، بوصفهما امتدادًا لهذا التصور الذي يسعى إلى وصل الواقع المادي بأفقه المعنوي والفكري. ولا تقف هذه الفلسفة عند حدود التنظير، بل تتجه نحو تجاوز الانغلاق الديني والفكري، لتؤسس لوحدة إنسانية قائمة على العدالة والرحمة والاعتراف بالتنوع، كما تقدم معالجة للأسئلة الوجودية عبر فصل مبحث الله عن الوجود، وبناء القضايا المعرفية والقيمية على ضوء ثنائية التشخيص والتجريد، بما يحقق توازنًا بين تراث الأولين وعلوم المتأخرين. وقد جاءت هذه الفلسفة ثمرة مسار طويل من البحث والدراسة منذ عام 1997، ومن المنتظر أن ترى صورتها المكتوبة النور قريبًا بإذن الله.
وفي هذا السياق، تتجلى القيمة التطبيقية لهذه الفلسفة في قدرتها على إعادة قراءة النماذج القرآنية، وعلى رأسها نموذج إبراهيم عليه السلام، قراءةً معاصرة تُفعّل العقل وتحرّر الوعي؛ إذ لا تقف عند حدود الفهم النظري للنص، بل تنقله إلى حيّز الفعل والتجربة. فالمقصود ليس الوقوف عند كيفية الجدل الإبراهيمي بوصفه حدثًا تاريخيًا، بل استحضار منهجه كأداة إبصار، نتعلّم من خلالها كيف نسأل بوعي، وكيف نتحرر من أسر التقليد، وكيف نرتقي إلى يقينٍ مؤسس على الإدراك لا على التلقّي. وبذلك، يصبح الإنسان فاعلًا في إنتاج وعيه، لا مجرد متلقٍ له، متجهًا نحو إنسانيةٍ أعمق تتوازن فيها المعرفة مع القيم، والعقل مع الروح.
يظهر التقاطع البنيوي بين فلسفة هاشم نصّار وبعض الطروحات العلمية الحديثة في فهم الوعي باعتباره بُنية أولية تتجاوز التفسير المادي الصرف. فالتجريد، كما يصوغه نصّار، ليس نشاطًا ذهنيًا ثانويًا ولا قيمة مضافة للوجود المادي، بل مستوى أصيل من الوعي يمنح التشخيص معناه ويحدّد وجهته. وهذا التصور الذي يضع البعد اللامادي في موقع تأسيسي يجد صداه في عدد من النماذج الفيزيائية المعاصرة، ومنها طرح ماريا سترومي التي تعتبر الوعي حقلًا كونيًا مستقلًا يتفاعل مع الدماغ دون أن يُختزل فيه.
يتعامل كلا التصورين مع الجسد أو الدماغ كوسيط لتمثّل الوعي وليس كمنشأ له؛ فالتشخيص عند نصّار ليس خالق التجريد، بل مجال ظهوره، تمامًا كما يُفهم الدماغ في نظرية سترومي كمنظّم لترددات وعي أوسع وأقدم من الكائن البيولوجي. بهذا المعنى، يصبح الوعي الفردي نمطًا خاصًا داخل منظومة أعمّ، سواء سُمّيت في الفلسفة «تجريدًا» أو في الفيزياء «حقلًا كونيًا».
كما يتلاقى الجانبان في اعتبار أن المعنى ليس ظاهرة طارئة أو مشتقة من المادة، بل خاصية أصيلة للوعي ذاته. فالتجريد عند نصّار يمارس دوره في إضفاء الاتجاه والقيمة على الفعل الإنساني، في حين تشير سترومي إلى بُنى معلوماتية–معنوية كامنة في حقل الوعي لا يمكن تفسيرها بالكامل عبر التفاعلات العصبية. هذا الانسجام البنيوي يسمح بقراءة فلسفة نصّار ضمن سياق أوسع يتجاوز الثنائية التقليدية بين العلم والروح، ويجعلها قابلة للتفاعل مع الاتجاهات العلمية التي تعيد للوعي مكانته كعنصر تأسيسي في الطبيعة.
ولا يعني هذا التطابق بين الفلسفة والفيزياء، بل يدلّ على إمكان بناء جسر مفاهيمي يجمع بين المعنى والقانون العلمي دون خلط المنهجين. فالتجريد يمكن النظر إليه بوصفه المستوى الإنساني لفعالية الوعي الكوني كما تُشير إليه بعض الطروحات الحديثة، ما يمنح فلسفة نصّار أفقًا علميًا مكمّلًا، ويجعل الطروحات العلمية قادرة على التوسّع نحو فهمٍ أعمق للوعي يتجاوز الاختزال المادي التقليدي.
تمهيد
يتكوّن الوجود الإنساني، وفق منهج التشخيص والتجريد، من بُعدين متداخلين ومتفاعلين: البُعد الجسدي التشخيصي، والبُعد النفسي التجريدي.
فالجسد يمثّل المجال المادّي المحسوس، ويحتوي على الأجهزة الحسيّة التي تستقبل آثار العالم التشخيصي: أصوات، روائح، صور، ملمس… إلخ. أما النفس، فهي مجال المفاهيم والمعاني، وفيها تتم عمليات الإدراك العقلي، والتأويل، والتخيّل، والشعور، وهي بذلك تستقبل معطيات العالم التجريدي.
وتتشكّل المعرفة الإنسانية من تفاعل هذين البُعدين؛ فالمعرفة الحسية تأتي من الجسد وأجهزته، بينما تنشأ المعرفة المفهومية من العمليات العقلية للنفس. واتحاد هاتين المعرفتين هو ما يكوّن تجربة الإنسان وفهمه للعالم من حوله.
أولاً: طبائع التكوين الإنساني
يبيّن منهج التشخيص والتجريد أن الإنسان مركّب من مجموعة من الطبائع تتفاعل في داخله، ويتصدّرها بعدان رئيسيان:
١- الطبيعة الطينية: وهي البُعد الإنساني المادي التشخيصي، وتمثّل ما ينتمي إلى عالم الحضور الجسدي.
٢- الطبيعة النارية: وهي البُعد المرتبط بالجانب الجنيّ، والمعبّر عن الطاقة، وسرعة التأثر، وقدرة التشكّل.
ويتحقق التوازن الإنساني عندما تخضع الطبيعة النارية للطبيعة الطينية، أي حين تُطوَّع الطاقة المتفلّتة لصالح البنية التشخيصية الراسخة. ومن هذا الاندماج بين الإنس والجن يتكوّن الكائن الذي نسمّيه إنسانًا؛ أي (إنسجانًا) وفق القراءة المفهومية التي ترى الإنسان وحدة وجودية تجمع بين البعدين المادي والناري، بين إنسيّ من معشر الإنس وجِنيّ من معشر الجن.
ثانيًا: بوابات السحر في البنية الإنسانية
يظهر مفهوم السحر ، وفق هذا الإطار، على مستويين معرفيين:
1. السحر التشخيصي (المادي): وهو كل تأثير سحري يتم عبر المادة: أعشاب، مركبات كيميائية، تفاعلات فيزيائية، أو أدوات محسوسة. هذا النوع يوجّه أثره مباشرة إلى الجسد، وقد ينعكس، بصورة ثانوية، على النفس إذا أثار خوفًا، أو قلقًا، أو تصوّرات معيّنة.
2. السحر التجريدي (المعرفي–الطاقي): وهو السحر الذي يعمل من خلال المفاهيم والمعاني والرموز، أي عبر الأفكار، والبرمجيات العقلية، والصدمات النفسية، والرسائل الإيحائية. وهذا النوع يؤثر مباشرة في النفس، وقد ينعكس على الجسد بواسطة أعراض نفسجسدية.
ويتبيّن من ذلك أن الإنسان قابل للتأثر عبر بوابتين: الحسّ والفكر، التشخيص والتجريد. وفي كثير من الحالات، يكون السحر التجريدي أكثر انتشارًا لأن بابه الرئيس هو الاعتقاد وما يحمله الفرد من تصوّرات مسبقة حول السحر نفسه.
ثالثًا: طرق العلاج وفق طبيعة السحر
1. علاج السحر التشخيصي (المادي): هذا النوع يعالج بمواد من جنسه؛ أي بمضادات مادية تعمل على تفكيك المادة السحرية أو تحييدها، ومن خلال فهم تركيبها الكيميائي والفيزيائي، ومعالجة آثارها على الجسد مباشرة.
2. علاج السحر التجريدي (المعرفي–النفسي): يعدّ هذا النوع الأخطر لأنه يتسلّل عبر المعنى والاعتقاد لا عبر المادة. وعلاجه يتم من خلال تصحيح التشوهات المعرفية وإعادة بناء التمثّلات الذهنية، وإصلاح البوابات العقلية المنكسرة التي تسمح بدخول الفيروسات المعرفية، ومضادات الفيروسات الطاقية، أي تعزيز البُنى النفسية ورفع مناعة الوعي.
ملاحظة مهمة
قابلية الإنسان للتأثر بالسحر التجريدي تعتمد على مدى استعداده النفسي. فكلما ازداد إيمانه بفعالية السحر وقدرته، ازداد تأثره به. بينما من لا يؤمن به إطلاقًا، ولا يحوي في عقله ملفات مفهومية عنه، يكون محصّنًا معرفيًا من تأثيره، ولو بلغ السحر ذاته أعلى مستوى من القوة.
فالاعتقاد هنا يعمل كمفتاح تشغيل للتأثير التجريدي.
خاتمة
تُظهر قراءة السحر وفق فلسفة التشخيص والتجر أنه ليس مجرد ممارسة غيبية، بل هو بنية تأثير يمكن أن تعمل عبر المادة أو عبر المعنى. وتتحدد قوة هذا التأثير بحسب طبيعة الإنسان نفسه: مادته، ووعيه، وصورته الذهنية عن العالم.
وبذلك يصبح فهم السحر، لا بوصفه خرافة ولا بوصفه مسلّمة، بل بوصفه آلية تأثير تعمل ضمن العالم التشخيصي والتجريدي، خطوة أساسية نحو تحرير الإنسان من الخوف، وتعزيز صلابته النفسية، وتحصين بوابات وعيه
منذ سنوات عملي في الاستشارة الفلسفية، كنتُ دائمًا أبحث عن منهج معرفي ومنظومة فكرية تساعدني في فهم الإنسان بشكل أكثر عمقًا وشمولًا. ورغم خلفيتي الأكاديمية في الفلسفة، بقي السؤال الجوهري مفتوحًا: كيف أُجسّر الهوة بين التفكير الفلسفي المجرد وبين المشكلات اليومية الواقعية للإنسان؟
وجدتُ الإجابة حين تعرّفتُ على فلسفة التشخيص والتجريد كما طرحها الدكتور هاشم نصّار في مشروعه الفلسفي (الأبعاد السبعة). لم تكن مجرد نظرية، بل أداة عملية جعلتني أعيد تشكيل طريقة النظر إلى الإنسان وإلى عملي الاستشاري من جذوره.
