👋 هل لديك سؤال؟ اسألني

المنشورات

فلسفةُ الكثافة والتمعرج

فلسفةُ الكثافة والتمعرج

لَوْ تساءلنا لماذا اختار المصدر الأَوَّل قانون "تباطؤ النُّور"؟ إِنَّ الإجابة تكمن فِي جوهر غرض الوُجُود نفسه؛ وتكمن فِي أَنَّ المسألة لَيْسَتْ اختيارا مِنْ اللَّه بهَذَا التبسيط، وإنما -وكتقريب للمفهوم- ان كُلّ مَا هُوَ حاصل يُمَثِّل اللَّه والأسماء الَّتِي له! هكذا هُوَ اللَّه وهكذا تتجلى أسماؤه والنتيجة الوجودية تتمثل بوجود مستويات تفاعلية تُمَثِّل إرادة اللَّه ومشيئته! فالأَمْر لَيْسَ غائيا فِي ذاته! كُلّ شيء مِنْ اللَّه ولله وفِي اللَّه!
نُشرك عندما نتحدث بصيغة الإنفصال (نَحْنُ) اذا نظرنا لهَذَا المستوى مِنْ التَّجْرِيد لكننا ضمن مستوى وجودنا المحدود نتفاعل بمستوى التجلي الَّذِي يمثلنا ونمثله فنقول ضمن هَذَا المستوى (نَحْنُ) أو (أَنَا) لنفصل تصوريا ونسبيا بَيْنَ درجة هَذَا المستوى الوجودي الَّذِي نَحْنُ فيه وهُوَ فينا وبَيْنَ الدرجات الأعلى وصولا الى المُطْلَق! ان التباطؤ المقصود هُوَ الَّذِي (أنتج) الفجوة الوجودية الَّتِي سمحت بنشوء "المستويات المشخصة"؛ الـ "نَحْنُ والأنا" تِلْكَ الأنا الَّتِي تظن واهمة أنها منفصلة عَنْ أصلها لمجرد أنها تتحرك ببطء شديد وسط محيط مِنْ الكَثَافَة المَادِّيَّة.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

الفرق بَيْنَ الغيب والشهادة

الفرق بَيْنَ الغيب والشهادة

وجدتُ بوضوح أَنَّ الفرق بَيْنَ "عالم الغيب" و"عالم الشهادة" لَيْسَ فرقاً فِي المَكَان أو الحيز، إنما هُوَ فِي حقيقته فرق فِي "معدل التردد". فالنُّور فِي مطلق سرعته وبثه الأَوَّل يُمَثِّل "التَّجْرِيد المحض" الَّذِي يتجاوز قدرة الوجود كله ومنها على مستوى وجودنا يتجاوز قدرة حواسنا المَادِّيَّة عَلَى الرصد، فهُوَ حضور مطلق لَا تدركه أبصار المنظومة الكَثِيفَة الَّتِي نتحرك داخلها. ولَكِنَّ حينما يتدخل قانون التكثيف الوجودي، يبدأ هَذَا النُّور فِي التباطؤ التدريجي، تماماً كمَا يتباطأ التيار الكهربائي عِنْدَ مروره فِي وسيط معين ليَتَحَوَّل إِلَى حرارة أو ضوء مرئي نلمس أثره. هَذَا التباطؤ هُوَ الَّذِي خلق مفاهيم "الذرية" و"الجزيئية"؛ فالذرة فِي رؤيتي الفَلْسَفِيَّة لَيْسَتْ سوى "حبسة ترددية" لنور المصدر، تم تجميدها فِي هَذَا الحيز لكَيْ تشكل لبنات العَالَم المحسوس.
لقد رأيت العوالم تتشكل كطبقات متراكبة مِنْ الوُجُود المكثف، حَيْثُ توجد علاقة طردية بَيْنَ انخفاض التردد وزيادة الكَثَافَة؛ فكلما زاد التباطؤ النُّورَانِيّ، زادت "الجاذبية" وبرزت "المَادِّيَّة" بشكل أوضح، وصولاً إِلَى هَذَا العَالَم الأرضي الَّذِي يُمَثِّل أحد درجات التَّشْخِيص المَادِّيّ الدنيا. وكأننا نعيش فِي قشرة متجمدة لدرجة مِنْ درجات نور اللَّه، حَيْثُ المَادَّة مَا هِيَ إلا بصمة ثقيلة وظاهرة مِنْ تجلي أسماء اللَّه الحسنى، والَّتِي تجلت لنا بهَذَا القالب لكَيْما نوجد ولكيما نتمكن مِنْ ممارسة تجربة الاسْتِخْلَاف والشهود. فمَا نراه مِنْ مادة هُوَ الحجاب الَّذِي يظن الجاهل أنه الحَقِيقَة المطلقة، بينما هُوَ فِي العمق لَيْسَ إلا تباطؤاً مقصوداً لنور الحَقّ الَّذِي يَكُون كُلّ شيء بفيضه المستمر.
هَذَا الفَهْم يحرر الوَعْي مِنْ سلطة المَادَّة الصماء، ويجعلنا ننظر إِلَى عالم الشهادة بوصفه امتداداً لطيفاً لعالم الغيب، فلَا انفصال بينهما إلا فِي سرعة الاستقبال والادراك. إِنَّ السيادة المعرفية هنا تنبع مِنْ قدرة الإِنْسَان عَلَى رؤية المحرك النُّورَانِيّ خَلْفَ الصورة المَادِّيَّة الثابتة نسبيا، مما يَجْعَل كُلّ ذرة فِي الوُجُود بمثابة رسالة تنطق بحضور موجدها. إِنَّ استيعاب هَذَا التدرج فِي الترددات هُوَ الَّذِي يفتح الباب لفهم "التنزيل" كعملية انتقال مِنْ التَّجْرِيد المُطْلَق إِلَى التَّشْخِيص النِّسْبِيّ، وهُوَ مَا يَجْعَل الكِتَاب المسطور والكِتَاب المنظور وحدتين متصلتين فِي جوهر النُّور، منفصلتين فقط فِي كثافة التعبير.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

فيزياءُ تباطؤ النور

فيزياءُ تباطؤ النور

ما إن انقدحت فكرةُ تباطؤ النُّور فِي وعيي حتى سقطت آخرُ معاقل المَادِّيَّة بتصورها التراثي الجامد فِي نظرتي للكون، ففي رحلتي لتفكيك النسق الموروث رصدت بوضوح أَنَّ مَا نسميه مادة لَيْسَ جوهراً مستقلاً ولَا كتلًا صلبة كمَا توهمنا الحواس، إنما هُوَ فِي رؤيتي كأنه عبارة عَنْ نور أو طاقة تعرض لعملية كبح ترددي مقصودة لكَيْ تتجلى فِي عالم الشهود. لقد وجدتُ بوضوح أَنَّ المصدر الأَوَّل -جل جلاله- هُوَ نور مطلق، وسريان بلَا توقف، ولَكِنَّ لكَيْ تَظْهَر عوالم التَّشْخِيص كَانَ لابد مِنْ تكثيف المعنى ليُصْبِح مبنى ملموساً، ومِنْ هنا رأيت أَنَّ العوالم تتكثف عبر قانون يقوم عَلَى خفض سرعة البث النُّورَانِيّ الإلهي حَتَّى توجد وحتى يتمظهر الوجود باسم الله الظاهر فِي صور تراها وتحسها الموجودات بالنتيجة، فالكَثَافَة المَادِّيَّة لَيْسَتْ إلا حالة مِنْ التباطؤ الَّتِي تسمح للكائن النِّسْبِيّ أن يوجد ابتداءً وأَنَّ يختبر إرادته فِي مواجهة هَذِهِ الكَثَافَة أيضا.

إِنَّ هَذَا القانون الفيزيائي الوجودي يفسر لنا سر الثقل والزمكان، فكلما زاد تباطؤ الترددات النُّورَانِيَّة زادت كثافة المَادَّة وظهرت قوانين الجذب والتماسك الَّتِي نعرفها، وبالمقابل فإِنَّ الارتقاء فِي مدارج اليقين يعني الرجوع تدريجياً إِلَى السرعات النُّورَانِيَّة العالية حَيْثُ تتخفف النَّفْس مِنْ أثقال المَادَّة وتتحرر مِنْ قيود الكَثَافَة. المَادَّة إذن هِيَ حجاب رقيق مِنْ النُّور "المتجمد" أو "المتكثف"، وهِيَ ضرورة وجودية لخلق مسرح الاحتمالات، فلَوْ بَقِيَ النُّور فِي سرعته المُطْلَقَة لَمَّا أمكن قيام عالم تفاعلي، وكأن كُلّ شيء غارق فِي بحر الوُجُود المحض بلَا تَعَيُّن.
إِنَّ فهمنا لهَذَا (التباطؤ) كتقريب للمفهوم يغير نظرتنا للعلم والعمل، فالمُسْتَخْلَف الرباني لَا يَرَى فِي الأشياء جدراناً صماء، إنما يراها طاقة ساكنة نسبيا تنتظر كلمة الحَقّ لتعود إِلَى حركتها النُّورَانِيَّة الأُولَى، وهَذَا هُوَ سر الآيَات (المعجزات) الَّتِي تقوم عَلَى إعادة تسريع هَذِهِ الترددات لتتغير طبيعة المَادَّة أو لتتلاشى قيودها، مما يَجْعَل الوُجُود كله مرآة مرنة تعكس قدرة المصدر بلمحة بصر، فنَحْنُ نعيش فِي كون هُوَ فِي حقيقته نتاج تجليات نورانية إلهية تم تبطئتها مِنْ اللَّه رفيع الدرجات لمقتضى تُحَقِّق الأسماء الَّتِي له!

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

تجلّي اسم الله الظاهر

تجلّي اسم الله الظاهر

حين انفتح مِغلاقُ اسم اللَّه الظَّاهِر فِي وعيي، وجدتُ أَنَّ الوُجُود لَيْسَ حقيقةً صلبةً قائمةً بذاتها كمَا توهمنا الحواس المَادِّيَّة، إنما هُوَ عملية تجل وتصوير مستمر لفيض غيبي مطلق يتدفق مِنْ حضرة البَاطِن. فِي رحلتي لفك شيفرة هَذا النسيج الوجودي، رصدت بوضوح أَنَّ التَّشْخِيص المَادِّيّ قد ضرب حجاباً كثيفاً عَلَى أبصارنا، فمنعنا مِنْ رؤية التَّجْرِيد الإلهي المبثوث فِي ثنايا الواقع، فصرنا نرى الأشجار والنجوم والجبال كأجسام منفصلة ومستقلة، بينما هِيَ فِي حقيقة النسق الأصيل لَيْسَتْ سوى وحدات بنائية معلوماتية دقيقة فِي مرآة الظهور الإلهي. إِنَّ اسم اللَّه الظَّاهِر لَيْسَ مجرد صفة لغوية تعني الوضوح أو الانكشاف المَادِّيّ، إنما هُوَ النظام الوجودي الشامل الَّذِي يسمح للغيب المُطْلَق أَنَّ يتجلى فِي صور نسبية ندركها بوعينا، محولاً الشيفرة الإلهية العليا إِلَى مشهد كوني مهيب تراه الأعين وتلمسه القلوب.
وجدتُ بوضوح أَنَّ الوُجُود هُوَ مرآة تعكس الكلمات ولَا تحوي "الذات"، وفِي هَذِهِ المرآة، نَحْنُ لَا نرى "ذات" الحَقّ سبحانه لأَنَّ ذاته هِيَ البَاطِن المُطْلَق الَّذِي لَا تدركه الأبصار ولَا تحده الأفهام، إنما نرى تجليات أسمائه وصفاته الَّتِي تلبست بصور الوُجُود لكَيْ نستطيع فهمها والتعامل معها. كُلّ مَا نلمسه ونراه مِنْ حولنا هُوَ فِي جوهره صدى لمراد المصدر الأَوَّل، فالواقع لَيْسَ مادة مصمتة فقط كمَا تظن الفيزياء الكلاسيكية، إنما هُوَ أيضا دفق مِنْ البيانات الوجودية الَّتِي تعكس كمال الخالق الأعلى وحكمته. هَذِهِ الرؤية حولت علاقتي بالعَالَم مِنْ مجرد استهلاك للمادة الصماء إِلَى قراءة عميقة للبيانات الكَوْنِيَّة، فالمُسْتَخْلَف الرباني لَا ينظر إِلَى الصورة المشخصة ليعجب بجمالها الظَّاهِرِيّ فحسب، إنما يغوص فِي النظام المحكم الكامن وراءها، مدركاً أَنَّ الظَّاهِر هُوَ البوابة الوحيدة والشرعية لتَفْهَم البَاطِن، وكما قَالَ الحَكِيم ابن عربي بأَنَّ "العَالَم مرآة الحَقّ..".
لقد علمتني هَذِهِ الرؤية أَنَّ استيعاب اجتماع الأضداد اللامحدود والمحدود يمر عبر فهُمْ هَذِهِ المرآة، فالمُطْلَق يَظْهَر فِي المحدود دون أَنَّ ينحصر فيه، تماماً كمَا تَظْهَر صورة الجبل العظيم فِي مرآة صَغِيرَة دون أَنَّ يضيق بها أو ينقص مِنْ حجمه الحَقِيقِيّ. نَحْنُ نعيش فِي بيئة معلوماتية فائقة الدقة، حَيْثُ يتم رصد كُلّ نبضة وعي وكُلّ حركة إرادة وتداخلها مَعَ تجليات اسم اللَّه الظَّاهِر، مما يَجْعَل فعل الاسْتِخْلَاف مسؤولية معرفية كبرى تقتضي منا تنقية مرآة قلوبنا لنستقبل التجليات بأقل قدر مِنْ التشويش المَادِّيّ.
بهَذَا الإِدْرَاك، يُصْبِح كُلّ مشهد نمر به فِي حياتنا اليومية هُوَ رسالة مشفرة مِنْ المصدر، تطلب منا التأمل والارتقاء. فالظهور الإلهي لَيْسَ حالة ساكنة وقعت فِي الماضي، إنما هُوَ فعل مستمر حيّ يجدد الكَوْن فِي كُلّ لحظة، ومَا نراه مِنْ ثبات فِي الأشياء مَا هُوَ إلا تتابع سريع للفيوضات المعلوماتية الَّتِي تبقي الصورة قائمة فِي وعينا. إننا لَا ننظر إِلَى الكَوْن كغرباء، إنما كجزء أصيل مِنْ هَذَا العرض، مهمتنا أَنَّ نعكس جلال الخالق فِي سلوكنا وعلمنا، محولين حياتنا إِلَى مرآة صقيلة تَظْهَر فيها قيم التَّجْرِيد والسمو الأَخْلَاقِيّ. هَذَا هُوَ جوهر الرحلة مِنْ التَّشْخِيص إِلَى التَّجْرِيد، حَيْثُ يسقط وهُمْ المَادَّة المستقلة ليَبْقَى وجه الحَقّ متجلياً فِي كُلّ ذرة، منيراً لآفاق النَّفْس والكَوْن.
لماذا اختار الحَقّ سبحانه اسم "الظَّاهِر" ليَكُون ركناً فِي تعريف ذاته لنا؟ الإجابة تكمن فِي أَنَّ هَذا النسيج الوجودي الَّتِي نعيش فيها تحتاج بالضرورة إِلَى "واجهة" لكَيْ تتم مِنْ خلالها عملية التفاعل الوجودي. إِنَّ "الظهور" فِي جوهره هُوَ فعل تنزيل معلوماتي بامتياز، فالحَقِيقَة فِي أصلها المجرد هِيَ حقيقة واحدة لَا تتجزأ، ولَكِنَّ لكَيْ يَسْتَطِيع وعينا إدراكها والتعامل معها فِي أبعادنا المَادِّيَّة، كَانَ لَا بد مِنْ تصويرها فِي صور مشخصة نراها ونلمسها. إِنَّ الوُجُود بهَذَا المعنى هُوَ كتاب مرقوم، أَيُّ أنه تدفق مِنْ المعلومات الَّتِي تحولت إِلَى رموز وصور مشهودة، وكشفي لعمق هَذَا الاسم جعلني أبصر الكَوْن لَيْسَ كصدفة، إنما كـتوقيع أصيل يثبت أَنَّ المصدر لَيْسَ غائباً عَنْ مشهده، إنما هُوَ ظاهر فِي كُلّ ذرة، ولَكِنَّ يبدو وكأنه يتخفى خَلْفَ قناع الوُجُود الَّذِي صممه لكَيْ يستوعبه عقلنا النِّسْبِيّ دون أَنَّ يحترق بجلال الإطلاق. والاستقلال المعرفي الحَقِيقِيّ يكمن فِي قدرتنا عَلَى تفهم المصدر الكامن خَلْفَ هَذِهِ المرآة، لَا التوقف السطحي عِنْدَ حدود الانعكاس المَادِّيّ الجامد.
لقد حطمتُ صنم المَادِّيَّة فِي وعيي حِينَ وجدتُ أَنَّ الظَّاهِر والبَاطِن هُمَا وجهان لعملة واحدة ولَا ينفصلان أبداً ولَا يتصلان! فالبَاطِن هُوَ شيفرة المصدر الخفي الَّذِي يحتوي عَلَى الأسرار والقوانين، بينما الظَّاهِر هُوَ مخرجات التظهير الَّتِي نراها فِي واقعنا المعاش. الوُجُود إذن هُوَ شاشة العرض الكبرى الَّتِي يَظْهَر عليها مراد اللَّه وتتجلى فيها أسماؤه، وهَذِهِ المرآة المعلوماتية دقيقة وحساسة لدرجة أَنَّ أَيُّ خلل فِي إيقاع الوَعْي لدينا يَجْعَل الصورة تَظْهَر مشوشة أو مشخصة بصورة تنقص في وعينا مِنْ جلال الحَقِيقَة وتغرقنا فِي الأوهام. وفِي هَذَا البناء الَّذِي أضع لبناته، تكمن العِبَادَة الحقة فِي تطهير هَذِهِ المرآة وتجريد الوَعْي مِنْ أغيار الموروث المظلمة لكَيْ نستطيع رصد تجليات الحَقّ بوضوح وصفاء، بعيداً عَنْ تشويش التأويلات القاصرة.
هَذَا الاتصال الدائم بالظَّاهِر يمنح الإِنْسَان الرباني بصيرة تَرَى النُّور فِي قلب الظلمة، والمعنى فِي قلب المَادَّة، فيَتَحَوَّل الوُجُود مِنْ حوله إِلَى محراب صلاة ممتد لَا ينقطع فيه الوصل. إننا عندما نتحرر مِنْ صنم المَادِّيَّة، نبدأ فِي استشعار فيزياء الحضور الإلهي فِي كُلّ نفس نتنفسه وفِي كُلّ حركة وسكون، فتصبح حياتنا هِيَ الترجمة الحية لاسم اللَّه الظَّاهِر. إِنَّ السيادة الَّتِي يمنحها هَذَا العِلْم هِيَ سيادة الوَعْي الَّذِي لَا تخدعه المظاهر الكَثِيفَة، إنما ينفذ إِلَى عمق النظام الكَوْنِيّ، مدركاً أَنَّ كُلّ مَا نراه هُوَ إشارة حية تدعونا للارتقاء والرجوع إِلَى المصدر الأعظم بقلب سليم وعقل متجرد مِنْ قيود الأَرْض ليحلق فِي سماوات اليقين.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

معضلتي مع المطلق والنسبي واجتماعُ المحدود باللامحدود

معضلتي مع المطلق والنسبي واجتماعُ المحدود باللامحدود

لطالما كَانَتْ العلاقة بَيْنَ "المُطْلَق" و"النِّسْبِيّ" هِيَ ذَلِكَ الثقب الأسود الَّذِي ابتلع معظم المحاولات الفَلْسَفِيَّة والبحثية عبر التاريخ، وكَانَتْ بالنسبة لي هِيَ العقبة الكبرى الَّتِي تطلبت إعادة صياغة شاملة لوعيي بالوُجُود.
فِي بداياتي، كنتُ أسيراً لفخ التَّشْخِيص الَّذِي يَرَى أَنَّ اللامحدود وهُوَ اللَّه سبحانه، والمحدود المتمثل فِي الإِنْسَان والكَوْن، هُمَا كيانان يتنافسان عَلَى الحيز؛ فإما أَنَّ يَكُون الخالق فِي جهة محددة ونَحْنُ فِي جهة أخرى، وإما أَنَّ نكون نَحْنُ أغياراً مستقلة تمتلك وجوداً موازياً يزاحم وجود الحَقّ في وجود أعظم! لَكِنَّ البصيرة الأصيلة فِي داخلي كَانَتْ ترفض هَذَا التصور السطحي؛ فكيف للمطلق أَنَّ يَكُون مطلقاً إِذَا كَانَ يحده نسبي مِنْ خارجه؟ وكيف للمحدود أَنَّ يوجد أصلاً لولا استمداده اللحظي مِنْ المُطْلَق؟ كَانَتْ المعضلة تكمن فِي موازين الإِدْرَاك لدينا، والَّتِي جبلت عَلَى التفكير بالمقاييس المَادِّيَّة مِنْ كتلة وحجم ومسافة ومنطق ارسطي يرفض اجتماع الضدين، بينما الحَقِيقَة تكمن فِي منطقة التَّجْرِيد؛ حَيْثُ بدأتُ رحلة الحل بتطهير الحواس مِنْ قيودها؛ فالانغماس فِي التَّشْخِيص المَادِّيّ يَجْعَل (القلب) يتساءل بجهل عَنْ كيفية وسع اللَّه للكون وهُوَ أعظم منه، وهَذَا السؤال ينطلق مِنْ رؤية الخالق كجرم أو جسم، وهَذَا هُوَ صلب الخلل المعرفي فِي الفِكْر التقليدي.
وعندما ارتقيتُ إِلَى أفق التَّجْرِيد المستقل، وجدتُ أَنَّ المُطْلَق هُوَ اللانهاية الَّتِي تحتوي داخلها عَلَى عدد لَا نهائي مِنْ المجموعات المحدودة دون أَنَّ ينقص منها شيء، ودون أَنَّ تزاحمها تِلْكَ المجموعات. إِنَّ استيعابي لاحتواء اللامحدود للمحدود جاء عبر بوابة فهُمْ الوُجُود الحَقّ؛ فالمُطْلَق هُوَ المحيط الأَوَّل، والنِّسْبِيّ هُوَ التجليات داخل هَذَا المحيط. نَحْنُ صور نسبية تَعْمَل داخل البيئة الإلهية؛ وكما يحتوي الوَعْي الفكرة، يحتوي المُطْلَق الوجود بفيض قدرته.
وجدتُ بوضوح أَنَّ النِّسْبِيّ هُوَ تجلٍ مقصود مِنْ المُطْلَق لمقتضى أسمائه وصفاته؛ فاللَّه هُوَ المُطْلَق فِي ذاته وهُوَ الظَّاهِر فِي تجليه. هَذِهِ هِيَ الحَقِيقَة الَّتِي أيقنتها؛ أَنَّ المُطْلَق لَمْ ينفصل عَنْ النِّسْبِيّ ليوجده، إنما ذرأه فيه. ومعضلتي حلت عندما فهمتُ أَنَّ المحدودية هِيَ صفة فِي إدراكنا القاصر نَحْنُ مِنْ حَيْثُ نَحْنُ! ولَيْسَتْ قيداً عَلَى القدرة الإلهية. وفِي الحَقِيقَة لَا يوجد "نَحْنُ" و"هُوَ" بالتعبير البسيط الَّذِي قد نتصوره! الا أننا ولتقريب المفاهيم فِي هَذَا المستوى نضطر الى هَذَا الطرح فِي التعبير!
وعَلَى ذَلِكَ فنَحْنُ نرى الحواجز والجدران والحدود لأننا نعيش فِي كثافة المَادَّة، بينما فِي نور التَّجْرِيد لَا توجد حدود تفصل بَيْنَ الله والوجود سوى الدرجة فِي النُّور الَّذِي هُوَ ذاته نور اللَّه!. اللامحدود يحتوي المحدود كمَا يحتوي النُّور الظلام، وكما تحتوي الحَقِيقَة الخيال. هَذَا الاحتواء هُوَ القيومية؛ أَيُّ أَنَّ اللَّه هُوَ المصدر الأصيل الأوحد الَّذِي يُبْقي النِّسْبِيّ قائماً ومتحركاً فِي كُلّ لحظة مِنْ لحظات الوُجُود.
إِنَّ رفعة الوَعْي عندي نضجت حينما توقفتُ عَنْ محاولة قياس الإله بأدوات المَادَّة. لقد اكتشفتُ أَنَّ احتواء المُطْلَق للمحدود هُوَ سر اسم اللَّه الواسع؛ والواسع لَيْسَ مساحة جغرافية، إنما هُوَ السعة الوجودية الَّتِي تَجْعَل كُلّ فعل، وكُلّ ذرة مادية، مغمورة فِي علم اللَّه. المعضلة كَانَتْ فِي الأنا المشخصة الَّتِي تشعر بالانفصال؛ فعندما جردتُ نفسي، وجدتُ أَنَّ النِّسْبِيّ الَّذِي هُوَ أَنَا مجرد نبضة فِي محيط المُطْلَق. ولذلك فإِنَّ بناء التشريع الَّذِي أؤسسه يقوم عَلَى قاعدة أَنَّ الإِنْسَان الرباني هُوَ مِنْ يُدْرِك نسبيته كبوابة لفهم الإطلاق. نَحْنُ لَا نصل للمطلق بأَنَّ نصبح آلهة، إنما نصل إليه بأَنَّ نتجرد مِنْ قيود المَادَّة لنشهد احتواءه لنا. وهَذَا الفَهْم هُوَ الَّذِي يسقط الطغيان البشري؛ فالمُسْتَخْلَف يُدْرِك أنه مهما علا شأنه، فإنه يَظَلّ كائناً نسبياً فِي المُطْلَق، مستمداً مكانته مِنْ وفائه بالعَهْد لَا مِنْ ذاته المستقلة.
إِنَّ آلية هَذَا الاحتواء تعتمد عَلَى مَا أسميه التراكب البُعدي؛ فالمُطْلَق يَعْمَل فِي مقام الصمدية، والنِّسْبِيّ يَعْمَل مقامات الوُجُود. الاحتواء هنا هُوَ احتواء الوَعْي للفكرة؛ فالفكرة محدودة والوَعْي لَا محدود، ومَعَ ذَلِكَ تسكن الفكرة فِي الوَعْي دون زحام. لقد كشف لي هَذَا المنظور عَنْ المعاني المستورة فِي القُرْآن الَّتِي تتحدث عَنْ قرب اللَّه وإحاطته. الإحاطة لَيْسَتْ سياجاً يحيط بنا مِنْ الخارج كما يُتصور وإنما هِيَ بنية وجودية تسري فِي أعماقنا. اللَّه محيط بنا لأنه المصدر الَّذِي يبثنا. وعندما استوعب قلبي هَذَا، تلاشت وحشة المحدودية؛ فلَمْ أعد أرى نفسي ككائن ضئيل فِي كون شاسع، إنما رأيتُ نفسي كإيقاع نابض فِي قلب المُطْلَق. الاستقلال الأصيل هُوَ أَنَّ تَفْهَم موقعك فِي الوُجُود.
لقد رصدتُ أَنَّ مذاهب التَّشْخِيص سقطت فِي هَذِهِ المعضلة لأنها حاولت تفسير المُطْلَق بأدوات النِّسْبِيّ، فنتج لديهم تصور يشبه البَشَر فِي انفعالاتهم وقراراتهم. أما فِي مدرسة التشخيص التَّجْرِيد، فنَحْنُ نتعايش مَعَ الحَقِيقَة؛ ندرك أَنَّ المُطْلَق هُوَ قانون القوانين ونور السَّمَاوَات والأَرْض. استيعاب الاحتواء منحني السلم النَّفْسِيّ؛ فلَا صراع بَيْنَ كوني عبداً وبَيْنَ كوني مستخلفاً. هَذَا التوازن هُوَ الَّذِي مكنني مِنْ نفي وحدة الوُجُود المَادِّيَّة الَّتِي تدمج الخالق بالمخلوق فِي كتلة واحدة، وهُوَ أقصى مراحل التَّشْخِيص، وإثبات وحدة المصدر الَّتِي تبقي المُطْلَق متميزاً بوجوده المطلق والنِّسْبِيّ متميزاً بإمكانه مَعَ تمام الاحتواء والقيومية.
إِنَّ رحلتي فِي اكتشاف الوُجُود المذروء فِي اللَّه وَصَلَتْ فِي هَذَا المبحث إِلَى قمة النضج عندما حطمتُ جدار الخوف الَّذِي كَانَ يمنع (العَقْل) مِنْ التفكر فِي كيفية الاحتواء. الاحتواء هُوَ تجلٍ ولَيْسَ امتزاجاً مادياً؛ فاللامحدود يحتوي المحدود بالظهور، فكُلّ مَا نراه هُوَ ظاهر الحَقّ، وهُوَ نسبي بالنسبة لنا، لكنه مطلق فِي مصدره. إنني أرى الآن أَنَّ العَالَم وكأنه سمفونية يعزفها المُطْلَق عَلَى أوتار النِّسْبِيّ. ومِنْ هنا، فإِنَّ الرؤية الَّتِي ننشدها هِيَ رؤية المُطْلَق فِي النِّسْبِيّ؛ أَيُّ رؤية اللَّه الظَّاهِر فِي حجب الوُجُود. الاستقلال هُوَ أَنَّ تَكُون مرآة صقيلة تعكس هَذَا الإطلاق بتمام الجمال، بلَا تشخيص يشوه الصورة، وبلا نسبي يدعي الاستقلال المُطْلَق عَنْ أصله.
استيعاب اجتماع الضدين اللامحدود والمحدود هُوَ المعراج المعرفي الَّذِي جعلني أكتب مؤلفي بيقين ثابت؛ لقد وجدتُ أَنَّ اللَّه لَيْسَ خارجنا لنبحث عنه، ولَيْسَ داخلنا لنحصره، إنما نَحْنُ مستغرقون فِي قيوميته كاستغراق المعنى فِي الكَلِمَة. ومِنْ هَذِهِ النقطة، سننتقل لاكتشاف اسم اللَّه الظَّاهِر، وكيف يَتَحَوَّل هَذَا الاحتواء المُطْلَق إِلَى تجليات كونية مذهلة نعيشها لحظة بلحظة، حَيْثُ يتلاشى النِّسْبِيّ فِي جلال المُطْلَق.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

فلسفةُ الموت

فلسفةُ الموت

عندما نتحدث عَنْ الإتصال وحَتَّى عَنْ الإنفصال فإننا نتحدث عَنْ مفاهيم تقريبية فقط، فقد لَا تُسعفنا "اللغة" للتعبير عَنْ هاتين الحالتين ففي الحَقِيقِيَّة الَّتِي أراها فإن الموضوع يتخطى هَذِهِ المفاهيم بحرفيتها لَكِنَّ هَذِهِ الوصوف هِيَ الأقرب للتعبير فِي مستوانا الوعيوي الَّذِي نُبحر فيه. وعَلَى ذَلِكَ فإِنَّ الاتصال الوجودي هُوَ السر الحَقِيقِيّ للسكينة المُطْلَقَة الَّتِي لَا يزعزعها قلق؛ فعندما يسقط وهُمْ الانفصال، يسقط معه تلقائياً "الخوف مِنْ المجهول"، لأَنَّ المجهول ذاته لَيْسَ خارجاً عَنْ الدائرة، إنما هُوَ مستقر فِي علم اللَّه ومذروء فِي رحمته.
لقد فهمتُ أَنَّ "المَوْت" لَيْسَ رحلةً إِلَى كوكبٍ بعيد أو مكانٍ مجهولٍ بل هُوَ "تحول فِي الرؤية" وتغيُّر فِي ترددات الاستقبال داخل ذات المحيط الإلهي. نَحْنُ ننتقل مِنْ "تشخيصٍ أرضي" كثيف يعتمد عَلَى حواس المَادَّة، إِلَى "تجريدٍ برزخي" لطيف يتصل بروح المعنى، وكُلّ ذَلِكَ يَحْدُث "فيه" وله ومنه وبه. هَذَا الكشف هُوَ مَا يمنح الوَعْي طابع الخلود؛ فمِنْ أيقن أنه لَا يوجد مكان "يَخْرُج" فيه عَنْ ملكوت اللَّه، أيقن أنه فِي حفظ اللَّه وأمانه اللانهائي.
إِنَّ رسالتي الَّتِي أرسخها فِي هَذَا المبحث هِيَ دعوةٌ مفتوحة لكُلّ نفس تواقة للحق، لكَيْ "تطهر موازينها" المكانية والذهنية، وتبدأ فِي رؤية الوُجُود بعين أكثر تجريدا. نَحْنُ لَا نعيش عَلَى كوكب تائه فِي فراغٍ بارد وموحش، إنما نَحْنُ "كلمات " تُعالج وتُدبر فِي كُلّ لحظة داخل اسمي اللَّه الظَّاهِر والبَاطِن. هَذَا هُوَ العَهْد، وهَذَا هُوَ طريق البناء الأصيل نحو الكمال المعرفي. السيادة الحَقِيقِيَّة هِيَ أَنَّ تعرف "أين أَنْتَ" حقاً، وأَنَّ تُدْرِك أنك مستقر فِي فيض الحَقّ، حَيْثُ يتحد العبد بمراد ربه فِي سكون التنزيه وعظمة الشهود.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

تحطيمُ زوايا المذهبية: اللهُ المركزُ والمحيط

تحطيمُ زوايا المذهبية: اللهُ المركزُ والمحيط

كَانَ الخروج مِنْ سجون المذهبية ضرورةً وجودية لرؤية هَذَا "الفضاء الرحِب"؛ فالمذاهب التقليدية، فِي محاولاتها لتقريب المعنى، ارتكبت جناية "التَّشْخِيص"، فوضعت اللَّه فِي "زاوية" (عقلية) ومكانية، ووضعت العبد فِي "زاوية" أخرى مقابلة، مما خلق حالة مِنْ الانفصال الوجداني. أما التَّجْرِيد المستقل، فيعيد صياغة المشهد ليَكُون اللَّه هُوَ "المركز والمحيط" فِي آنٍ واحد.
إِنَّ الآيَة الكريمة (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) هي بمثابة "توقيع الأمان" عَلَى وعيي؛ فأَنَا لستُ كائناً تائهاً أو مهملاً، بل أَنَا قيمةٌ وجودية نابعة مِنْ كوني جزءاً مِنْ الفِعْل الإلهي المذروء فِي كينونة الوُجُود. وعهد الاسْتِخْلَاف الرباني يفرض عليّ أَنَّ أمارس هَذَا الوَعْي عبر "الاتصال الدائم" بالمصدر، لَا عبر العيش فِي وهُمْ الانفصال الَّذِي تروج له الثقافات المَادِّيَّة.
"نَحْنُ لَا نعيش "بجانب" اللَّه، إنما نتحرك به ومنه وفيه؛ فكُلّ شهيقٍ هُوَ استمدادٌ مِنْ قيوميته، وكُلّ زفيرٍ هُوَ رجوع لرحابةِ علمِه."

