كيف وظّفتُ فلسفة التشخيص والتجريد في عملي الاستشاري بقلم: عصام أبو سنينة – مستشار الفلسفة الإكلينيكية

15-11-2025

كيف وظّفتُ فلسفة التشخيص والتجريد في عملي الاستشاري  بقلم: عصام أبو سنينة – مستشار الفلسفة الإكلينيكية

منذ سنوات عملي في الاستشارة الفلسفية، كنتُ دائمًا أبحث عن منهج معرفي ومنظومة فكرية تساعدني في فهم الإنسان بشكل أكثر عمقًا وشمولًا. ورغم خلفيتي الأكاديمية في الفلسفة، بقي السؤال الجوهري مفتوحًا: كيف أُجسّر الهوة بين التفكير الفلسفي المجرد وبين المشكلات اليومية الواقعية للإنسان؟

وجدتُ الإجابة حين تعرّفتُ على فلسفة التشخيص والتجريد كما طرحها الدكتور هاشم نصّار في مشروعه الفلسفي (الأبعاد السبعة). لم تكن مجرد نظرية، بل أداة عملية جعلتني أعيد تشكيل طريقة النظر إلى الإنسان وإلى عملي الاستشاري من جذوره.

أولًا: التشخيص والتجريد في جلساتي الاستشارية

في كل جلسة أجريها، أواجه جانبين من الإنسان:

1. الجانب المُشخّص: سلوكيات واضحة، مشكلات نفسية أو فكرية ظاهرة، معاناة مرتبطة بظروف اجتماعية أو شخصية

2. الجانب المُجَرَّد: قيم عليا، معنى الحياة، بحث عن الحرية، الكرامة، والغاية الوجودية.

كانت الفلسفة التقليدية تميل إلى التجريد، بينما العلاج النفسي التقليدي يميل إلى التشخيص. لكن فلسفة الدكتور هاشم نصّار أعطتني ميزانًا يجمعهما.

أصبحتُ أرى العميل في مستويين:
مشكلة محسوسة تحتاج ضبطًا، ومعنى عميق يحتاج اكتشافًا.
هكذا يتحول الحوار من مجرد حل أزمة، إلى إعادة تشكيل رؤية الإنسان لذاته ووجوده.

ثانيًا: الأبعاد السبعة وتعدد الحيوات

من خلال مفهوم الأبعاد السبعة، تعلمتُ أن الإنسان ليس مجرد تجربة راهنة، بل نسيج من الحيوات والخبرات والطبقات الوجودية. لذلك حين أستمع إلى شخص يعاني صراعًا داخليًا، لا أتعامل معه كمشكلة منفصلة، بل كرواية ممتدة عبر الزمن، لها جذور وتراكمات ومعانٍ تتجاوز اللحظة.

هذا الفهم جعلني في الجلسات أبتعد عن الحكم السريع، وأفسح مجالًا لتأمل الخبرات الماضية، أساعد العميل على إعادة تأويل قصته الوجودية بعين أكثر وعيًا.

ثالثًا: ماذا أضافت لي هذه الفلسفة عمليًا؟

تحوّلت الجلسة من معالجة أعراض، إلى تنوير الوعي الوجودي. وأصبحت أستند إلى منهج متكامل يجمع بين الفلسفة والدين والتحليل النفسي والوجودي. وصار بإمكاني نقل المتلقي من مستوى السؤال (ماذا أفعل؟) إلى سؤال (من أنا؟ ولماذا أفعل؟).
اكتسبت لغة جديدة تساعدني في التواصل مع الباحثين عن المعنى، مهما كان منطلقهم الفكري والديني.

رابعًا وأخيرًا: لماذا أكتب هذا اليوم؟

لأقول إن مشروع الدكتور هاشم نصّار ليس مجرد تنظير فلسفي، بل أحد أكثر المشاريع الفكرية تأثيرًا في قدرتنا على فهم الإنسان العربي وإعادة بناء وعيه.
لقد قدّم لنا نموذجًا قادرًا على استعادة التوازن المفقود بين الدين والفكر، بين الصورة والمعنى، بين الواقع والمقصد.

وأنا اليوم، في عملي ومع كل من ألتقيهم، شاهدت أن هذه الفلسفة ليست فقط أداة فكرية، بل منهج تغيير حقيقي يلامس العمق الإنساني، ويعيد للإنسان القدرة على أن يرى نفسه داخل الوجود، لا مجرد رقم في المجتمع..

التعليقات:

Asmaa: أستاذ عصام كل الشكر لك فهنا نجد شهادة تطبيقية حيّة على أن فلسفة التشخيص والتجريد ليست نظرية ذهنية منعزلة بل منهج اشتغالي قادر على إعادة صياغة مهنة المساعدة الإنسانية من معالجة الأعراض إلى توسيع الوعي.... و التحوّل من التعامل مع الإنسان كـ حالة مشخّصة إلى رؤيته كـ رحلة مجرّدة ذات تاريخ روحي ووجودي ممتد...مستندا الى فلسفة الأبعاد السبعة وتعدد الحيوات...
نقلتَ الفلسفة من فضاء المفاهيم إلى ميدان التغيير العميق....ليصبح الوعي نفسه أداة الشفاء...

2025-11-17 19:36:46
Hayet salhi: مقالك رائع جدا استاذ عصام و يعد شهادة مهمة على جدوى فلسفة التشخيص والتجريد وقد نجحت في إظهار كيف أسهم هذا المنهج في إعادة تشكيل وعي كل من المستشار والعميل معا عبر الجمع بين قراءة الواقع وتجريد المعنى في مسار واحد وهو إضافة قيمة تؤكد أن هذه الفلسفة ليست إطارا نظريا فقط،د بل منهجا حيا يفتح أفقا جديدا للفهم والعمل الإنساني.
2025-11-15 23:36:37