أولًا: التشخيص والتجريد في جلساتي الاستشارية
في كل جلسة أجريها، أواجه جانبين من الإنسان:
1. الجانب المُشخّص: سلوكيات واضحة، مشكلات نفسية أو فكرية ظاهرة، معاناة مرتبطة بظروف اجتماعية أو شخصية
2. الجانب المُجَرَّد: قيم عليا، معنى الحياة، بحث عن الحرية، الكرامة، والغاية الوجودية.
كانت الفلسفة التقليدية تميل إلى التجريد، بينما العلاج النفسي التقليدي يميل إلى التشخيص. لكن فلسفة الدكتور هاشم نصّار أعطتني ميزانًا يجمعهما.
أصبحتُ أرى العميل في مستويين:
مشكلة محسوسة تحتاج ضبطًا، ومعنى عميق يحتاج اكتشافًا.
هكذا يتحول الحوار من مجرد حل أزمة، إلى إعادة تشكيل رؤية الإنسان لذاته ووجوده.
ثانيًا: الأبعاد السبعة وتعدد الحيوات
من خلال مفهوم الأبعاد السبعة، تعلمتُ أن الإنسان ليس مجرد تجربة راهنة، بل نسيج من الحيوات والخبرات والطبقات الوجودية. لذلك حين أستمع إلى شخص يعاني صراعًا داخليًا، لا أتعامل معه كمشكلة منفصلة، بل كرواية ممتدة عبر الزمن، لها جذور وتراكمات ومعانٍ تتجاوز اللحظة.
هذا الفهم جعلني في الجلسات أبتعد عن الحكم السريع، وأفسح مجالًا لتأمل الخبرات الماضية، أساعد العميل على إعادة تأويل قصته الوجودية بعين أكثر وعيًا.
ثالثًا: ماذا أضافت لي هذه الفلسفة عمليًا؟
تحوّلت الجلسة من معالجة أعراض، إلى تنوير الوعي الوجودي. وأصبحت أستند إلى منهج متكامل يجمع بين الفلسفة والدين والتحليل النفسي والوجودي. وصار بإمكاني نقل المتلقي من مستوى السؤال (ماذا أفعل؟) إلى سؤال (من أنا؟ ولماذا أفعل؟).
اكتسبت لغة جديدة تساعدني في التواصل مع الباحثين عن المعنى، مهما كان منطلقهم الفكري والديني.
رابعًا وأخيرًا: لماذا أكتب هذا اليوم؟
لأقول إن مشروع الدكتور هاشم نصّار ليس مجرد تنظير فلسفي، بل أحد أكثر المشاريع الفكرية تأثيرًا في قدرتنا على فهم الإنسان العربي وإعادة بناء وعيه.
لقد قدّم لنا نموذجًا قادرًا على استعادة التوازن المفقود بين الدين والفكر، بين الصورة والمعنى، بين الواقع والمقصد.
وأنا اليوم، في عملي ومع كل من ألتقيهم، شاهدت أن هذه الفلسفة ليست فقط أداة فكرية، بل منهج تغيير حقيقي يلامس العمق الإنساني، ويعيد للإنسان القدرة على أن يرى نفسه داخل الوجود، لا مجرد رقم في المجتمع..
تحتلُّ فلسفة التشخيص والتجريد عند الدكتور هاشم نصّار مكانة مميزة في المشهد الفكري المعاصر لأنها لا تكتفي بالتصنيف الثنائي الجاف، بل تقترح منهجًا حيويًّا للتعامل مع الإنسان والدين والعلم والمعرفة، بصورة تُنظّم الواقع، وروح تُنقذ المعنى.
يأتي التشخيص كصورة تحفظ النظام، والتجريد روح تحفظ المعنى. لا نظام بلا معنى، ولا معنى بلا نظام. وهنا تكمن أهمية فلسفة التشخيص والتجريد عند الدكتور هاشم نصّار؛ جسر بين القرآن والعلوم والفلسفة، بين الحرف والغاية، بين واقعنا الحسي وعمقنا القيمي.
ما يميّز إسهام الدكتور هاشم نصّار:
أولًا: ثنائية وظيفية لا صراعية. حيث أنه لا يعرض فلسفة ثنائية التشخيص والتجريد على أنها صراع، بل كتكامل، التشخيص (الصورة، النظام، السلوك)، والتجريد (القيم، المقاصد، المعنى). هذا يحوّل أي جدل ثنائي إلى مساحة للحوار البنّاء.
ثانيًا: جسر بين التفسير الديني والتحليل العلمي، حيث أنه يطرح قراءة للقرآن ليست حرفية محضة ولا مجردة خالصة، بل قراءة تتحرّك بين الحرف والمعنى وتستعين بالتشخيص لفهم التطبيق وبالتجريد للحفاظ على المقاصد.
ثالثًا: تطبيقية فلسفية واضحة، وتُطبق الثنائية على مجالات عملية: التشريع، اللغة، الإدارة، العلوم. ما يجعل الفلسفة قابلة للتحويل إلى سياسات، نصوص تشريعية، أو أدوات تحليلية للنقد الاجتماعي.
رابعًا: نظرية الأبعاد السبعة وتعدد الحيوات. إن إدراج مشروع الأبعاد السبعة يوسع النظرية إلى تصور متعدد الطبقات للوعي. الإنسان يعيش تجارب متراكمة (تعدد حيوات) تربط التجسّد بالمعنى عبر التشخيص والتجريد.
خامسًا: إعادة التوازن بين المعرفة والأخلاق. مواجهة إشكالية العلم بلا قيم عبر ربط المنهج التجريبي ببُعد مقاصدي أخلاقي، ما يعيد للمعرفة طابعها الإنساني
قليلة هي الفلسفات التي تلامس جوهر الفعل الإنساني كما فعل الدكتور هاشم نصّار في تفريقه الدقيق بين الإرادة والمشيئة
فهو لا يتحدث عن مجرد فعلٍ إرادي بسيط، بل عن بنية وجودية مركبة تتداخل فيها المعرفة، والذاكرة، والمسؤولية، والزمن.
وبهذا، يعيد نصّار صياغة العلاقة بين الإنسان وذاته، فيجعل الحرية ليست لحظة طارئة، بل نظامًا تراكميّا ناتجًا عن تاريخٍ من الإرادات المتعاقبة.
في المقابل، تمثل فلسفة نيتشه اتجاها آخر لفهم الإرادة، بوصفها قوة كونية متفجرة لا تخضع لأي قيد أخلاقي أو معرفي.
غير أن هذه المقارنة لا تُضعف طرح نصّار، بل على العكس، تُبرز عمقه وفرادته في ربط الإرادة بالوعي والمشيئة بالمسؤولية.
أولًا: الإرادة عند نصّار — القصد الواعي للفعل
الإرادة عند هاشم نصّار ليست نزوة نفسية ولا دافعًا غريزيا، بل قصد واع للفعل المباشر.
هي لحظة الالتقاء بين الفكر والعمل، بين المعرفة والقرار.
الإرادة بهذا المعنى هي الوجه النوراني للحرية، إذ لا تتحقق الحرية إلا عبر وعي الإنسان بالفعل الذي يريد إنجازه.
إنها فعل صادر عن الذات العارفة، لا عن الانفعال أو الغريزة.
فمن خلال الإرادة، يختبر الإنسان حدود قدرته ويؤسس مسؤوليته الأخلاقية.
ولهذا فهي عند نصّار ليست طاقة عمياء كما في التصورات الغريزية، بل طاقةٌ مضبوطة بالمعرفة، ومنضبطة بالوعي.
ثانيًا: المشيئة — الذاكرة العميقة للإرادة
أما المشيئة فهي المفهوم الذي يمنح فلسفة نصّار عمقها الاستثنائي.
فهي ليست فعلا آنيا، بل النتيجة التراكمية لكل إراداتنا السابقة.
هي ذلك المستوى غير الواعي الذي يعمل فينا، ويعيد توجيه أفعالنا وفق ما راكمناه من قراراتٍ وخياراتٍ متكررة.
إنها تشبه (البرنامج الداخلي) للإنسان، لكنها ليست حتمية مغلقة، لأننا نحن من كتبنا شفراتها عبر إراداتنا الماضية.
من هنا تأتي مسؤوليتنا الكاملة عنها:
فما يبدو اليوم سلوكا عفويا، هو في الحقيقة نتاج قرارات قديمة صنعناها بوعينا، ثم تركناها تتحوّل إلى طبيعة ثانية فينا.
بهذا التصور، تصبح المشيئة عند نصّار ذاكرة الوعي، ودفتر التاريخ الداخلي للفعل الإنساني، حيث تُسجل كل الإرادات السابقة بدقّة وشفافية.
إنها ليست نقيض الحرية، بل امتدادها في الزمن
ثالثًا: نيتشه ومحدودية إرادة القوة
في المقابل، يرى نيتشه أن الإرادة هي قوة الحياة نفسها، اندفاعها الأبدي نحو التفوق والتجاوز، دون مرجعية أخلاقية أو معرفية.
إنها طاقة غريزية متفجرة، تسعى إلى القوة من أجل القوة.
لكن هذا الفهم، رغم بريقه الثوري، يبقى أحادي البعد:
فهو يلغي الوعي لصالح الغريزة، ويقصي الذاكرة لصالح الحاضر الدائم، ويتجاهل البعد الأخلاقي والزماني للفعل.
فـإرادة القوة عند نيتشه قد تنتج بطلا خارقًا أو مبدعا حرا، لكنها تسحب من الإنسان وعيه بمسؤوليته التاريخية.
إنها إرادة بلا ذاكرة، بلا ضمير، بلا توازن بين الاندفاع والتبصر.
بينما عند نصّار، لا تكون الإرادة فعلا حرا إلا إذا كانت متصلة بالمعرفة، ومؤسسة على وعيٍ تراكميّ بالماضي.
رابعًا: تفوّق فلسفة نصّار — من القوة إلى الوعي
هنا تتجلى فرادة الطرح النصّاري:
فهو لا ينفي الطاقة الحيوية في الإنسان كما يفعل بعض الفلاسفة العقلانيين، ولا يتركها بلا ضابط كما يفعل نيتشه.
بل يُدرجها في منظومةٍ من الوعي، والذاكرة، والمسؤولية.
المشيئة ليست قيدا على الحرية، بل فضاؤها الواسع، لأنها تذكّر الإنسان بأن حاضره امتدادٌ لاختياراته.
إنها تضعه في علاقة مستمرة مع ذاته عبر الزمن، فلا ينسى ولا يتنصل، بل يفهم نفسه ككائن يصنع مصيره بإرادته، ويُعيد تشكيله بمشيئته.
بهذا المعنى، يمكن القول إن فلسفة نصّار تجاوزت نيتشه:
ففي حين جعل نيتشه من الإرادة قوة بلا ذاكرة، جعلها نصّار ذاكرةً حية للوعي.