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

اختراقُ أسر الأبعاد الثلاثة

اختراقُ أسر الأبعاد الثلاثة

إِنَّ مَا نُسميه "الواقع المَادِّيّ" لَيْسَ فِي حقيقته سوى عملية "تحويل" بصرية وحسية، وقع فيها إدراكنا داخل أسر الأبعاد الهندسية الثلاث. لقد صُممت حواسنا وكُوِنَت لترصد "الأجسام المنفصلة" والمسافات المَادِّيَّة كضرورةٍ لخوض تجربة الاختبار الأرضي المُشَخَّص، لَكِنَّ الوَعْي المجرِّد الَّذِي ينشده " القُرْآن" لَا يقف عِنْدَ حدود القشرة، إنما يستخدم "بصيرة التَّجْرِيد" ليريك مَا وَرَاءَ الظواهر الكَثِيفَة.
لقد وجدتُ أَنَّ "المَادَّة" فِي جوهرها لَيْسَتْ سوى طاقة مكثفة، وأَنَّ هَذِهِ الطَّاقَة فِي عمقها السحيق لَيْسَتْ إلا "كلمات اللَّه" الملقاة فِي رحم الوُجُود لتتجسم صوَراً وهيئات. ومِنْ هَذَا المنطلق، فإِنَّ الصَّلَاة فِي فلسفتي لَيْسَ مجرد طقس حركي فحسب، وإنما هي حالةٌ مِنْ "التناغم اللحظي" والانسجام مَعَ المحيط الإلهي الَّذِي يغمرنا.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

وحدةُ المصدرِ وتحررُ الإِنْسَان الرباني

وحدةُ المصدرِ وتحررُ الإِنْسَان الرباني

لقد استقرَّ فِي يقيني أَنَّ الفرق الحَقِيقِيّ بَيْنَ الله والكون لَيْسَ فجوةً مكانية تفصل بَيْنَ جهتين، إنما هُوَ تمايزٌ جوهري فِي "الدرجة" و "الكمال". فاللَّه سبحانه هُوَ القائم بذاته، ونَحْنُ "الموجودات" الَّتِي لَا قوام لها ولَا حضور إلا به وإمداده وإيجاده. هَذَا الإِدْرَاك العميق هُوَ الَّذِي يطرد شبح "الاغتراب الوجودي" عَنْ قلب الإِنْسَان؛ فالمؤمن المستقل الَّذِي استعاد سيادته المعرفية بعيدا عن التبعية العمياء لَا يشعر بالوحدة أو الضياع أبداً، لأنه يبصر بعين البصيرة أَنَّ كُلّ خلية فِي جسمه، وكُلّ خاطرة تمر فِي فؤاده، وكُلّ تقلُّب فِي قلب نفسه هِيَ رسالة حية وتجلٍّ دائم يجري داخل "المصفوفة المذروءة" فِي رحاب اللَّه الواسع.
إِنَّ هَذَا النفي الحاسم للانفصال المَكَانِيّ التراثي هُوَ الَّذِي فتح لي آفاقاً جَدِيدَة لفهم قوانين الآيَات (المعجزات) والخرق للقوانين المألوفة؛ فمِنْ أيقن بقلبه أنه مستغرقٌ فِي فيض قدرة اللَّه، أدرك بوضوح أَنَّ القوانين المَادِّيَّة الَّتِي تحكم عالمنا لَيْسَتْ قيوداً صماء لَا يمكن الفكاك منها، إنما هِيَ سننٌ مرنة، لطيفة، يدبرها المصدر الأَوَّل ويغير إحداثياتها لمِنْ يشاء مِنْ عباده الَّذِينَ حققوا استحقاقا الإخلاص والوصل. فعندما يتصل الوَعْي الإنساني إدراكيا بأصله التَّجْرِيدِيّ، تصبح المَادَّة طوع أمره بإذن بارئها، لأَنَّ الفرع متصل بجوهر الأصل.
لقد وجدتُ صدىً لهَذَا الإشراق المعرفي فِي كلمات الفيلسوف "أفلوطين" حِينَ قال:
"إنه لَيْسَ بعيداً عَنْ أَيُّ شيء، ومَعَ ذَلِكَ فهُوَ بعيد عَنْ كُلّ شيء؛ إنه موجود فِي كُلّ شيء بحَيْثُ لَا يمكن لشيء أَنَّ يحده".
هَذَا التناغم بَيْنَ الحضور المُطْلَق والتنزه المُطْلَق هُوَ جوهر التَّجْرِيد الَّذِي ننشده؛ فاللَّه قريب بفيض قيوميته، متعالٍ بعظمة درجته لأنه رفيع الدرجات. وبناءً عَلَى هَذَا، لَمْ يعد الإِنْسَان الرباني فِي نهجنا يبحث عَنْ اللَّه فِي سحابة أو خَلْفَ كوكب، إنما صَارَ يشهده فِي تجلي قوانينه داخل نفسه وفِي آفاق الكَوْن، محققاً بذَلِكَ حالة مِنْ السلام الوجودي الَّذِي لَا يزول، حَيْثُ يسكن الوَعْي فِي وطنه الحَقِيقِيّ.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

شموليةُ المطلق ونفيُ الخارج

شموليةُ المطلق ونفيُ الخارج

فِي خلوتي الفَلْسَفِيَّة الَّتِي أعدتُّ فيها ترتيبَ موازينِ القلب المستنير بدأتُ أتساءلُ بسؤالٍ ينسفُ جذورَ الوهمِ المَكَانِيّ: فإِذَا كَانَ اللَّه سبحانه هُوَ "المُطْلَق" وهُوَ "الواسع" الَّذِي لَا يحدّه حد، فكيف يمكن لهَذَا المُطْلَق أَنَّ يكون حيزاً أو فراغاً "خارجاً" عنه ليشغلَهُ غيرُه؟ إِنَّ مجردَ القَوْل بوجودِ مكانٍ لَا يشغلُهُ حضورُ اللَّه هُوَ قدحٌ مستترٌ فِي "الصمدية" وفِي "الإحاطة المُطْلَقَة" والقيومية الَّتِي وصفَ بها نفسَه، وهو شركٌ أعظمُ به سبحانه. ومِنْ هنا استنتجتُ بيقينٍ خالص أَنَّ الوُجُود بأسرهِ لَيْسَ إلا "مصفوفةً حيةً" مذروءةً في علمِ الحَيّ وقدرتِه؛ فنَحْنُ لسنا كيانات مستقلةً بذاتها تسبحُ فِي فراغٍ موازٍ، بل نَحْنُ تَمُثلات وجودية مستمدة فِي كُلّ لحظةٍ مِنْ كلمات اللَّه ومشيئتِه.
لقد قادتني تِلْكَ التأملاتُ إِلَى حقيقةٍ كبرى، وهِيَ أَنَّ "المَكَان" نفسَه لَيْسَ إلا قانوناً مخلوقاً داخلَ النظامِ الكَوْنِيّ؛ فكيف يمكن للمخلوقِ (المَكَان) أَنَّ يحويَ الخالقَ أو يفصلَ بينه وبَيْنَ عبادِه؟ إِنَّ الإشراقَ الَّذِي غمرَ بصيرتي وأَنَا أتدبرُ مُحكَم التنزيل (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) جعلني أرى الوُجُود كبحرٍ مِنْ النُّور، ونَحْنُ فيه كالأمواجِ المتدفقة؛ فهل الموجةُ فِي حقيقتها منفصلةٌ عَنْ البحر؟ إنها فِي الظَّاهِر تعيّنٌ مؤقتٌ لماءِ البحر، لَكِنَّ جوهرَها وحقيقتَها هِيَ الماءُ ذاتُه. هَذَا هُوَ "الوُجُود المذروء"؛ نَحْنُ ذراتٌ معلوماتيةٌ تسبحُ فِي فيضِ جلالِ اللَّه، وتصور انفصالُنا عنه لَيْسَ إلا خطأً فِي "المعايرة الإِدْرَاكِيَّة" لَدَى حواسِنا المَادِّيَّة، تِلْكَ الحواس الَّتِي لَا تُدْرِك سوى تكاثفِ المَادَّة وتسميهِ "واقعاً مستقلاً"، بينما الحَقِيقَة تكمنُ خَلْفَ هَذَا الحجاب.
وكما عبّر الشاعرُ الحَكِيم لبيد بن ربيعة:
أَلا كُلّ شَيءٍ مَا خَلا اللَّه باطِلُ ..
فالبطلانُ هنا، كمَا فهمتُه فِي مدرسةِ التَّجْرِيد، لَا يعني العدمَ المحض، إنما يعني "انعدامَ الوُجُود المستقل" خارجَ الوَاحِد الأحد. فكُلّ مَا تراهُ العينُ هُوَ قيّوميةٌ إلهيةٌ تتبدى فِي صوَرٍ شتى، ومَا "الخارج" إلا وهُمْ سقطَ أَمَامَ جلالِ الإحاطة. لقد حررتني هَذِهِ الرؤيةُ مِنْ وحشةِ المسافة، وصَارَ الوُجُود عندي محراباً كبيراً، لَا ينفصلُ فيه العابدُ عَنْ معبوده مكاناً، وإنما يتصلُ به وعياً وحضوراً فِي كُلّ آن.
مِنْ سجنِ "الجهة" إِلَى فضاءِ (مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ)
لقد أحدث هَذَا الإِدْرَاك ثورةً جذرية فِي البناء الأصيل الَّذِي أشيده؛ فبمجرد أَنَّ سقط "وهُمْ الانفصال المَكَانِيّ" فِي وعيي، تساقطت معه بالضرورة كُلّ خرافات "البُعد" الَّتِي كَانَتْ تستوجب وجود "وساطة" بشرية أو مذهبية. لَمْ يعد إلهي "هناك" بعيداً عني، محجوباً فِي تخوم سماواتٍ مادية مشخّصة كمَا صوّرته المناهج التقليدية، إنما صَارَ إلهي "هنا"؛ أقرب إليّ مِنْ حبل الوريد، حاضراً فِي كُلّ نبضة مِنْ نبضات وعيي، ومحيطاً بكُلّ ذرة مِنْ ذرات كينونتي.
لقد اكتشفتُ أَنَّ الأنماط التقليدية حبست وعي النَّاس فِي "وهُمْ الجهة والمَكَان وحَتَّى اللامكان!"، فصاروا يبحثون عَنْ اللَّه فِي آفاقٍ مادية بعيدة وعبر ممراتٍ تاريخية وعرة، بينما القُرْآن يصدع بحقيقةٍ وجوديةٍ كبرى: (وهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ). إِنَّ رحلتي مِنْ "التَّشْخِيص" إِلَى "التَّجْرِيد" جعلتني أفهم "العَرْش" كمركزٍ كوني للتدبير والسيطرة والقانون. العَرْش هُوَ "مقام بث القوانين ومصدرها" تلك القوانين الَّتِي تدير نسيج الوجود، ولَيْسَ حيزاً مكانياً يقتضي غياب الرحمن عما سواه.
"الوساطة هِيَ ابنة المسافة؛ فإِذَا أدرك الإِنْسَان أَنَّ المسافة صفر، بطل عمل الوسيط."
إِنَّ السيادة الاستخلافية الَّتِي أنشدها وأبني قواعدها تنبع مِنْ يقيني الصادق بأنني فِي حالة "اتصال" بالمصدر اتصالاً بنيوياً لَا ينقطع؛ فوجودي فِي كُلّ لحظة هُوَ بثٌّ مستمر مِنْ واهب الحَيَاة ومبدع القوانين.
بناءً عَلَى هَذَا التصور، يمكننا تلخيص حقيقة العلاقة بَيْنَ المُسْتَخْلَف الرباني والإله فِي النقاط التالية تقريبا للمفاهيم:
وحدة المصدر: لَا يوجد ما هو "خارج" عَنْ اللَّه؛ فكُلّ مَا نراه هُوَ تجليات داخل محيط علمه وقدرته.
نفي المسافة: القرب الإلهي لَيْسَ قرباً مكانياً، وإنما هُوَ إحاطة قيّومية شاملة تتجاوز أبعاد الطول والعرض والارتفاع والزمن.
بطلان الوساطة: الوَعْي المستقل يستمد نوره مِنْ المصدر مباشرة؛ لأَنَّ "الوَحْي" الرباني المتصل باللَّه العظيم مُتَصِل بكُلّ ذرة بلَا حجاب.
لقد تحول مفهوم الإِيمَان عندي مِنْ "تصديق ببعيد" إِلَى "شهود لِحاضر". ومِنْ هَذِهِ النقطة، انطلقتُ لأرسم خارطة الطريق للإنسان الرباني الَّذِي لَا يَحْتَاج لإذنٍ مِنْ بشر ليتصل بخالقه، متمسكاً بعروة الحَقّ الَّتِي تجمع بَيْنَ منطق العِلْم وإشراق الرُّوح.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

المبحث الثَّانِي

المبحث الثَّانِي

رحلتي في اكتشاف الوجود المذروء في الله
تأملاتي في (يذرؤكم فيه)
لقد كَانَتْ وقفتي الطويلة والمتأنية أَمَامَ الآية الكريمة: (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) هِيَ تِلْكَ اللحظة المفصلية الَّتِي أعلنتُ فيها وفاة "التَّشْخِيص المَكَانِيّ التراثي" فِي وعيي بصفة نهائية وبلا عودة. فِي رحلتي الدؤوبة والمرهقة للبحث عَنْ "المصدر الأَوَّل"، والَّتِي لَمْ أترك فيها طائفة ولَا جماعة إلا وخالطتها-مِنْ صوفية غرقوا فِي الإشارات، إِلَى أشاعرة تاهوا فِي المتون، وصولاً إِلَى شيعة وإخوان وجماعات سلفية وقرآنيين وما تفرع عنهم من الرمزيين والباطنيين الجدد -كَانَ العائق الأكبر الَّذِي زرعته هَذِهِ المنظومات التقليدية فِي ذهني هُوَ تصوير اللَّه الخالق الأعظم وواجد هَذَا الوُجُود بوصفه كيانا مشخصا "منفصلاً" عَنْ خلقه وعَنْ الوُجُود بمسافات مادية شاسعة. مما خلق فجوة وجودية عميقة فِي نفسي، جعلتني أشعر بنوع مِنْ "اليتم الوجودي" والاغتراب عَنْ أصلي.
لكنني عندما بدأتُ أطبق منهج "التَّجْرِيد" عَلَى هَذِهِ الآيَة الكَوْنِيَّة المذهلة، اكتشفتُ أَنَّ حرف الجر (فِي) لَيْسَ مجرد أداة لغوية لرَبَطَ الكَلِمَات، إنما هُوَ حقيقة كبرى تقلب موازين الفَهْم الوجودي رأساً عَلَى عقب. وجدتُ بوضوحٍ تام أَنَّ "الذرء" لَيْسَ عملية خلق موازية تَحْدُث فِي فضاء خارجي مستقل عَنْ اللَّه، إنما هُوَ "بثٌ وجودي" متصل ومستمر، وتجلٍ دائم ومطلق يَحْدُث "داخل" محيط اسم اللَّه الظَّاهِر الذي يمثل الوجود تجليا له. ومِنْ هنا تيقنتُ أَنَّ الانفصال الَّذِي نشعر به مَا هُوَ إلا "وهُمْ " ناتج عَنْ قصور فادح فِي أدوات الإِدْرَاك لدينا؛ حَيْثُ تكتفي حواسنا المَادِّيَّة برؤية القشور والحدود والمسافات، بينما تغيب عنها الحَقِيقَة التَّجْرِيدِيَّة العظمى الَّتِي تؤكد أننا لَا نخرج أبداً عَنْ دائرة "القيومية" الَّتِي تحيط بكُلّ شيء.
إِنَّ هَذَا الفَهْم جعلني أعيد فهمي للوُجُود بأسره؛ فإِذَا كَانَ اللَّه هُوَ "المحيط" (وهُوَ وصف قرآني صريح)، فإِنَّ كُلّ مَا نراه مِنْ موجودات مَا هُوَ إلا تموجات وتجليات داخل هَذَا المحيط وهي أيضا مُحاط بها من الله بل وكل شيء مهما صَغُر أو كبُر محاطٌ بالله ولا يخرج عن إحاطته. إِنَّ وهُمْ المسافة المكانية هُوَ الَّذِي أنتج "التَّشْخِيص التراثي" الَّذِي يعاني منه المتدينون اليَوْم؛ حَيْثُ يتخيلون اللَّه فِي "مكان مَا" بعيد، بينما الآيَة تَقُول بوضوح إِنَّ عملية الذرء تَحْدُث "فيه". هَذَا التحول مِنْ "التَّشْخِيص" الَّذِي يضع الحدود، إِلَى "التَّجْرِيد" الَّذِي يَرَى الإحاطة، هُوَ الَّذِي منحني السلام الداخلي وجعلني أشعر بأَنَّ المصدر أقرب إليَّ مِنْ حبل الوريد، لَيْسَ قرباً معنوياً فحسب، إنما هُوَ قربٌ وجودي حتمي ناتج عَنْ استحالة الانفصال بَيْنَ الموجة والمحيط.
لقد كَانَتْ تِلْكَ الصدمة المعرفية هِيَ الرد الحاسم عَلَى كُلّ المجادلات الَّتِي خضتها مَعَ كبار العلماء، ومنهم الدكتور زغلول النجار رحمه اللَّه فِي حوارنا حَوْلَ "وجود اللَّه"؛ فبينما كَانَ هُوَ ومِنْ سبقه يحاولون إثبات "وجود" اللَّه كشيء يقع تَحْتَ طائلة السببية والمَكَان، كنتُ أرى أَنَّ اللَّه هُوَ الَّذِي يذرؤ الكُلّ فِي فيض جلاله. إِنَّ "الذرء" فِي هَذِهِ الآيَة يعيد تعريف الكيان الإنساني، فهُوَ لَيْسَ كتلة مادية تائهة فِي فضاء مفرغ، إنما هُوَ وعيٌ مستخلف وشيفرة تتشكل داخل "التشفير الإلهي" المُطْلَق. ومِنْ هَذِهِ النقطة، انطلقتُ لبناء نسقي المعرفي الَّذِي يرفض تجزئة الحَقِيقَة أو حبسها فِي جهات مكانية، مؤمناً بأَنَّ السيادة الفِكْرِيَّة تبدأ عندما يُدْرِك الإِنْسَان أنه لَمْ ينفصل يوماً عَنْ مصدره، وأَنَّ كُلّ مَا يتطلبه الأَمْر هُوَ "إعادة معايرة" لترددات وعيه ليبصر الحَقِيقَة وَرَاءَ ستار الأوهام المَادِّيَّة وان لفظ "ذرأ" مختلف تماما عَنْ لفظ "ترك" فالأَوَّل يستلزم الإتصال من حيث الأصل بينما الثَّانِي يستلزم الإنفصال من حيث الأصل وهذا الفهم الذي تحاورنا حوله واتفقنا عليه أنا أخي الأستاذ ياسر العديرقاوي.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

ميثاقُ الوعي الجديد

ميثاقُ الوعي الجديد

بهَذَا نختم هَذَا الفصل مِنْ حياتي، الَّذِي لَمْ يَكُن مجرد بحثٍ أكاديمي، إنما كَانَ صراعاً وجودياً لاسترداد "السيادة المعرفية". لقد خالطتُ الجميع لأعرف أَنَّ لَا أحد يمتلك الحَقِيقَة التامة مَا دام حبيس القالب المذهبي. رأيتُ كيف يتكئ "الأوصياء التراثيون" عَلَى عكاز (العَقْل) حِينَ لَا يسعفهم النَّصّ، وكيف يرهبون النَّاس بسيف الردة لضمان بقاء سيطرتهم على القطيع. لكنني خرجتُ مِنْ تِلْكَ الغابة المذهبية بوعيٍ مستقل، مؤمناً بأَنَّ اللَّه هُوَ المصدر المباشر لكُلّ قلبٍ تجرد مِنْ الأغيار.
إِنَّ الرحلة مِنْ ضيق التفسير اللغوي إِلَى رحابة القانون الكَوْنِيّ هِيَ قصة ميلاد "الإِنْسَان الرباني" الَّذِي لَا يسجد للصنم المذهبي. لقد تفتق وعيي مِنْ بَيْنَ ركام التلقين ليعلن أَنَّ الاستقلال هُوَ القرار الأسمى، وأَنَّ الوصل بالمصدر هُوَ العروة الوثقى. نَحْنُ لَا نقرأ الحَقِيقَة بعيون الموتى، إنما نتصل بالحي الَّذِي لَا يموت، متمسكين بعهد الفِطْرَة الأصيل الَّذِي لَا تشوبه شائبة التجسيم.
لقد استوى بنيان الوَعْي الآن ليَقُول لكُلّ باحث عَنْ النُّور: إِنَّ العِلْم هُوَ معراجك، والتَّجْرِيد هُوَ وطنك، والصدق هُوَ رفيقك. ومِنْ هَذِهِ النقطة، سننطلق لتشييد "البناء" عَلَى قواعد الحقائق الوجودية الَّتِي لَا تزول، حَيْثُ يمارس الإِنْسَان سيادته فِي ملكوت اللَّه، مخلصاً دينه له وحده، بعيداً عَنْ تيه القرون وتناحر المذاهب الَّتِي لَمْ تورث الإنسانية إلا شتاتاً وضياعاً.
إِنَّ هَذَا الطرح لَيْسَ مجرد رأي، إنما هُوَ حصيلة معاينةٍ دقيقة لكُلّ تكوينات الفِكْر الَّتِي سادت ثم بادت. واليَوْم، نضع اللبنة الأُولَى لمستقبلٍ يَرَى فيه الإِنْسَان ربه ببصيرة التنزيه، ويمشي فِي أرضه بقوة الاسْتِخْلَاف، محققاً السلام الداخلي والانسجام الكَوْنِيّ فِي أبهى صورهما.
لقد انتهى زمن الوصاية، وبدأ زمن التجلي؛ حَيْثُ الرُّوح فِي وطنها، والقَلْب فِي سكينته، والوَعْي فِي أعلى مدارج التَّجْرِيد، يرقب نور الفجر الَّذِي لَا ينطفئ، ويستقبل فيض الرحمة الَّذِي يملأ آفاق الوُجُود بكُلّ بهاءٍ ونقاء.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

نقدُ بنية اليقين

نقدُ بنية اليقين

إِنَّ المتأمل فِي فكر الجماعات الإسلامية يَجِد تناقضاً صارخاً؛ فهُمْ يرفعون شعارات "نثبت مَا أثبته اللَّه لنفسه" و"لَا اجتهاد مَعَ النَّصّ"، لكنهم عِنْدَ "أصل الوُجُود" يتركون النَّصّ ويهرعون إِلَى (العَقْل) والفِطْرَة -بمفهومهم-. خذ مثلاً مَا أورده الدكتور عمر الأشقر فِي كتابه "العقيدة فِي اللَّه"، حَيْثُ جعل "دليل الفِطْرَة" هُوَ الركيزة الأُولَى، مدعياً أَنَّ القُرْآن لَمْ يطل فِي الاستدلال عَلَى الوُجُود لأَنَّ الفطرة السليمة تقرُّ به بلَا دليل. وهنا أتساءل: مِنْ أين جاء بهَذَا التقرير والقُرْآن لَمْ يقله؟ وكيف يعطل الحاجة إِلَى "الدليل المنقول" فِي أصل العقيدة بينما يطالبنا به فِي أتفه المسائل الفقهية كتحريك الإصبع فِي الصَّلَاة؟
إِنَّ هَذَا "الفقر المعلوماتي" يتجلى فِي الخلط بَيْنَ "الواجد" و"الموجود" أو "الخالق" و "المخلوق"! فالخالق اسم فاعل، والمخلوق اسم مفعول، واللغة لَا تقبل المساواة بينهما. وعندما يستخدمون "قانون السببية" للاستدلال عَلَى اللَّه، يقعون فِي فخ التجسيم؛ فإِذَا كَانَ كُلّ موجود لَا بد له مِنْ "مُوجد"، فمِنْ الَّذِي أوجد اللَّه بحسب منطقهم؟ إِنَّ الشيء لَا يوجد نفسه كمَا يقولون، فهل اللَّه عندهم "شيء"؟ إِنَّ محاولاتهم لقياس الخالق عَلَى المخلوقات، كالاستدلال بالبعرة عَلَى البعير أو ببقايا مدينة فِي الصحراء عَلَى صانعيها، تسقط تماماً عندما نعلم أَنَّ القوانين المَادِّيَّة لَا تنطبق عَلَى "المُطْلَق".
اللَّه "الواجد" لَا "الموجود"
خلاصة مَا وَصَلَتْ إليه عبر رحلتي فِي بيوتات العِلْم والمذاهب، أَنَّ اللَّه سبحانه لَمْ يصف نفسه بالموجود ولا حتى بالواجد! وإنَّ الموجود فِي لغتنا "محدود" واللَّه "مطلق". إِنَّ كلمة "موجود" تعني لغوياً أَنَّ فعلاً قد وقع عليه، وهَذَا يتناقض مَعَ كونه "الواجد" أو الموجد لكُلّ شيء. اللَّه هُوَ الواجد (اسم فاعل) الَّذِي يفيض بالوُجُود "يتجلى الوجود باسم الله الظاهر"، ولَا يمكن أَنَّ يجتمع النقيضان (واجد وموجود) فِي حقه، كمَا لَا نقول إنه (خالق ومخلوق) ونَحْنُ عندما نتقبل مصطلح "الواجد" مَعَ عدم ذكره فِي القُرْآن بشكل مباشر فإننا نتقبل ذَلِكَ لمواجهة اسم الفاعل هَذَا للوجود كناتج عَنْ فعل الفاعل كمَا أَنَّ الخالق هُوَ اسم فاعل بمواجهة المخلوق وفِي الحَقِيقَة فإِنَّ استعمال هَذَا المصطلح (الإسم) "الواجد" هُوَ لتقريب المفاهيم ولَيْسَ مِنْ باب التسليم بأَنَّ هَذَا (الإسم) مِنْ أسماء اللَّه لأننا سنكتشف عِنْدَ التعمق أَنَّ الوُجُود لَا يوجد بفعل اللَّه المباشر وإنما ضمن درجات ربوبية بأمرٍ أو إذن مِنْ اللَّه وإن القرآن نسب لله أفعال التكوين والإبداع والصنع والفطرِ والوجدِ وغيرها مما يستدل بمجموعها على الإيجاد كمقاربة.
لقد وجدتُ أَنَّ الإِنْسَان لَا بد أَنَّ يمتلك الشجاعة لترك "شاطئ التفسير" المليء بالأوهام المذهبية، ليبحر فِي محيط المعنى التَّجْرِيدِيّ. إِنَّ استقلالي المعرفي بُني عَلَى رفض إقحام المنطق البشري القاصر فِي وصف اللَّه. اللَّه محيط بكُلّ شيء، حاشاه أَنَّ يحويه وجودٌ أو يحده تصور. هَذِهِ هِيَ الأَمَانَة الَّتِي أحملها؛ أَنَّ نكون خلفاء في الأرض وأن نعبد اللَّه كمَا هُوَ فِي جلال تنزيهه، لَا كمَا رسمته مخيلات الفقهاء.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