وفي حين حرّر نيتشه الإنسان من الأخلاق، حرّره نصّار داخل الأخلاق أي داخل مسؤوليته عن فعله.
اخيرا يمكن القول ما يلي
تضعنا فلسفة الدكتور هاشم نصّار أمام رؤية جديدة للحرية الإنسانية:
الحرية ليست رفض القيود فقط، بل وعيٌ بالتاريخ الداخلي الذي صنع تلك القيود.
ليست انطلاقًا أعمى نحو القوة، بل سيرٌ حكيم في ضوء المعرفة، يوازن بين الفعل والذاكرة، بين الوعي والمشيئة.
وبهذا المعنى، تتجاوز فلسفة نصّار النزعات الغريزية التي بشّر بها نيتشه، لتؤسس لرؤية أكثر إنسانية ونضجًا،
رؤيةٍ ترى الإنسان لا كمجرّد كائن يسعى إلى التفوق، بل ككائنٍ يدرك ذاته عبر تراكم إراداته، ويخلق حريته من وعيه بماضيه.
فالإرادة عند نصار ليست اندفاعا نحو القوة، بل ارتقاءٌ نحو المسؤولية،
والمشيئة ليست قيدًا على الفعل، بل الذاكرة التي تحفظ.
تمهيد
إن الفكر السلفي، في جوهره، محاولة للبحث عن الأمان في مواجهة قلق الحاضر. فالعقل الذي يخشى المجهول يعود إلى الماضي، يلوذ به، ويجعل منه معيارًا للحقيقة والمعنى. لكن حين يتحول هذا الميل الطبيعي إلى موقف فكري مطلق، يصبح الماضي سجناً لا ملاذًا، ويغدو الإنسان أسيرًا لصورة منتهية للعالم، في حين أن الوجود بطبيعته مفتوح على التحول والتجدد.
الفكر السلفي، بهذا المعنى الواسع، لا يخص دينًا بعينه أو مذهبًا بعينه، بل هو نزعة عقلية وروحية يمكن أن تظهر في الدين، أو الفلسفة، أو الأيديولوجيا. هو الميل إلى اعتبار (الذين سبقونا) هم الأصل الذي لا يُمسّ، وأن الحقيقة قد قيلت، وأن دورنا ينحصر في التفسير والتكرار لا في الإبداع والاكتشاف.
لكن الوجود الإنساني لا يقبل الجمود، لأنه حركة دائمة بين ما كان وما يمكن أن يكون. الإنسان، كما يقول كيركغارد، هو مشروع لا يكتمل إلا بالاختيار الحر. والفكر السلفي، في المقابل، ينفي هذه الحرية عبر تحويل الإنسان إلى ظلٍّ لماضٍ مثالي، فيعيش الفرد على هامش ذاته، غريبًا عن واقعه، ومغتربًا عنإمكانياته.
إن أعظم ما يُفقده الفكر السلفي للإنسان هو القدرة على التساؤل. فحين تتحول الإجابات القديمة إلى يقين مطلق، يُغلق باب السؤال، وتُطفأ جذوة الفكر. يصبح الوعي مجرد إعادة للوعي القديم، لا لقاءً حقيقيًا مع الوجود. ولهذا، فإن أزمة الفكر السلفي ليست معرفية فقط، بل وجودية؛ لأنه يقتل إمكانية الإنسان في أن يكون حاضرًا في ذاته وزمنه.
ليست الدعوة إلى التحرر من السلفية دعوة إلى نسيان التراث، بل إلى إعادة بنائه داخل الحاضر. فالماضي ليس سلطةً بل تجربة، وليس نموذجًا للإعادة بل مادةً للفهم. وكما يشير كيركيغارد في مفهون التكرار، أي إعادة بناء الماضي وفق وعي الحاضر. والوفاء الحقيقي للسابقين لا يكون بتقليدهم، بل بتجديد روحهم فينا، كما قال نيتشه: “الأوفياء حقًا للأساتذة، هم الذين يتجاوزونهم”. إن الفكر الذي يقدّس الماضي يخون الحاضر، والفكر الذي يرفض الماضي يخون الذاكرة؛ أما الفكر الحي فهو الذي يجعل من الماضي جسراً نحو المستقبل، لا جدارًا يحجبه.
القراءة الأولى: الفكر السلفي، قراءة سيكولوجية في آلية الهروب من قلق الوجود
ليس الفكر السلفي ظاهرة فكرية فحسب، بل هو نمط في الوعي الإنساني يتكرر كلما ضاق الإنسان بقلقه الوجودي أو فقدَ بوصلته أمام تحولات الزمن. فحين يتهدد الإنسان غموضُ الحاضر، ويغيب المعنى، يلوذ بالماضي لا كمجرد ذاكرة، بل كملاذ نفسي يختبئ فيه من رعب التبدّل.
وهكذا يصبح الفكر السلفي، بمعناه الواسع الذي يشمل الدين والفلسفة والأيديولوجيا، آلية دفاع نفسية أكثر منه خيارًا معرفيًا، لأنه يُعطي للعقل راحة اليقين مقابل عناء التساؤل، ويُسكّن اضطراب النفس بوهم الثبات في عالم لا يعرف إلا التحول.
أولًا: الخوف من المجهول والحاجة إلى اليقين
يولد الفكر السلفي من رحم القلق الوجودي. فالعقل الإنساني يضيق أمام المجهول، ويسعى دومًا إلى أنساق مغلقة تحميه من الارتباك. في هذا الإطار، يصبح الماضي منطقة الأمان التي تمنح النفس شعورًا بالثبات، لأن كل ما هو قديم يبدو مكتملًا، واضحًا، مأمونًا. ومن هنا، فإن التمسك بالماضي هو في جوهره بحث عن اليقين في وجه العدم، واستجابة لغرائز النفس التي تكره الشك وتخاف من الانفتاح على المجهول. إنها محاولة لاستبدال سؤال (من أكون؟) بإجابة جاهزة: (أنا كما كانوا)، أي تعريف الذات من خلال الآخر الذي رحل.
ثانيًا: الهروب من الحرية والمسؤولية
الحرية، كما يراها سارتر، ليست منحة، بل عبء، لأنها تجعل الإنسان مسؤولًا عن وجوده. وهنا يتدخل الفكر السلفي ليخفف عن النفس هذا العبء، فيقدّم نموذجًا فكريًا مكتملًا، لا يحتاج إلا إلى الاتباع. إنها راحة الطاعة مقابل قلق الاختيار. فالإنسان السلفي لا يخاف من الخطأ بقدر ما يخاف من أن يكون حرًّا، لأن الحرية تضعه وجهًا لوجه أمام مسؤوليته عن ذاته، بينما الاتباع يتيح له أن يعيش بلا ذنب فكري، مستظلًا بظل سلطة الماضي.
ثالثًا: التماهي مع السلطة والتعويض عن الضعف
من منظور التحليل النفسي، التمسك بالرموز القديمة هو نوع من التماهي مع السلطة الأبوية. حين يشعر الإنسان بالعجز أو التفكك، يبحث عن صورة الأب الكامل الذي يمنحه القوة والاتساق. في الفكر السلفي، يتحول هذا الأب إلى الأسلاف أو الآباء الفكريين، فيذوب الفرد فيهم ليحتمي من هشاشته. وهكذا يخلق الفكر السلفي تماهيًا نفسيًا مع رموز الماضي، ليعوّض به عن شعور النقص، فيُغلف تبعيته بقداسة، وضعفه بإيمان، وركوده بحجة الوفاء للأصل.
رابعًا: الحنين كآلية دفاعية ضد التمزق
يصف يونغ الحنين إلى الماضي بأنه "عودة رمزية إلى الأمّ الكبرى"، أي إلى الحالة الأولى من الأمان الوجودي. والفكر السلفي، بهذا المعنى، هو العودة النفسية إلى الرحم، إلى الحالة التي كانت فيها الذات متماهية مع الكل، قبل أن تنفصل وتواجه قلق الاستقلال. لكن هذا الحنين يتحول إلى انغلاق مرضي حين يرفض الإنسان النضوج، ويصرّ على البقاء في رحم الماضي، رافضًا مواجهة واقع الوجود ومخاطره.
خامسًا: إنكار الزمن وإيهام الخلود
التمسك المطلق بالماضي هو شكل من أشكال إنكار الزمن. فالزمن، بمعناه الفلسفي، يذكّر الإنسان بفنائه، وتغيره، ونقصه. أما الفكر السلفي، فيعِدُهُ بالثبات، بالدوام، وبالمشاركة في حقيقة أزلية لا تمسها التحولات. وهكذا يصبح الانتماء إلى السلف مخدرًا ضد الوعي بالفناء، ووسيلةً لسرقة لحظة من الخلود وسط صيرورة الوجود. إنه نوع من الميتافيزيقا النفسية التي تحاول تثبيت العالم في لحظة مثالية كي تهرب من مأساة الزمن.
خاتمة القراءة الأولى
يتجذر الفكر السلفي في النفس الإنسانية لأنه يخاطب أعمق حاجاتها: الأمان، واليقين، والانتماء. لكنه، في الوقت ذاته، يجمّد طاقتها على الإبداع والتحول. فالإنسان الذي يخاف من أن يخطئ، يحرم نفسه من أن يكون.
إن تجاوز السلفية لا يعني نكران الماضي، بل تحرير العلاقة معه؛ أن نستلهم لا أن نستنسخ، أن نعيد قراءة التراث بوصفه تجربة إنسانية لا سلطة مطلقة. فالحياة لا تنبع من التكرار، بل من القدرة على التجدد. والماضي، حين يُستعاد كروح لا كقيد، يتحول من سجنٍ للوعي إلى جسرٍ نحو الوعي ذاته.
القراءة الثانية: تفسير تجذّر الفكر السلفي في ضوء سيكولوجية التفكير الإنساني من خلال مجموعة آليات نفسية ومعرفية متشابكة:
1. حاجة الإنسان إلى اليقين:
العقل البشري يميل بطبعه إلى تجنّب الغموض واللايقين، فالتاريخ والموروث يقدّمان له شعورًا بالأمان والثبات في عالم متغيّر. لذلك يجد الفرد في الفكر السلفي منظومة مغلقة توفر إجابات جاهزة تخفّف من قلق الوجود.
2. آلية الهوية والانتماء:
الفكر السلفي يمنح الفرد شعورًا بالانتماء إلى جماعة متجانسة تملك الحقيقة. هذه الهوية الجمعية تُعوِّض عن ضعف الهوية الفردية، وتوفّر إحساسًا بالقداسة والتميز.
3. التحيّز المعرفي (التحيز التأكيدي):
الإنسان يميل إلى تصديق ما يوافق معتقداته السابقة وتجاهل ما يخالفها. ومن هنا، يصبح الفكر السلفي بنية مغلقة ذاتية التغذية؛ فهي لا تبحث عن الجديد، بل تؤكد القديم.
4. الخوف من الحرية:
الحرية الفكرية تتطلب مسؤولية وجرأة في مواجهة المجهول. بينما السلفية تقدّم نموذجًا مريحًا: اتبع تُعفَ من الحيرة. فهي استجابة دفاعية ضد القلق الوجودي الذي تسببه حرية الاختيار.
5. النمط التربوي والتنشئة السلطوية:
المجتمعات التي تقوم على الطاعة أكثر من الحوار تُنتج عقولًا سلفية في بنيتها النفسية، لأن الطفل يتعلم أن الحقيقة تُتلقّى من السلطة لا تُكتشف بالعقل.
6. الحنين إلى الأصل والنقاء:
سيكولوجيًا، لدى الإنسان نزعة إلى استعادة الفردوس المفقود أو حالة الصفاء الأولى. الفكر السلفي يغذّي هذا الحنين من خلال وعدٍ رمزي بالعودة إلى زمن مثالي خالٍ من الفساد.
خاتمة القراءة الثانية
يتجذر الفكر السلفي في النفس الإنسانية لأنه يخاطب أعمق حاجاتها: الأمان، واليقين، والانتماء. لكنه، في الوقت ذاته، يجمّد طاقتها على الإبداع والتحول. وتجذّر الفكر السلفي في النفس الإنسانية ليس مجرد ظاهرة فكرية، بل هو نتاج تفاعل عميق بين حاجات النفس وبنى الوعي. فهو يولد من الخوف من المجهول، ويترسخ في الحاجة إلى الانتماء، ويستمد قوته من التحيزات التي تغلق العقل عن التساؤل. ومع مرور الزمن، يتحول من موقف دفاعي إلى نظام وجودي يوجّه إدراك الإنسان للعالم ويعيد تشكيل وعيه بذاته.
فالفكر السلفي، في جوهره، يعكس رغبة الإنسان في الثبات داخل عالم متغيّر، ومحاولة لتعليق الزمن عند لحظة مثالية يتخيلها كملاذ من قلق الوجود. لكنه، بهذا الثبات المتخيّل، يجمّد إمكانات الإنسان على النمو، ويحوّل الطمأنينة إلى جمود، واليقين إلى قيد.
إن تجاوز هذه البنية لا يكون بمحاربتها، بل بفهم دوافعها النفسية، وتحرير الطاقة الخفية التي تختبئ وراء حاجتنا إلى الأمان. فحين يدرك الإنسان أن البحث عن الحقيقة أعمق من التمسك بالماضي، وأن الحرية ليست خطرًا بل نضوجًا، يبدأ الوعي بالتحرر من دائرة السلفية نحو أفق الفكر الحيّ، الفكر الذي يسكن الزمن لا يهرب منه، ويصنع المعنى لا يرثه.
القراءة الثالثة: تفسير سيكولوجي لتجذّر الفكر السلفي في النفس الإنسانية، يربط بين ديناميات العقل البشري والحاجة الوجودية للأمان والمعنى:
التفسير السيكولوجي لتجذّر الفكر السلفي
الفكر السلفي، حين يُنظر إليه نفسيًا، ليس مجرد موقف فكري أو عقائدي، بل هو آلية نفسية دفاعية تتجذر في أعماق الإنسان كلما واجه قلقًا وجوديًا أو غموضًا في المعنى. فالعقل البشري بطبيعته لا يحتمل الفوضى، بل يسعى دومًا إلى النظام، واليقين، والاستقرار. ومن هنا، ينشأ الميل السلفي كاستجابة نفسية وجودية لمواجهة اضطراب الزمان وتبدّل القيم.
1. الخوف من المجهول والحاجة إلى اليقين
الإنسان كائن قلق، كما وصفه هايدجر وسارتر. وعندما يعجز عن فهم الحاضر أو التنبؤ بالمستقبل، يلجأ إلى الماضي كمصدر للأمان. في الماضي، يجد العقل نموذجًا منظمًا وثابتًا، يعيد إليه شعور السيطرة. ومن ثم، يصبح الفكر السلفي دواءً للقلق أكثر من كونه رؤية للعالم. فالتمسك بالموروث هو في جوهره تمسك باليقين، واليقين، في علم النفس الوجودي، وظيفة دفاعية ضد رعب اللامعنى.
2. الكسل المعرفي والخوف من الحرية
الحرية الفكرية تضع الإنسان أمام مسؤولية الاختيار، وتجعله في مواجهة ذاته. وهذا ما تهرب منه النفس عادة، لأنها تفضل الطمأنينة على المخاطرة. والفكر السلفي يقدّم لها معادلة سهلة: اتبع ولا تتعب.. فيُعفي الفرد من عناء البحث، ويمنحه هوية جاهزة، ومعنى محددًا، وإجابات نهائية. وهكذا تتحول الطاعة الفكرية إلى وسيلة للهروب من قلق الحرية.
3. آلية الإسقاط والتماهي مع السلطة
من منظور التحليل النفسي، كثير من السلفيين يمارسون الإسقاط، أي يلقون ضعفهم الداخلي على العالم الخارجي.
فيتخيلون أن الحق في الماضي كامل لأنهم عاجزون عن بلوغه في الحاضر. ثم يتماهون مع رموز الماضي أو (الآباء الفكريين) ليشعروا بالقوة والانتماء. وهذا التماهي يعطي النفس شعورًا بالتفوق المعنوي، فيغدو الفكر السلفي وسيلة لتعويض الشعور بالنقص أو التشتت الذاتي.
4. الحنين كحالة دفاعية
الحنين إلى الماضي ليس مجرد عاطفة، بل هو، في علم النفس، استجابة للتهديد الوجودي. حين يفقد الإنسان المعنى في الحاضر، يستدعي صورة الماضي ليُرمم ذاته. ولذلك يتحدث يونغ عن (العودة إلى الأصل) كحركة رمزية نحو الأمّ الأولى، أي نحو الجذر الذي يضمن الأمان. والفكر السلفي هو في جوهره تعبير ناضج عن هذه الغريزة الأمومية للأمان، لكنه يتحول إلى عائق حين يرفض الانفصال الرمزي عن (الأم) ليبقى في حضنها.
5. التحكم في الزمن كإيهام بالخلود
من زاوية سيكولوجية وجودية، التمسك بالماضي يمنح الإنسان إحساسًا بالخلود. فمن خلال التعلق بالنموذج القديم، يعيش الفرد وهمًا بأنه يشارك في الحقيقة الأزلية التي لا تتغير. وهذا الإحساس يُسكّن الخوف العميق من الفناء والتبدل. لذا، الفكر السلفي في عمقه هو محاولة لإنكار الزمن، ولتجميد التاريخ داخل لحظة مثالية واحدة.
خاتمة القراءة الثالثة
يتجذر الفكر السلفي في النفس الإنسانية بوصفه استجابة دفاعية لقلق الوجود أكثر من كونه موقفًا معرفيًا. فالعقل البشري يميل إلى تجنّب الغموض، ويبحث عن النظام والثبات في عالم متغير، مما يجعل الماضي ملاذًا نفسيًا يرمّم به الإنسان شعوره بالأمان والمعنى. ينبع الميل السلفي من الخوف من المجهول والحاجة إلى اليقين، ويتغذى من الكسل المعرفي الذي يفضّل الاتباع على الحرية الفكرية لما تحمله من مسؤولية وقلق.
إن تجذر الفكر السلفي في العقل الإنساني هو نتيجة تفاعل بين الخوف، والحنين، والبحث عن اليقين، والرغبة في الأمان. فهو ليس فقط فكرًا محافظًا، بل هو استراتيجية نفسية لمقاومة القلق الوجودي. لكن ما إن يتحول هذا الميل الطبيعي إلى نسق مغلق، حتى يبدأ الإنسان بفقدان حريته الداخلية، ويتحول من كائن يسأل إلى كائن يتبع.
بين الحلم والوجود.. يعيش الإنسان، منذ بدايات وعيه، ممزقًا بين ما يتمنى أن يكون وما هو كائن عليه فعلاً. في هذا التمزق تولد أغلب أشكال التعاسة، لأن العقل ينشد صورة مثالية للحياة لا تتحقق في أرض الواقع، فيظل الوعي عالقًا بين صورتين: الخيال الذي يَعِد، والواقع الذي يُفاجِئ.
وفي الزواج، يتضاعف هذا التمزق. إذ يُبنى الحلم على فكرة (السعادة الكاملة)، كأنها غاية يمكن بلوغها في لحظة ما، بينما الحقيقة الوجودية تقول: إن السعادة لا تُعطى دفعة واحدة، بل تُكتشف، وتُمارَس، وتُخلَق من تفاصيل اليوم العادي.
في المعنى الوجودي للعِشرة، يرى الوجوديون، من سارتر حتى بوبر، أن الإنسان لا يكتمل إلا في (العلاقة)، لأن الوجود الإنساني ليس انغلاقًا في الذات، بل انفتاح نحو الآخر. والزواج هو المجال الأخص الذي يمتحن فيه الإنسان صدق وجوده، إذ لا مكان فيه للمظهرية أو للأدوار الاجتماعية، بل للكينونة في أصفى صورها.
السعادة هنا ليست فكرة، بل أسلوب وجود. إنها تحدث عندما يتحول (الآخر) من كائن منفصل إلى (شريك في الوجود)، فنرى أنفسنا من خلاله، ونتعلم بواسطته كيف نكون أكثر صدقًا وإنسانية.
الحضور بدل الغياب… في التجربة الصوفية، السعادة لا تُطلب في المستقبل، بل تُدرك في الحضور. الحاضر هو موضع اللقاء بين الإنسان وربه، وبين الإنسان والإنسان.
وهكذا فإن السعادة الزوجية، من هذا المنظار، ليست في الأمنيات المؤجلة.. سأكون سعيدًا عندما يتغيّر شريكي، أو حين تتحسّن الظروف. بل في القدرة على تذوّق اللحظة كما هي. أن تشرب القهوة مع من تحب بصفاء نية، أن تتبادل نظرة صادقة بلا قناع، أن تصمتا معًا بلا توتر، أن تضحكا من أمر تافه، أن تتقبلا النقص دون محاولة إصلاح كل شيء… تلك هي لحظات (الوجد التنويري)، حيث يتجلى معنى الحضور، وحيث يلمع بريق السعادة الحقيقية.
التفاصيل التي تُنقذ..! في الممارسة اليومية، السعادة الزوجية لا تُبنى على الأحداث الكبرى، بل على التفاصيل الصغيرة: كلمة لطيفة تُقال في لحظة تعب، أو إنصاتٌ صادق لا يُقاطع.. وعناقٌ يسبق الاعتذار، أو نظرة امتنان بدل اللوم.
هذه التفاصيل البسيطة تشكل البنية التحتية للحب الواقعي، فهي التي تُرمم الشرخ قبل أن يتحول إلى هوّة.
إنها اللغة الصامتة التي تقول: أنا أراك، وأقدّرك، وأحبّك رغم التعب.