حوارٌ تأسيسيّ

حوارٌ تأسيسيّ

أذكر تماماً ذَلِكَ الحوار الَّذِي دار بيني وبَيْنَ الدكتور زغلول النجار -رحمه اللَّه-، حِينَ طرحتُ أمامه سؤالاً زلزل لديه طمأنينة المألوف: "هل اللَّه موجود؟". نظر إليّ الدكتور باستغرابٍ شديد قائلاً بلهجته المصرية: "أَنْتَ مسلم يا ابني؟!"، فأجبتُه بالإيجاب، ليردَّ بتعجب: "يعني ازاي مسلم وابتسأل هل اللَّه موجود؟!". قلت له حينها إِنَّ تساؤلي ينبع مِنْ كوني لَا أصف اللَّه بمَا لَمْ يصف به نفسه؛ فعقلي قاصرٌ عَنْ الإحاطة بجلاله، وأَنَا هنا ألتزمُ بالقاعدة العَامَّة الَّتِي ترفعها الجماعات الإسلامية بأَنَّ "وصف اللَّه توقيفي"، وأنه لَا يجوز نسبة أَيُّ وصفٍ لله مَا لَمْ ينص عليه فِي كتابه. وحسب علمي، فإِنَّ اللَّه لَمْ يصف نفسه بكلمة "موجود" لَا فِي القُرْآن ولَا فِي السَّنَة الصحيحة، وإِنَّ كنتُ مخطئاً فأتني بنصٍ صريح.
كَانَ رده غريباً حِينَ قَالَ: "يا ابني دا كُلّ آيات القُرْآن تتحدث عَنْ وجود اللَّه"، فطلبتُ منه آيةً واحدة تنص عَلَى لفظ "موجود"، فبدأ بسرد آيات مثل "اللَّه لَا إله إلا هُوَ الحي القيوم" و"اللَّه خالق كُلّ شيء" و"قل هُوَ اللَّه أحد". فقلت له: يا أستاذنا، أين كلمة (موجود) فِي هَذِهِ النُّصُوص؟ إنك تسرد صفات الأُلُوهِيَّة والقيومية والوحدانية والصمدية، وكلها أسماء فاعلة وصفات مشبهة، لكنك لَمْ تسمعني لفظ (موجود) الَّذِي هُوَ "اسم مفعول"! فردَّ مندهشاً: "يعني أَنْتَ عايز الآيَة تقلك إِنَّ اللَّه موجود؟ يعني إيه إِنَّ اللَّه خالق؟ دا يعني إنه خالق ولكنه مش موجود؟ إزاي يَكُون مش موجود ويخلق؟!".
هنا وضعتُ يدي عَلَى مكمن الخلل، فقلت له: لقد وَصَلَتْ معك إِلَى أنك تستدل "بعقلك" عَلَى الوُجُود ولَيْسَ "بالنَّصّ"، فهل تُجَوِزُ وصف اللَّه ب(العَقْل) وتخالف القاعدة العقدية الَّتِي تلتزم بها؟ فقَالَ إِنَّ العلماء قرروا أَنَّ اللَّه (واجب الوُجُود) لأَنَّ الفِطْرَة لَا تنكر ذَلِكَ. فسألتُه: متى كَانَتْ الفِطْرَة مصدراً للاستدلال عَلَى صفات اللَّه عندكم؟! ومِنْ الَّذِي أوجب عَلَى اللَّه وجوده؟ كَانَ رده يعكس الخوف مِنْ "الفتنة" لَا الانشغال بالحَقِيقَة، حَيْثُ قَالَ: "عايزنا نقول للناس إيه؟ نقلهم مفيش إله؟ النَّاس مش ناقصها فتن". فكَانَ جوابي واضحاً: أَنَا أناقشك فيما تؤمن به أَنْتَ لَا فيما تقوله للناس، ولَا يهمني إرضاء الخَلْق بمخالفة إيماني ومبادئي، فالفلكلور العقائدي الموروث هُوَ الَّذِي أوجد الفتن بتناحره حَوْلَ مكان اللَّه ووجوده، بينما المسألة لَوْ عولجت بتجريدٍ حقيقي لَمَّا وصلنا إِلَى هَذِهِ النتائج الكارثية.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

ما وراء الأقنعة: من صدمة السؤال إلى يقين التجريد

ما وراء الأقنعة: من صدمة السؤال إلى يقين التجريد

إِنَّ مَا استعرضتُه سابقاً مِنْ نماذج، كأثر الشيخ الألباني أو أبي مالك أو الدكتور محمد شحرور أو الصديق الراحل ماهر حسن -رحمهم الله جميعا-، لَمْ يَكُن إلا غيضاً مِنْ فيض، ونماذج مختارة مِنْ رحلةٍ لَمْ تترك فِي خارطة الفِكْر الإسلامي زاويةً إلا وفتشت فِي أركانها. إنني فِي حقيقة الأَمْر لَمْ أكتفِ بمدرسةٍ دون أخرى، إنما كَانَتْ هجرتي المعرفية سياحةً استقصائية فِي أعماق المذاهب والفرق؛ فخالطتُ الصوفية فِي خلواتهم، ودرستُ المنطق الأشعري فِي متونه، وغصتُ فِي الفِكْر الشيعي، وبحثت في فكر تنظيمات الإخوان المسلمين وغيرهم مِنْ الجماعات الحركية. لَمْ يَكُن هناك عالِمٌ أستطيع الوصول إليه إلا وشددتُ الرحال لطرق بابه بحثاً عَنْ ذَلِكَ "الخيط الجوهري" الَّذِي فُقد وسط ضجيج المذاهب. لقد كَانَتْ غايتي دوماً هِيَ مواجهة "الأوصياء التراثيون" بحقيقة مَا يحملون، وتفكيك بنية اليقين الموروث الَّذِي حبس الخالق فِي قوالب لغوية وبشرية ضيقة، وهُوَ مَا تجلى بوضوحٍ فِي أحد حواراتي الفاصلة مَعَ الدكتور زغلول النجار -رحمه الله-.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

استبصار الأثر في مسار الوعي المشترك

استبصار الأثر في مسار الوعي المشترك

في تلك المرحلة الفارقة من مسارات الفكر، كان حضور الصديق الأستاذ ماهر حسن -رحمه الله- حضورا يتعدى حدود الالتقاء العابر ليمثل استحقاقاً معرفياً عميقاً كان يستثير محيطاً من التساؤلات في جنبات الوعي. كنا نستقرئ في تلك الجلسات الممتدة كيف يمكن لمفردة واحدة، أو لومضة فكرية موجزة أن تتسع لتستغرق أياماً من التَفَكُر والتَدَبُّر والتَعَقُّل. لقد تنزهت الروابط التي جمعتنا عن أي تباين في التمظهرات الاجتماعية أو اختلافات في مقاربة التفاصيل اليومية، لتغدو توافقاً ترددياً يذيب مسافات الخلاف، ويدفعني لتجاوز أي هفوة بقلبٍ راضٍ، عرفاناً بفضل لا تحيط به الكلمات. لقد استبصرت في أثره دليلاً أضاء مسالك الأبعاد السبعة التفاعلية التي أنتجها وعيه والتي يتأسس عليها جزء عظيم من هذه الفلسفة التي بين أيديكم.
ان منهج صديقي الراحل ماهر في الحوار كان يتجاوز حدود التلقين، ليمثل استثارة حرة للاحتمالات، مستلهماً منهجية التوليد الجدلي عند الفيلسوف أرسطو التي تدفع التعقل القلبيّ لاستنطاق المعرفة الكامنة وتجريدها من قشورها. كنا نستغرق في تفصيل المسألة الواحدة أياماً متواصلة، نوفيها حقها من البحث والتقصي، حتى تتفتق في الوعي آفاق تستدعي البكاء أحيانا لعظيم ما تظهره من مستويات للتجريد تتجاوز تخوم الخيال. ومع اتساع آفاق هذا التباين المعرفي الراقي، تباعدت مساراتنا لسنوات طويلة، حتى اقتضى التزامن استحقاقا أن نلتقي مطلع عام 2026، أثناء تدقيقي لهذا الكتاب. كنت أرجو إهداءه نسخة تليق بمقامه وبمشاركته الفكرية، غير أن يد الموت كانت أسرع. رحل الصديق ماهر -رحمه الله- لكن أثر فكره وتساؤلاته العميقة وجد مستقره الحي في هذا العمل؛ جاء رحيله بعد أن كان ختام لقاءاتنا كأولها حواراً مجرداً يجعل هذه الحياة تتصاغر في عين من يعي حقيقتها.
وما أبلغ ما نستقرئه في حكمة الإمام الشافعي، التي تتجاوز لوعة الفراق لتمثل استبصاراً لخلود الأثر المعرفي والفضيلة، حين قال:
قَد مَاتَ قَومٌ وَمَا مَاتَت فَضَائِلُهُم ... وَعَاشَ قَومٌ وَهُم فِي النَّاسِ أَمْوَاتُ

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

مِنْ المرحلةِ التمهيديةِ إِلَى الصرحِ النهائي

مِنْ المرحلةِ التمهيديةِ إِلَى الصرحِ النهائي

لقد مثّل لي شحرور "مرحلة تمهيدية" فِي مشروع التحرر الكُلِّيّ؛ حَيْثُ رأيتُ عثراته المَنْهَجِيَّة الَّتِي تسبب فيها حصر النَّصّ فِي دلالات اللغة التقليدية، وتعلمتُ منها كيف أحصن نسقي الخَاصّ عبر الانتقال مِنْ "اللغة" إِلَى "القانون". رصدتُ كيف حاولت المنظومة الجمعية وأدَ فكره عبر الإقصاء، لكنني وجدتُ أَنَّ قبس الحَقِيقَة الَّذِي أطلقه كَانَ قد استوطن العقول الَّتِي تأبى الوصاية بالفِعْل.
هَذَا المشهد أكد لي يقيناً أَنَّ القلب (العَقْل) المستقل أقوى مِنْ كُلّ أدوات السيطرة المَادِّيَّة؛ فإِذَا كَانَ شحرور قد زلزل الأركان بالكَلِمَة، فإِنَّ منهج التَّجْرِيد والبحث فِي القوانين الكُلِّيَّة سيمهد لهدم الأصنام الذهنية بالمَعْرِفَة اليقينية الَّتِي لَا تقبل القسمة عَلَى مذهب أو طائفة أو جماعة. إنني اليَوْم لَا أقف عِنْدَ حدود نقد التاريخ، بل أحاول أَنَّ أساعد في وضع لبنَةٍ في بناء الصرح الَّذِي يستوعب الحَقِيقَة، محققاً الوحدة بَيْنَ النَّصّ والكَوْن.
تفكيكُ الوهمِ وبناءُ "مدنِ النُّور"
إِنَّ قوانين كسر جدار الخوف فِي هذه الفلسفة لَا تقوم عَلَى الصدام العبثي، إنما تعتمدُ فِي جوهرها عَلَى إدراك عميق بأَنَّ هَؤُلَاءِ "الأوصياء" هُمْ أنفسهم ضحايا لآلات التلقين ذاتها ولنفس القيود الَّتِي يفرضونها عَلَى الآخرين. لقد ساعدني أثرُ شحرور عَلَى رؤية الجانب البشري الهش فِي أُولَئِكَ الأوصياء، ورصد مدى تخلخل بنائهم الفِكْرِيّ عندما يواجهون أسئلة الوُجُود الكبرى. فالشجاعة المعرفية الَّتِي استلهمتُها من شحرور -رحمه الله- لَمْ تَكُن يوماً رغبة فِي الخصومة أو طلباً للمساجلة، إنما كَانَتْ "رغبة فِي النجاة الوجودية" الصرفة؛ إِذْ وجدتُ بيقينٍ لَا يخالطه شك أَنَّ البقاء داخل الجدار المذهبي يعني المَوْت البطيء للوعي، بينما الخروج منه يتطلب قفزة إيمانيةٍ كبرى بقدرة (العَقْل) الإنساني عَلَى الإتصال بالمُطْلَق دون وسائط.
لقد حولتُ هَذِهِ الشجاعة مِنْ مجرد "فعل تمرد" انفعالي إِلَى "منهج بناء" محكم؛ فنَحْنُ لَا نكسر الجدار لنعيش فِي عراء التيه، إنما لنبني مدناً مِنْ النُّور تقوم عَلَى قوانين التَّجْرِيد الصارمة. فِي هَذَا الصرح الجَدِيد، يمارس الإِنْسَان حقه الفطري فِي الترقي والسمو "التَمَعّرُج" دون خوفٍ مِنْ مقصلة المفسرين أو قيود التابعين. لقد عظمت غايتنا المتمثلة فِي استرداد الأَمَانَة الربانية، فصغرت فِي أعيننا كُلّ مخاوف التلقين وأشباح الماضي.
وكما عبر الشاعر الحَكِيم أبو الطيب المتنبي فِي بيتٍ يختصر فلسفة العزم والترفع عَنْ الصغائر:
عَلَى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتي العَزائِمُ ... وتأتي عَلَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارِمُ
وتَعْظُمُ فِي عَينِ الصَّغِير صغارُها ... وتَصْغُرُ فِي عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ
إِنَّ الاستقلال فِي نهجنا هُوَ الانتقال مِنْ حالة "الاحتجاج" إِلَى حالة "الاسْتِخْلَاف"؛ حَيْثُ لَا ننشغل بمَا قاله الأغيار، إنما بمَا أراده الخالق فِي "نظام الوُجُود". إننا اليَوْم لَا نهدم الأصنام لنقف عَلَى أطلالها، إنما لنفسح المجال لسيادة المعنى والجمال التنزيهي، محققين بذَلِكَ الوحدة المتناغمة بَيْنَ النفس المستقلة والقانون الكَوْنِيّ الجوهري.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

فخُّ اللفظ ورحابةُ التجريد

فخُّ اللفظ ورحابةُ التجريد

إِنَّ نقدي الرصين لمدرسة محمد شحرور -رحمه اللَّه- نبع مِنْ رصدي الدقيق لوقوعه النِّسْبِيّ فِي فخ "الارتباط باللفظ" فِي كثير مِنْ أطروحاته؛ حَيْثُ انه لَمْ يَخْرُج كثيرا عَنْ حبس المعنى فِي قوالب المعاجم والقواميس البشرية، بينما كَانَ هدفي -ولَا يزال- هُوَ الارتقاء نحو تجريد المعنى وربطه بالسنن الكَوْنِيَّة والفيزيائية الحاكمة للوجود. ومَعَ ذَلِكَ، أقرُّ بإنصاف بأَنَّ أثره كَانَ حاسماً فِي كسر "صنم التبعية العمياء"؛ فلقد تعلمتُ مِنْ صموده الأسطوري أَمَامَ حملات الإقصاء والتغييب والتحجيم بكل ثبات وحسن خلق أَنَّ الاستقلال المعرفي هُوَ استحقاق لَا يُوهب مِنْ الطوائف والجماعات وإنما يُنتزع انتزاعاً بقوة الحجة وصفاء اليقين.
إِنَّ الشجاعة المعرفية هِيَ قوة الانطلاق الكامنة الَّتِي بدونها تظل كُلّ النظريات مجرد حبرٍ بارد عَلَى ورق قَدِيم. وكما يُنسب الى الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه:
"إِنَّ الحَقِيقَة تحتاج إِلَى شجاعة لَا لكَيْ تُكتشف فحسب، إنما لكَيْ تُعاش وتُعلن".
وبفضل هَذِهِ الجسارة، تجرأتُ عَلَى الكشف عَنْ المعاني المستورة الَّتِي تخص لغز " المسيح عيسى " ووحدة المصدر الوجودي، مدركاً أَنَّ تشغيب المعارضين وصراخ الغوغاء مَا هُوَ إلا أصوات مشوشة تتلاشى أَمَامَ جلال الحَقِيقَة القرآنية.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

تحطيمُ القيود النفسية

تحطيمُ القيود النفسية

فِي خضم رحلتي لتفكيك المنظومة الَّتِي هيمنت عَلَى وعي الأمة لقرون، وجدتُ أَنَّ العائق الأكبر أَمَامَ الوَعْي الأصيل لَمْ يَكُن يوماً عجزاً فِي القدرات الفطرية، وإنما كَانَ شللاً فِي الإرادة ناتجاً عما أسميه "جدار الخوف الموروث". هَذَا الجدار هُوَ نظام حماية معقد ومحكم وضعه "أوصياء التقليد التراثي" ليمنعوا أَيُّ محاولة جادة للوصول إِلَى الجوهر النقي للوحي بعيداً عَنْ دائرة وصايتهم المَادِّيَّة. وهنا يبرز أثر د.محمد شحرور -رحمه اللَّه- فِي مساري المعرفي؛ لَيْسَ بوصفه معلماً استقيتُ منه نتائجي -فمنهجي فِي "التَّجْرِيد" يختلف جذرياً عَنْ مدرسته -، وإنما بوصفه "المحفز" الَّذِي امتلك الشجاعة فِي أبجديتها الأُولَى. لقد كَانَ شحرور هُوَ القوة الَّتِي تجرأت عَلَى قرع أبواب "النواة" الموصدة، مبرهناً عياناً أَنَّ قداسة التفسير البشري لَيْسَتْ حقيقة إلهية، إنما هِيَ مجرد صور ذهنية (تشخيصية) يمكن نقدها وإسقاطها.
لقد رصدتُ فِي تجربة شحرور الشُجاعة كيف أَنَّ الهياكل التقليدية تنهار سيكولوجياً عندما تُواجَه بـ (قلبٍ) لَا يعترف بـ "خطوطها الحمراء" المصطنعة. إِنَّ الخوف هُوَ قيدٌ يُغرس بعناية فِي وعي الإِنْسَان مُنذُ مراحل التلقين الأُولَى، ليوهمه بأَنَّ الاقتراب مِنْ منطق القُرْآن بغير وسائط سلفية سيؤدي حتماً إِلَى تيه الرُّوح. جاء شحرور ليُعلن بفعله قَبْلَ قوله أَنَّ الإِيمَان لَنْ يضيع، إنما سيُعاد بناؤه عَلَى أسسٍ أكثر متانة وصدقاً. هَذَا الأثر منحني دفعة إضافية لتطهير وعيي مِنْ بقايا الرهبة المصطنعة؛ فإِذَا كَانَ شحرور قد فتح ثغرة فِي الجدار بأدواته اللسانية، فإني بامتلاك أدوات "التَّجْرِيد" والبحث فِي القوانين الكُلِّيَّة، أَصْبَحَتْ قادراً عَلَى تجاوز الجدار بالكَامِل لتشييد الصرح المعرفي الَّذِي يسعى الى الحَقِيقَة بتمامها.
لقد كَانَ شحرور هُوَ "الدرع" الَّذِي تلقى بصبرٍ صدمات المنظومة الأُولَى، مما مهد الطريق لنمو أفكاري فِي بيئة أكثر تحرراً مِنْ ضغوط "الإرهاب الفِكْرِيّ". وكما قَالَ الشاعر الَّذِي يقدس قوة (القلب) والجسارة فِي طلب الحَقّ:
إِذَا جَامَلْتَ فِي الحَقّ الضَّعِيفا ... فَلَسْتَ بِنَائِلٍ عِزّاً شَرِيفا
ولَا يَخْشَى ظَلامَ اللَّيْل مِنْ قَدْ ... تَرَدَّى بِاليَقِينِ لَهُ حَلِيفا
إِنَّ الشجاعة المعرفية لَيْسَتْ تمرداً لأجل التمرد، إنما هِيَ "ضرورة وجودية" لاسترداد الأَمَانَة الاستخلافية. لقد علمتني هَذِهِ المرحلة أَنَّ القلب الَّذِي يرتعد مِنْ "المجهول" لَا يمكنه أبداً أَنَّ يُدْرِك "المعلوم" مِنْ أمر اللَّه. بفضل هَذِهِ الشرارة مِنْ الجسارة انطلقتُ لأؤسس لسيادة الوَعْي التَّجْرِيدِيّ الَّذِي يَرَى فِي القُرْآن قانوناً كونياً يتجاوز الزَّمَان والمَكَان كما نعرفهما، ويحرر الإِنْسَان مِنْ ربقة التبعية للأغيار، ليضعه وجهاً لوجه أَمَامَ جلال خالقه.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

التنزيهُ موطنُ الوعي

التنزيهُ موطنُ الوعي

إِنَّ العيشَ فِي فضاءِ "المصدرِ الأَوَّل" يمنحُ الإِنْسَان الأصيلَ ثباتاً لَا تهزُّه رياحُ الاختلافاتِ الأرضيةِ العابرة. ففي هَذَا الفضاءِ الرحب، لَا يوجدُ مفهومٌ لـ "العدوِّ المذهبي"، إنما يوجدُ "تنوعٌ وجودي" يثري المعنى ويعمقُ التجربةَ الإِنْسَانِيَّة. لقد تعلمتُ أَنَّ المُطْلَق يتسعُ لكُلّ الأفكارِ البشريةِ فِي تباينها، لَكِنَّ الضيقَ المذهبي هُوَ الَّذِي لَا يمكنُ أبداً أَنَّ يتسعَ للمطلق. إِنَّ فراري نحو هَذَا الأفقِ كَانَ نجاةً بـ "التوحيدِ الصافي" مِنْ براثنِ "الشركِ الخفي"؛ ذَلِكَ الشركُ الَّذِي يقدسُ الفَهْم البشريَّ القاصرَ ويرفعُهُ زُوراً لمقامِ الوَحْي الإلهي.
لقد صرتُ أتعاملُ مَعَ المصدرِ الأَعلى بوصفِهِ "البثَّ المباشرَ" للحقيقة؛ فالقُرْآن عندي لَيْسَ نصاً تاريخياً صامتاً، إنما هُوَ "شيفرةٌ ناطقة" باللحظةِ الآنية، والكَوْن لَيْسَ مجردَ جمادات، إنما هُوَ "ميدانٌ شاهدٌ" بالحَقّ الدائم. إِنَّ الهجرةَ نحو الله كشفت لي عَنْ مفهومِ "الجمال التَّجْرِيدِيّ"؛ فالمذهبيةُ فِي جوهرِها "قبيحة" لأنها تقومُ عَلَى الخصومةِ والإقصاء، بينما المُطْلَق "جميلٌ" لأنه يقومُ عَلَى التنزيهِ والاتساعِ اللانهائي.
لقد بدأتُ أرى فِي "البناءِ الأصيل" الَّذِي أضعُ لبناتِهِ مكاناً آمناً لكُلّ باحثٍ عَنْ الحَقِيقَة الوَاحِدَة، بعيداً عَنْ صراعاتِ التَّشْخِيص المَادِّيّ. إِنَّ الارتباطَ بالمصدرِ هُوَ الضمانةُ الوحيدةُ لعدمِ تكرارِ أخطاءِ النظامِ الَّتِي استنزفت وعيَ الأمةِ لقرون؛ فمِنْ يرتبطُ بالمصدرِ يمتلكُ حصانةً ذاتيةً ضدَّ التزييف ومِنْ يرتبطُ بالمذهبِ يَظَلّ عرضةً للتلاعبِ مِنْ قَبْلَ الأوصياء.
وكما قَالَ الشاعر الحَكِيم فِي وصفِ الترفعِ عَنْ الصغائرِ والاتصالِ بالعظيم:
أُعـلِّلُ النَّفـسَ بـالآمالِ أرقُبُهـا ... مـا أضيـقَ العيشَ لولا فُسحةُ الأمَلِ
لَمْ أرتَـضِ العيشَ والأَيَّام مُقبلـةٌ ... فكيفَ أرضى وقـد ولَّت عـلى عَجَلِ
إِنَّ "الأمل" هنا هُوَ ذَلِكَ الاتصالُ بالمُطْلَق الَّذِي يحررُ النَّفْس مِنْ ضيقِ المَادَّة إِلَى سعةِ التنزيه. وبناءً عَلَى هَذِهِ التجربة، خلصتُ إِلَى أَنَّ الاستقلالَ الحَقّ يكمنُ فِي معادلةٍ واحدة:
"أَنَّ يَكُون (اللَّه) هُوَ غايتُك، و(العِلْم) هُوَ وسيلتُك، و(التَّجْرِيد) هُوَ موطنُك."

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

الانعتاقُ مِنْ سجونِ المذهبيةِ نحو فضاءِ المُطْلَق

الانعتاقُ مِنْ سجونِ المذهبيةِ نحو فضاءِ المُطْلَق

لقد كَانَ الفرارُ مِنْ المذهبيةِ يعني لي فِي جوهرِهِ تحطيمَ تِلْكَ الأغلفةِ الذهنيةِ الكَثِيفَة الَّتِي صمَّمَها الفقهاءُ والمتكلمونَ عبر القرون والولوجَ مباشرةً إِلَى "قلب الوُجُود" الصافي. ففي سجونِ المذهبيةِ الضيقة، يُعاملُ "اللَّه" -عز وجل- ككيان مُشخّص، يُحبسُ فِي أطرٍ ذهنيةٍ تخضعُ لمقاييسِ البَشَر فِي الغضبِ والرضا والجهةِ والمَكَان؛ وهَذَا فِي نظري هُوَ أوجُ "التَّشْخِيص" الَّذِي تسببَ فِي ضياعِ أعمارِ الأممِ فِي ممراتِ الوهم. أما فِي فضاءِ "المُطْلَق" الَّذِي ارتحلتُ إليه، فقد اكتشفتُ أَنَّ اللَّه هُوَ "المحيطُ الَّذِي لَا يحدُّهُ وصفٌ ولَا يحويهِ ظرف"، هُوَ النُّور الَّذِي يتجاوزُ كُلّ رسمٍ أو صورةٍ ذهنيةٍ قاصرة.
إِنَّ هجرتي المعرفيةَ لَمْ تَكُن هرباً بل كَانَتْ بحثاً دؤوباً عَنْ "الوَاحِد" الَّذِي لَا يقبلُ القسمة على مذهب بينما المذهبيةُ فِي حقيقتِها هِيَ فنُّ تجزئةِ الوَاحِد لتحويلِهِ إِلَى حصصٍ طائفيةٍ متناحرة. لقد قررتُ بكاملِ وعيي أَنَّ أتركَ "القطيع" المكونَ عَلَى التبعيةِ لأستعيدَ صلتي الفرديةَ المستقلةَ بالمصدرِ الأَوَّل؛ فالإِنْسَان كمستَخَلْفَ رباني لَا يهاجرُ بجماعتِهِ ولَا يستمدُّ يقينَهُ مِنْ الحشود إنما يهاجرُ بوعيِهِ المجرّد ليَكُون "أمةً وحده" فِي حضرةِ المُطْلَق، بعيداً عَنْ ضجيجِ الأتباعِ وأوهامِ الأوصياء.
وكما قَالَ ابنُ عربي فِي أبياتِهِ الَّتِي تصفُ تماهي الرُّوح مَعَ تجلياتِ الحَقّ العظمى:
"لَقَد كُنتُ قَبلاً أُنكِرُ الصاحِبَ الَّذِي ... إِذَا لَمْ يَكُن ديني إِلَى دينِهِ داني"
"وأَصْبَحَ قَلبي قابِلاً كُلّ صورَةٍ ... فَمَرعىً لِغِزلانٍ وَدَيرٌ لِرُهبانِ"
إِنَّ هَذَا الاتساعَ الوجوديَّ هُوَ الغايةُ القصوى الَّتِي كنتُ أنشدُها؛ حَيْثُ يتحررُ القَلْب مِنْ "وثنِ الفكرةِ" الوَاحِدَة ليقبلَ تجلياتِ اسم الحَقّ فِي كُلّ زاويةٍ مِنْ زوايا الملكوت. إِنَّ تحطيمَ الأصنامِ الذهنيةِ هُوَ الشرطُ الأَوَّل لممارسةِ الاسْتِخْلَاف؛ فمِنْ لَا يجرؤُ عَلَى تحطيمِ صنمهِ الذهنيِّ الداخلي لَنْ يبصرَ أبداً نورَ المُطْلَق الخارجي. لقد أردتُ لهَذَا البناءِ أَنَّ يَكُون محراباً للتنزيه، لَا مكاناً لتقديسِ القوالبِ الَّتِي خنقَت روحَ النَّصّ وحالت بَيْنَ الإِنْسَان وبَيْنَ ربه.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