الفلسفة الوجودية تعلمنا أن الإنسان لا يُعرف بما يفكر فيه، بل بما يعيشه. والروح الصوفية تعلمنا أن الحب ليس إحساسًا، بل تجربة تَذَوُّقٍ دائم للحضور الإلهي في الآخر.
وحين نجمع البعدين، نفهم أن السعادة الزوجية هي ممارسة وعيٍ مشترك: أن يعيش كل طرف في وعي لحظة اللقاء، فيتعامل مع الآخر لا كوسيلة لإشباع حاجة، بل آية من الآيات على الوجود نفسه.
السعادة الزوجية، إذن، ليست هدفًا يُسعى إليه من الخارج، بل ثمرة نضجٍ داخليّ. هي لا تتحقق بالبحث عن الكمال في الشريك، بل بالقدرة على رؤية الجمال في النقص. هي ليست وعدًا مستقبليًا، بل نعمة حاضرة تحتاج فقط إلى عينٍ مبصرة وقلبٍ ممتن.
فالزوجان اللذان يدركان هذا المعنى لا يعيشان في (انتظار السعادة)، بل يعيشان السعادة وهي تحدث.
وما أكثر ما تتناثر هذه السعادة حولنا: في ضحكة عابرة، في وجبة أُعدّت بحب، في يدٍ تمسح الحزن عن وجه الآخر، في مساءٍ صامت يملؤه الأمان.
الخاتمة
حين نفهم أن السعادة الزوجية ليست مطروحة في الأمنيات، بل متناثرة في تفاصيل الحياة، نتحرر من فكرة (المثالية)، وندخل فضاء (الحضور).
فالحياة الزوجية ليست مشروعًا لإصلاح الآخر، بل رحلة لاكتشاف أنفسنا في مرآة الآخر. ومن هنا، تصبح كل لحظة عادية فرصةً للإندماج والارتقاء، وكل فعل بسيط مظهرًا للوجود في أسمى تجلياته التنويرية
مقدمة:
لقد شكّلت مدارس علم النفس منذ نشأتها الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر سلطة معرفية قوية في تفسير المشكلات الإنسانية، سواء أكانت نفسية، سلوكية، أو حتى عضوية. وتطوّرت هذه المدارس باتجاهات متعددة: مدرسة التحليل النفسي، المدرسة السلوكية، المدرسة المعرفية، ومدرسة الجشطالت، وغيرها، غير أن الغالبية منها تشترك في سمة مركزية واحدة، وهي: الانطلاق من الإنسان بوصفه كائنًا ماديًا-تشخيصيًا، تحكمه الغرائز، الدوافع، العمليات الذهنية أو البيولوجية، وأيضًا انطلقوا من خلال قرن السلوك بالسلوك!
لكن، هل يكفي هذا التفسير المادي النفسي لفهم جوهر الإنسان؟
وهل أن كل مشكلة في السلوك أو الوعي يمكن إرجاعها إلى اختلال في اللاشعور أو المخططات المعرفية أو التنشئة الاجتماعية؟
في هذا المقال، أقدّم نقدًا فلسفيًا لهذا التصوّر، انطلاقًا من منظور تأملي يميز بين ثلاثية وجودية أساسية في الإنسان:
١- الطبيعة الطينية (السكون، التثاقل، الارتباط بالمادة)،
٢- الطبيعة الجنيّة (الحركة، الانفلات، الهيمنة النارية).
٤- النفس، باعتبارها مركز التوازن والوعي، والواسطة بين الطين والنار.
أولًا: علم النفس وتغييبه لجوهر النفس
رغم أن علم النفس يُفترض فيه أنه علم النفس، إلا أن ما يُدرّس في أروقة الجامعات والمراكز العلاجية غالبًا ما يكون علمًا للسلوك أو الدماغ أو العمليات الإدراكية. تم تشييء النفس (Reification) وتحويلها إلى أنماط قابلة للقياس والتجريب، وتم اختزالها في مؤشرات تشخيصية وتصنيفات اضطرابية.
هذا ما يمكن أن نسميه: التشخيص النفسي للطبيعة الطينية فقط، حيث تُعامل النفس كامتداد للجسد فقط، لا ككيان روحي/ تجريدي له أبعاده فوق المادية.
وبالتالي، فإن الانحرافات السلوكية، مثل الإدمان أو القلق أو العدوان، تُفَسَّر فقط على أنها اختلالات في التكيّف أو في السيروتونين أو في أساليب التفكير، دون الانتباه إلى الصراع العميق بين القوى الداخلية للإنسان، بين طينه وناره، بين جسده وقرينه، بين صورته وتشوه معناه.
ثانيًا: إهمال الطبيعة الجنيّة كقوة داخلية كامنة
تغفل أغلب النظريات النفسية عن البُعد الناري في الإنسان ذلك الذي يمثّله القرين أو الهوى أو (النفس الأمّارة)، أو ما نسمّيه (الطبيعة الجنيّة).
هذه الطبيعة تتجلى في:
نزعة الاستحواذ والهيمنة.
التلون والتقنّع والسخرية (كما في الآية القرآنية: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾.
الطيش، التهور، الإسراف العاطفي أو المادي.
هذه السمات، رغم كونها أساسية في الكثير من الاضطرابات النفسية المعاصرة، لا تُقرأ في سياقها الكلي كقوى رمزية روحية داخل الإنسان، بل يتم اختزالها في سلوكيات طارئة أو نتائج بيئية.
ثالثًا: غياب التوازن المفهومي ورفض التجريد
التوازن بين الطبيعتين: الطينية والجنيّة، لا يعني إزالة إحداهما، بل ضبط تطرف كل منهما عبر وعي النفس لذاتها، ومراقبتها لاندفاعاتها، وتحقيق الفضيلة بين الرذيلتين، وبلغة فلسفية، معالجة اغترابهما عن النفس الأصيلة.
وهذا ما تعجز عنه معظم المقاربات النفسية الحديثة، لأنها لا تؤمن بوجود (وعي علوي) في الإنسان قادر على التأمل في دواخله وإحداث الانفصال عن الميول المتطرفة.
التحليل النفسي القديم (فرويد) حاول تفسير هذا عبر (الأنا الأعلى)، لكن بشكل سلبي ومكبوت، لا متحرر ومستنير.
أما مدارس العلاج المعرفي السلوكي، فهي تنظر للعقل على أنه آلة تفكير وتصحيح، لا كراصد تأملي يعيد توجيه القوى الداخلية نحو الاتزان والتنوير.
رابعًا: نحو علم نفس متجذر في فلسفة النفس الواعية
بدلًا من علم نفس يتعامل مع الإنسان كمعادلة بيولوجية/ذهنية، نحتاج إلى علم نفس روحي وجودي، يستند إلى:
الاعتراف بالصراع الداخلي بين قوى مختلفة في الإنسان.
إعادة الاعتبار للنفس ككيان قادر على ضبط هذا الصراع وتحقيق الفضيلة.
النظر إلى المشكلات النفسية بوصفها علامات على اختلال التوازن الداخلي بين الطين والنار.
وهذا يستدعي منهجًا تأمليًا لا تجريبيًا فقط، وتحليلًا رمزيًا لا سلوكيًا فقط، وأسلوبًا حواريًا فلسفيًا لا إجرائيًا ميكانيكيًا.
خاتمة:
علم النفس الحديث، رغم خدماته التجريبية والتطبيقية، يقع في مأزق الاختزال والسطحية عندما يغفل عن التركيبة الوجودية النفسية للإنسان.
إن النفس، كما هي في جوهرها، ليست مجرد (حالة)، بل مسرح لصراع بين قوى الطين والنار، ومجال لإمكانية التوازن والتنوير.
وكل تفسير لا يرى الإنسان بهذه العينية المتعددة الأبعاد، هو تفسير ناقص، عاجز عن إنقاذ النفس من ضياعها في الطين أو في النار.
ان الناظر في مسيرة التقدم العلمي وما قدمه العقل البشري من إكتشافات واختراعات (والاختراع هو في أصله إكتشاف لقوانين الطبيعة التي أودعها الله في الكون) منذ الفأس الحجري في التاريخ القديم إلى فيزياء الكم حديثاً، يبصر أثر تلك الإكتشافات على تقدم الإنسان وازدهار الفكر على مر التاريخ. إكتشاف المصباح الكهربائي أنار العالم والمبرقة اختصرت الجهد والوقت والهاتف كذلك. والذرة والبنسلين والمطبعة والعجلة والجينات والبوصلة والسيارة والطائرة والكمبيوتر والإنترنت وصولاً إلى فجر الفيزياء الكمومية اليوم والتي تأتي تجاربها بنتائج تفوق الخيال! وعندما اخترع غاليليو العدسة فُتحت آفاق جديدة في علم البصريات فأصبحنا نبصر من أسرار الطبيعة ما لم نكن نبصره من قبل، المجهر مكنًا من رؤية أدق مكونات المادة، والتلسكوب مكنًا من إبصار أبعاد جديدة في فضاء الكون الواسع. الواقع والواضح أن نشاط العلوم قد توقف عند حدود المحسوس والملموس والمرئي في الطبيعة (المادية) وعجز الوعي الإنساني عن اختراق "الجدار" إلى ما وراء الطبيعة، وبقي هذا الأفق المجهول متخفياً وراء "علم غائب" مما أتاح المجال واسعاً (بإسم العلم) للشعوذة والدجل والسحر لأن يملأ الفراغ وينشط ويترعرع في هذا المقام المفقود ! وأصبح "كل حزب بما لديهم فرحون"! أرى أن "فلسفة التشخيص والتجريد" للدكتور هاشم نصار تؤدي إلى انعطافة جوهرية في بوصلة نظرية المعرفة نحو ونقلة نوعية في الوعي الإنساني الباحث عن معنى للوجود والمستنبط من آيات خالق الوجود في القرآن الكريم، المصدر الأساسي للمعرفة، والوقوف على المقاصد التجريدية العميقة فيها كتوأمة متعالية ومكملة لعالم التشخيص الملموس. "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" وأرى أن في "اكتشاف" الجانب التجريدي في المعاني "عدسة" واعدة اكتشفها هاشم نصار وتعتبر أهم (معرفياً) من عدسة غاليليو، مع التقدير لكل من نفع الله بهم البشرية. وللاطلاع على مضمون فلسفة التشخيص والتجريد يمكن للقارئ الكريم الرجوع إلى موقع الأبعاد السبعة (7diamensions7) للدكتور هاشم نصار والاطلاع على أحد مقالات الأستاذ عصام أبو سنينة بهذا الصدد وهذه روابط إثنين منها: https://7dimensions7.com/articles_thinkers?id=23 https://7dimensions7.com/articles_thinkers?id=24 بقلم معتز قواس
عرض المزيد
أولًا: الإطار العام لتوظيف الفلسفة في الاستشارة
فلسفة التشخيص والتجريد لا تُقدَّم كنظام معرفي نظري، بل كمنهج تفاعلي توازني بين مستويين من الوعي عند الإنسان:
التشخيص: التعامل مع الواقع الظاهر المادي المُشخّص: السلوك، الموقف، الصورة الحسية، المعاملات الإنسانية.