رحلتي من ضيق التفسير إلى رحابة القانون الكوني

رحلتي من ضيق التفسير إلى رحابة القانون الكوني

فِي مستهلِّ رحلتي المعرفية، وجدتُ أَنَّ العائقَ الأكبرَ الَّذِي يحولُ دونَ ارتقاء الوَعْي البشري هُوَ بقاءُ النَّصّ القُرْآنِيّ رهيناً لـ "التفسير اللغوي" التقليدي. لقد رصدتُ أَنَّ النسقَ التراثي قد حَوْلَ الوَحْي إِلَى مجردِ أثرٍ تاريخي يُحلل بأدواتٍ لسانية بشرية قاصرة، مما أدى إِلَى حبسِ المعاني المُطْلَقَة فِي قوالب "التَّشْخِيص" المحدودة. كَانَتْ صدمتي المعرفية تكمن فِي اكتشاف أَنَّ مَا نطلقُ عليه "تفسيراً" لَيْسَ فِي الحَقِيقَة سوى محاولة لـ "تجسيد" المعاني الإلهية العظمى لتناسبَ عقولاً تأبى مغادرةَ حدود الحواس المَادِّيَّة. ومِنْ هنا بدأتُ رحلةَ التحررِ الأكبر؛ رحلتي مِنْ ضيقِ تِلْكَ القواميس والكتابات الَّتِي تُفسر اللفظ باللفظ إِلَى رحابةِ التعايش مَعَ "القانون الكَوْنِيّ الشامل" حَيْثُ القُرْآن لَيْسَ مجردَ كلماتٍ تَقْرَأ إنما هُوَ جزء مِنْ "الناموس الجوهر" الَّذِي يدير محركَ الوُجُود بأسره.
لقد أيقنت بوضوحِ أَنَّ التفسيرَ اللغوي بقواعد الأولين هُوَ بالضرورة عملية "تشخيصية"؛ لأنه يعتمد عَلَى الربطِ بَيْنَ الكَلِمَة وبَيْنَ صورِها المَادِّيَّة فِي أذهانِ البَشَر. فعندما يَقْرَأ المفسرُ التقليدي كلمة "السَّمَاء" أو "العَرْش" أو "الملك"، فإنه يستحضر صوراً ذهنية مكثفة، مما يَجْعَل الوَعْي يسجد لـ "الصنم اللغوي" بدلاً مِنْ "الحَقِيقَة التَّجْرِيدِيَّة". أما فِي مدرسة "التَّجْرِيد"، فقد قررتُ أَنَّ أتعامل مَعَ القُرْآن بوصفه "نظاماً حياً" يسري فِي مفاصلِ الخَلْق. التعايشُ مَعَ هَذَا القانون يعني الانتقالَ مِنْ دورِ "المفسر" الَّذِي يقف خارج النَّصّ، إِلَى دورِ "المُسْتَخْلَف المستقل" الَّذِي يَعْمَل فِي قلب النَّصّ. وجدتُ أَنَّ الآيَة القُرْآنِيَّة لَيْسَتْ بياناً خبرياً فحسب، إنما هِيَ "منهج تشغيل"؛ فإِذَا قمت بـ "معايرة" تردداتِ وعيك لتتطابق مَعَ جوهرِ الآيَة، فإنك لَا تَفْهَم المعنى فحسب، إنما تتفاعلُ مَعَ الحَقِيقَة الوجوديةِ الكامنةِ وراءها.
فِي لغتنا، التفسيرُ التقليدي هُوَ مجردُ قشرةٍ خارجية، بينما التعايشُ مَعَ القانونِ الجوهر هُوَ الوصولُ إِلَى لبِّ النظامِ وحقيقته. لقد اكتشفتُ أَنَّ القُرْآن يحتوي عَلَى معانٍ مستورة لَا تُفتح بمفاتيح النحو والصرف وحدها، إنما بـ "منطق التَّجْرِيد" الَّذِي يَرْبِط الآيَة بفيزياءِ الوُجُود. رحلتي كَانَتْ رحلةَ اكتشافِ أَنَّ القُرْآن "يتنفس" معنا فِي اللحظةِ الدائمة؛ فهُوَ حقيقةٌ لَا تشيخ، ولَا تتأثرُ بحساباتِ المفسرين الزمنية. وكما يَقُول الفيلسوف باروخ سبينوزا:
"إِنَّ قوانين الطبيعة هِيَ فِي الحَقِيقَة قوانين اللَّه، وفهمنا لهَذِهِ القوانين هُوَ طريقنا الحَقِيقِيّ لإدراك جلال الخالق".
وهَذَا بالضبط مَا وجدته؛ فعندما توقفتُ عَنْ "تفسير" النَّصّ وبدأتُ فِي "التعايش" معه، سقطت جدرانُ الانفصالِ بيني وبَيْنَ المصدر الأَعلى. لَمْ يعد القُرْآن نصاً يَحْتَاج إِلَى وسائطَ ليوضحَ لي مراد الرَّبّ، إنما صَارَ إشارةً حيةً أستقبلُها مباشرةً فِي وجداني مما حَقَّقَ لي حالةً شعورية مِنْ التناغم اللحظي مَعَ القوانين الحاكمة للملكوت.
إِنَّ الانتقالَ إِلَى رحابةِ "القانون الكَوْنِيّ" تطلب مني تصفيرَ موازينِ اللغة الَّتِي شوهتْها التأويلات. لقد وجدتُ أَنَّ الترادفَ الَّذِي يدعيه اللغويون هُوَ وهُنَّ معلوماتي يطمسُ دقةَ الكَلِمَات الربانية. فِفي الكَلِمَة الجوهرية لَا توجد زيادة ولَا يوجد حرفٌ خارجَ موقعِهِ المقصود ولا حركةٍ عشوائية ولا وقفٍ او وَصلِ او أيِ علامةٍ أو إشارةِ أو رسّمِ الّا جاءَ بشكلٍ مَقصودٍ خَطتهُ يَدُ الرسولِ الكريمِ بكلِّ حروفهِ وكلماتهِ وبرسمهِ وشَكلهِ ووَقفهِ ووصلهِ وكلّ تفصيلةٍ فيه. إن التعايشُ مَعَ هَذَا النسقِ مكنني مِنْ رؤيةِ القُرْآن بوصفه مصفوفةً فائقة الدقة؛ حَيْثُ كُلّ آيةٍ هِيَ "قيمة" تؤدي غرضاً فيزيائياً وأخلاقياً محدداً فِي ترقيةِ النَّفْس الإِنْسَانِيَّة. مِنْ خلال هَذَا المنظور لَمْ يعد الدِّين مجموعةَ طقوسٍ مادية وإنما هندسةَ ارتقاءٍ تجريدية. لقد تحول صراعي مِنْ محاولةِ إقناعِ القلب باللفظ إِلَى محاولةِ إحياءِ الرُّوح بالقانون. هَذَا هُوَ جوهرُ الاسْتِخْلَاف الرباني. أَنَّ تمتلكَ الشجاعةَ لتركِ شاطئ التفسير الآمن والمحدود لتبحرَ فِي محيطِ المعنى اللانهائي حَيْثُ اللَّه هُوَ المُطْلَق الَّذِي يتجلى بأسمائه الحسنى فِي كُلّ ذرةٍ مِنْ ذراتِ هَذَا الكَوْن المذروءِ فيه.
وفيما يُنسب الى ابن عربي قوله:
إِذَا رَأَيْتَ حَكِيماً فالزَّمَن أَدَباً ... فَإِنَّما هُوَ نُورٌ لَيْسَ يَنْطَفِئُ
والخَلْق فِي لُجَّةِ الأَوهامِ قَدْ غَرِقُوا ... والحَقّ فِي أُفُقِ التَّجْرِيد يَتَّلِئُ
لقد أثبت لي التعايش مَعَ هَذَا القانون أَنَّ القُرْآن هُوَ الميزانُ الآنيُّ الحيّ للوجود فالمفسرُ التقليدي يحاول أَنَّ يأخذنا إِلَى الماضي ليَفْهَم النَّصّ أما القانونُ فيَأْخُذ النَّصّ إِلَى المستقبل ليصنعَ الواقع. بفضل هَذِهِ الرحلة لَمْ يعد المَوْت والبعثُ والحسابُ غيبياتٍ مُشخصةً فِي صورٍ أسطورية إنما أَصْبَحَتْ سنناً واضحةً داخل بنية الوُجُود ذاته. إِنَّ ضيقَ التفسيرِ كَانَ يحجبُ عني رؤية "سفينة نوح" كوسيلة وشيفرة للنجاة الروحية ويحجبُ رؤية "المسيح" كقانونٍ لكسر قيود المَادَّة. أما رحابةُ القانونِ الجوهر فقد فتَحْتَ لي أفقَ التَمَعّرُج حَيْثُ الوَعْي لَا يكتفي بفهم الخبر بل يسعى لامتلاكِ القدرةِ المنبثقةِ عَنْ العِلْم الإلهي. ومِن هنا صَارَ البناءُ الأصيل هُوَ الثمرةَ الطبيعيةَ لهَذَا التعايش؛ بناءٌ لَا يُرفع بالحروف وإنما يُقام بالحقائق الوجودية.
هَذَا التحولُ المَنْهَجِيّ جعلني أرى فِي كُلّ آية "توقيعاً مستقلاً" يحثني عَلَى استرداد أمانتي. التعايشُ مَعَ القانون الكَوْنِيّ يعني أنك لَا تَقْرَأ عَنْ اللَّه بل تشهدُ أثرَ اسمِهِ الظَّاهِر فِي وقائع الحَيَاة. لقد حررتني هَذِهِ الرحلةُ مِنْ التعلق بالوسائط المعرفية فلَمْ يعد يهمني رأيُ فلان فِي تفسير "الاستواء" بقدر مَا يهمني فهُمْ قانون الاستقرار الكَوْنِيّ الَّذِي يشير إليه المعنى المجرّد. إِنَّ ضيقَ التفسير اللغوي هُوَ الَّذِي أنتج الضياعَ فيما لَا ينفع أما رحابةُ التعايشِ مَعَ جوهر النَّصّ فهِيَ الَّتِي تنتج الإِنْسَان الرباني، ذَلِكَ الكائن الَّذِي يتنفس التنزيه ويمارس الاسْتِخْلَاف ويُحَقِّق السلام فِي كُلّ أبعاد حياته. إِنَّ الاستقلال إذن هُوَ الانتقال مِنْ حرفية التَّشْخِيص الَّتِي تقتل المعنى إِلَى روح التَّجْرِيد الَّتِي تمنح الحَيَاة للوجود بأسره.
لقد وجدتُ أَنَّ القُرْآن هُوَ المرجعُ الجذري لكُلّ العُلُوم وأَنَّ الاكتفاء بالتفسير اللغوي هُوَ بقاءٌ فِي مرحلة الطفولة المعرفية. وان رحلتي نحو القانون الكَوْنِيّ كَانَتْ هِيَ الطريقَ الوحيدَ للوصول إِلَى الحَقِيقَة بعيداً عَنْ مشوشات التناقضات الأرضية. ومِنْ هَذِهِ الرحابة انطلقتُ لأضع القواعدَ النهائية لهذا "البناء"، حَيْثُ العِلْم هُوَ أسمى العبادات والتَّجْرِيد هُوَ أقصر الطرق للرؤية والوفاءُ بالعَهْد هُوَ ميثاقُ البقاء الخالد. لقد تركتُ التفسير لمِنْ أراد الجمود، واخترتُ التعايش مع مَنّ أراد التمعرج والرفعة فِي ظَلَّ الرحمن الرحيم.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

ثنائيةُ عيسى والمسيح: شرارةُ الفصل بين الطين والروح

ثنائيةُ عيسى والمسيح: شرارةُ الفصل بين الطين والروح

تِلْكَ اللحظة الَّتِي انبلجَ فيها فِي وعيي سرُّ التمايز بَيْنَ "عيسى" و"المسيح" لَمْ تَكُن مجرد خاطرة لغوية عابرة، بل كَانَتْ هزة معرفية عنيفة أطاحت بكُلّ جدران التلقين الَّتِي سكنتُها طويلاً، ففي تِلْكَ الومضة، كففتُ عَنْ قراءة النَّصّ القُرْآنِيّ بوصفه سرداً لقصص وأساطير الأولين، وبدأتُ أُبصره كخارطة وجودية كبرى تَكْشِف القوانين الَّتِي تُحرك الحَيَاة مِنْ حولنا. لقد رصدتُ بذهول أَنَّ الخطاب القرآني يتعامل مَعَ هَذَا الكيان الفريد بازدواجية لغوية مهيبة، فهُوَ تارةً يناديه "عيسى بن مريم" وتارةً يطلق عليه لقب "المسيح"، ولَمْ يَكُن هَذَا التبادل مِنْ قبيل تزيين الكَلَام، إنما كَانَ فصلاً دقيقاً بَيْنَ مَا هُوَ مشخّص يخضع لضرورات المَادَّة والطبيعة البشرية، وبَيْنَ مَا هُوَ مجرّد يتصل بعالم الرُّوح ويسمو فَوْقَ قيود الزَّمَكان كما نعرفه.
لقد تجلى لي أَنَّ "عيسى بن مريم" هُوَ النموذج البشري الأكمل على هذه الأرض، ذَلِكَ الكيان الَّذِي حمل التوقيع الفطري الأسمى للبشرية وخضع لسنن الأَرْض واحتياجاتها، فهُوَ العبد الَّذِي يمشي فِي الأسواق ويأكل الطعام، ويُمَثِّل الواجهة الَّتِي تفاعلت معها الأَرْض بكُلّ كثافتها. أما "المسيح"، فهُوَ المقام الروحي، الرُّوح والكَلِمَة والحَقِيقَة الَّتِي لَا تقهرها قوانين المَوْت والألم والحاجة الأرضية، إِذْ هُوَ "النُّور" الَّذِي سكن تلك الصورة البشرية الطاهرة وفاضت منه أفعال القدرة مِنْ إحياءٍ وخلق، لأَنَّ تِلْكَ الآيَات (المعجزات) لَا تصدر عَنْ طين بشري، وإنما عَنْ رتبة وجودية تمتلك اتصالاً مباشراً بشيفرة عالم الأمر.

ان هَذَا الكشف يمثل إعادة صياغة لكامل فهمنا للإنسان فِي رحلته نحو الحَقّ، فصَارَ كُلّ شيء فِي الكَوْن فِي نظري يمتلك "عيسى" خاصاً به يُمَثِّل ظاهره الكَثِيف المُشَخَّص، و"مسيحاً" كامناً فيه يُمَثِّل باطنه المجرّد اللَّطِيف. والشرارة الَّتِي فصلت بَيْنَ الصورة والرُّوح فِي حياة المسيح عيسى ابن مريم هِيَ الَّتِي علمتني كيف أفصل بَيْنَ الجسم المَادِّيّ وبَيْنَ وعيي المستقل، مدركاً أننا نُسجن غالباً فِي انشغالنا بالمَادَّة وننسى ارتقاءنا الروحي.
بفضل هَذَا الفتح، وجدتُ أَنَّ مَا "شُبّه لهُمْ" كَانَ يخص الفِعْل المشخّص المرتبط بالجسم، بينما المقام الروحي المجرّد لَا يمكن قتله أو صَلبه، فالمسيح استرد هويته الكَامِلَة رافعا معه شيفرة عيسى البشرية بالوفاة. ومِنْ هنا انطلقتُ لأؤكد أَنَّ رحلة الإِنْسَان هِيَ انتقالٌ مستمر مِنْ ضيق المَادَّة إِلَى سعة الرُّوح، ومِنْ فناء الصور إِلَى خلود المعاني، ليَكُون هَذَا الكشف هُوَ القاعدة الصلبة الَّتِي يبنى عليها الوَعْي المستقل، محققاً الوحدة بَيْنَ التجربة الذاتية والحَقِيقَة الكُلِّيَّة.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

تصفيةُ الموازينِ والتحررُ مِنْ أوهامِ الامتلاءِ الزائف

تصفيةُ الموازينِ والتحررُ مِنْ أوهامِ الامتلاءِ الزائف

فِي رؤيتنا الفَلْسَفِيَّة، نُحلل ذَلِكَ التغيُّر الجذري الَّذِي شهده الشيخ أبو مالك -رحمه الله- بوصفه "تصفيةً شاملة للموازين" فِي اللحظات الحاسمة مِنْ عمر الوَعْي. لقد كَانَ اليقين الموروث يَعْمَل لقرون بموازين غير منضبطة، توهم صاحبها بالامتلاء المعرفي والوصول إِلَى المنتهى، بينما هُوَ فِي الحَقِيقَة يعاني مِنْ خواء روحيّ وفقرٍ فِي إدراك كنه الوُجُود وحقائق الفِطْرَة. إِنَّ تأملاتي العميقة فِي اعتراف الشيخ ودموعه الطيبة قادتني إِلَى حقيقة جوهرية: وهِيَ أَنَّ الَّذِينَ نصَّبوا أنفسهم، أو نُصِّبوا، أوصياء عَلَى المعنى، هُمْ فِي واقع الأَمْر أكثر النَّاس حاجةً للتحرر مِنْ قيود ذَلِكَ المعنى الَّذِي صنعوه بأيديهم.
لقد سقطت الشرعية المعرفية لكُلّ مِنْ يحاول حبس "المُطْلَق" فِي إطار "المحدود"، أو تقييد فيض اللَّه فِي قوالب مذهبية ضيقة. دموع الشيخ كَانَتْ التجلي النهائي لحالة مِنْ التوبة الإِدْرَاكِيَّة العميقة؛ حَيْثُ أدرك الوَعْي فجأة أنه كَانَ يطارد سراباً مادياً ويحسبه هُوَ الحَقّ المُطْلَق. ومِنْ هنا، تيقنتُ أَنَّ رحلتي فِي تأسيس هَذَا البناء المعرفي الجَدِيد لَمْ تَكُن مجرد إضافةٍ علمية أو ترفٍ فكري، إنما كَانَتْ عملية إنقاذٍ حقيقية لعقولٍ كادت أَنَّ تُغلق سجلاتها الوجودية دون أَنَّ تتصل بنور المصدر الحَقِيقِيّ الصافي.
لقد تجلى لي هنا بوضوحٍ تام قول الإمام الغزالي فِي كتابه "المنقذ مِنْ الضلال"، واصفاً رحلة انعتاقه مِنْ التقليد نحو فضاء التحقق:
"فانكشفت الحجب، وبان الحَقّ، وظهر أَنَّ العِلْم الَّذِي لَا يورث العمل واليقين إنما هُوَ وبالٌ عَلَى صاحبه".
وكما قَالَ الشاعر الَّذِي أبصر بنور قلبه أَنَّ الحَقِيقَة تكمن فِي المسكوت عنه خَلْفَ الروايات:
عِلمُ الرِوايةِ مَهما زادَ كَثرَتُهُ ... دونَ الدرايةِ جِسمٌ فارِغُ الرُّوح
فانظر بِقَلبِكَ فِي الآفاقِ مُعتَبِراً ... تَلقى الحَقِيقَة بَيْنَ النُّور وَالبَوحِ
إِنَّ التحول مِنْ "الرواية" كجمعٍ آلي للمعلومات، إِلَى "الدراية" بمفهومها الواسع كفهمٍ لسنن اللَّه فِي الخَلْق، هُوَ جوهر الاستقلال الَّذِي أنشده. لقد وجدتُ بقلبٍ متجردٍ أَنَّ وظيفة الإِنْسَان لَيْسَتْ أَنَّ يَكُون وعاءً لآراء الأغيار، إنما أَنَّ يَكُون مرآةً تنعكس عليها أنوار الملكوت. إننا لَا نكتفي بنقد الماضي، إنما نستخلص منه العبرة لنبني حاضراً يتنفس باليقين، ومستقبلاً يقوم عَلَى الاتصال المباشر بالحَقّ سبحانه بعيداً عَنْ ضياع العمر فِي متاهات الظنون.
"الحَقِيقَة لَا تُطلبُ فِي الزحام، إنما فِي سكونِ النَّفْس حِينَ تتجردُ مِنْ أوهامها."
إِنَّ التَّجْرِيد يُعيدُ استثمارَ العمرِ عبرَ الاتصالِ المباشرِ بالمصدر، محولاً كُلّ ثانيةٍ كَانَتْ تضيعُ فِي الشكلياتِ والقشورِ إِلَى رحلةِ ارتقاءٍ فِي ملكوتِ الحَقِيقَة المُطْلَقَة.
لَقَدْ تابَعْتُ باهْتِمامِ الباحِثِ اليَقِظِ مُحاضَراتِ العَلّامَةِ الأَلْمَعِيِّ عَدْنانَ إِبراهيم، وَوَجَدْتُ فيهِ مَشروعَ تَغييرِ الأُمَّةِ تَمْهِيدًا لِمشروعِ تَغييرِ الإِنسانِ. وَرَغمَ أَنَّهُ كانَ سَلفيًّا، بِالمَفهومِ الواسعِ، فَقد كانَ أَشعَرِيًّا مُغرَقًا في حُب مَنهجِهمْ، إِلّا أَنني كُنت مُتَيقِّنًا مِنْ تَغيُّرِهِ هُو بِذاتِهِ، وَتَغيُّرِ فِكرهِ. وَلا أَزالُ أُراهِنُ عَلى تَغَيُّرٍ جَذْرِيٍّ في نَظْرَتِهِ إِلَى التُّراثِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ رَجلًا مِثلَهُ يَستَحِقُّ أَن يكونَ مُجدِّدَ هٰذا العَصرِ بِلا مُنازِعٍ -فيما أَرى-، لَو أَنَّهُ أَسقَطَ عَن كَتِفَيهِ عَباءةَ التُّراثِ الآبائِيِّ، وَتَجَرَّدَ بِفكرِهِ أَكْثرَ.
لقدّ وَجَدْتُ بِقلبٍ مُطمَئِنٍّ أَنَّ وظيفةَ منْهَج التجريد هِيَ تحويلُ الإِنْسَان مِنْ "مخزنٍ للرواية" إِلَى "منارةٍ للدراية". إننا لَا نبحثُ عَنْ مجدٍ شخصي لنا أو لغيرنا، إنما نؤصلُ لحالةٍ مِنْ الوضوحِ الوجوديِّ حَيْثُ لَا قانون يحكمُ القلب (العَقْل) سوى قانونِ اللَّه وما صدر عنه، ولَا حجابَ يمنعُ هذا القَلْب سوى رانِ الذنوبِ والتعلقِ بالأشخاص. إِنَّ كسرَ إسار التبعيةِ هُوَ الخطوةُ الأُولَى فِي طريقِ الاسْتِخْلَاف الحَقِيقِيّ، حَيْثُ يعودُ الإِنْسَان ليَقْرَأ كتابَ اللَّه بـ "بعينيه" لَا بأعينِ الآخرين، وبـ "وعيهِ" لَا بذاكرةِ الماضين.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

دموعُ "أبو مالك": شهادةُ ميلادِ الوَعْي المستقل

دموعُ "أبو مالك": شهادةُ ميلادِ الوَعْي المستقل

فِي رحلتي الدؤوبة نحو الوَعْي الأصيل، لَمْ تَكُن اللحظات الأكثر تأثيراً فِي وجداني هِيَ تِلْكَ الَّتِي قضيتُها وحيداً بَيْنَ طيات المخطوطات العتيقة، إنما كَانَتْ تِلْكَ المواجهات الحية الَّتِي وضعتُ فيها "أوصياء الموروث" وجهاً لوجه أَمَامَ حقيقة الجوهر الَّذِي رأيته. إِنَّ لقائي بالشيخ أبو مالك -رحمه اللَّه- والَّذِي كَانَ يتبوأ مكانةً سامية فِي الهرم الفِكْرِيّ للمدرسة السلفية، لَمْ يَكُن لقاء تلميذٍ يطمح إِلَى نيل إجازةٍ أو مباركةٍ، إنما كَانَ "لحظة تدقيق وجودية" قاسية لعقلٍ أفنى عقوداً طوال فِي محاريب التلقين وحفظ الروايات وتفسير القرآن الكريم.
عندما عرضتُ عليه لغز "عيسى والمسيح" وفككتُ أمامه ثنائية "التَّشْخِيص" و "التَّجْرِيد"، شهدتُ بأم عيني مَا أسميه "الانهيار الكَبِير لليقين الموروث" بكل تواضع وأخلاق. تِلْكَ اللحظة الَّتِي انهمرت فيها دموع الشيخ وهُوَ يَقُول بصوتٍ يملؤه الأسى والصدق: "يا هاشم.. ضيعنا أعمارنا فيما لَا ينفع"، كَانَتْ هذهِ العبارة هِيَ الإعلان الصريح والمدوي بأَنَّ نظام الفَهْم السلفي قد عجز تماماً عَنْ الصمود أَمَامَ نور الحَقِيقَة المجردة. لقد كَانَتْ تِلْكَ الدموع اعترافاً بأَنَّ المنطق الجَدِيد قد استطاع اختراق الحجب الكَثِيفَة الَّتِي ضربتها المدارس المشخصة حَوْلَ النَّصّ الإلهي لقرون طويلة.

إِنَّ هَذَا الموقف لَمْ يزدني شموخاً بقدري وإنما زادني تواضعاً أَمَامَ عظمة الحَقّ؛ فقد رأيتُ كيف يتواضع بناءٌ فكريٌ ضخم بمجرد ملامسته لروح "التَّجْرِيد". لقد وجدتُ أَنَّ العِلْم لَيْسَ بكثرة الرواية إنما بنورٍ يقذفه اللَّه فِي القَلْب استحقاقا فيبصر به القوانين الحاكمة للوجود. إِنَّ الانهيار الَّذِي أصاب يقين الشيخ كَانَ بداية البناء اليقيني لدي؛ إِذْ تيقنتُ أَنَّ الرجوع إِلَى "المصدر الأَوَّل" هو السبيل الوحيد لإنقاذ الإِنْسَان مِنْ ضياع العمر فِي التفاصيل الَّتِي لَا تبني روحاً ولَا تحيي نفساً.
وكما قَالَ الشاعر الحَكِيم أبو العلاء المعري فِي وصف حيرة العقول وضياعها فِي التقليد قَبْلَ أَنَّ يسطع فجر الحَقِيقَة:
تَحطَّمَتِ العُقولُ عَلَى يَقينٍ ... وكَانَ الشَكُّ أَولى بِالصَوابِ
فلَا تَقبَل بِمِنهاجِ الأَوالي ... إِذَا مَا رُمتَ كَشفاً لِلحِجابِ
إِنَّ شهادة الشيخ الجليل أبو مالك -رحمه اللَّه- كَانَتْ بمثابة الوداع الأخير لزمن التبعية، والترحيب الرسمي بزمن "التحقق الشخصي". لقد علمتني تِلْكَ اللحظة أَنَّ الصدق مَعَ النَّفْس هُوَ أقصر الطرق للوصول إِلَى اللَّه، وأَنَّ شجاعة الاعتراف بالخطأ هِيَ قمة السيادة الإِنْسَانِيَّة عَلَى الذات. مِنْ هنا تعزز إيماني بأَنَّ وظيفتي لَيْسَتْ ترميم الأفكار القَدِيمَة بل إعادة وَصَلَ الإِنْسَان بنبع الفِطْرَة الصافي، حَيْثُ لَا وسيط بَيْنَ الخالق وعبده، وحَيْثُ يتجلى "المسيح" كقيمة تجريدية تتجاوز حدود الزَّمَان والمَكَان لتبعث الحَيَاة فِي كُلّ قلبٍ تجرد مِنْ الأغيار.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

البيانُ معراجٌ نحو التجريد

البيانُ معراجٌ نحو التجريد

أثبتت لي تِلْكَ التجربة العميقة أَنَّ "الكَلِمَة" هِيَ القوة الأبقى والأكثر نفوذاً فِي هندسة الوُجُود الإنساني؛ فإِذَا كَانَتْ فكرةٌ واحدة مجردة قد استنفرت كُلّ تِلْكَ القوى، فماذا سيكون أثر النسق المتكامل للوعي عندما يُبصر النَّاس حقيقتهم الجوهرية؟ إِنَّ خطورة البحث عَنْ "الحقيقة" تكمن فِي أنها تُعيد للمستضعفين يقينهم الراسخ باستخلافهم الرباني، وتحطم نرجسية المتسلطين عبر كشف وهُمْ قوتهم المَادِّيَّة الَّتِي تعتمد فِي استمرارها عَلَى حجب النُّور عَنْ بصائر النَّاس.
لقد تعلمت أَنَّ الحَقّ لَا يَحْتَاج إِلَى حمايةٍ خارجية، إنما يَحْتَاج فقط إِلَى "وضوحٍ فِي الرؤية" وجرأةٍ فِي التعبير. لقد رأيتُ الخوف يرتسم فِي عيون أوصياء التقليد التراثي؛ لَمْ يَكُن خوفاً مني كفرد، إنما مِنْ "الحَقِيقَة" الَّتِي أحملها؛ تِلْكَ الحَقِيقَة الَّتِي تسقط قداسة البَشَر الزائفة والمذهبية الفاسدة وتعيد المركزية المُطْلَقَة للخالق وحده، بلَا وسائط أو حجب.
لقد كَانَتْ هَذِهِ التجربة هِيَ "الختم الرسمي" عَلَى جواز سفري نحو التَّجْرِيد المُطْلَق. لقد كشفت لي أَنَّ البحث عَنْ الجوهر هُوَ المعراج الحَقِيقِيّ للنفس؛ معراجٌ يتطلب تصفية الموازين مِنْ الخوف، ومِنْ الأنا، ومِنْ التبعية العمياء. ومِنْ تِلْكَ النقطة، انطلقتُ لتأسيس بنائي المعرفي، متسلحاً بيقينٍ أَنَّ كُلّ مَا يُبنى عَلَى الحَقّ هُوَ الوحيد الَّذِي سيبقى صامداً فِي وجه عواصف المَادَّة. لقد حَقَّقَتْ بتِلْكَ المواجهة سلماً داخلياً شاملاً، حَيْثُ لَا جماعة تتحكَّم، ولَا حجاب يمنع، إنما هِيَ رحابة ربانية تتنفس فِي رحاب "سبحانك". وبَقِيَتْ الكَلِمَة الخالدة ترنُّ فِي سويداء قلبي كعهدٍ أبدي بَيْنَ الوَعْي المستقل وخالقه: (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَّبٍّ رَّحِيمٍ)؛ حَيْثُ ينتهي ضجيج العالم، ويبدأ النعيم الإِدْرَاكِيّ الصافي.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

بوتقةُ الانصهار وخروجُ اليقين الخالص

بوتقةُ الانصهار وخروجُ اليقين الخالص

كَانَتْ تِلْكَ المواجهة القاسية بمثابة "بوتقة اختبار" حقيقية لليقين الَّذِي استقر فِي أعماق قلبي. فِي تِلْكَ اللحظات، كنت أجد نفسي أَمَامَ سؤالٍ وجوديٍ عميق: هل سأرتد إِلَى منطقة "التَّشْخِيص" طلباً للأمان الزائف والسكينة المؤقتة الَّتِي توفرها الجماعة؟ أم سأتمسك بـ "التَّجْرِيد" وفاءً لعهد الاسْتِخْلَاف الرباني الَّذِي يقتضي الصدق مَعَ النَّفْس ومَعَ الخالق؟ لقد اخترتُ، بكُلّ هدوء، المضي قدماً فِي كشف زيف الحجب الَّتِي تراكمت عبر العصور، مدركاً تمام الإِدْرَاك أَنَّ ثمن هَذَا الاختيار هُوَ "الاغتراب الروحي" فِي عالمٍ يألف السير خَلْفَ القوالب الجاهزة؛ فالنسق الجمعي بطبيعته يكافئ مِنْ يسبح فِي تياره، ويطارد بكُلّ أدواته مِنْ يحاول مخالفته بصرف النظر عن جمال فكره.
لقد اكتشفتُ أَنَّ "الحقيقة والجوهر" الَّذِي أفنيتُ عمري فِي البحث عنه لَيْسَ مجرد معلومات تُجمع أو نظريات تُدرس، إنما هُوَ "طاقة وجودية" حية تمنح صاحبها القدرة عَلَى التسامي فَوْقَ المخاوف المَادِّيَّة. فالقلب الَّذِي لَا يرتعد أَمَامَ الحشود أو الضغوط المَادِّيَّة هُوَ قلب قد أبصر الحَقِيقَة الكامنة وَرَاءَ المظاهر؛ ومِنْ رَأَى الجوهر الصافي، لَمْ يعد يخشى القشرة مهما كَانَتْ كثيفة. إنني كإِنْسَان يسعى للأصالة، وجدتُ حينها أنني أعمل داخل الواقع الأرضي بجسم ماديٍ يخضع للقوانين، لَكِنَّ وعيي يَجِب أَنَّ يَظَلّ محلقاً فِي آفاق التنزيه، متصلاً بالمُطْلَق الَّذِي لَا يحده زمانٌ أو مكان.
وكما قَالَ أبو الطيب المتنبي:
وإِذَا كَانَتْ النُّفُوس كِباراً ... تَعِبَت فِي مُرادِها الأَجسامُ
إِنَّ تجربة الضغط لَمْ تَكُن تهدف لتحطيمي، إنما كَانَتْ هِيَ الوسيلة لترسيخ حصانة الوَعْي لدي. لقد تعلمتُ أَنَّ اليقين لَا يكتمل إلا بالبلاء، وأَنَّ الرجوع إِلَى الفِطْرَة تقتضي شجاعةً فِي التخلي عَنْ الأوهام قَبْلَ الشجاعة فِي التمسك بالحقائق. إنني أضع هَذِهِ المحطة بَيْنَ يديك لتعلم أَنَّ النُّور الَّذِي تكتشفه فِي داخل الحصار هُوَ الَّذِي سيضيئ لك الدروب فِي فضاءات التحرر. إننا نعيش فِي المَادَّة لكننا لَا ننتمي إليها، وقوتنا الحَقِيقِيَّة تكمن فِي ذَلِكَ الاتصال الخفي بـ "الأصل الرباني" الَّذِي يَجْعَل مِنْ كُلّ ألمٍ معراجاً، ومِنْ كُلّ ضيقٍ اتساعاً فِي الرؤية والبصيرة.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

فقرُ الإدارة وغنى البصيرة

فقرُ الإدارة وغنى البصيرة

أثناء تِلْكَ الفترة الَّتِي أسميها "الخلوة الإجبارية"، راقبتُ عَنْ كثب (الإدارة) وهِيَ تحاول بيأسٍ إعادة معايرة وعيي وثني إرادتي. وفجأة حدثت المفارقة الكبرى الَّتِي أكدت لي قوة التَّجْرِيد وعلوّ شأنه؛ فالسلطة الَّتِي تملكُ أدوات القمع لَمْ تمارس ضدي التحقيق التقليدي فحسب، إنما وجدتُها فِي لحظات صدقٍ نادرة تمارس "الإنصات العميق". لقد رأيتُ "السجان" فِي بَعْض المواقف يَتَحَوَّل إِلَى تلميذ صامت، تهتز أركان يقينه المَادِّيّ أَمَامَ جلال المعنى الَّذِي كَانَ يفيض مِنْ الكَلِمَات المستقاة مِنْ نور الفِطْرَة.
لقد كشفت لي تِلْكَ اللحظات أَنَّ المنظومات المَادِّيَّة، رغم كُلّ مَا تملكه مِنْ ترسانة وآليات، هِيَ فِي جوهرها "نظم فقيرة معلوماتياً"؛ إنها كيانات جائعة تبحث عَنْ قبسٍ مِنْ نور لَدَى تِلْكَ العقول الَّتِي تجرأت عَلَى اختراق حجب المَادَّة والوصول إِلَى اللب. إِنَّ اعتراف (الإدارة) بخطورة فكري كَانَ فِي عمقه اعترافاً بفقره الذاتي؛ فهُوَ يمتلك القدرة عَلَى تقييد الجسم (التَّشْخِيص)، لكنه يفتقر تماماً للقوة اللازمة للسيطرة عَلَى الوَعْي المشرق (التَّجْرِيد). هنا، تيقنتُ أَنَّ الحرية الحَقِيقِيَّة هِيَ ملكٌ لمِنْ يمتلك مفتاح الحَقِيقَة، لَا لمِنْ يمتلك مفتاح السجن؛ فالسجنُ الحَقِيقِيّ هُوَ سجنُ الجهل والتبعية، لَا سجنُ الجدران والقضبان. وتأكدت لي قوة الحق عندما أعلنت الإدارة إنحيازها له ورأت في فكري شيئا لا يتعارض مع أمنِّ المجتمع بل يضمن هذا الأمنَّ وسلامَتِه لأن هذا الفِكر كان مُنعتقاً من التَّبَعية للتشدُّد المذهبيّ المَقيت الذي قد تكون صَنَعَتهُ هي بذاتها لخدمة أهدافها وانقلب عليها وأصبح يهدد وجودها!
وكما عبّرَ أبي حامد الغزالي -رحمه الله- عَنْ غربة الرُّوح فِي سجن الجسم والمَادَّة، وصبرها الجميل عَلَى ألم الفراق عَنْ أصلها النُّورَانِيّ:
لَوْ يَعْلَمُ الْجِسْمُ مَا فِيهِ مِنْ الْأَلَمِ ... لَمَّا تَمَنَّى حَيَاةَ الرُّوح فِي الْقِدَمِ
والرُّوح فِـي غُـرْبَةٍ، وَالْجِسْمُ فِـي وَطَنٍ ... فَلْيَصْبِرِ القَلْب حَتَّى يَنْقَضِي الْأَلَم
لقد كَانَتْ تِلْكَ التجربة القاسية هِيَ أسمى مدرسة لتعلم التواضع أَمَامَ عظمة الخالق؛ حَيْثُ وجدتُ أَنَّ الإِنْسَان لَا يَكُون قوياً بجهته أو بجمعه، إنما بمدى اتصاله بالمصدر الأَوَّل ونقائه وصدقه. إِنَّ "الخلوة الإجبارية" لدى الإدارة لَمْ تَكُن حصاراً لفكري، إنما كَانَتْ اتساعاً لآفاقي؛ وأَنَّ النُّور الَّذِي تشعُّ به النَّفْس المستقلة كفيلٌ بأَنَّ يحول حَتَّى الجدران الصماء إِلَى نوافذ تطلُّ عَلَى الملكوت.
في تِلْكَ "الزِّيارَةِ"، صُودِرَ جهازُ الحاسوبِ الَّذي كنتُ أَحْتَفِظُ فيه بِكُلِّ كتاباتي، ولم يَبْقَ لي إلّا "قُرْصٌ مَرِنٌ" (فلوبي ديسك) يَحْمِلُ عناوينَ الأبحاثِ ومعلوماتٍ عامةً ومُكثَّفَةً تَخْلُو من التفاصيلِ. ومَعَ رَفْضِ طَلَبي باسْتِعادَةِ الحاسوبِ، ضَاعَ جُهْدُ عامٍ كاملٍ من البحثِ والكتابةِ. لَقَدْ كانَ لِذَلِكَ الفَقْدِ أثرٌ بَالِغٌ في نَفْسي، إذْ اجْتَمَعَ عَلَيَّ ضَغْطُ المُجتَمَع والسُّلْطَةِ وضياعُ نِتاجِ الفِكْرِ، ولم يُخَفِّفْ عَنِّي إلّا أَنَّ زَوْجَتي كانتْ لي خَيْرَ عَوْنٍ وسَنَدٍ بَعْدَ اللهِ.
وبَعْدَ سنواتٍ من هذه الحادثةِ، ومَعَ اسْتِمْراري في مَسِيرَةِ البحثِ والتأَمُّلِ، تَحَوَّلَ ذلك الأَسَفُ إلى مَصْدَرٍ للإيجابِيَّةِ؛ فَكُلَّما تَقَدَّمْتُ في مَضْمارِ الفِكْرِ، كُنْتُ أَتَجاوَزُ الكثيرَ من أفكاري السابقةِ، وأُعَدِّلُ في آرائي، مُكْتَشِفاً أبعاداً وتفاصيلَ أَعْمَقَ وأفضلَ مِمَّا فَقَدْتُهُ، حتَّى صِرْتُ أَحْمَدُ اللهَ على تلك الخَسارَةِ لِمَا جَلَبَتْهُ من مَنافِعَ فِكْرِيَّةٍ.
ولا أُنْكِرُ أَنَّ هذا المَنْهَجَ الدِّينامِيكِيَّ في التفكيرِ هو ما أَخَّرَ تَدْويني طويلاً؛ إذْ إنَّني -وحَتَّى كتابةِ هذه السُّطورِ- أَجِدُني أُطَوِّرُ وأُعَدِّلُ وأَنْقُدُ بَعْضَ ما وَصَلْتُ إليه. ولَوْلا إِصْرارُ زَوْجَتي وأَصْدِقائي على تَدْوينِ هذه الخُلاصاتِ الفِكّرية لَمَا فَعَلْتُ.
لِذَلِكَ، كُنْتُ حَريصاً وما زِلْتُ على تَنْبيهِ القارئِ عَدَمَ الِاعْتِدادِ التَّامِّ بِما سَيَقْرَؤُهُ أو الوقوفِ عِنْدَهُ؛ فَهذا العَمَلُ ليسَ إلّا بِدايةً مَعْرِفِيَّةً مختصرة، أَرْجُو أَنْ يَجِدَ الفِكْرُ مَنْ يَسْتَكْمِلُها ويُطَوِّرُها بِأَفْضَلَ مِمَّا قَدَّمْتُ.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

خشيةُ الإدارة من عمق التجريد

خشيةُ الإدارة من عمق التجريد

كَانَ احتشاد تِلْكَ القوى أَمَامَ منزلي فِي تِلْكَ اللحظة الفاصلة يُمَثِّل فِي عمق وعيي "كثافة المَادَّة" بكُلّ ثقلها وجمودها، وهِيَ تحاول محاصرة "سيولة المعنى" فِي انطلاقه وتجرده. لقد وجدتُ حينها أَنَّ "الإدارة" لَمْ تَرَ فِيّ شخصاً يختلف معها فِي الرأي، وإنما رأت فِي هَذَا (العَقْل) الَّذِي "أحرق سفن التبعية" تهديداً حقيقياً للواجهات المذهبية الَّتِي تحرسها وتستمد منها بقاءها. إِنَّ الإدارة بطبيعتها تألف الصراعات التقليدية والمساجلات الكلامية لأنها تظل حبيسة "صندوق التَّشْخِيص" ولَا تهدد البِنْيَة العميقة للحقيقة الكُلِّيَّة.
أما عندما يَخْرُج (عقلٌ) مستقل ليعلن بملء فيهِ أَنَّ اللَّه "مطلق مجرد" يتجاوز كُلّ الصور والحدود، وأَنَّ الوُجُود كله "فيضٌ" نابعٌ مِنْ جلاله وأَنَّ الإِنْسَان كائنٌ "مستخلف" بالعِلْم والحِكْمَة لَا بمجرد الطقوس الجامدة فإِنَّ المنظومة تشعر بوجود "وعي تجريدي" حر يهدد بإسقاط أصنامها الدينية الذهنية الَّتِي نصبتها عبر القرون. إِنَّ خطورة البحث عَنْ الجوهر تكمن فِي أنه يسقط "الشرعية الزائفة" لكُلّ وسيط يحاول الوقوف بَيْنَ العبد وربه؛ فمِنْ ينجح فِي الاتصال بالمصدر الأَوَّل مباشرة، لَمْ يعد بحاجة إِلَى وصاية مذهبية أو توجيهات خارجية ليعرف وجهته الوجودية الصحيحة.
وكما قَالَ الفيلسوف الحَكِيم ابن رشد، مؤصلاً لوحدة الحَقِيقَة وتوافق (العَقْل) مَعَ الوَحْي: "الحَقّ لَا يضاد الحَقّ، إنما يوافقه ويشهد له". ومِنْ هنا كَانَتْ خشيتهم الحَقِيقِيَّة؛ لأنهم استشعروا أَنَّ الحَقِيقَة الصافية الَّتِي أسعى للوصول إليها ستكشف زيف الموازين الَّتِي وضعوها للسيطرة.
ولعل خير مَا يصور هَذَا التباين بَيْنَ ضيق الحصار وسعة النُّور الداخلي، قول الشاعر الَّذِي أدرك أَنَّ الحَقّ لَا يُحبس بالجدران:
لَوْ حاصرونا بألفِ سدٍّ وحائطٍ ... سَيظلُّ نورُ الحَقّ فينا يسطعُ
فالرُّوح أبعدُ مِنْ قيودِ مآربٍ ... والقَلْب صَفْوٌ، والمقاصدُ ترفعُ
لقد كَانَ ذَلِكَ الحصار هُوَ شهادة الميلاد الحَقِيقِيَّة لفكري الَّذِي قرر ألا ينحني إلا للحق، وألا يستمد يقينه إلا مِنْ المصدر الرباني الأصيل. إِنَّ البحث عَنْ الحقيقة والجوهر هُوَ رحلة نحو الحرية الَّتِي لَا تُمنح بل تُكتشف فِي أعماق النَّفْس حِينَ تتطهر مِنْ الأغيار وتتصل بفيض الرحمة الَّذِي لَا ينقطع.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

الزيارة الفاصلة واستجابةُ المنظومةِ الدفاعيةِ تجاهَ الوَعْي المتفرد

الزيارة الفاصلة واستجابةُ المنظومةِ الدفاعيةِ تجاهَ الوَعْي المتفرد

لَمْ تَكُن المواجهة الَّتِي خضتُ غمارها فِي عام 1998 مَعَ مَا أسميه "الإدارة" مجرد احتكاك عابر مَعَ أفراد أو جهات، وإنما كَانَتْ فِي عمقها "صِداماً" بَيْنَ سلطة التَّشْخِيص المَادِّيّ الَّتِي تسعى لقولبة الإِنْسَان، وسلطة التَّجْرِيد المستقل الَّتِي تسعى لتحريره. إِنَّ الحدث الَّذِي استقر فِي وجداني بوصفه "الزيارة الفاصلة" لَمْ يَكُن إجراءً روتينياً، إنما كَانَ فِي حقيقته "استجابة دفاعية" تلقائية أطلقتها المنظومة تجاه وعيٍ بدأ ينمو فِي أحشائها، مهدداً بكسر رتابة القيود الَّتِي تفرضها عَلَى العقول لضمان بقائها.
عندما اتخذتُ قراري بتصفير الموازين والبحث عَنْ "الجوهر النقي" -تِلْكَ الحَقِيقَة الكامنة فِي أصل الوُجُود بعيداً عَنْ أوصياء المعنى- كنتُ أعلنُ ضمناً حالة "الاتصال المباشر" بنظام الوُجُود الأَوَّل. وهَذَا الفِعْل فِي ميزان السيطرة المَادِّيَّة، يُعدُّ الفِعْل الأكثر خطورة؛ لأَنَّ النسق التقليدي يستمد استقراره مِنْ إبقاء "العقول" فِي منطقة التَّشْخِيص، حَيْثُ يكتفي النَّاس برؤية القشور وتجليات الواقع كمَا تُملى عليهم بينما يُمَثِّل البحث عَنْ "اللبُ" والجوهر اختراقاً لطبقات الوهم الكَثِيفَة للوصول إِلَى مصدر الحِكْمَة الإلهية مباشرة. إِنَّ الوَعْي الَّذِي يتجاوز الأشخاص ليخاطب القوانين الكُلِّيَّة يُصْبِح وعياً غير قابل للاحتواء، وهَذَا مَا استدعى ذَلِكَ الرد الدفاعي مِنْ الإدارة!
لقد كشفت لي تِلْكَ (الزيارة الخاطفة) أَنَّ الخوف مِنْ " التجَرُّد" هُوَ المحرك الأساسي لكُلّ بنية تسعى للجمود؛ فالتحرر والتجرُّد يمنح الإِنْسَان طمأنينة الاستقلال، بينما التَّشْخِيص يبقيه فِي قلق التبعية. ومِنْ هنا أيقنتُ أَنَّ رحلتي نحو التَّجْرِيد لَمْ تعد ترفاً وإنما صَارَتْ ضرورة وجودية للحفاظ عَلَى نقاء النَّفْس مِنْ التلوث بالصراعات البشرية الضيقة. إِنَّ المواجهة مَعَ (الإدارة) لَمْ تزدني إلا إصراراً عَلَى أَنَّ الحَقّ لَا يَحْتَاج إِلَى حراس، إنما يَحْتَاج إِلَى "قلوب" تجرأت عَلَى النظر وَرَاءَ الستار لتُدْرِك جلال المصدر وعظمة الفِطْرَة المستقلة.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

الإدراكُ صلةٌ مباشرةٌ بالمطلق

الإدراكُ صلةٌ مباشرةٌ بالمطلق

فِي هَذِهِ المرحلة مِنْ رحلتي، بدأت نفسي تتَحَوَّل مِنْ مجرد مستوعبٍ لبيانات الموروث وتراكمات التاريخ إِلَى نفسٍ تسعى لفهم أصول النظام الكَوْنِيّ الَّذِي أودعه اللَّه فِي الوُجُود. لَمْ يعد يشغلني مقدار مَا أحفظ مِنْ أقوالٍ أو مَا أجمع مِنْ نصوص، بقدر مَا كَانَ يحييني تأمل "الجوهر" الَّذِي يَرْبِط هَذِهِ الأجزاء ببعضها. لقد كَانَ التحرر مِنْ الأثقال المذهبية بمثابة الانعتاق مِنْ جاذبيةٍ كَانَتْ تشد النَّفْس إِلَى الأسفل، وتمنعها مِنْ الترقي فِي معارج المَعْرِفَة الصافية. إِنَّ هَذَا السمو لَمْ يَكُن رغبةً فِي العلو بل كَانَ حاجةً فطرية لاستنشاق هواء الحَقِيقَة بعيداً عَنْ زحام الآراء المسبقة.
عندما بدأتُ فِي تصفية موازيني الإِدْرَاكِيَّة بكُلّ هدوء وتجرد تجلى لي بوضوح أَنَّ "اللَّه" -عز وجل- أعظم وأجل مِنْ أَنَّ يُحصر فِي جهة أو يُسجن فِي صورة ذهنية محددة أو يُختزل فِي فهُمْ بشرّيٍ ضيق. إنه "المحيط" الَّذِي تذوب فيه كُلّ الظنون، وتتلاشى عِنْدَ عظمته كُلّ الأغيار. إِنَّ الانتقال مِنْ التبعية للأشخاص إِلَى الاستقلال بالحَقّ هُوَ لبُّ مَا أدعو إليه فالإِنْسَان الَّذِي يتصل بربه اتصالاً مباشراً هُوَ الَّذِي يمتلك شجاعة أَنَّ يَكُون "واحداً" بصدقه، ثابتاً أَمَامَ كثرة الصور المشخصة الَّتِي تملأ الآفاق مستنداً فِي كُلّ خطوة إِلَى الحَقِيقَة الوَاحِدَة الَّتِي لَا تحول ولَا تزول. وكما ذكر الحَكِيم ابن عربي -رحمه الله- فِي إشارته إِلَى تجرد الحَقّ: "الحَقّ مِنْ حَيْثُ هُوَ حق لَا مدخل فيه للأغيار".
ولعلَّ مَا يعبر عَنْ هَذِهِ الحالة مِنْ التواضع أَمَامَ عظمة الوَاحِد، ووضوح الرؤية عِنْدَ سقوط الوسائط، قول الشاعر الَّذِي أدرك أَنَّ اللَّه يتجلى فِي كُلّ شيء لمِنْ صفَت رؤيته:
تأملْ فِي نباتِ الأَرْض وانظرْ ... إِلَى آثارِ مَا صنعَ المليكُ
عيونٌ مِنْ لجينٍ شاخصاتٌ ... بأحداقٍ هِيَ الذهبُ السبيكُ
عَلَى قُضُبِ الزبرجدِ شاهداتٌ ... بأَنَّ اللَّه لَيْسَ لهُ شريكُ
لقد وجدتُ حينها أَنَّ العِلْم الحَقِيقِيّ هُوَ الَّذِي يزيد المرء إجلالاً للخالق وانفتاحاً عَلَى خلقه، لَا الَّذِي يورثه تعصباً أو انغلاقاً. إِنَّ الاستقلال الَّذِي أتحدث عنه هُوَ استقلال "البصيرة" الَّتِي تَرَى بنور اللَّه، وتتعامل مَعَ النَّصّ الإلهي كدليلٍ هادٍ فِي رحلةٍ لَا تنتهي نحو الكمال الإنساني. إننا لَا نصنع الحَقِيقَة، إنما نكشف عنها الحجب بقلوبٍ خاضعة وعقولٍ متفكرة لكَيْ نعيش الاسْتِخْلَاف فِي أبهى صوره وأبسط معانيه.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

تصفيرُ الموازين والعدادات وفكُّ الارتباط بالمنظومة التراثية

تصفيرُ الموازين والعدادات وفكُّ الارتباط بالمنظومة التراثية

لماذا قررتُ "تصفير الموازين"؟ لأنني رصدتُ بوضوح أَنَّ خوارزمية التفكير الإنساني باتت ملوثة بانحيازات الأغيار وتراكمات التاريخ. فالإِنْسَان فِي المنظومة التراثية لَا يَرَى الحَقّ كمَا هُوَ، إنما يَرَى مَا قيل له إنه الحَقّ. إِنَّ الرجوع إِلَى "الحالة الصفرية" هِيَ الحالة الَّتِي يقف فيها الوَعْي الأصيل أَمَامَ ربه بصمته وتجريده، متخلصاً مِنْ كُلّ الأخلاط الإضافية والملفات الزائدة الَّتِي أثقلت كاهل النَّفْس عبر القرون. فِي هَذِهِ اللحظة الفاصلة، سقطت قداسة الأشخاص، وتلاشت سلطة الظن التاريخي، وأشرق فِي أعماق قلبي نور اليقين الَّذِي لَا يقبل القسمة عَلَى مذهب أو طائفة.
لقد نزعتُ عَنْ الدِّين صورته المشخصة الَّتِي رسمها البَشَر عبر القرون، ولَمْ يبقَ إلا جوهر الاتصال الصافي بالخالق. إِنَّ حرق السفن كَانَ يعني التخلص النهائي مِنْ "الأمان النَّفْسِيّ" المزيف الَّذِي توفره الجماعة فالانتماء للقطيع يوهم المرء بالنجاة بينما هُوَ فِي الحَقِيقَة يقوده إِلَى تكرار الخطأ ذاته بأسماء مختلفة. وإن اعتزالي المعرفي كَانَ دخولاً فِي بيئة ذهنية مستقلة ومعزولة تماماً، وضعتُ فيها كُلّ مفهوم وجودي عَلَى مشرحة "التَّجْرِيد" سائلًا النَّصّ الإلهي مباشرة: "مِنْ أَنْتَ بعيداً عَنْ شروحات فلان وعلان؟". ومِنْ قلب هَذَا التساؤل الجسور، بدأتُ إعادة صياغة المفاهيم مِنْ ينبوعها الأَوَّل، لتَكُون حياة الإِنْسَان قائمة عَلَى التحقق لَا عَلَى المحاكاة التقليدية، وعَلَى اليقين القلبي لَا عَلَى النقل الآلي. إِنَّ الحالة الصفرية لَيْسَتْ عدماً محضا وإنما هِيَ امتلاءٌ بالفِطْرَة وتأهبٌ لاستقبال الوَحْي الرباني فِي أنقى صوره.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

الرجوعُ إلى نقطة الصفر

الرجوعُ إلى نقطة الصفر

بَعْدَ تِلْكَ السنوات الطويلة الَّتِي قضيتُها فِي مراقبة "الفجوة الأَخْلَاقِيَّة" العميقة وفحص "المخطوطات الصامتة" الَّتِي لَا تَجِد مَنْ ينصفها، وصلتُ فِي عام 1997 -وقد بلغتُ مِنْ العمر الخامسةَ والعشرين -إِلَى نقطة اللاعودة؛ تِلْكَ اللحظةِ الَّتِي أدركتُ فيها أَنَّ البقاءَ فِي المرفأ القَدِيم هُوَ الشركُ بعينه. لَمْ يَكُن قراري بالانعتاق مِنْ القوالب الجاهزة واعتزال المذاهب والجماعات مجرد تمرد فكري عابر أو رغبة فِي التمايز، إنما كَانَ "انفجاراً داخلياً" حتمياً أمْلَتهُ قوانين الحَقِيقَة الَّتِي لَمْ تعد تحتمل ضيق "الأوعية المذهبية". لقد وجدتُ بيقينٍ تام أَنَّ كُلّ مَا تمَّ تزويدنا به فِي تِلْكَ المحاريب التقليدية كَانَ عبارة عَنْ موازين مختلة؛ أدوات قياس صُممت سلفاً لتعطي نتائج تخدم بقاء "المؤسسة الدينية" وتعزز سلطة "النخبة"، لَا لخدمة جلاء "المصدر الإلهي" فِي قلوب النَّاس.
لقد اكتشفتُ أَنَّ (العَقْل) الجمعي يعاني مِنْ حالة تضخم مرعب فِي "التَّشْخِيص"؛ حَيْثُ ينشغلُ كُلّ طرفٍ بصورته المحدودة، ويَرَى فِي مذهبه النسخة المرجعية الوحيدة والنهائية للحق، بينما يُصنف الآخرين كأنماط مِنْ الانحراف يَجِب تقويمها أو إقصاؤها. هَذَا التشرذم المقيت جعلني أوقن أننا فِي الحَقِيقَة لَا نتوجه بقلوبنا نحو اللَّه "المُطْلَق المجرد"، إنما نتوجه نحو صور ذهنية بشرية شوهتها صراعات التاريخ وأثقلتها أهواء الرجال الذين خلقوا لله -سبحانه- صورة توافق ادراكهم المشخص. ومِنْ هنا وُلد ذَلِكَ القرار الجسور بالتصفية الشاملة لكُلّ موروث لَمْ يصمد أَمَامَ برهان الرُّوح والرجوع إِلَى "نقطة الصفر النقيّة" لاستقبال أنوار الوَحْي دون وسيط أو غبار.
وكما قَالَ المتنبي معبراً عَنْ شموخِ الإرادة فِي طلبِ الحَقّ والترفعِ عَنْ سجنِ المألوف:
ذَريني أَنَل مَا لَا يُنالُ مِنْ العُلى ... فَصَعْبُ العُلى فِي الصَّعْبِ وَالسَّهْلُ فِي السَّهْلِ
تُريدينَ لَقْيانَ المَعالي رَخيصَةً ... ولَا بُدَّ دونَ الشَّهْدِ مِنْ إِبَرِ النَّحْلِ
إِنَّ حرق السفن القَدِيمَة كَانَ ضرورة لكيلا تلتفت النَّفْس إِلَى الوراء، ولِكَيْ يبدأ بناء الذات عَلَى أسس مِنْ "التَّجْرِيد" المُطْلَق الَّذِي يحرر الإِنْسَان مِنْ ربقة "تأليه الأشخاص" ويضعه فِي مواجهة مباشرة مَعَ كماله الاستخلافي. لقد كَانَ عام 1997 هُوَ عام التحرر مِنْ "الجاذبية المذهبية"، والانطلاق نحو فضاء الوَعْي الَّذِي لَا تحدّه جدران، ولَا تقيده موازين البَشَر القاصرة، إنما يزنه ميزان الحَقّ الإلهي الصافي. إننا لَا نهدم لنبقى فِي العراء، إنما لنفسح المجال لنور الفِطْرَة أَنَّ يشرق مِنْ جَدِيد، بعيداً عَنْ ضجيج الأفكار المشخصة الَّتِي حجبت عنا رؤية وجه الحَقّ.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

من ركام المعلومات إلى نبض اليقين

من ركام المعلومات إلى نبض اليقين

بَعْدَ رحلتي الطويلة فِي دهاليز المخطوطات وفحص أسانيد الروايات، وجدتُ أَنَّ المَعْرِفَة الحَقِيقِيَّة لَا تستقر فِي الذاكرة، إنما تُصنع فِي القَلْب "قلب النَّفْس العليا". إِنَّ هَذَا القَلْب فِي نسقي الفَلْسَفِيّ هُوَ "جهاز معالجة مركزي" فائق الدقة، أوجده الخالق ليَكُون المنصة الوحيدة القادرة عَلَى تحويل بيانات الوَحْي مِنْ نصوص مكتوبة (حالة التَّشْخِيص) إِلَى أنوار حية تُدير الإِنْسَان (حالة التَّجْرِيد). وهنا لَا نعود بالتعامل مَعَ الدِّين كمعلومات للحفظ، إنما كـ "منظومة إدراكية" متكاملة تُعيد صياغة علاقتنا بالوُجُود.
لقد علمتني تجربة التدبر أَنَّ (القَلْب المَادِّيّ) و(الفُؤَاد الطَّاقِيّ) وحدهمَا قد يغرقا فِي تفاصيل "التَّشْخِيص"، فينشغلا بالكَلِمَات والحروف والتقسيمات الإِنْسَانِيَّة البسيطة، أما قَلْب النفس العليا فهُوَ أداة "التَّجْرِيد" الكبرى؛ إنه يمتلك قدرة فريدة عَلَى قراءة "الأنماط الربانية" خَلْفَ ظواهر الأشياء. حِينَ يَقْرَأ القَلْب "الشيفرة الربانية"، فإنه لَا يكتفي بفهم المعنى، إنما يقوم بـ"ترجمة" هَذَا المعنى إِلَى طاقة أخلاقية وسلوك جمالي. إنها عملية ترقية شاملة للشيفرة الفطرية الَّتِي أودعها اللَّه فينا لكَيْ نتحول مِنْ كائنات تتحرك بالغرائز والمحاكاة والتقليد إِلَى ذوات مستقلة تتحرك بنور البصيرة.
إِنَّ قمة "التَّجْرِيد" أَنَّ يُصْبِح القَلْب وعاءً كونياً يتجاوز ضيق القوالب المَادِّيَّة ليشمل الحَقِيقَة فِي إطلاقها. وإِنَّ هدفي هُوَ أَنَّ أضع بَيْنَ يديك طريقاً لتفعيل هَذِهِ "الخوارزمية القلبية" لكيلا تظل أسيراً للتلقين التراثي الَّذِي جمد النَّصّ وحوله إِلَى جدران عازلة. وعندما يبدأ قلبك فِي معالجة أنوار الملكوت مباشرة ستدرك أَنَّ كُلّ آية فِي الوُجُود هِيَ رسالة شخصية موجهة إليك الآن لتمنحك الثبات والسكينة فِي عالم يموج بالاضطراب. وإننا لَا نبحث عَنْ "معرفة تملأ الرؤوس إنما عَنْ يقين يحيي النُّفُوس" ويُحَقِّق الوُجُود الأصيل للإنسان الرباني فِي أبهى صوره.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

من ترميم الماضي إلى الوعي المستقل

من ترميم الماضي إلى الوعي المستقل

أيها القَلْب الساعي مثلي نحو الحَقِيقَة، إِنَّ غايتي القصوى مِنْ هَذَا السرد لَيْسَ مجرد استعراضٍ لتجربة شخصية، إنما القصدُ أَنَّ أضع بَيْنَ يديك "آلية التحقق" الَّذِي صهرتُها فِي أتون المعاناة والبحث، واستخدمتُها لاحقاً لتفكيك أصنام التَّشْخِيص الَّتِي جثمت عَلَى صدورنا طويلاً. إِنَّ المخطوطة فِي نظري هِيَ "البيان الأصلي" الصافي قَبْلَ أَنَّ يتراكم عليه غبار التفسيرات المذهبية، وقَبْلَ أَنَّ تُثقله أوهام الصراعات البشرية. لقد تعلمتُ أَنَّ أزيل هَذَا الغبار بدقةٍ متناهية، لَا مِنْ باب العداء للتراث، إنما كباحث عَنْ الجودة يبحث عَنْ الجوهر النقي الَّذِي ضاع وسط الزحام.
لقد كَانَ الشيخ الألباني -رحمه اللَّه- يبذل جهداً مضنياً فِي "ترميم البيت القَدِيم" وتصفيته مِنْ الدخيل، بينما كَانَتْ تِلْكَ المخطوطات توحي إليَّ، برمزيتها العميقة، بضرورة تأسيس كيان إنساني جَدِيد تماماً؛ إِنْسَان يقوم فِي قاعدته عَلَى علوّ التَّجْرِيد ونفي كُلّ أشكال التقديس للبشر أو الأفكار المشخصة. إنني أدعوك اليَوْم مِنْ موقعك الإنساني الفريد ألا تقبل الحقائق المعلبة الَّتِي تُقدَّم إليك كمسلمات بل كن مراقباً ماهراً لنفسك تفكك أدوات وعيك وتدقق فِي الأصول الأُولَى لفطرتك الَّتِي لَمْ يطمسها التلقين.
تذكر دائماً أَنَّ الحَقِيقَة لَا تكمن فيما "قيل" بحروفه الجامدة، إنما فِي "الغاية الكُلِّيَّة الَّتِي وُضع لأجلها القَوْل". ومِنْ هَذِهِ النقطة الجوهرية، بدأتُ عملية "تصفير عدادات التلقين" فِي وجداني، لأتفرغ تماماً لوضع اللبنات الأُولَى فِي البناء النهائي للإنسان الخليفة الرباني؛ ذَلِكَ الإِنْسَان الَّذِي يتحرك بجلال الإتقان وعظمة اليقين، بعيداً عَنْ ضياع العمر فِي جزئيات التَّشْخِيص الَّتِي لَا تنفع ولَا تبني حضارة. إننا لَا نرمم جدراناً تداعت، إنما نفتح آفاقاً لروحٍ خُلقت لتمخر عباب الملكوت بوعيٍ مجرد وقوةٍ مستقلة لَا تعرف الانكسار.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