التجريد: الغوص في المعنى، القيمة، الغاية، الدافع الباطن، المقصد الروحي.
في الاستشارة الفلسفية، يصبح عمل المستشار هو تنشيط حركة الوعي بين المستويين: من الصورة إلى المعنى، ومن المعنى إلى الصورة. أي أن المستشار لا يكتفي بوصف المشكلة (تشخيص)، بل يساعد المسترشد على إدراك رمزيتها ودلالتها (تجريد). وهذه المنهجية تركيب ثنائي يساهم في إيجاد حل جوهري للمشكلات التي تعتري الإنسان في التجربة الوجودية الحياتية، لا من خلال التجربة الحسية وحدها، بل وأيضا ومن خلال المعنى التجريدي الذي يضفى على التجربة الحسية، وبالتالي تفهم التجربة الإنسانية فهما ابستيمولوجيا وانطولوجيا واكسولوجيا أعمق وأنضج.
ثانيًا: خطوات تطبيق المنهج في الجلسة الاستشارية
1. المرحلة الأولى: التشخيص الواقعي (الجانب التشخيصي للتجربة)
يُطلب من المسترشد أن يصف ما يعيشه كما هو:
ما الحدث؟
ما السلوك؟
ما اللغة التي يستخدمها؟
ما الانفعالات المرافقة؟
ما الاحساسات التي عاينها؟
وهنا يتم جمع البيانات الحسية لتحديد الجانب المعرفي الحسي التشخيصي لتجربة العميل. وبالتالي يعمل المستشار كمفسّر للظاهر، محلل للّغة والصورة والسلوك والاحساسات.
الغاية: الإمساك بشكل المشكلة من الخارج، دون تأويلها بعد. أي إطارها المعرفي الحسي التشخيصي فقط.
أداة عملية:
صف لي ما يحدث دون أن تشرح سببه.
ما الذي تراه؟
ما الذي تسمعه في داخلك؟
2. المرحلة الثانية: التجريد المعنوي (الجانب التجريدي)
بعد تثبيت الصورة، يُنتقل إلى التنقيب في ما وراءها، وما هي المعاني المجردة التي أضيفت على التجربة المادية الحسية التشخيصية، والبحث عن العلاقات بين المعنى التجريدي والتجربة الحسية التشخيصية. ونطرح مجموعة من الأسئلة:
ما القيمة التي جُرحت فيك؟
ما المعنى الذي افتقدته؟
ما الغاية التي تبحث عنها من خلال هذا الموقف؟
الغاية: تحويل الانفعال أو السلوك إلى رمز دالّ على حاجة وجودية أو قيمة مفقودة. وبمعنى آخر، ربط التجربة بالمعنى التجريدي لها. وهنا يتشكل إطار المعرفة النهائية لتجربة العميل، بجانبيها: التشخيصي والتجريدي. وعند الانتهاء نبدأ بمرحلة عملية التقييم، ومن ثم تصميم خطة علاج المشكلة بعد تحديد العنصار الأولية لتشكل التجربة بجانبيها، التشخيصي والتجريدي.
3. المرحلة الثالثة: التوازن بين التشخيص والتجريد
يقود المستشار المسترشد إلى التكامل بين الصورتين: لا يهرب إلى النفس فقط (تجريد مطلق بلا واقعية).
ولا ينغمس في الصورة فقط (تشخيص سطحي بلا معنى).
الغاية: تكوين معرفة واعية ومتوازنة، بحيث يرى الحدث في بعديه: التشخيصي والتجريدي.
أداة عملية:
كيف يمكن أن تعبّر عن قيمتك من خلال هذا الفعل الواقعي؟
ما الصورة الجديدة التي يمكن أن تجسّد بها المعنى الذي اكتشفته؟
ثالثًا: المنهج كأداة وعي مزدوج.
في جوهره، منهج التشخيص والتجريد يساعد المسترشد على امتلاك عينين داخليتين:
عين تشخيصية: تلاحظ الواقع بلا إنكار.
عين تجريدية: تراه في ضوء الحكمة والمعنى.
عندما تتكامل العينان، يولد ما يسميه الدكتور هاشم الرؤية الفؤادية، أي رؤية المعنى من خلال الصورة، ورؤية الصورة كجسدٍ للمعنى. وهذا بالضبط ما يحتاجه العمل الاستشاري الفلسفي: تحرير الإنسان من الرؤية الأحادية (المادية أو الروحية) ليصل إلى وعي متكامل.
رابعًا: النتائج التحولية في جلسة الاستشارة
تحول من ردّ الفعل إلى الوعي بالمعنى.
انتقال من الحيرة إلى البصيرة.
إعادة بناء العلاقة بين الذات والعالم على أساس التوازن.
تأسيس فهم جديد للحرية والإرادة كقوة واعية وليست اندفاعًا.
نقل المسترشد من التجزئة إلى الوحدة الوجودية (بين الجسد والنفس، بين الفعل والعمل، بين الأنا والكل).
خامسًا: النموذج العملي.
يمكن صياغة جلسة الاستشارة وفق هذا التسلسل:
التشخيص= وصف الواقع.
التحليل الفؤادي= إدراك الدلالة الحسية.
التجريد= اكتشاف القيمة أو الفكرة الكامنة.
إعادة التجسيد = تحويل الفهم إلى سلوك أو قرار متوازن.
النتيجة: من صورة بلا معنى إلى معنى متجسد.
سادسًا: خلاصة فلسفية
منهج التشخيص والتجريد في الاستشارة الفلسفية هو: فنّ تحويل الوعي من الإدراك السطحي إلى الرؤية الكلية، ومن التشتت بين الظاهر والباطن إلى انسجام بين الجسد والنفس، بين الإنسان والله، بين الفكر والعمل. بهذا يصبح المستشار الفلسفي ليس معالجًا، بل مرافقًا في رحلة وعي، يستنطق الوجود داخل التجربة الإنسانية اليومية.
تمهيد(1): الاستشارة الفلسفية
التعريف
الاستشارة الفلسفية هي ممارسة حديثة تقوم على توظيف الفكر الفلسفي ومناهج التفكر النقدي والحوار التأملي لمساعدة الأفراد على فهم مشكلاتهم الفكرية والوجودية، وتحسين جودة تفكيرهم وحياتهم.
هي ليست علاجًا نفسيًا بالمعنى الطبي، بل عملية حوارية تهدف إلى تحرير الإنسان من التناقضات الفكرية، والارتباك القيمي، والاغتراب الوجودي، من خلال إعادة بناء منظومته المعرفية والفكرية على أسس عقلانية وواعية.
نبذة عن الاستشارة الفلسفية
نشأت الاستشارة الفلسفية كمجال مستقل في أواخر القرن العشرين، على يد الفيلسوف الألماني جيرد آشنباخ (Gerd Achenbach) الذي أسّس أول عيادة فلسفية عام 1981 في ألمانيا، مؤكدًا أن الفلسفة ليست حكرًا على الأكاديميا، بل هي فنّ للعيش وممارسة للحكمة.
منذ ذلك الحين، تطورت الاستشارة الفلسفية لتصبح حركة عالمية تُمارَس في أوروبا، وأمريكا، والشرق، وتتنوع مدارسها بين النهج السقراطي الحواري، والتحليل المفهومي، والاستنارة الوجودية، والتحرير السلوكي العقلي. وتقوم فلسفة الاستشارة على قناعة أساسية تقول: "إن أغلب معاناة الإنسان لا تنبع من المرض، بل من سوء التفكير وسوء الفهم."
ولذلك، تسعى الاستشارة الفلسفية إلى تمكين الإنسان من التفكير في تفكيره، أي وعيه بمصادر أفكاره ومعتقداته، وكيفية تأثيرها في قراراته وسلوكه.
يعمل المستشار الفلسفي على تفكيك بنية المعتقدات والتصورات الذهنية لدى المستفيد، بأسلوب حواري تأملي يهدف إلى إحداث تحول داخلي.
ولا يقدّم المستشار أجوبة جاهزة، بل يرافق العميل في رحلة تساؤل وتبصّر ذاتي، تساعده على رؤية ذاته والعالم بوضوح أكبر. وتشمل موضوعات الاستشارة الفلسفية مجالات واسعة، مثل:
• أزمة المعنى والهوية.
• التوتر بين القيم والممارسة.
• الحيرة الوجودية أمام الموت أو الحرية أو المسؤولية.
• الصراعات الفكرية والدينية والأخلاقية.
• إدارة الأفكار والمشاعر والسلوك وفق رؤية عقلانية ووجودية متوازنة.
خاتمة
الاستشارة الفلسفية هي جسر بين الحكمة القديمة والإنسان المعاصر، تُعيد للفلسفة دورها الطبيعي كفنّ للعيش بوعي، وتُعيد للإنسان قدرته على التفكير الحر والمسؤول.
إنها ليست تعليمًا للفلسفة، بل عيشٌ فلسفيٌّ للحياة.
"الفلسفة لا تعطيك أجوبة، بل تفتح لك الأسئلة التي تقودك إلى ذاتك."
تمهيد (2): فلسفة التشخيص والتجريد عند الدكتور هاشم نصار
مدخل عام في فلسفة التشخيص والتجريد
تُعدّ فلسفة التشخيص والتجريد من أبرز الإسهامات الفكرية الأصيلة في المشهد العربي المعاصر. صاغها الدكتور هاشم نصّار عبر سلسلة حلقات وحوارات في برنامجه (الأبعاد السبعة حوار وأسرار)، لتشكّل جسراً متينًا بين الوعي الفلسفي، التأمل الديني، والتحليل العلمي للإنسان والوجود. وتعتمد فلسفة التشخيص والتجريد على ثنائية جوهرية:
أولًا: التشخيص، عالم الصورة، الظاهر، القوانين، السلوكيات، التنظيم الاجتماعي، والتجسيد الواقعي.
ثانيًا: التجريد، عالم القيم، الروح، المعنى، المقاصد العليا، اللغة في بعدها الرمزي، والإنسان في جوهره الأخلاقي.
هذه الثنائية ليست تضادًا، بل تكامُلٌ يبيّن أن الحقيقة الإنسانية والدينية لا تُختزَل في صورة منفصلة أو قيمة مستقلة، بل في التفاعل الديناميكي بينهما.
المحاور الأساسية لفلسفة التشخيص والتجريد
أولا: في الدين والقرآن
التشخيص يظهر في ظاهر الخطاب القرآني: آيات، أحكام، صور حسية يُدركها الإنسان.
التجريد يتجلى في مقاصد الوحي: الرحمة، العدل، الحرية، المساواة، الكرامة.
القرآن يتحرك بين الحرف والمعنى، بين الأمر والنور. الأحكام قابلة للقراءة التاريخية والاجتماعية دون أن تفقد بعدها المقاصدي الأزلي.