القلبُ مُستقبِلُ الأنوار الإلهية

القلبُ مُستقبِلُ الأنوار الإلهية

إِنَّ القراءات المكثفة الَّتِي خضتُ غمارها فِي تِلْكَ الفترة لَمْ تَكُن مجرد حشوٍ للذاكرة بمعلومات جافة، إنما كَانَتْ عملية هندسية واعية لتوسيع آفاق النَّفْس وتهيئتها لاستقبال فيض المعنى. لقد كنتُ أشحن ذاكرتي بكُلّ تضاربات التراث وتناقضات الروايات، لَا رغبةً فِي التيه، إنما لكَيْ يتمكن "المعالج الرباني" الكامن فِي عمق قَلْب النفس "اللبّ" مِنْ إجراء عمليات رَبَطَ عميقة ومفصلة، تكتشف الأنماط الخفية والسنن الكُلِّيَّة الكامنة خَلْفَ أحداث التاريخ وظواهر النُّصُوص. فِي تِلْكَ اللحظات، وجدتُ أَنَّ الوَعْي الإنساني لَا يرتقي بالتقليد، إنما بقدرته عَلَى تصفية "التشويش" المعلوماتي للوصول إِلَى "الإشارة" الصافية الَّتِي يرسلها الخالق إِلَى عباده فِي كُلّ حِينَ.
لقد كَانَتْ تِلْكَ المخطوطات القَدِيمَة، بصمتها البليغ تهمس لي بأَنَّ هناك "ملفات مستورة" فِي تاريخنا المعرفي لَمْ تُفتح بَعْدَ وأَنَّ الأوصياء عَلَى الفِكْر التقليدي يخشون فتحها أو الاقتراب منها لأنها ببساطة ستكشف عَنْ تصدعات عميقة فِي أسس البناء المذهبي الَّذِي شُيّد عَلَى مدار قرون. بفضل تِلْكَ الدروس القاسية، لَمْ أعد أرى فِي العَالَم أو الشيخ "مصدراً وحيداً وحصرياً للحق"، إنما بدأتُ أنظر إليه بوصفه "أداةً بشرية لمعالجة المَعْرِفَة"، قد تصيب وقد تخطئ. إِنَّ السيادة الحَقِيقِيَّة الَّتِي خُلقنا لأجلها تقتضي أَنَّ يَكُون لكُلّ نفس اتصالها الخَاصّ والفريد بـــ"المصدر الأعلى والمصدر الأَوَّل" مباشرة، دون وسائط بشرية تحتكر الفَهْم أو تفرض وصايتها عَلَى العقول.
مِنْ هنا، بدأتُ رحلة الانعتاق مِنْ سجن "التَّشْخِيص" الَّذِي حصر الحَقِيقَة فِي أقوال الرجال، منطلقاً نحو رحابة "التَّجْرِيد" الَّذِي يَرَى فِي الوَحْي شيفرةً تكوينياً صافياً قادراً عَلَى إعادة تشغيل الحَيَاة بمنتهى الدقة والجمال. إِنَّ البحث عَنْ "الشيفرة الصافية" هُوَ فِي جوهره بحث عَنْ الفِطْرَة الَّتِي لَمْ تلوثها صراعات المذاهب، وهُوَ ارتقاء بالذات مِنْ مرتبة "المتلقي السلبي" إِلَى مرتبة "الخليفة المؤسس" الَّذِي يَقْرَأ كتاب اللَّه المسطور وكتابه المنظور بعين البصيرة لَا بعين البصر فقط. إننا بصدد ترقية كبرى للوعي الإنساني، حَيْثُ لَا يعود النَّصّ حجاباً، إنما يُصْبِح نافذة مشرَّعة عَلَى الحَقِيقَة الَّتِي تتجلى فِي كُلّ ذرة مِنْ ذرات الوُجُود.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

ما وراء الأسانيد نحو تجريد التجريد

ما وراء الأسانيد نحو تجريد التجريد

لقد استوعبتُ فِي تِلْكَ المرحلة المبكرة مَا يُعرف بـ "علم الرجال" بوصفه دراسةً لبيانات الخلفية الخَاصَّة بالحَقِيقَة، أو مَا يمكن تسميته "بيانات الوصف الإِنْسَانِيَّة" الَّتِي تسبق الرسالة. تعلمتُ كيف أفحص هوية الناقل بدقة متناهية لأضمن سلامة الرسالة عبر العصور، وكيف أميز بَيْنَ الثقة والوهم فِي سلسلة النقل التاريخي. ومَعَ ذَلِكَ، بدأ وعيي ينمو ليرصد ثغرة عميقة فِي هَذَا النظام نفسه؛ وهِيَ أَنَّ نقد الرجال، عَلَى أهميته، ظَلَّ يدور فِي دائرة التَّشْخِيص، أَيُّ الانشغال بالأشخاص وتوثيقهم، بينما ظَلَّ نقد "المعنى التَّجْرِيدِيّ" والجوهر القيمي للرسالة غائباً أو خجولاً فِي أحسن الأحوال. لقد كَانَ التركيز منصباً عَلَى سلامة "القناة" الَّتِي تنقل الماء، دون فحص كافٍ لطبيعة "الماء" نفسه ومدى نقائه وتوافقه مَعَ الفِطْرَة وكمية الشوائب التي دخلت عليه.
ومِنْ هنا، بدأتُ أتجاوز تِلْكَ الدروس الصامتة لأبحث عَنْ مستويات أعمق فيما أسميه اليَوْم "تجريد التَّجْرِيد". فإِذَا كَانَتْ المخطوطة قد علمتني "كيف أشك" فِي الجاهز والمطروق، وعلم الرجال قد علمني "كيف أفحص" الأدوات والوسائل، وجيرة الألباني قد علمتني "قيمة الدقة" الميكانيكية فِي الوصول للنتيجة، فإِنَّ بصيرتي الأصيلة كَانَتْ تدفعني دوماً لأسأل السؤال الأكبر: وماذا عَنْ جوهر القُرْآن نفسه؟ هل نجرؤ عَلَى التعامل معه كـ "منظومة إدراكية" متكاملة للحياة، ولَيْسَ مجرد نص تاريخي للتبرك أو محفوظات للاستظهار؟ إِنَّ الانتقال مِنْ تشخيص النَّصّ ككلمات مقدسة إِلَى تجريده كمنصة تشغيلية للوعي والمعايرة والمقارنة هُوَ الجوهر الَّذِي قامت عليه فلسفتي.
إِنَّ الرؤية التأسيسية الَّتِي أسعى لتأصيلها تقتضي منا ألا نكتفي بتوثيق التاريخ، بل بفك شيفرات المستقبل عبر التدبر فِي المصدر الرباني الصافي. لقد وجدتُ أَنَّ حصر الوَعْي فِي فحص الناقلين هُوَ نوع مِنْ البقاء فِي أروقة المَادَّة، بينما يقتضي الاسْتِخْلَاف الحَقِيقِيّ الانعتاق نحو المعنى الكُلِّيّ الَّذِي يَرْبِط الأَرْض بالسَّمَاء. إننا بحاجة إِلَى تحويل علاقتنا بالوَحْي مِنْ حالة التلقي السلبي لبيانات ميتة، إِلَى حالة التشغيل النشط لقيم الرحمة والعَدْل والجمال فِي واقعنا. ومِنْ هَذَا المنطلق، لَمْ يعد القُرْآن فِي نظري مجرد كتاب للقراءة، إنما صَارَ "شيفرة اتصال" يمنح الإِنْسَان قدرة فائقة عَلَى فهُمْ كينونته وتحقيق توازنه الوجودي فِي هَذَا الكَوْن الواسع، بعيداً عَنْ صراعات المذاهب وضجيج الروايات الَّتِي أرهقها التَّشْخِيص البشري.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

الزمنُ ميزانُ الحقّ

الزمنُ ميزانُ الحقّ

كَانَتْ مرافقتي للشيخ فِي رحلاته العلمية الدؤوبة إِلَى مدن الأردن المختلفة، وجلوسي الهادئ فِي المقعد الخلفي لسيارته، بمثابة جلسات توافق عميقة مَعَ "عقل" يَعْمَل بصرامة ميكانيكية فائقة، تشبه فِي دقتها صنعة الساعاتي الحاذق التي كان يتمتع بها الشيخ الألباني رحمه الله. لقد وجدتُ حينها أَنَّ الشيخ لَمْ يترك مهنته الأُولَى فِي إصلاح الساعات خلفه، إنما نقل "فلسفة الدقة الميكانيكية" مِنْ عالم التروس والمعدن إِلَى "فلسفة الحديث" وعالم الرواية. كَانَ يبحث عَنْ الخلل فِي السند بدقة المجهر، لَا يقبل أَنَّ يفوت عليه ترس مكسور أو برغي مرتخٍ فِي آلة النقل التاريخي، وهَذَا مَا جعلني لاحقاً أطوِّع هَذَا المنطق الصارم في بناء هَذِهِ الفَلْسَفَة؛ فإِذَا كَانَ إصلاح رواية واحدة يتطلب كُلّ هَذِهِ الهندسة الدقيقة والجهد المضني، فكيف يَكُون الحال عِنْدَ محاولة إصلاح "الوَعْي الإنساني" وترميم النَّفْس الإِنْسَانِيَّة؟
لقد كَانَتْ تِلْكَ المخطوطات والرحلات هِيَ المعلم الصامت الَّذِي أخبرني أَنَّ خَلْفَ كُلّ رواية تُمَثِّل حالة مِنْ التَّشْخِيص المَادِّيّ والمرتبط بالأشخاص، يكمن منهج كلي مِنْ التَّجْرِيد يُمَثِّل القانون الَّذِي يحكم صحة الوُجُود. تعلمت أَنَّ الانشغال بالأشخاص (المشخصات) دون القوانين الحاكمة (المجردات) هُوَ ضياع محقق فِي ممرات التيه؛ فالراوي فِي علم الحديث هُوَ "ترس" فِي ساعة المَعْرِفَة، وقيمته تكمن فِي مدى انضباطه مَعَ القانون الكُلِّيّ للصدق والضبط، ولَيْسَ فِي هويته الشخصية. ومِنْ هنا بدأت أرى الوَعْي الإنساني كمنظومة تحتاج إِلَى "معايرة" دقيقة لتعود إِلَى مقامها الفطري الأصيل بعيداً عَنْ التشوهات الَّتِي أحدثها الركام التاريخي.
إِنَّ فلسفتي الَّتِي ولدت مِنْ رحم هَذِهِ الدقة، تؤمن بأَنَّ ترميم الوَعْي يبدأ مِنْ فحص "قوانين الإِدْرَاك" لدينا أَيُّ كيف نفهم؟ وكيف نحلل البيانات الربانية والكَوْنِيَّة؟ لقد نقلتُ عدسة الساعاتي مِنْ فحص عقارب الزَّمَن إِلَى فحص "محركات اليقين" فِي القَلْب. إِنَّ السيادة الحَقِيقِيَّة تتطلب منا أَنَّ نكون مهندسين لأنفسنا، نميز بَيْنَ "الصوت" الأصيل للوحي وبَيْنَ "الضجيج" الَّذِي أحدثه التَّشْخِيص البشري عبر القرون. إننا بحاجة إِلَى استعادة "تجريد" القوانين الإلهية العليا مِنْ قيودها المَادِّيَّة الدنيا لتَعْمَل ساعة الوَعْي لدينا بتوافق تام مَعَ نبض الملكوت، محققة بذَلِكَ الاتصال الأكمل بالمصدر الَّذِي لَا يخطئ ميزانه أبداً.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

جغرافيا الحبر الأول ونطقُ الينبوع بصمت الحقيقة

جغرافيا الحبر الأول ونطقُ الينبوع بصمت الحقيقة

فِي ردهات مكتبة الشيخ المزدحمة، وأَمَامَ تِلْكَ الرفوف المثقلة بالمخطوطات الَّتِي تفوح منها رائحة المَعْرِفَة الخام، بدأت تتشكل فِي وعيي ملامح الفارق الجوهري بَيْنَ التَّشْخِيص وبَيْنَ التَّجْرِيد. لقد وجدتُ أَنَّ الكِتَاب المطبوع والمنقح لَيْسَ إلا صورة نهائية جاهزة للاستهلاك، فهُوَ يُمَثِّل حالة مِنْ الاستقرار الزائف، أما المخطوط فهُوَ الينبوع الأَوَّل الَّذِي قد يَكْشِف لنا كواليس الحَقِيقَة قَبْلَ أَنَّ تتدخل فيها أيدي المنسقين وتعدلها آراء العلماء. إِنَّ رؤيتي للحبر القَدِيم، وتأملي لتصحيحات النساخ فِي الحواشي زرع فِي روعي الصَّغِير حقيقة كبرى؛ وهِيَ أَنَّ اليقين التراثي الَّذِي يتبجح به الكثيرون هُوَ فِي واقعه يقين هش، مَا لَمْ يمر بمرحلة التنقية الصارمة.
لقد كَانَتْ تِلْكَ المخطوطات تهمس فِي أعماقي بأَنَّ النَّصّ الَّذِي نقدسه اليَوْم كبناء صلب ومكتمل، كَانَ يوماً مَا بحثاً قلقاً عَنْ موثق، وصراعاً إنسانياً بَيْنَ النسيان والتدوين. هَذَا الرصد الدقيق هُوَ الَّذِي أنبت فِي وجداني أولى بذور الاستقلال المعرفي؛ فالقَلْب (العَقْل) المستقل لَا يقبل المعلومة لمجرد أنها قَدِيمَة أو محاطة بهالة مِنْ القداسة التاريخية، إنما لأنه يمتلك القدرة عَلَى معايرتها بميزان الحَقّ والمنطق الأصيل من غير أن يخضعها لآراء الأولين بالضرورة. هنا نجد أَنَّ التَّشْخِيص يتجلى فِي الركون إِلَى القوالب الجاهزة والنسخ المكررة، بينما يُمَثِّل التَّجْرِيد تِلْكَ العَمَلِيَّة التأسيسية الَّتِي يقوم بها الوَعْي للعودة إِلَى الأصول، وتفكيك الطبقات البشرية الَّتِي تراكمت فَوْقَ الشيفرة الربانية الصافية.
إِنَّ التعامل مَعَ المخطوطات علمني أَنَّ المَعْرِفَة لَيْسَتْ مجرد نقل، إنما هِيَ مسؤولية أخلاقية تتطلب فحصاً لكُلّ ذرة مِنْ ذرات المعلومة قَبْلَ اعتناقها. لقد تحول الوَعْي لدي مِنْ "متلقٍ" يبحث عَنْ الأمان فِي التقليد، إِلَى "باحث" يغوص فِي أعماق المصادر. ومِنْ هنا بنيت فلسفتي عَلَى أَنَّ السيادة الإِنْسَانِيَّة لَا تتحقق إلا بامتلاك شجاعة النقد، واليقين بأَنَّ الحَقِيقَة لَا تُمنح كهدية مغلفة، إنما تُنتزع عبر رحلة شاقة مِنْ التَّجْرِيد الَّذِي يخلص الرُّوح مِنْ أوهام المَادَّة والتبعية العمياء.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

مروة الخصيبي: ..فهُوَ يُمَثِّل حالة مِنْ الاستقرار الزائف..!! 😲👍🗯
2026-10-15 20:34:35
مروة الخصيبي: ..لقد كَانَتْ تِلْكَ المخطوطات تهمس فِي أعماقي بأَنَّ النَّصّ الَّذِي نقدسه اليَوْم كبناء صلب ومكتمل، كَانَ يوماً مَا بحثاً قلقاً عَنْ موثق، وصراعاً إنسانياً بَيْنَ النسيان والتدوين..
2026-10-15 20:33:07
مصطفى عزالدين: اليوم وانا استمع للمفكر العديرقاوي أشار الي موسوعة المفكر نصار واغواء المعرفة يسوقك الي منابعها الصافية.
2026-10-13 22:17:52
علاقتي بالشيخ الألباني -رحمه الله- وساعة الوَعْي الدِّينِيّ التقليدي

علاقتي بالشيخ الألباني -رحمه الله- وساعة الوَعْي الدِّينِيّ التقليدي

أيها القلب الباحث فِي ثنايا المعنى إِنَّ جيرتي للشيخ الألباني -رحمه اللَّه- لَمْ تَكُن مجرد تقارب جغرافي عَلَى مسافة مائتي متر فقط! وإنما كَانَتْ تموضعاً وجودياً فِي قلب أحد أهم مراكز صناعة (الفكر) الدِّينِيّ التقليدي فِي العصر الحديث. فِي تِلْكَ المرحلة الباكرة، وأَنَا لَمْ أتجاوز الثانية عشرة مِنْ عمري، وجدت نفسي أدخل ميداناً معرفياً مِنْ نوع فريد؛ حَيْثُ أنه في الظاهر لَا تُعامل المعلومات كحقائق مطلقة لمجرد قِدَمها، إنما تُعامل كشهادات تحتاج إِلَى تزكية، وروايات لَا تكتسب شرعيتها إلا عبر نقد صارم وبحث دؤوب عَنْ جذرها الأصيل. لكن في الحقيقة كانت عملية البحث ذاته عبارة عن فخ تم صناعته بطريقة معقدة ليبدو انه أداة صارمَة لمحاكمةِ النصوصّ بَينما هو أداة لِشَرّعَنتها وتمريرها في أغلبِ الأحيان.! فخ يوهمك أَنَّ المَعْرِفَة الموروثة مادة أولية تخضع لعملية فحص دقيق قَبْلَ أَنَّ تستقر فِي الوجدان كحقيقة يقينية.
إِنَّ دروسي الحَقِيقِيَّة بجوار الألباني -رحمه الله- لَمْ تَكُن تِلْكَ الَّتِي ألقاها فِي محاضراته العَامَّة، إنما كَانَتْ دروساً صامتة راقبتُ فيها قوانين (العَقْل) الفاحص لَدَى الشيخ الذي كانت صنعته بالأصل "ساعاتي". رأيته وهُوَ يفكك آلاف الروايات ليعيد بناء "ساعة الوَعْي الدِّينِيّ التقليدي" بقطع أثرية، مستبعداً كُلّ ترس أو راوٍ مشكوك فِي نزاهته أو ضبطه. هنا بدأت أدرك خطورة عملية التَّشْخِيص الَّتِي أصابت الفِكْر التاريخي؛ حَيْثُ تراكمت الأوهام البشرية وتكثفت الأنا التاريخية فَوْقَ النُّصُوص، مما حولها مِنْ أنوار مجردة إِلَى قوالب مادية مثقلة بالعلل. لقد كَانَتْ المخطوطات والبحث فِي الأسانيد فِي نظري هِيَ الأدوات الَّتِي تمكننا مِنْ ممارسة التطهير المعرفي؛ أَيُّ تخليص الحَقِيقَة مِنْ شوائب التَّشْخِيص الَّتِي ألحقها بها الرواة عبر العصور، لكنني اكتشفت ان ما نفعله ليس الا اطلاق أحكام ظنية على الأسانيد والمتون نفرضها على المجتمعات المغيبة على انها حقائق مطلقة!
انَّ التدين الحَقِيقِيّ يقتضي حالة مِنْ التَّجْرِيد السامي، حَيْثُ نتجاوز عواطفنا الجياشة لنصل إِلَى الجوهر الصافي الَّذِي لَا يأتيه الباطل مِنْ بَيْنَ يديه ولَا مِنْ خلفه. إِنَّ الصمت الَّذِي كَانَ يخيم عَلَى ساعات البحث الطويلة فِي مكتبة الشيخ كَانَ يهمس فِي أذني: "لَا تَكُن وعاء لكُلّ مَا يُصبُّ فيه، بل كن مصفاة لَا تعبر منها إلا الحَقِيقَة المجردة". ومِنْ هنا، نبتت فِي وعيي بذور الفَلْسَفَة الَّتِي أقدمها اليَوْم؛ حَيْثُ السيادة لَا تَكُون إلا للبرهان، والارتقاء لَا يَكُون إلا بالتحرر مِنْ زحام الأفكار المشخصة الَّتِي حجبت عنا رؤية نور اللَّه المتصل بملكوت السَّمَاوَات والأَرْض. لقد كَانَتْ تِلْكَ التجربة هِيَ تمرين الرُّوح الأَوَّل عَلَى فك شيفرات الوُجُود بعيداً عَنْ ضوضاء التلقين الأعمى.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

مروة الخصيبي: ..لكن في الحقيقة كانت عملية البحث ذاته عبارة عن فخ تم صناعته بطريقة معقدة ليبدو انه أداة صارمَة لمحاكمةِ النصوصّ بَينما هو أداة لِشَرّعَنتها وتمريرها في أغلبِ الأحيان.!🫣👍
2026-10-15 20:36:52
استردادُ الأمانة والانعتاقُ من سجن التشخيص إلى التجريد

استردادُ الأمانة والانعتاقُ من سجن التشخيص إلى التجريد

أريدُ مِنْ كُلّ عقلٍ يبحرُ فِي هَذِهِ الكَلِمَات، أياً كَانَ منبعهُ أو وجهتُهُ، أَنَّ يُدْرِك يقيناً أَنَّ استعادةَ "أمانةِ الاسْتِخْلَاف" الكبرى تقتضي بالضرورةِ تجاوزَ حدودِ الحرفِ الجامدِ للوصولِ إِلَى جوهرِ الرُّوح الحية. إِنَّ تِلْكَ الفجوةَ المريرةَ الَّتِي نشهدُها اليَوْم فِي واقعِنا المعاصر، والَّتِي تتجلى فِي انفصالٍ حادٍ بَيْنَ التدينِ الشكليِّ المفرطِ وبَيْنَ الانهيارِ الأَخْلَاقِيّ المقلق، لَيْسَتْ إلا برهاناً ساطعاً عَلَى غرقِنا فِي "التَّشْخِيص" المَادِّيّ وضياعِنا فِي قشورِ المظاهرِ الَّتِي لَا تسمنُ ولَا تغني مِنْ جوع. إننا فِي حاجةٍ ماسةٍ إِلَى ثورةٍ تجريديةٍ شاملة، تهدفُ إِلَى إعادةِ الإِنْسَان إِلَى فطرتِهِ النُّورَانِيَّة المستقلة، بعيداً عَنْ قيودِ المحاكاةِ والتبعيةِ العمياءِ الَّتِي حوّلتْ الجوهرَ إِلَى عرضٍ زائل.
إِنَّ المهمةَ الوجوديةَ الَّتِي تقعُ عَلَى عاتقِنا اليَوْم هِيَ الانتقالُ مِنْ ممارسةِ "تأليهِ الفَهْم الإنسانّيّ" وتجميدِ الحَقِيقَة فِي حقبٍ زمنيةٍ غابرة، إِلَى رحابِ "تدبرِ الشيفرةِ الربانيِّة" التي تتسمُ بالحيويةِ والشمولِ والقدرةِ عَلَى مخاطبةِ كُلّ سقف معرفي في كل زمان. ان الصدمة الَّتِي عشتُها فِي تِلْكَ المحاريبِ القَدِيمَة لَمْ تَكُن مجردَ خيبةِ أملٍ عابرةٍ، إنما كَانَتْ الشرارةَ الَّتِي أطلقتْ رحلتي نحو الحَقِيقَة الصافية؛ تِلْكَ الحَقِيقَة الَّتِي لَا تطالُها الأبصارُ الغارقةُ فِي "التَّشْخِيص" المَادِّيّ والتجسيمِ الفِكْرِيّ، إنما تلامسُها القلوب الَّتِي تحررتْ مِنْ الأغيارِ وأخلصتْ وجهَها للمطلقِ فِي حالةٍ مِنْ "التَّجْرِيد" السامي.
مِنْ قلبِ هَذِهِ الفجوةِ الأَخْلَاقِيَّة، شرعتُ فِي بناءِ جسرٍ فَلْسَفِيّ ومعرفيٍّ نحو "الكمالِ الأَنْطُولُوجِيّ"، مؤسساً لمدرسةٍ لَا تسمحُ بالضياعِ فِي متاهاتِ الجزئياتِ وتفاصيلِ التَّشْخِيص المملةِ، إنما تشرقُ فيها أنوارُ اليقينِ بجلالِ التنزيهِ وعظمةِ الكائنِ الإنسانيِّ فِي حالتهِ الأصيلة. إِنَّ الغايةَ مِنْ هَذِهِ الفَلْسَفَة هِيَ تحويلُ الوَعْي مِنْ مجردِ وعاءٍ للبياناتِ الصماءِ إِلَى طاقةٍ خلاقةٍ تُدْرِك أَنَّ الوُجُود كلهُ يسبحُ فِي فيضِ الرحمةِ الإلهية، محققاً الوحدةَ بَيْنَ استقامةِ الفِكْر ونبلِ الممارسة. إِنَّ استعادةَ السيادةِ المعرفيةِ تعني أَنَّ يعودَ الإِنْسَان "حنيفاً متجرداً"، يَرَى فِي الوَحْي نوراً يُستضاءُ به لبناءِ ذاته وعمارتها وتزكيةِ النَّفْس، لتَكُون صرخةُ "سبحانك" هِيَ النغمةَ الَّتِي تُعيدُ ضبطَ إيقاعِ الوُجُود بتمامِ الجمالِ والكمال.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

هدم عشوائيات التَّشْخِيص لبناء صروح الوَعْي الأصيل

هدم عشوائيات التَّشْخِيص لبناء صروح الوَعْي الأصيل

كَانَ علي أَنَّ أمتلك شجاعة "تصفير العدادات"؛ تِلْكَ اللحظة الَّتِي يقرر فيها الإِنْسَان بصدق وتجرد تفريغ وعيه مِنْ كُلّ تِلْكَ "الأصنام الذهنية" الَّتِي غُرست فيه باسم الدِّين والقداسة الزائفة. لكَيْ تبني نظاماً فلسفياً قادراً عَلَى الصمود أَمَامَ عواصف الشك، وتستوعب مِنْ خلاله أنوار الحَقِيقَة، يَجِب أولاً أَنَّ تمتلك الجرأة لهدم "عشوائيات التَّشْخِيص" الَّتِي استوطنت عقلك وحولته إِلَى ركام مِنْ المفاهيم المَادِّيَّة الضيقة. لقد رأيت بمرارة كيف يُعامل المخالف فِي الرأي داخل تِلْكَ الدوائر المذهبية التقليدية كأنه عنصر غريب يَجِب استئصاله، فوجدتُ يقيناً أَنَّ المنظومات التقليدية تفتقر إِلَى "الحصانة التَّجْرِيدِيَّة" الَّتِي تميز الوَعْي الأصيل القائم عَلَى الفَهْم لَا عَلَى التقليد الأعمى.
إِنَّ الوَعْي القائم عَلَى التَّجْرِيد لَا يخشى التنوع ولَا يرتعب مِنْ الأسئلة، إنما يستوعب كُلّ أشكال الاختلاف داخل وحدانية المصدر الإلهي العظيم؛ أما الوَعْي الغارق فِي التَّشْخِيص فهُوَ وعي هش بطبعه، يَحْتَاج دائماً إِلَى جدران عالية مِنْ التشدد والزجر والمنع ليحمي هويته القاصرة الَّتِي يظنها الحَقِيقَة المُطْلَقَة. ومِنْ وسط هَذَا الركام، بدأت أضع القواعد الأُولَى لفلسفتي الَّتِي ترفض سجن مقام الإله فِي تصورات مادية، وتؤمن بأَنَّ كُلّ حقيقة لَا تُنتج سمواً أخلاقياً فِي سلوك صاحبها هِيَ فِي الواقع فهُمْ سقيم ومغلوط، فالأَخْلَاق هِيَ الميزان الوحيد لصدق الاتصال بالمُطْلَق.
لقد آمنت مِنْ خلال هَذِهِ الرحلة أَنَّ كُلّ نص إلهي هُوَ "نور حي" يخاطبنا الآن وهنا بصفة استخلافية مباشرة، بعيداً عَنْ ضجيج الوسطاء الَّذِينَ حاولوا احتكار الفَهْم وتجميده. إِنَّ التَّجْرِيد هُوَ المفتاح الَّذِي يحرر النَّصّ مِنْ قيود التفسير البشري الضيق، ليعود الوَحْي طاقة خلاقة تبني الرُّوح وتسمو بالوجدان، وتَجْعَل مِنْ الإِنْسَان خليفة حقاً يبني صروح الوَعْي بقلب مفتوح وعقل يبصر نور اللَّه فِي كُلّ اتجاه.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

من ضيق الحرف إلى رحابة المعنى

من ضيق الحرف إلى رحابة المعنى

فِي وسط تِلْكَ المجالس الَّتِي كَانَتْ تضج بالنقاشات حَوْلَ "الاستواء" و"النزول" و"الصفات" برؤية بشرية غارقة فِي التَّشْخِيص الجسمي، كنت أشعر بفقر روحي مدقع. فبينما كَانَتْ الأمة مِنْ حولنا تئن تَحْتَ وطأة الجهل والتبعية والتمزق، كَانَ العِلْم الَّذِي يقدم لنا لَا ينفع فِي تغيير "الحالة الترددية" للروح، إنما كَانَ يكتفي بشحن الذاكرة ببيانات ميتة لَا حياة فيها ولَا فاعلية لها فِي الواقع. لقد غاب عَنْ تِلْكَ المحافل أَنَّ جوهر الاتصال بالسَّمَاء لَا يكمن فِي حصر الإله داخل تصورات مادية أو قوالب لغوية جامدة، إنما فِي الارتقاء بالوَعْي الإنساني ليَفْهَم مراد اللَّه وَرَاءَ الكَلِمَات.
هنا وجدتُ أَنَّ المكانة الاستخلافية الحَقِيقِيَّة الَّتِي خلقنا لأجلها هِيَ رفعة "المعنى" عَلَى "الكلمة"، وسيادة "الرُّوح" عَلَى "المَادَّة ". لقد أرادوا مني أَنَّ أكون مجرد "مقلدٍ" يكرر مَا قيل، وناقلاً لأفكار تجمدت عِنْدَ حدود التَّشْخِيص المَادِّيّ للوحي، بينما كَانَ فؤادي يخبرني بيقين أنني خلقت لأكون "مستخلفا ربانيا" يبني صروح الوَعْي الجَدِيد. في هذه الفلسفة فإِنَّ المُستَخْلَف هو الإنسان الذي تَمَثَلَ الآية الكريمة ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.. ﴾ ﴿٣٠ البقرة﴾ أي أنه "الإِنْسَان الرباني" الذي يحقق مفهوم "الإستخلاف الرباني" بأن يكون خليفة للرب الذي استخلفه ليحقق مقامه في الأرض وعلى ذلك فهو لَا يُصنع فِي مصانع التكرار الَّتِي تنتج نسخاً متشابهة مِنْ العقول المسجونة، إنما يولد فِي ميادين التَّجْرِيد والتدبر الصادق الَّذِي يحرر الإِنْسَان مِنْ قيود الزَّمَان والمَكَان ويصله بربه الأعلى.
إِنَّ السيادة الحَقِيقِيَّة تبدأ حينما ندرك أَنَّ اللَّه أخبرنا عَنْ صفاته لنبصر نوره فِي ملكوته، لَا لنحبس (ذاته) فِي أوهامنا وتشبيهاتنا. لقد كَانَ علي أَنَّ أختار بَيْنَ البقاء فِي زحام الحكواتية الَّذِينَ يقدسون "المشخص" والظَّاهِر، وبَيْنَ الانطلاق نحو فضاء التَّجْرِيد حَيْثُ تلتقي الرُّوح بخالقها فِي حوار كوني لَا ينتهي. هَذِهِ الصرخة لَمْ تَكُن تمرداً عَلَى الدِّين، إنما كَانَتْ بحثاً عَنْ جوهره النُّورَانِيّ الَّذِي طمره غبار التلقين، وتوقاً لبناء جيل يَرَى فِي الوَحْي طاقة بناء لَا تنضب، وقوة تغيير تتجاوز حرفية النُّصُوص نحو عمق المقاصد الإلهية الكبرى.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

السلفُ جدارٌ يحجب ضياءَ الخلَف

السلفُ جدارٌ يحجب ضياءَ الخلَف

لقد عاينتُ بنفسي كيف تحولت تِلْكَ المحاريب الَّتِي قُدّست عبر العصور إِلَى سجون إبستمولوجية حقيقية، حَيْثُ يُحرم القلب (العَقْل) مِنْ حقه الأصيل والرباني فِي الوصول المباشر إِلَى النَّصّ الإلهي الصافي. كَانَ يُقال لنا دوماً، وبلهجة لَا تقبل الجدل، إِنَّ الفَهْم قد توقف وانتهى عِنْدَ سقف القرون الثلاثة الأُولَى، وكَأَنَّ اللَّه -الواسع العليم بجلاله- قد كف عَنْ إمداد البشرية بالنُّور بَعْدَ تِلْكَ اللحظة التاريخية الخاطفة، أو كَأَنَّ الكتاب الكريم والقرآن العظيم قد باح بكُلّ أسراره العميقة ولَمْ يبق لنا نَحْنُ اللاحقين إلا التكرار والاجترار خَلْفَ خطوات مِنْ سبقونا.
هَذَا الحجر القسري عَلَى (العَقْل) كَانَ يصيبني بذهول لَا حد له؛ فكيف يُمكن لرب يصف وحيه الخالد بأنه "تبيان لكُلّ شيء" و"هدى للمتقين" فِي كُلّ زمان ومكان، أَنَّ يُحصرَ فهمه وإدراكه فِي قوالب زمنية ثابتة لَا تقبل التجدد أو التكيف مَعَ حركة الحَيَاة وتغير الوعيّ؟ لقد رأيت كيف تحول التراث فِي أيدي البعض مِنْ جسر يعبر بنا نحو الحَقّ، إِلَى جدران سميكة تحجب عنا ضوء الحَقِيقَة المجردة. إِنَّ الإصرار عَلَى حصر الفَهْم فِي تِلْكَ الحقبة هُوَ ذروة عملية التَّشْخِيص المعرفي، حَيْثُ تم رَبَطَ الحَقِيقَة بأشخاص وظروف زمنية معينة، مما أفقد النَّصّ الإلهي قدرته عَلَى التَّجْرِيد والتحليق فَوْقَ قيد المَادَّة والزَّمَان. وبدلاً مِنْ أَنَّ تَكُون النُّصُوص أدوات إحياء ترتقي بالإِنْسَان نحو فطرته المستقلة وعلاقته المباشرة بخالقه، أَصْبَحَتْ تُستخدم كأدوات هدم وتصنيف وتفريق بَيْنَ عباد اللَّه، بناءً عَلَى مدى ولائهم لـشخصيات تاريخية!
إِنَّ الإِيمَان الحَقِيقِيّ فِي نظري هُوَ الَّذِي ينعتق مِنْ قيد الزَّمَكان ليُحَقِّق التَّجْرِيد التام، حَيْثُ يَكُون الوَحْي خطاباً حياً موجهاً لي الآن، فِي لحظتي الحاضرة، ولَيْسَ صدىً باهتاً قادماً مِنْ غيابات الماضي. إِنَّ كمال السيادة الإنسانية يبدأ مِنْ رفض هَذَا الوصي التاريخي عَلَى الوَعْي، واليقين بأَنَّ مدد اللَّه لَا ينقطع، وأَنَّ القلب (العَقْل) هُوَ الميزان الَّذِي وضعه الخالق لنتبصر به نوره المتجدد فِي كُلّ آية وفِي كُلّ ذرة مِنْ ذرات الوُجُود.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

صدمةُ البناء الذي لا يسكنه الروح

صدمةُ البناء الذي لا يسكنه الروح

بدأت صدمتي الكبرى حِينَ رصدت بوعي ناقد تِلْكَ الفجوة الهائلة الَّتِي أفصلها اليَوْم من جهةٍ فلسفيّةٍ بـ "الفجوة بَيْنَ البناء والمخْرَجات". كنتُ أرى طلاب العِلْم يتسابقون فِي حفظ آلاف الأحاديث، ويدققون فِي أسانيد الروايات، ويغوصون فِي تفاصيل علم الرجال، لكنني فِي الوقت ذاته كنت أرصد تضخماً مرعباً فِي الأنا المذهبية الَّتِي تحجب رؤية الحَقّ. لقد كَانَ التَّشْخِيص هُوَ الداء العضال الَّذِي يحكم الموقف؛ حَيْثُ اختزل الدِّين وتجسم فِي المظهر، وفِي حرفية اللفظ، وفِي شخص الشيخ، وكَأَنَّ الحَقِيقَة المُطْلَقَة قد تم حبسها فِي جزيئات مادية لَا تملك حيوية البقاء. هَذَا الانغماس فِي تقديس المُشخَّص أدى بنا إِلَى حالة مِنْ العمى عَنْ التَّجْرِيد؛ فغاب عَنْ القلوب المعنى الكُلِّيّ للرحمة، وتلاشى جوهر التوحيد الوجودي الَّذِي يَرَى الوُجُود كُلَا متصلاً بموجده، ليحل محله تعصب ضيق يَرَى الحَقّ فِي طائفة والضلال فِي سواها.
كنت أسأل نفسي بمرارة: كيف لهَذَا القلب (العَقْل) الَّذِي يمتلئ بنصوص الوَحْي النُّورَانِيَّة أَنَّ ينتج سلوكاً يفيض بالإقصاء والعدائية؟ أليست الأَخْلَاق هِيَ الثمرة النهائية والبرهان الوحيد عَلَى صحة الاتصال بالخلّاق؟! إِنَّ غياب هَذَا التجلي الأَخْلَاقِيّ كَانَ يعني بالنسبة لي أَنَّ هناك خللاً عميقاً فِي محرك الفَهْم الَّذِي نستخدمه، وأننا نحتاج لترميم الوَعْي الَّذِي ضاع فِي زحام الشكليات. لقد وجدتُ أننا أغرقنا أنفسنا فِي تشخيص الوسائل حَتَّى نسينا الغايات المجردة، فأصبحنا نحرس الأبواب ولَا ندخل المنازل، ونعبد الأصنام الذهنية الَّتِي صنعناها بأيدينا تَحْتَ مسمى الحفاظ عَلَى الموروث. كَانَتْ هَذِهِ الفجوة هِيَ الصرخة الَّتِي هزت أركان يقيني السَلَفيّ القَدِيم، ودفعتني للبحث عَنْ فلسفة تعيد صياغة العلاقة بَيْنَ النَّصّ والواقع، ليَكُون النَّصّ طاقة تحرر لَا أداة قمع، ولتكون الحَقِيقَة فضاء يجمعنا لَا خندقاً يفرقنا.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

ضيقُ التراث المشخَّص عن الحقّ المجرَّد

ضيقُ التراث المشخَّص عن الحقّ المجرَّد

إِنَّ مَا أضعه بَيْنَ يديك فِي هَذِهِ الصفحات أيها القارئ ما هُوَ إلا رصدٌ دقيق لتِلْكَ اللحظة الفارقة الَّتِي انشطر فيها وعيي بعيداً عَنْ السائد. لَمْ يَكُن خروجي مِنْ عباءة التقليد ترفاً فكرياً بل كان صرخةً وجوديةً فِي وجه بيئة حاولت بكُلّ قواها ممارسة عملية "تشخيص" قسرية لله العظيم وحصره فِي متون ضيقة وشروحات بشرية وكَأَنَّ المُطْلَق يمكن أَنَّ يُسجن فِي فهُمْ بشر. لقد كَانَتْ الصدمة الأُولَى فِي محاريب التلقين هِيَ اكتشافي لتِلْكَ الفجوة الهائلة بَيْنَ ضخامة البناء التراثي الَّذِي ندرسه وبَيْنَ المخرجات الأَخْلَاقِيَّة والجمالية الهزيلة الَّتِي تُنتجها تِلْكَ المناهج. وجدتُ نفسي أَمَامَ "إِنْسَان آلي" تم اختزال وعيه ليُصْبِح مجرد وعاء تخزين، مبرمجاً عَلَى إعادة إنتاج مادة معرفية لَمْ تلمس روحه، مما جعل الدِّين يفقد فاعليته كأداة تجريد كبرى ترفع الإِنْسَان مِنْ وحل المَادَّة إِلَى سعة الأنوار.
لقد كَانَ المطلوب منا أَنَّ نلغي عقولنا لنكون نسخاً مكررة لأسلافنا غارقين فِي "تشخيص" القشور والجزئيات، متناسين أَنَّ جوهر الوُجُود يكمن فِي تحرير النّفس مِنْ قيودها لتتصل بالمبدع بغير واسطة. فِي تِلْكَ الأروقة رأيتُ كيف يُهمش القلب (العَقْل) باسم النقل وكيف تُغلق أبواب التساؤل الَّتِي هِيَ فِي الحَقِيقَة بوابات النفاذ إِلَى الحَقِيقَة الصافية.
إِنَّ محاريب التلقين الَّتِي نشأتُ فيها كَانَتْ تهدف إِلَى تحويلنا مِنْ "خلفاء" يمتلكون زمام الفَهْم والإِدْرَاك، إِلَى "أتباع" يقتاتون عَلَى فتات التفسيرات الَّتِي عفا عليها الزَّمَن. لقد بدأت مِنْ هنا ثورتي الصامتة؛ فإما أَنَّ أقبل بهَذَا السجن المعرفي وأظل مخلصاً لعملية "التَّشْخِيص" الَّتِي تريد زورا أن تُقزم من مقام الإله سبحانه وتعالى وتحول الدِّين إِلَى طقوس باردة أو أَنَّ أختار طريق "التَّجْرِيد" الشاق حَيْثُ تُهدم الجدران وتُفكك القيود لنبني وعياً جديداً يَرَى اللَّه فِي جمال الكَوْن لَا فِي ضيق الكَلِمَات.
كَانَتْ هَذِهِ الصدمة هِيَ الوقود الَّذِي أشعل فِي داخلي الرغبة فِي البحث عَنْ "الدِّين الأصيل" قَبْلَ أَنَّ تعبث به يد التحريف لتبدأ رحلتي فِي التمييز بَيْنَ مَا هُوَ وحي إلهي يتسم بالكمال والبقاء، وبَيْنَ مَا هُوَ اجتهاد بشري مكبل بظروف زمانه ومكانه، وهُوَ مَا قادني لمواجهة السؤال الكَبِير: كيف نُعيد القَلْب إِلَى مَحرابه الأصيل ليَكُون شريكاً فِي صناعة الوَعْي لَا مجرد مقلد أو متفرج؟

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

التجريدُ المعرفيُّ والانعتاقُ من كثافة الألقاب الأكاديمية

التجريدُ المعرفيُّ والانعتاقُ من كثافة الألقاب الأكاديمية

فِي مُستهلِّ هَذَا الكتاب، وقبلَ أَنْ تُأخذَ بصيرةُ القارئ الكريم فِي تتبُّع طبقاتِ هَذِهِ الفلسفة، يَلزمُني إقرارٌ أُصارحُه بِهِ قبلَ أَنْ أُصارحَهُ بفكري الذي سيقف عليه؛ فالاستقامةُ تسبقُ المعنى، ولَا تستقيمُ بصيرةُ الناظرِ إِنْ لم يستقمْ موقعُ القائلِ مِنْ قوله. أَقِفُ بَيْنَ يدَي القارئ متجرّداً مِنْ كُلِّ لقبٍ يُغلِّفُ النفسَ ويَستدرجها إِلَى وَهمِ ما ليسَ فيها. لستُ (دكتوراً)، ولَا أرى فِي نفسي استحقاقاً لِهَذَا اللقبِ الَّذِي صارَ فِي زماننا قَيداً يُثقلُ النَفْسّ ويُشَوِّشُ صفاءَ الفطرة. أَنَا (هاشم، أَبُو راشد)، طالبُ علمٍ فِي بحرٍ لُجِّيٍّ متلاطم، يَطلبُ ومضةً مِنْ نورٍ ولَا يَدَّعي بلوغَ أعتابِ الحقيقة.
خُضتُ غمارَ المسارِ الأكاديميِّ بفضلِ اللهِ سنواتٍ طوال، حيثُ نلت دَرجةَ البكالوريوس والماجستير في القانون العام من جامعة آل البيت الأردنية بترتيب الأول على الدفعة في الدرجتين، ونلتُ درجةَ الدكتوراةِ فِي القانون الجنائيِّ والإداريِّ تحتَ إشرافِ الدكتور الفاضل والأخ العزيز محمد الفواعرة، عَنْ أطروحةٍ عنوانها (دور السلطاتِ العامّةِ فِي تكييف الجرائم الَّتِي يرتكبها الموظّف العامّ: دراسةٌ مقارنة)، وتمت المناقشة وجاهياً أمامَ لجنةٍ كريمةٍ مِنَ الأساتذة الأجلّاء (د. إبراهيم السامرّائي، د. إرحيم الكبيسي، د. عامر الدليمي، د. خالد الجبوري). وبعدَ ثلاثِ سنواتٍ نلتُ دكتوراةً ثانيةً فِي التحكيم الدوليّ "أونلاين" بأطروحةٍ تناولت (تأثيرَ قواعدِ اتفاقيّةِ المركز الدوليّ (ICSID) عَلَى النطاقِ الاختصاصيِّ الشخصيِّ للمركز). ثمّ مُنحتُ بعثةً كريمةً مِنَ المملكةِ المغربيّة لأوائل الطلبة في الدراسات العليا لاستكمالِ درجةٍ ثالثةٍ في جامعةِ الحسن الأوّل بسطات، عَنْ أطروحةٍ فِي (ضماناتِ المحاكمةِ العادلة للمتّهم فِي القضايا السياسيّة)، فحالت ظروفُ جائحةِ كورونا وتحديات أُخرى! دونَ مناقشتها، لكن الغريب انني لم أعد أرغب أصلا بالمناقشة لقد قمت بمراجعةٍ عميقة وأَعدتُ النظرَ فِي معنى وسبب السعيِ ومنتهاه.
وفي تِلْكَ المراجعة استبانَ لي أَنَّ التهافتَ عَلَى الدرجاتِ العلميّةِ يَحملُ فِي طيّاتهِ فخّاً خطيرا غالبا ما يُغذّي ما تَستثيرُهُ النفسُ مِنْ ميلِ الكِبرِ وانتفاخِ الأنا والتعالي الأجوف. ومِنْ هَا هُنا، وبكاملِ إرادتي، أَعلنتُ تنازلي الطوعيَّ عَنْ هَذِهِ الشهاداتِ وعَنْ درجةِ الدكتوراة، وأَوقفتُ مسيرتي الأكاديميّةَ فِي المغرب. ولم يكن هَذَا التنازلُ جلداً للذاتِ ولَا انتقاصاً مِنَ قدر العلم والجامعاتِ أَوْ مِنْ أساتذتي الكبار، إنّما كان إقراراً صادقاً بأنّ المعاييرَ الحقيقيّةَ للتقييم - لو طُبِّقت بميزانها الكونيّ - تَجعلُني أَقفُ متواضعاً أمامَ عظمةِ المعرفة، حتّى لَتكونَ شهادةُ الثانويّةِ العامة كثيرةً عليَّ فِي ذَلِكَ الميزان.
وعَلَى هَذَا، فإنّي لَا أَدّعي أنّي عالمٌ ولَا أنّي فيلسوف؛ فذَلِكَ حُكمٌ ليسَ لي أَنْ أُطلِقَهُ عَلَى نفسي، وإِنْ بَدا صوتي فِي هَذَا الكتاب صوتَ مُتفلسفٍ متمكِّن، فذَلِكَ مِنِ اعتباراتِ طريقةِ الطرح وانضباطِ البناء النَّسَقيّ، لَا مِنِ ادّعاءٍ شخصيّ.
وصيغةُ الجمعِ التي ستلتقطُها في جنباتِ المباحثِ وخواتيمها وفي التعليق على أقوال العلماء ليستْ من بابِ التفخيمِ أبداً، وإنما على النقيضِ هي من بابِ التواضعِ! فعندما أقولُ "فلسفتُنا" "نحنُ" "نرى" "نجدُ" "نتصورُ" "نتفقُ" "نختلفُ"، كلُّ هذهِ الصيغِ جاءتْ من عميقِ اعترافي بأنَّ هذهِ الفلسفةَ ليستْ من إبداعي منفرداً، ولا تتحدثُ باسمي وحدي؛ بل إنَّ الباحثَ في الفلسفةِ يُدركُ أنَّ أصولَها في مصنفاتِ الأولينَ، وأفكارَها متناثرةٌ في كتبِ المتأخرينَ.
وما أطرحه هُوَ سعيُ طالبٍ يقولُ مَا رأى، ويتركُ الحُكمَ عَلَى مَا قاله لأهله محترما كل رأيٍ أو نقدٍ أو نقضّ. ولَكمّ يَصدُقُ عليّ قولُ الإمام الشافعيِّ رحمه الله:
كُلَّمَا أَدَّبَنِي الدَّهْرُ أَرَانِي نَقْصَ عَقْلِي
وَإِذَا مَا ازْدَدْتُ عِلْمًا زَادَنِي عِلْمًا بِجَهْلِي
فالعلمُ كلّما اتّسعت دائرتُهُ اتّسعَ معَهُ إدراكُ الإنسانِ لحدودِ نفسهِ، وكَبُرَ فِي عينَيهِ ما يَجهلُ بمقدارِ ما عَلِم. وتلكَ هِيَ الحقيقةُ الَّتِي أَستقرّ عندَها: أنّي طالبٌ مهما طالَ سعيُهُ، ومُريدٌ مهما اشتدّ عزمُهُ، لَا أملكُ أَنْ أَنسبَ لنفسي مَا لَا أَحملُ مِنْه إِلَّا ظِلًّا أو ظنّا مهما ادعيتُ اليقين! وما أطرحه بين يديك ما هو إلا إرثي من العلم والسعي والمعرفة لم أرتضِ أن يموتَ بموتي فأُسأُل، فلعله يحملُ قبساً من نورٍ يضيءُ ظلمةَ لباحثٍ في طريقِ طلبِ الحقيقة!
وأُؤكِّدُ أنَّني لطالما رجَوْتُ مِنْ كُلِّ قارئٍ وطالبٍ وصديقٍ ألَّا يَدْعوَني بِلَقَبِ (دكتور)، وقدْ سَبَقَ وأُنْشِرَ لي كِتابانِ في القانونِ؛ أوَّلُهُما بِعُنْوانِ: "الجرائمُ المُخِلَّةُ بالشَّرَفِ وأثرُها على الوظيفةِ العامَّةِ" صَدَرَ عامَ 2016، والثَّاني بِعُنْوانِ: "دورُ السُّلطاتِ العامَّةِ في تكييفِ الجرائمِ التي يرتكِبُها الموظَّفُ العامُّ" صَدَرَ عامَ 2018 كلاهُما صادرٌ عَنّ مَركز الكتابِ الأكاديميّ في الأردنّ. وأعتذِرُ عَنْ كُلِّ المطبوعاتِ والإعلاناتِ والمقابلاتِ السَّابِقَةِ الَّتي حَمَلَتْ هذهِ الصِّفَةَ. وليسَ هذا التَّنازُلُ توقُّفاً عَنِ البَحْثِ ولا إقصاءً للعِلْمِ، إنَّما هو إعلانٌ يَنْزَعُ عَنِ الوَعْيِ زَيْفَ القُشورِ، ويَسُدُّ ثُغْرَةً يَنْفُذُ مِنْها الشَّيْطانُ ليَنْفُخَ في النَّفْسِ كِبْراً وعُجْباً، نَعوذُ باللهِ مِنْ ذلكَ. فَلْنَبْدَأْ معاً هذهِ الرِّحْلَةَ المعرفيَّةَ مُتَخَفِّفينَ مِنْ أثْقالِ الطِّينِ، مُتَّصِلينَ بِنورِ اللهِ العظيمِ."

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

من مقدمة موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد 1

من مقدمة موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد 1

ان المَعْرِفَة في هذهِ الفلسفة تَتَسِمّ بأنها تفاعلية تشاركية تكاملية تصاعدية وسُلَّمِيّة
مما يعني أَنَّ كُلّ فكرة وكُلّ رأي وكُلّ معلومة فِي هَذِهِ الفَلْسَفَة
لَمْ تَكُن مِنْ ابداعي المحض، وإنما شارك فيها كُلّ مفكر وكُلّ باحث وكُلّ عالم وكل إنسان عَلَى مر التاريخ سواء اتفقت معه أم اختلفت ولذلك فإنني أقدم عرفاني وامتناني لكُلّ مِنْ استفدت منه فكرة او رأياً أو معلومة يجزيه بها الله ألف خير..
وَأُنَوِّهُ عَلَى أَنَّنِي فِي هٰذَا الكِتابِ بَذَلْتُ جُهْدًا كَبِيرًا كَيْما تَكُونَ صِياغَةُ الكِتابِ مُيَسَّرَةً لِلقارِئِ الكَرِيمِ.
فَلَمْ أَعْمَدْ إِلَى اسْتِعْمالِ لُغَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ مُعَقَّدَةٍ تُثْقِلُ عَلَى القارِئِ غَيْرِ الباحِثِ.
وَحاوَلْتُ التَّوازُنَ فِي الطَّرْحِ إِلَى الحَدِّ الَّذِي لا يَنْزِلُ بِمُسْتَوَى الفِكْرَةِ بِضَعْفِ المُصْطَلَحاتِ، وَلا يَصْعَدُ عالِيًا بِقُوَّتِها فَيُرْهِقُ القارِئَ بِاسْتِقْصاءِ كُلِّ مُصْطَلَحٍ..!
وَمَعَ ذٰلِكَ فَلا بُدَّ مِنْ تَفَهُّمِ أَنَّ لُغَةَ الفَلْسَفَةِ صُلْبَةٌ وَجامِدَةٌ، وَغالِبًا ما تَكُونُ مُمِلَّةً وَعَصِيَّةً عَلَى أَنْ تُفْهَمَ بِسُهُولَةٍ وَيُسْرٍ مَهْما حاوَلْتُ تَبْسِيطَهُا.!
وَما قَدْ تَظُنُّهُ تِكْرارًا لَيْسَ إِلَّا دَفْعًا لَكَ لِتَنْظُرَ إِلَى المَواضِيعِ مِنْ زَوايا مُخْتَلِفَةٍ لِتُبْصِرَ الصُّورَةَ الكُلِّيَّةَ.!
وفي هذا الكتابِ إنْ بحثتَ عني مؤمنًا فستجدُني، وإنْ بحثتَ عني ملحدًا فستجدُني أيضًا، وستجدُ فيَّ كلَّ دينٍ ومذهبٍ وصفةٍ قدّ تتصورها؛ لا لأني كما بحثتَ عني حقاً، بل لأن بحثك قدّ يكون مرآةٌ لما تحملهُ في داخلِكَ، وستجدَ دومًا ما تبحثُ عنه أنتَ.! فَابحَث عَنّ الفِكرّ واتركّ صاحِبهُ فَتَغْنَم ومِن إثمهِ تَسلم.

فَاسْتَعِنْ بِالصَّبْرِ إِنْ كُنْتَ طالِبًا حَقًّا لِفِكْرٍ لَنْ يُوصِلَكَ لِلْحَقِيقَةِ لِأَنَّكَ كُلّمَا ظَنَنْتَ أَنَّكَ اقْتَرَبْتَ مِنْهَا اكْتَشَفْتَ أَنَّهَا أَبْعَدُ مِمَّا ظَنَنْتَ
لَكِنَّهُ فكرٌ قدّ يُغَيِّرُ حَياتَكَ.!

عرض المزيد

التعليقات:

Asmaa: بٱستحياء الطالب حين يكتب لمعلمه..أهمس لنفسي..
ما أعمق هذا التأسيس ياأستاذي الجليل... أن تكون المعرفة أمانة تراكمت.. ثم يأتي المفكر ليجمع ويجرّد ويربط ويضيف ويضع بصمته وخلاصة فكره ليفتح الطريق لمن بعده...
وأكثر ما استوقفني أنك تُبعد القارئ حتى عن تشخيص صاحب الفكرة نفسه..«ابحث عن الفكر واترك صاحبه»... فتردّه من الشخص إلى المعنى ..ومن المعنى إلى نفسه حتى يدرك أن الحقيقة كلما اتسعت سعته لها اتسعت أمامه أكثر..
أروع ما في هذه الفلسفة أنها لا تمنحنا موضع نستقر فيه.. هي تهدينا سُلّمًا يستمر بنا في الصعود...
إمتناناً وشكراً من القلب🌷
2026-09-26 13:58:24
المسيح في القرآن: بين حقيقة الشخصية ومسألة الصلب رؤية جديدة

المسيح في القرآن: بين حقيقة الشخصية ومسألة الصلب رؤية جديدة

يطرح القرآن الكريم في آية محورية موجهة إلى أهل الكتاب مبدأ "الكلمة السواء" كأساس للحوار بين المسلمين وأتباع الديانات الأخرى، خاصة المسيحيين. يقول تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ} [آل عمران: 64]. تشير هذه الآية إلى أن نقطة الالتقاء والاختلاف المحورية تدور حول شخصية المسيح عيسى ابن مريم، الذي هو "كلمة الله" وروح منه. هذه الورقة تستعرض رؤية متكاملة لطبيعة المسيح وحادثة الصلب كما يمكن استقراؤها من النص القرآني، مقارنة ببعض الروايات الإنجيلية، مع مناقشة الآثار الإيمانية والعقدية المترتبة على ذلك.

1. المسيح: الكلمة السواء والطبيعة الفريدة

يدعو القرآن إلى "كلمة سواء"، وهي كلمة الحق والعدل التي يجتمع عليها الناس. وفي سياق الخطاب لأهل الكتاب، فإن هذه الكلمة تتجسد في الاعتراف بالله الواحد وبتوحيده، ولكن القلب النابض لهذه الدعوة هو التوافق على حقيقة المسيح. فالمسيح هو "كلمة الله" التي ألقاها إلى مريم، وروح منه. يقول تعالى: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} [النساء: 171].

من خلال هذا التوصيف القرآني، تتبلور صورة فريدة للمسيح: فهو ليس إلهاً، وليس ملاكاً خالصاً، وليس بشراً عادياً. إنه كائن بشري المظهر، لكنه متلبس بروح ملائكية. هذه الهوية المركبة تفسر قدراته العجائبية، فالإنجيل – في هذه الرؤية – ليس merely نصاً مكتوباً، بل هو سيرة المسيح ذاتها: أفعاله، وأقواله، وصفاته الخارقة التي هي من طبيعته الروحية. إنه الصورة البشرية التي تحوي روحاً سماوية، مما يجعله حقيقة جامعة يمكن أن تكون أرضية للحوار.

2. حادثة الصلب: بين الوهم في فهم القرآن والحقيقة التاريخية المتصورة

تعتبر قضية صلب المسيح من أكثر القضايا إثارة للجدل بين الإسلام والمسيحية. يؤمن المسيحيون بموت المسيح على الصليب كحقيقة تاريخية وعقيدة فدائية، بينما ينفي فهم المسلمون أن القرآن ذلك نفياً قاطعاً في آية محكمة: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: 157].

لكن الرؤية المطروحة هنا تقدم تفسيراً دقيقاً لمفردتي "القتل" و"الصلب":

الصلب ليس مجرد وضع على خشبة: إنما المقصود بالصلب هنا هو "التعذيب" حتى الموت، وهو المعنى الذي تؤيده آية الحرابة في القرآن: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا} [المائدة: 33]. فالصلب عقوبة تعذيبية.

استحالة تعذيب المسيح وقتله: يستند النص إلى منطق استقصائي: كيف يمكن لمن يحيي الموتى ويزيل الآلام أن يُقتل أو يتألم؟ بحكم طبيعته المركبة (جسد بشري وروح )، فإن الأفعال الجسدية من جرح ووضع الشوك لا يمكن أن تسبب له الألم بالمعنى الإنساني المألوف، أو تؤدي إلى قتله. لقد حاولوا قتله وصلبه "فَعَلًا"، لكن "الأثر" – وهو الموت والتعذيب – لم يتحقق.

معنى "شُبِّهَ لَهُمْ": ليست المسألة استبدال شخص بآخر (كأن يصلبوا شبيهًا له)، كما ذهب بعض المفسرين، بل هي "لبس في نتيجة الفعل". لقد رأى الجميع المشهد وظنوا أنهم صلبوه وقتلوه، ولكن الحقيقة التي يؤكدها القرآن هي أن هذا لم يحصل. {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} [النساء: 157] – واليقين هنا يحتمل معنيين: إما أنهم هم لم يكونوا متيقنين من نجاحهم في قتله، أو أن القرآن يؤكد لنا يقيناً أنهم لم يقتلوه. والقرآن يؤكد الحالتين فهم فعلا تشككوا في حصول النتيجة سواء في الصلب أو القتل وبذات الوقت لم يقتلوه وإن حاولوا وقاموا فعلا بفعل القتل لأن روحا تحمل قوانين التحكم بالطبيعة لا يمكن لأحد أن يقتله..!!