ثانيا: الإنسان والوجود
الإنسان مُشخّص في بُعده الأول: جسد، غرائز، حاجات، وجود بيولوجي.
الإنسان مُجرّد في بُعده الثاني: روح، قيم، معنى، أخلاق.
هذا التفريق يوضح العلاقة بين البشرية (المحدودة بالحواس والجسد) والإنسانية (المفتوحة على القيم والروح).
يقدّم الدكتور هاشم مفهومين مركزيين يشكّلان نواة هذا التحوّل: الفؤاد والقلب، باعتبارهما أداتين معرفيتين مستقلتين من حيث الطبيعة والمجال:
أما الفؤاد بوصفه وحدة المعالجة الحِسيّة، فهو الأداة المعرفية الحسية الواعية، التي تتعامل مع الظواهر المادية وتُنتج معرفة علمية قابلة للرصد والتحقق، أي أنه أداة العلم التجريبي.
أما القلب، بوصفه وحدة المعالجة التجريديّة، فهو الأداة المعرفية التجريدية المتعالية، التي تتجاوز نطاق الحس والعقل الأداتي، نحو معرفة حدسية عميقة تتصل بما وراء الظواهر، أي أنه أداة المعرفة الماورائية أو الوجودية.
ثالثا: في التشريع والقانون.
التشخيص يظهر في القوانين واللوائح التي تضبط السلوك الإنساني.
التجريد يظهر في غايات هذه القوانين: تحقيق العدل، حماية الإنسان، ترسيخ الرحمة.
الشريعة تُقرأ كصورة حكم وروح مقصد؛ واختلال التوازن يحوّل الدين إلى جمود أو فوضى.
رابعا: في اللغة والخطاب
اللغة في جانبها الأول مُشخّصة: ألفاظ، تراكيب، نحو وصرف.
وفي جانبها الثاني مُجرّدة: معانٍ، رموز، دلالات، إيحاءات.
الخطاب الديني والإنساني لا يُفهم إلا بجمع اللفظ والمعنى، البيان الظاهري والدلالة العميقة.
هذا يفسّر سر خلود النص القرآني: قابليته للحركة بين التشخيص والتجريد.
خامسا: في الإرادة والحرية
الإرادة مشخّصة: قرارات محدودة بزمان ومكان. لكنها مُجرّدة: نزوع إلى الحرية، بحث عن معنى، اختيار بين الخير والشر.
الإرادة مشروع يربط الإنسان بقوانين الكون من جهة، وبالقيم المطلقة من جهة أخرى.
سادسا: في الأبعاد السبعة وتعدد الحيوات.
فلسفة التشخيص والتجريد اندمجت مع مشروع الأبعاد السبعة: تصور متعدد الطبقات للوجود والوعي.
الإنسان لا يعيش حياة واحدة مغلقة، بل خبرات متراكمة (تعدد الحيوات) تشكّل نسيجًا بين التجسد والتجريد.
التشخيص هو التجربة الملموسة للحياة اليومية، والتجريد هو تراكم المعنى العابر للزمن.
خاتمة
فلسفة التشخيص والتجريد تمثّل محاولة أصيلة لإعادة بناء الجسور بين الدين والفلسفة والعلم والمجتمع. إنها مشروع لفهم الإنسان ككائن مزدوج: مُشخّص في جسده وتاريخه، مُجرّد في روحه وقيمه، مقدّمًا إطارًا شاملًا لتجاوز الثنائيات العالقة (دين/علم، ظاهر/باطن، جسد/نفس) نحو وحدة متوازنة.
تقدمت لوظيفة "رئيس القسم المالي" في شركة كبيرة مرموقة ودُعيت لمقابلة شخصية مع رب العمل وكانت مقابلة ناجحة مهنياً وشخصياً فترشحت ضمن المرشحين لذلك المنصب. قام رب العمل بتسليمي "الوصف الوظيفي" وطلب مني الاطلاع عليه بالتفصيل ودراسته بتمعًن لكي أقوم بعمل تقييم ذاتي لمقدرتي في أداء المهمة وكان تصرفه ذاك من باب الإنصاف لكي أكون على علم بتفاصيل مسؤولياتي الوظيفية قبل توقيع العقد الملزم. وافقت على تفاصيل الوظيفة وكُلفت بها بناءً على ذلك واستلمت الأمانة! قبلت بها واكتشفت خلال العشرين سنة التالية بأنها كانت بمثابة قفزة في الظلام!!
ولله المثل الأعلى. حين أراد الرب أن يجعل في الأرض خليفة سخًر من مخلوقاته الأكفأ والمؤهل في الخلق لتلك المسؤولية، الإنسان الذي خلقه الرب في أحسن تقويم والذي تم إعداده وتسويته للقيام بمهام الوصف الوظيفي لمنصب الخليفة في الأرض، أعطاه التعقل والإرادة ووسائل التمكين في الأرض وجعله كداد مكافح مجاهد في العيش. وحين عرَضت وظيفة الخليفة في الأرض (الأمانة) على جميع الخلق قبلها الإنسان فكان ظلوماً جهولا وكانت قفزة في الظلام، الذي لا يتبدد إلا بنور الرب من خلال الرسل والرسالات
في فلسفة الدكتور هاشم نصار، لا يبدأ الوعي من الفكر، بل من الرؤية. فالرؤية، كما يقول، هي انبثاق الحقيقة من صميم التجربة الإنسانية حين يتوحّد الظاهر والباطن، التشخيص والتجريد، الجسد والروح. إنها ليست فلسفة للتنظير، بل منهج للوجود، يقترح على الإنسان أن يرى نفسه والعالم من خلال جدلية الحضور والغياب، الصورة والمعنى، الحرف والمقصد، ليتحرر من أسر الشكل دون أن يهجره، وليصعد من الملموس إلى المتعالي دون أن يتنكر للأرض التي منها وُلد.
التشخيص عند نصار هو اللغة التي تتحدث بها الحياة في مستواها الأول، في جسد الإنسان، في طعامه، في علاقاته، في التاريخ والمجتمع. هو الوجود كما نعيشه، لا كما نتخيله. أما التجريد، فهو الوجه الآخر للوعي، هو تلك القدرة على النظر من فوق الزمن، على رؤية الوحدة في تعدد الصور، وعلى إدراك أن كل شكل ما هو إلا قناع مؤقت لجوهرٍ لا يتغير. ومن هنا، تصبح فلسفة التشخيص والتجريد ليست مجرد ثنائية معرفية، بل حركة أبدية للوعي الإنساني بين العالمين: عالم المادة وعالم المعنى.
يقول نصار إن “الإنسان لا يُختزل في الجسد، كما أن الروح لا تُدرك إلا عبر الجسد”. في هذا القول تختصر فلسفته كل جدل الفلاسفة من قبل: الإنسان ليس روحًا تحلّ في جسد، ولا جسدًا تُضاف إليه روح، بل هو كائن متكامل، يُشخَّص ليُجرّد، ويُجرّد ليُشخَّص من جديد. في كل تجربة يعيشها الإنسان، في كل شعور أو فكرة أو خطأ، هناك تشخيص يُثبت الوجود، وتجريد يُبرّر المعنى. ومن هذا التفاعل تنشأ “الحياة الواعية” كما يسميها نصار، أي تلك التي تدرك ما وراء الحدث دون أن تفرّ منه، وتعيش الزمن دون أن تستعبده.
وحين يقترب نصار من الدين، لا يراه مؤسسة جامدة ولا طقوسًا شكلية، بل يرى فيه أعظم تجلٍّ للتشخيص والتجريد في التاريخ الإنساني. فالدين، كما يشرحه، هو التشخيص الأعظم للمعنى في صورة كلمة، في وحيٍ تجسّد في نص، ثم أطلق رحلته نحو التجريد في فهم الإنسان له عبر الأزمنة. النص الديني هو خطاب مزدوج: ظاهرٌ يخاطب الحواس، وباطنٌ يوقظ الروح. حين يتوقف العقل عند الظاهر فقط، يموت الخطاب في شكله، وحين يهيم في الباطن دون أرض، يتحول إلى سرابٍ بلا جذور. وحده التوازن بين التشخيص والتجريد يجعل من الدين طريقًا حيًّا للإنسان، لا سجنًا فكريًا ولا حلمًا غامضًا.
أما في العلم والفكر، فإن الدكتور نصار لا يفصل بين التجربة والمبدأ، بين المعادلة والغاية. فالعلم عنده تشخيصٌ للكون، لكنه يظل ناقصًا ما لم يُكمله التجريد الذي يمنحه المعنى. العلم يصف، أما الفلسفة فتفهم، والفهم لا يتم إلا حين تتلاقى الدقة التجريبية مع البصيرة الوجودية. ولهذا يربط نصار دائمًا بين العلم والروح، لأن المعرفة التي لا تعي ذاتها تتحول إلى أداة، والمعرفة التي تنفصل عن التجربة تتحول إلى خيال.
وفي فلسفة الأبعاد السبعة التي يربطها نصار بفكرته الكبرى، نجد الامتداد الكوني لفلسفة التشخيص والتجريد. فكل بُعد هو مستوى من الوعي، يبدأ من التجربة الحسية وينتهي عند الإدراك الكوني، حيث تتوحد الروح مع الحقيقة. في هذا التصور، الإنسان ليس كائنًا عابرًا يعيش حياة واحدة، بل هو مسافر عبر أبعاد من الوعي، يحمل في كل بعدٍ شكلًا جديدًا من التشخيص، ويستعيد في كل عبورٍ مستوى أعمق من التجريد. بهذا المعنى، يصبح الموت استمرارًا للحياة، لا نهايتها، لأن الروح لا تفنى بل تتبدل، كما تتبدل الصورة حين تنعكس في مرآة أخرى.
يعلّمنا نصار أن فلسفة التشخيص والتجريد ليست دعوة للهروب من الواقع، بل دعوة لرؤيته كما هو، ولكن بعيون مفتوحة على المعنى. الإنسان حين ينغمس في التفاصيل دون أن يرى الكل، يضيع في الزمن، وحين يحلّق في التجريد دون أن يلمس الأرض، يفقد اتصاله بالحياة. وحده من يجمع بين الأرض والسماء في وعيه يستطيع أن يعيش التوازن الحقيقي. هذا هو سرّ الإنسان كما يراه نصار: كائنٌ يجمع المتناقضات دون أن يلغيها، ويعيش في العالم دون أن يُختزل فيه.
في النهاية، فلسفة التشخيص والتجريد هي مشروع إنساني شامل، يعيد للوجود معناه وللحياة عمقها. إنها فلسفة لا تنفصل عن التجربة اليومية، لكنها ترفعها إلى مرتبة الإدراك الكوني. هي تذكير دائم بأن كل ما نراه ليس سوى مظهرٍ من جوهرٍ أعمق، وأن الإنسان، في كل ما يفعله، إنما يبحث عن وجهه الحقيقي، ذلك الوجه الذي لا يُرى بالعين، بل يُدرك بالبصيرة.---
عقيدتي للدكتور رشيد جراح
تاريخ النشر: 2025-09-19 00:18:50
لقد أثار كلامنا حفيظة عدد من القراء، فظنوا أننا بهذا الطرح الذي نقدمه لا نؤمن بالأحاديث الشريفة التي تتحدث عن المواضيع التي كنا قد تطرقنا لها، وهم ينعتونا – حسب استنتاجاتهم هم من كلامنا نحن- أننا لا نؤمن إلا بما جاء في القرآن الكريم، وهم يعتقدون أن هذا عيب واضح في طرحنا، وكأن لسان حالهم يقول أن مثل هذه الأمور لا يمكن فهمها بمعزل عن السنة (أي ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول). ونحن في هذا المقام نود أن نلفت انتباه القارئ الكريم إلى أمور أساسية تشكل القاعدة الصلبة في عقيدتنا التي نؤمن بها، وبالتالي فهي القاعدة التي نبني عليها الاستنباطات التي نخرج بها والتي تخالف – في معظم الأحوال- ما ذهب إليه جمهور العلماء، وما هو متداول في الفكر السائد عند أتباع معظم الفرق الإسلامية. 1. نحن لا نلتزم بأي مذهب أو طائفة في ما نذهب فيه وفيما نخلص إليه من استنباطات من كتاب الله، فنحن طلاب علم منهجنا أكاديمي بحت، نبحث عن الحقيقة أينما وجدت وحيثما حلت، فلا نتخذ موقفاً عقائدياً معيناً مسبقاً لنبحث عن أدلة على صدق موقفنا كما تفعل غالبية (وربما كل) الفرق الإسلامية، فعقيدتنا تتمثل بما يلي: ما جاء في كتاب الله هو ديننا وهو عقيدتنا مهما بلغ من الغرابة (كما قد يظن البعض) حتى لو خالفنا في ذلك كل أهل الأرض، فأنا أؤمن أني ذاهب إلى ربي لأقف بين يديه وحجتي هي: لقد جئتك ربي مؤمناً بكل ما قلت أنت، ولم آتيك متسلحاً بآراء مذهب أو طائفة، فإن أنت قبلتني فهي رحمتك وإن أنت طردتني فمن عدلك. 2. كما نود أن نجلب انتباه القارئ إلى حقيقة مفادها أننا لسنا علماء شريعة لنعرض عليكم الآراء العقائدية السائدة حول الموضوع الذي يتم طرحه، فتلك محلها كتب الأحكام، ونحن لسنا أكثر من طلاب "علم اللغة"، نحاول فهم النص اللغوي كما يرد في كتاب الله بالمنهجية التي نظن أنها صحيحة، وهو – على ما نظن- اللبنة الأولى لاتخاذ المواقف العقائدية. فننطلق من المبدأ الثابت المتمثل بأن كلام الله كلام دقيق مقصود بلفظه، فلا يجب ليّ عنق النص ليتكيف مع المواقف العقائدية المسبقة، ولا مبرر للتبديل أو التأويل غير المنضبط بالقواعد الواضحة، لأن ذلك سيجعل كلام الله عرضة للأهواء والأغراض، وسبباً في الاختلاف. 3. ولما كان الهدف الجوهري هو فهم النص القرآني لم يكن هناك داعي في هذا المقام أن نستجلب الأحاديث الشريفة للتأييد أو الرفض، فأهل الشريعة هم من يقوموا بمثل هذا العمل. وهنا حصل الخلط في الفهم عند البعض، فلقد ظن البعض أن خلو كلامنا من الأحاديث الشريفة ربما يفهم منه أننا لا نؤمن بالأحاديث النبوية، لذا نجد لزاماً التأكيد على أن خلو كلامنا من الأحاديث الشريفة لا يجب أن يفهم منه أننا لا نؤمن بها 4. ولكن يجب التنبيه إلى أمر غاية في الأهمية ربما يلخّص موقفنا فيما يخص موضوع الأحاديث الشريفة، فموقفنا يتلخص بالعبارة التالية: أقسم بالله العظيم أنني أؤمن إيماناً مطلقاً بكل ما صدر عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم من قول، كيف لا وهو الذي قال الله في حقه: " وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ (5) النجم مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَنْ تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا النساء (80) فبعد هذا الكلام الفصل، كيف لأحد (كائن من كان) أن يخرج ليقول أنني لا أؤمن بما قال صلى الله عليه وسلم؟ إن إيماني مطلق بكل ما قال صلى الله عليه وسلم، لا بل فإن لي موقف عقائدي يذهب إلى أبعد من هذا بكثير بخصوص قول النبي ربما لا أستطيع أن أبوح به أو أن أدخل بتفصيله هنا، وسأفرد له مقالة خاصة بحول الله وتوفيقه، وذلك لأهميته من منظور عقيدتي التي أؤمن بها، ومفاد القول هو عدم الفصل بين قول الله وقول نبيه الكريم، لذا فالإيمان بأحدهما لا يمكن فصله عن الإيمان بالآخر. 5. ولكن في المقام ذاته يجب التنبيه إلى ما يلي: ففي حين أن إيماني مطلق بكل كلمة (لا بل وبكل حرف) قالها صلى الله عليه وسلم، إلا إنني لا أؤمن إيماننا مطلقاً بكل ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، فنحن ندعو إلى التفريق بين الإيمان بما قال صلى الله عليه وسلم والإيمان بما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا فرق كبير، ففي حين أن ما قاله النبي صحيح صادق ليس فيه ما يشوبه، لم يكن ما نقل عن النبي كذلك على كليته، فأهل الحديث أنفسهم قد وضعوا تصنيفات لما نقل عن النبي، فأوردوا الصحيح والحسن والضعيف وحتى المدسوس، لذا كان لا بد من التيقن والحذر عند التطرق لما نقل عن النبي، وللأسف فإن العامة (وبعض أهل الاختصاص) يستشهدوا بكل ما نقل عن النبي ويكأنه صحيح لا شائبة فيه، فكم من الخطب والدروس وحتى بعض الأحكام بنيت على أحاديث لا ترقى إلى درجة حتى الضعيف من القول، وسأقدم مثالاً واحد هنا للتنبيه إلى هذا الأمر (هذا وقد قدمت أمثلة أخرى في مقالاتي السابقة حول هذا الموضوع، فالقارئ المهتم يستطيع الرجوع مثلاً إلى مقالة جدلية عذاب القبر ليقف عند مثل هذه الأمثلة)، أما المثال الذي أقدمه هنا فيتلخص بفحوى ما نقل عن النبي عن مسألة سب الدهر، فلقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن سب الدهر في حديث قدسي، حيث نقل عنه أنه قال: جاء الحديث بألفاظ مختلفة منها رواية مسلم : قال الله عز وجل : يؤذيني ابن آدم يقول : يا خيبة الدهر ، فلا يقولن أحدكم : يا خيبة الدهر ، فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره فإذا شئت قبضتهما . الحديث كذلك أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر. ورواه البخاري بلفظ: يسب بنو آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار. ومنها رواية للإمام أحمد : لا تسبوا الدهر فإن الله عز وجل قال : أنا الدهر الأيام والليالي لي أجددها وأبليها وآتي بملوك بعد ملوك ) وصححه الألباني) وسؤالنا هنا يتمركز حول الاستفسار التالي: هل من الممكن أن يكون النبي قد قال مثل هذا الكلام؟ هل فعلاً نهى النبي عن سب الدهر؟ إننا نفهم أنه من الاستحالة بمكان أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد قال مثل هذا الكلام، وقد يرد البعض بالقول: ولم لا؟ لم لا يكون الرسول قد قال هذا الكلام فعلاً؟ نقول أن هذا مستحيل لأن مثل هذا القول يتناقض بشكل صارخ مع ما ورد في كتاب الله، ولكن كيف ذاك؟ نقول: دعنا ندقق أولا بفحوى الحديث نفسه بصيغه المختلفة، النبي ينهى الناس عن سب الدهر، أليس كذلك؟ نعم، لأن الحديث نفسه يبين أن الإله (الله نفسه) هو الدهر (انظر صيغ الحديث المختلفة). والآن، إن كان هذا الكلام صحيحاً، ما الذي سنفعله إذن بما ورد في كتاب الله في الآيات الكريمة التالية: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قل اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (26) الجاثية فسؤالنا هو: إذا كان الدهر هو الله كما جاء في الحديث المنقول، فما هي مشكلة الكافرين الذين ظنوا أن الذي يهلكهم هو الدهر كما جاء في الآية الكريمة (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ)؟ ولم يحتاج الله أن يذكّر في الموقف نفسه بقوله "قلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ"؟!! إن أهل الحديث مطالبون أن يبيّنوا لنا كيف يكون ذلك إن كان ما نقل عن النبي هو فعلاً قول صحيح يحتج به، ولا أخال أنهم يستطيعون ذلك دون التحليق في سماء المجازات (انظر تأويلات هذا الحديث عند النووي، وابن عثيمين، الخ.)، وهو ما نرفضه رفضاً قاطعاً لأن هذا سيجعل كل يغني على ليلى آه (للخوض في هذا الافتراض نطلب من القارئ الكريم مراجعة ما ورد في مقالتنا تحت عنوان: جدليةالحقيقة والمجاز).
لا توجد تعليقات بعد.
برنامج اجتماعي يتناول العلاقات بين الازواج وباقي العلاقات بشكل عام بشكل مختلف عن المألوف ومن تجارب واقعية.
لا توجد تعليقات بعد.
يدافع النص عن فكرة أن المعجزات المذكورة في النصوص الدينية ليست مجرد أحداث خارقة لمرة واحدة، بل هي أمور علمية قابلة للفهم والتطبيق إذا ما تم استخدام منهجية بحث قائمة على المرجعية الدينية، وخاصة القرآن الكريم. يجادل المؤلف بأن الفهم التقليدي للمعجزات كأحداث فريدة قد أدى إلى عجز المؤمنين عن شرحها للمتشككين والملحدين، مما جعلها نقطة ضعف بدلًا من كونها دليلًا على صحة الدين. يرى الكاتب أن هذه الآيات تمثل ذروة الطموح العلمي الإسلامي، وأن الأمة الإسلامية تحمل هذه المعرفة والعلم المتاحين للجميع من خلال القرآن، على عكس الأمم السابقة التي فقدت آيات رسلهم. يقترح النص تبني نظرية علمية إسلامية عالمية لتفسير أسرار الكون والرد على الفكر المادي، مؤكدًا على أن المسلمين يمكنهم التفوق ليس بتقليد الغرب، بل باستخدام منهجية تفكيرهم العقائدي المستقل لفهم وتطبيق ما ورد في نصوصهم المقدسة.
لا توجد تعليقات بعد.
بنيت كتب "أسس معرفية" بدون اللجوء إلى مصادر -جمال الشايع
عرض المزيدلا توجد تعليقات بعد.
التعليقات:
2026-10-19 16:43:38
2026-10-19 13:48:36