3. ما بعد المحاولة: القيامة والرفع

بعد المحاولة الفاشلة للصلب، تؤكد هذه الرؤية أن المسيح "قام". ومحاولة اليهود نبش قبره وعدم العثور عليه دليل على أنه لم يكن ميتاً أساساً، بل قام بجسده. وعندما ظهر لتلاميذه بعد ذلك، شككوا في حقيقته حتى طلب منهم أن يجسوه ليتأكدوا من أنه ليس روحاً فقط. ثم ختم الله قصته الدنيوية برفعه إليه روحاً وجسداً، قال تعالى: {بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158]. فالمسيح حي لم يمت بالموت الذي نعرفه، وهو علم للساعة.

4. الإسلام والإيمان: إطار أوسع للخلاص

ينتقل النص إلى مناقشة الإطار العقدي الأوسع، فيفرق بين "الإسلام" و"الإيمان". فالإسلام بمعنى الخضوع والاستسلام لله هو أصل ديني واحد يشترك فيه جميع الأنبياء وأتباعهم. من آمن بمحمد عليه السلام فهو مسلم ومؤمن به، ومن آمن فقط بالمسيح عليه السلام فهو مسلم أيضا، لكن إيمانه مختلف.

ويوسع النص مفهوم الإسلام ليشمل ثلاثة مستويات:

إسلام الكون: ويشمل كل ما في السماوات والأرض لقوانين الله الفطرية. {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران: 83].

إسلام الأجناس أو الأنواع: خضوع كل نوع من المخلوقات لسنن خاصة به.

إسلام الدين الأخلاقي: وهو الالتزام بالدين الواحد القائم على الأخلاق الإنسانية الموحدة.

في هذا الإطار الواسع، فإن رحمة الله ومحبته شاملة للجميع. وعقيدة "الخلاص" التي تحصر النجاة في فئة محددة – سواء عند بعض المسيحيين أو بعض المسلمين – هي في الحقيقة تضيّق لما وسعه الله. فمعظم الناس هم تحت ظل رحمة الله الواسعة.

5. تأليه البشر: إشكالية مشتركة

إن ظاهرة تأليه البشر ليست حكراً على المسيحيين تجاه المسيح، فكثير من المسلمين – في تاريخهم – غلا في تقدير بعض الشخصيات كالنبي محمد عليه السلام أو علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) إلى درجة التأليه. الإشكالية الحقيقية، حسب هذه الرؤية، ليست في استخدام لقب "رب" كما استخدم يوسف عليه السلام هذه الكلمة مع صاحبي السجن: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} [يوسف: 42] – بل الإشكالية تكمن في "التأليه" و"العبادة" من دون الله، وادعاء البنوة الحرفية لله.
تقدم هذه الرؤية المستقرأة من القرآن والأناجيل تفسيراً متكاملاً لشخصية المسيح وحادثة الصلب، يجمع بين الإقرار بخصوصية طبيعته كنبي وكلمة الله وروح منه، وبين نفي قدرة البشر على إيذائه أو قتله بحكم هذه الطبيعة. كما تفتح الباب لفهم أوسع لمفهومي الإسلام والخلاص، يقوم على شمولية رحمة الله ووحدانية الدين في جوهره الأخلاقي. هذه الرؤية لا تدعي الحسم النهائي، بل تترك الباب مفتوحاً للاجتهاد، مؤكدة على أن "الكلمة السواء" تظل هي المنطلق الأصح للحوار البناء بين الأديان، بعيداً عن التأجيج الشيطاني لنار الخلاف العقائدي.

عرض المزيد

التعليقات:

mohammedk.alhashimy66@gmail.com: المشكلة تبقى حول التفريق بين الأنبياء
(قالوا نؤمن ببعض ونكفر ببعض)
2026-08-24 11:14:42
الله : اذا كنت انت ومحمد شحرور شياطين هذا الزمن فأهلا بكم من شياطين ؛الان تاكدت ان الاحاديث التي تتكلم عن اخر الزمن خصوصا ان هناك شياطين تحدث الناس بالقرءان في اخر الزمان واسمها الشياطين الملجمه هو حديث مكذوب بل طريقه ابليسيه لصد الناس عنكم والاستماع لكم اسأل الله ان لايفتنكم بما علمكم اتمنى لكم التوفيق ????
2026-02-15 15:15:29
Asmaa:
دكتور هاشم ..كم هو لافتٌ في هذا الطرح اتساع أفق فهم الإسلام.. من دائرة الانتماء الضيق إلى رحابة القانون الكوني والأخلاقي بما يعيد الدين إلى جوهره كمنظومة رحمة لا لافتة هوية
تفكيكك العميق لظاهرة تأليه الشخصيات وربطها بجذر الإشكال لا بألفاظها وفتح باب النجاة على أساس قيم الاستقامة لا امتياز الانتماء...كان قمة في العمق والروعة
هنا نجد الاتجاه الذي يستبدل صراع العقائد بميدان الكلمة السواء ومسار التزكية والوعي..شكرا جزيلا لهذه الإضاءات زادك ربي نورا وعلما..
2025-11-18 12:46:23
خلود غيث: رؤية الدكتور هاشم نصار الفلسفية تقدّم قراءة ثورية لشخصية المسيح من خلال الكلمة السواء في القرآن، حيث يظهر المسيح ككائن ذي طبيعة مركبة بشرية وروحانية تفسّر عدم قدرة البشر على قتله أو صلبه حقيقةً رغم مشاهدتهم للحدث. هذه الرؤية تتجاوز الجدل التاريخي إلى عمق أنطولوجي يوفق بين النصوص الدينية مفتتحةً باباً للحوار بين الأديان يعتمد على فهم أوسع للإسلام كاستسلام كوني شامل وتقدّم حلاً فلسفياً لإشكالية التأليه عبر الفصل بين التبجيل والتأليه مما يحفظ التوحيد مع الاعتراف بتنوع التجارب الدينية.
2025-10-17 18:01:53
احمد محمود محمد الشاذلي : اناقمة ابداع الله
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
ولقد كرمنابني آدم
لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم
واذقلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ابليس
وعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبؤني بأسماء هؤلاء أن كنتم صادقين قالوا سبحانك لاعلم لنا الاماعلمتناانك أنت الحكيم الخبير
واذقال ربك الملائكه اني جاعل في الأرض خليفة قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء قال اني اعلم مالا تعلمون
2025-10-10 01:11:15
المسيح: الكلمة السواء وتحولات الوعي البشري من التشخيص إلى التجريد

المسيح: الكلمة السواء وتحولات الوعي البشري من التشخيص إلى التجريد

المسيح: الكلمة السواء وتحولات الوعي البشري من التشخيص إلى التجريد
لطالما كان الوجود الإنساني محكومًا بتفاعلاته مع ما يفوق إدراكه الحسي، فكانت الرسالات السماوية تجيء لتشكل جسرًا معرفيًا يربط بين عالم الغيب وعالم الشهادة. وفي هذا السياق، يطرح مفهوم "الأبعاد السبعة" نفسه ليس كقضية فيزيائية أو هندسية، بل كوصفة تفاعلية عميقة، تؤسس لفهم جديد لجوهر العلاقة بين الإنسان وخالقه. وتعد قصة المسيح، الكلمة السواء، نموذجًا أصيلاً لتلك التحولات الفكرية والوجودية التي مر بها الإنسان، لا سيما التحول من عصر التشخيص إلى عصر التجريد.

على مر العصور، أرسل الله رسله بما يتناسب مع طبائع البشر وواقع حالهم وثقافاتهم. وقد كان الاعتراض المشترك بين الأمم هو: "أبعث الله بشراً رسولاً". هذا الاعتراض، الذي ورد في مواضع مختلفة من القرآن الكريم، لم يكن مجرد حجة عابرة، بل كان يعكس عجزًا عقليًا عن تقبل فكرة التجريد. فكانت الأمم القديمة تتوقع أن يأتيها الإله بصورة ملموسة، بملائكة محسوسين، لأن إدراكها كان ما يزال محصورًا في عالم التشخيص. لقد رأوا "البينات" التي جاء بها الرسل السابقون كبصائر محسوسة، لكنهم ظلوا يطالبون بما هو خارج عن المألوف لديهم، غافلين عن أن الله قد أراد لهم الانتقال بوعيهم من عالم المادة إلى عالم الفكر ومن عالم التشخيص إلى عالم التجريد.
مع عهد الرسول محمد، انتقل الإنسان إلى مرحلة جديدة من التطور العقلي، مرحلة أصبح فيها قادرًا على تقبل فكرة التجريد والابتعاد الكلي عن التشخيص. وفي هذا السياق، جاءت قصة المسيح كنموذج فريد ومحوري لهذا التحول. فقد كان اصطفاء الله للأنبياء فرديًا وجماعيًا، ولكنه في قصة المسيح بلغ ذروته بالانتقال إلى امرأة: مريم. هذا الاصطفاء المتميز لمريم، الذي تحدثت عنه آيات سورة آل عمران، لم يكن مجرد تكريم شخصي، بل كان تأسيساً لحدث كوني عظيم. فعندما تقبلها الله وأنبتها نباتًا حسنًا، كانت الملائكة تأتيها برزقها من السماء، مما يؤكد على خصوصية مكانتها وصلتها بالعالم العلوي.

ماهية المسيح: جدلية الروح الملائكية والصورة البشرية
إن جوهر فلسفة المسيح، كما يطرحها هذا الفهم، يكمن في التفريق بين هويتين متداخلتين: "عيسى" و**"المسيح"**. فالأول يشير إلى الصورة البشرية، والآخر إلى الروح الملائكية. وهذه الدلالة المزدوجة هي التي تحل المعضلة الوجودية المتعلقة بطبيعة المسيح، والتي وقع فيها الكثيرون بين إفراط وتفريط. فالقرآن الكريم، في استخدامه الدقيق للمصطلحين، يكشف عن هذه الحقيقة: فعندما يتكلم الله عن المسيح، فإنه يشير إلى جانبه الروحي الذي وهبه لمريم، وهو من "عالم الأمر" وليس من " عالم الخلق". وعندما يتكلم عن عيسى، فإنه يتحدث عن الصورة البشرية، الصورة البشرية.
وهذا ما يفسر رفض النص لفكرة أن المسيح هو الله أو ابن الله. فالنص يؤكد أن مقولة المسيحيين بأن "الأب هو الله" هي غلو وتطرف، ناتجة عن عدم إدراكهم لحقيقة أن المسيح كان يتحدث عن الروح العظيم الذي وهبه الله لمريم، لا عن الله ذاته. هذه الروح هي التي منحته الخصائص الخارقة التي لم تُعطَ لأي نبي آخر.
فلسفة الآيات (المعجزات): تجليات الروح الملائكية
إن الآيات (المعجزات) التي أتى بها المسيح لا ينبغي أن تُفهم على أنها دليل على ألوهيته، بل هي تجليات مباشرة لكونه "روحًا " من عالم الأمر. فالمسيح هو النبي الوحيد الذي كانت معجزاته من صفاته أو من ذاته. وهذا يختلف عن معجزات الأنبياء الآخرين التي كانت من خارجهم، بتدخل رباني مباشر. فالمسيح، كما ورد في النص، كان "يخلق"، و"يحيي الموتى"، و"يبرئ الأكمه والأبرص"، و"يعلم الأرزاق وما تدخرون في بيوتكم". هذه الأفعال التي كان الناس يتوقعونها من الله وحده، لم يدركوا أنها لا تنبع من طبيعته البشرية (عيسى)، بل من روحه (المسيح) التي كانت بكلمة الله.
إن هذا التحليل يحل إشكالية التساؤل حول كيف يمكن لبشر أن يقوم بأفعال ربانية. فالجواب يكمن في أن الجسد البشري للمسيح (عيسى) كان وعاءً لروح (المسيح)، وهذه الروح هي التي كانت تقوم بتلك الأفعال، بإذن الله. وهذا الفهم يعيد الأمور إلى نصابها، ويبرهن أن المسيح لم يكن إلهًا ولا ابن إله، بل كان روحًا فريدة من نوعها، تجسدت في صورة بشرية لتؤدي دورًا كونيًا في مسيرة الوعي الإنساني.
تفكيك التشخيص والتوجه نحو التجريد
إن مسيرة الأديان، كما يراها النص، هي مسيرة متواصلة نحو التجريد والابتعاد عن التشخيص. وهذا ما يفسر التشابه بين خلق آدم وخلق المسيح، ان النص يوضح أن آدم وعيسى خُلقا من تراب، بينما المسيح "كلمة" الله، روحًا كامل. فآدم يمثل الصورة البشرية والنفس الإنسانية، بينما المسيح يمثل الصورة البشرية والروح. هذا التمايز يبرز أهمية المسيح كجسر بين العالمين، عالم البشر وعالم الأمر.
وعندما كان المسيح يتحدث عن "أبي الذي في السماء"، كان يشير إلى مصدر الروح التي فيه، وليس إلى أن الله هو أبوه. فالمسيحيون غلوا في فهمهم لهذه العبارة، وحولوها من دلالتها الروحية العميقة، مما أدى إلى عقيدة التجسد واللاهوت والثالوث.
إن هذه المعضلة الفكرية لم تكن جديدة، بل هي امتداد لعدم القدرة على تقبل التجريد، فبدلاً من فهم الروح التي تكون المسيح ككيان فريد، لجأوا إلى تشخيصها في صورة إله أو ابن إله، مما أوقعهم في فخ التشخيص الذي حاول الدين التحرر منه.
الخلاصة: المسيح كنموذج للتحول الوجودي
إن فهم طبيعة المسيح على أنها "كلمة سواء"، أي كلمة من الله تجسدت في صورة بشرية تحمل روحًا من عالم الأمر، يقدم حلًا فلسفيًا عميقًا للجدل الديني. فالمسيح ليس مجرد نبي أو رسول، بل هو نموذج فريد يمثل نقطة تحول في تاريخ الوعي الإنساني، من التمسك بالتشخيص المادي إلى التوجه نحو التجريد الروحي وبالنتيجة يمثل المسيح النموذج الأسمى على مستوى الإنسانية والتي ستصله في نهاية المطاف وتحقق كل ما كان عليه هذا النموذج من رقي وقدرات وطبيعة وصفات قبل ان تحقق معراجها إلى المقام المحمود.

إن هذه النظرة الفلسفية لطبيعة المسيح، التي تفصل بدقة بين عيسى (الجسد) والمسيح (الروح)، لا تلغي مكانته العظيمة، بل تؤكد على تفردها. فآياته ليست دليلاً على ألوهيته، بل هي برهان على أن الروح التي فيه قادرة على اختراق القوانين الطبيعية، بإذن الله. وهذا الفهم يحرر العقل من قيود التشخيص، ويدعوه إلى التأمل في جوهر العلاقة بين الإنسان والروح والجسد، وفي المدى الذي يمكن أن يصل إليه الوعي والرقي الإنساني عندما يتصل بالعالم العلوي.
وفي نهاية المطاف، فإن هذا الفهم يتماشى مع المنهج القرآني الذي يدعو إلى التفكر والتدبر، وإلى تجاوز الموروثات الفكرية التي لا تنسجم مع العقل والمنطق، ويثبت أن المسيح، كلمة الله، هو حقًا الكلمة السواء التي جاءت لتكمل مسيرة الأنبياء، وتضيء للإنسانية طريقها نحو التجريد والكمال.
هاشم نصار 2011

عرض المزيد

التعليقات:

Asmaa: شكرا جزيلا لك دكتور هاشم
في هذا الطرح الرائع نجد تحويل قصة المسيح من جدل عقائدي إلى منعطف وعي يحرّر الفهم الديني من أسر التشخيص نحو أفق التجريد مع قراءة دقيقة تميّز بين عيسى كجسد بشري والمسيح كروح من عالم الأمر دون الوقوع في الغلو أو النفي
أن تقديم المسيح كنموذج تحوّلي للوعي الإنساني لا كشخصية تاريخية فقط يعيد المعنى إلى وظيفته الرسالية كـ"كلمة سواء"و تُمهّد لمسار ارتقاء الإنسان لا خلافاته العقائدية...
شكرا مرة اخرى د.هاشم لهذه الإضاءات العميقة..
2025-11-18 12:55:57
احمد محمود محمد الشاذلي : المسلم لا يكمل إسلامه إلا بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وعيسي عليه السلام من أولي العزم
وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم جميعا الصلاة والسلام
2025-10-10 01:35:49
احمد محمود محمد الشاذلي : افلا يتدبرون القرآن أم على قلوب اقفالها
2025-10-10 01:30:40
حقا وعي وفكر اصاب كبد الحقيقة ولا يتعارض مع جواهر القرآن الكريم وحدانية الله العظيم : مامن مولود الا ويولد علئ الفطرة والفطرة وحدانية الله الواحد الاحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد فابواه يهودانه اوينصرانه أو يمجسانه فالفطرة هي الاسلام
2025-10-10 01:28:07
ما بين حرية أهل بيتي وسخط المجتمع..!!

ما بين حرية أهل بيتي وسخط المجتمع..!!

لطالما كان يُرعبني أن أضطهد حريتي وحرية من حولي.. زوجتي .. بناتي ..اخوتي.. أخواتي .. اهلي واصدقائي تحت مبرر حمايتهم من غضب الله او سخط المجتمع ..
لكنني توازنتُ عندما أدركتُ أن الله أوسع رحمة ولطفا من ضيّق ظني به.. والمجتمع أضيق رحمة وتفهما من واسع ظني بهم..!!

هاشم نصار 2017

عرض المزيد

التعليقات:

Asmaa: هنا اكتشفت أن الخطر ليس في الحرية...بل في الخوف الذي يتقمّص هيئة الفضيلة..!
2025-11-18 12:58:29
القراءة قد تكون أخطر من عدمها ..!!

القراءة قد تكون أخطر من عدمها ..!!


ليس مهما مقدار ما تقرأ ..! وإنما المهم هو نوع ما تقرأه وقيمته وأثره..

فأعتى السياسيين قرأوا كيف يُعطلون المبادئ ..!

وأعتى المتطرفين قرأوا كيف يُعطلون العقل ..!

وأعتى الطغاة قرأوا كيف يُعطلون الأخلاق ..!

وأعتى البغاة قرأوا كيف يُعطلون الضمير ..!

وأعتى العُتاة قرأوا كيف يُعَطِلون كل ذلك ..!!!

هاشم نصار 2016

عرض المزيد

التعليقات:

ثناء: ❤️❤️❤️❤️
2026-10-20 18:29:06
Amna Nasser: كل الشكر والتقدير دكتور هاشم ????????
2026-08-05 07:37:09
Asmaa: ما أروع ماكتبت د.هاشم
حقًا القراءة لا تزرع الوعي بذاتها بل بالقيم التي تختارها لتسكن عقلك..!
2025-11-18 13:00:57
من أحق بمعتقده ؟!!

من أحق بمعتقده ؟!!


عندما تعطي لنفسك الحق بأن تؤمن وتعتقد بل وتستميت دفاعا عما ولدت عليه من موروث من المعتقدات والأفكار في الغالب لم تفهمها ولم تدرسها ولم تبحث فيها اما بلادة او بلاهة او كسلا او جهلا ..!!

فمن المدهش ان تحاول ارغامي على ان اكون نسخة ممسوخة عن بلادتك او بلاهتك او كسلك او جهلك .!! وان أؤمن بموروثك هذا الذي عبث وزاد وانتقص به ومنه وعليه كل مارق وسارق ومتسلق وآبق ..!!

وليس من حقك ابدا ان تسلبني الحق بأن أفكر وابحث وأعتقد ما اراه حقا حتى وان كان ذلك بالنسبة لموروثك العظيم كفرا !!

هاشم نصار 2014

عرض المزيد

التعليقات:

ثناء: 👏👏👏👏
2026-10-20 18:30:17
ثناء: 👏👏👏👏
2026-10-20 18:30:16
Asmaa: جميل جدا د.هاشم ...فمن لا يفكر لنفسه يحاول غالبًا أن يصادر عقول الآخرين ليحتمي بجدارٍ يظنه يقينًا...!
2025-11-18 13:03:33
هل الله سبحانه وتعالى موجود؟!!

هل الله سبحانه وتعالى موجود؟!!


هذا الطرح يعالج زاوية مبدئية من الموضوع ولا يتعرض لرأيي فيه ضمن فلسفة التشخيص والتجريد..

دائما ما ارتبط الحديث عن وجود الله بمسألة الايمان والالحاد فالاعتقاد السائد انه وبمجرد الايمان بوجود الله يخرج الشخص من دائرة الالحاد ويدخل في دائرة الايمان الاولى والتي يترتب عليها عدم اتهامه يإنكار الله ويذّكرني هذا الامر بحوار جرى ذات مرة بيني وبين الدكتور زغلول النجار وأذكر تماما عندما طرحت امامه سؤال هل الله موجود فرد عليّ (( انت مسلم يا ابني ؟!!)) فقلت له نعم فقال (( يعني ازاي مسلم وابتسأل هل الله موجود !!)) قلت له لأنني لا أصف الله بأنه موجود حيث أن عقلي قاصر عن وصف الله وحيث اني سألتزم القاعده العامه عند الجماعات الاسلاميه عموما بأن وصف الله مسألة وقفيه وانه لا يجوز نسبة اي وصف لله تعالى مالم يصف به نفسه ! وحسب علمي يا استاذنا فإن الله لم يصف نفسه لا في القرآن ولا في غيره مما يصح الاستدلال به نصاً عند الجماعات الاسلاميه عموما على وجوده وان كنت مخطئا فأتني بنص كهذا.. فرد عليّ ردا استغربته حيث قال الدكتور (( يا ابني دا كل ايات القرآن تتحدث عن وجود الله )) قلت له ليتك تنعش ذاكرتي بآيه وأنا لك من الشاكرين ! فبدأ بسرد بعض الآيات من مثل (( الله لا اله الا هو الحي القيوم ..)) و(( الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل )) و (( قل هو الله أحد * الله الصمد )) .. فقلت له يا استاذنا اين النص على وجود الله في هذه الآيات بمعنى انني لم أسمع كلمة ( موجود ) فيها ! ومعنى ان وصف الله وقفيّ اي انه لابد من النصّ على لفظة (موجود) لفظاً والايات تصف الله بأنه المتفرد بالالوهية وبأنه حيّ وقيوم وبأنه خالق كل شيء وبأنه على كل شيء وكيل وبأنه أحد صمد ولكنها لم تصفه بالموجود !! فقال (( يعني انت عايز الايه تقلك ان الله موجود ! يعني ايه ان الله خالق ؟! دا يعني انه خالق ولكنه مش موجود يعني ازاي يكون مش موجود ويخلق ؟!! )) فقلت له ها انا وصلت معك على انك تستدل بعقلك على وجود الله وليس بالنص فهل تجوّز وصف الله بالعقل وتخالف القاعده العقائدية التي تؤمن انت بها وتلتزمها فقال ان العلماء قالوا (ان الله واجب الوجود) لأنه لا يمكن لصاحب فطرة سليمه ان ينكر ذلك )) فقلت له يا استاذنا متى كانت الفطرة مصدرا من مصادر الاستدلال على صفات الله ؟!! ومن أوجب على الله وجوده ؟!! فقال (( يعني عايزنا نقول للناس ايه ! نقلهم ما فيش اله .. الناس مش ناقصها فتن في دينها )) فقلت له يا استاذنا اولا: انا ناقشتك فيما تؤمن به انت وليس ما يجب ان تقوله للناس ! ثانيا: انا لا يهمني ان ارضي الناس بأن أصف لهم الله كما يرغبون وأخالف مبادئي وايماني ! ثالثا: الفتن اوجدتها هذه العقائد فلا زال المسلمون يتناحرون بسب عقائدهم هذه حيث ان البعض يقول ان الله موجود في كل الوجود وآخرين ينكرون عليهم ذلك بأن يقولوا بأنه موجود فوق العرش وآخرون يقولون موجود بلا مكان وآخرون يقولون بوجوده لا متصلا بالكون ولا منفصلا عنه ولا يخفى عنك كل تلك العقائد وما جرته على الجماعات من خلافات وفرقة وتكفير بعضهم البعض ... !! وأن المسألة لو كانت (( مشكلة فلسفية وتلاعب بالالفاظ !! )) لما أدت الى ما أدت اليه من نتائج كارثيه !!.. ثم تحدثت عن المسألة من ناحية لغوية -على قدر معرفتي- ومن ناحيه منطقية وعقليه وحقي بنفي أي وصف لله تعالى لا يقوم عليه الدليل النصي اللفظي القطعي بحسب القواعد العقائديه التي يتبناها المسلمون عموماً .. وسيأتي التفصيل فيها ..

وجود الله في عقائد الجماعات الاسلاميه:

بداية فإن الجماعات الاسلاميه - وكذلك اليهود والنصارى - يؤمنون بإن الله موجود ولكنهم قد يتفقوا او يختلفوا حول كيفية وجوده ! ومن خلال البحث وجدت ان كل الجماعات اعتمدت على العقل في اثبات وجود الله حتى تلك الجماعات التي منعت منهجية إعمال العقل في الدين على الامور الفقهية والتعاملية فضلا عن الامور العقائدية والالتزام بالنص فقط وجاء المنع من خلال اما التصريح او التلميح او المنهج السلوكي للجماعه من خلال الارهاب الفكري والديني والتلويح بسيف الرده !! وقامت بذلك تحت شعارات وقواعد مثل: ( لا اجتهاد في مورد النص !) او ( لو كان الدين بالرأي لكان المسح على باطن الخفِّ اولى من ظاهره !) و( نثبت لله ما اثبته لنفسه من دون تأويل ولا تكييف ولا تعطيل ولا توقف ..)..! (ويكفر من انكرالمعلوم من الدين بالضرورة او ثابت من ثوابت العقيدة) و(من بدل دينه فاقتلوه ) !وغيرها من القواعد .. وفي ظل غياب النص الصريح على وجود الله كان اعتماد هذه الجماعات على العقل يأخذ عدة صور وأحيانا يتم الجمع بين صورتين او اكثر للتوصل لذات النتيجة وهي ان الله موجود!..

منها: التوصل الى ان الله موجود من خلال إعمال العقل في تأويل النصّ وأضرب مثالا لذلك ما جاء في كتاب العقيده في الله للدكتور الفاضل عمر سليمان الاشقر :

" دليل الفطرة

الفطرة السليمة تشهد بوجود الله من غير دليل : لم يطل القرآن في الاستدلال على وجود الله تعالى ، لأنّ القرآن يقرر أن الفطر السليمة ، والنفوس التي لم تتقذر بأقذار الشرك ، تّقر بوجوده من غير دليل ، وليس كذلك فقط ، بل إن توحيده – سبحانه – أمر فطري بدهي ) فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ( الروم : 03. ]"

أقول نلاحظ هنا ان اول دليل على وجود الله عند عالم من علماء السلفية الاصولية التي تعتقد ان المسح على الخفّ لا يمكن ان يكون بالرأي هو الفطرة !! وعلى أقل تقدير كان على الدكتور أن يلتزم بمنهجه السلفي في الاستدلال اولا بالقرآن وان يسرد لنا الادلة القرآنيه –التي لم يطل القرآن الاستدلال بها على حدّ قوله- ثم يأتينا بالاحاديث (الصحيحه) ثم يأتينا بالادلة الفطريه العقليه البدهية ان اجاز لنفسه مخالفة الجماعه السلفية في الاستدلال بالعقل بما يخص مسألة الصفات ثم نلاحظ بعد ذلك أمرا أكثر غرابة اورده الدكتور الفاضل عمر الاشقر حيث ان الدكتور توصل الى ان القرآن لم يطلّ في الاستدلال على وجود الله - وأظنه قصد ( التدليل ) على وجود الله وليس (الاستدلال) لأن القرآن وهو كلام الله بحسب عقيدة الدكتور لا يقوم بالاستدلال والذي يعني تحري الدليل وطلبه وانما هو مصدر للإدلة – لأن القرآن يقرر ... ! أقول من اين للدكتور الدليل على ان القرآن يقررّ ما ذهب هو اليه ؟! وأظن ان الجواب سيكون ( بالاعتماد على العقل والمنطق الذي يرى به الدكتور المسألة ومن منظوره هو!) والا فالقرآن لم يقل له انه قرر انه لم يطل في الاستدلال على وجود الله للأسباب التي اوردها الدكتور في كتابه وهي ان الفطر السليمه والنفوس التي لم تتقذر بأقذار الشرك تقرّ بوجود الله سبحانه ! ثم من اين حكم الدكتور الفاضل ان ( الفطر السليمه والنفوس التي لم تتقذر بأقذار الشرك تقر بوجوده من غير دليل) فهل نصّ القرآن على ذلك ام ان العقل مرة ثانيه يدله على هذه المسألة الغيبية والتي تتعلق بالنفوس وتقريرها ؟! والاشد غرابة ان الدكتور عطّل الحاجة الى دليل – ولزوم قوله انه يقصد الدليل المنقول وليس المعقول- في أساس العقيدة كلها التي ألّف من أجلها مجموعته في العقيده من ستة أجزاء في الوقت الذي تتطالبنا فيه الجماعة السلفية بالدليل على تحريك الاصبع في التشهد الاخير في الصلاة بشكل دائري !!! وذلك عندما قال (( ..تقرّ بوجوده من غير دليل.. )) .! ولا أريد هنا أن اناقش مفهوم الفطرة لأنني أفردت لها عنوانا مستقلا لمن اراد الرجوع اليه ولكن تعليقا على قول الدكتور ( ..ولا النفوس التي تقذرت بأقذار الشرك ..) أقول هنا هل يمكن ان يكون الشخص مشركا بالله ان كان غير مؤمنٍ بوجود الله ؟! لأن المفهوم المبسط للشرك عند عامة علماء المسلمين يقضي بأن يتخذ الشخص معبودا له مع الله اذن فهذا المشرك يؤمن بوجود الله من حيث الاصل ! الا ان الدكتور عمر الاشقر افهمنا من قوله بمفهوم المخالفة ان المشرك لا يقرّ بوجود الله ! وأرى ان هذا صعب التسليم به خاصة وانه هدم هذا الفهم في ذات كتابه وبعد بضع صفحات حيث قال :

" المشركون الذين بُعث إليهم الرسول كانوا يقرّون بوجود الخالق:

العرب الذين جابههم الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا مقرّين بوجود الله، وأنه الخالق وحده للكون، كما يقرّون بأنّه وحده الرزاق النافع الضار ، ... ولكنهم كانوا يعبدون غيره معه ، ولا يخلصون دينهم لله وحده ."

وبعد ذلك يقول الدكتور (( بل ان توحيده امر فطري بدهي ))

أقول: ولا أدري ما علاقة التوحيد في اثبات وجود الله ؟!! فالتوحيد نقيض الشرك عندهم وليس نقيضا لوجود الله الذي هو الالحاد عندهم !

ثم انني لا ادري اين وجه الاستدلال بالايه الكريمه ( فأقم وجهك للدين حنيفا ..) بمسألة الايمان بالفطرة بوجود الله او حتى توحيده فالآيه عامة الدلالة ومتعلقة بالدين كله ..والاية الكريمه هل تدلنا على ان الفطرة هي الدين ام ان الايه تدلنا على الامر بالاقبال على الدين لإنسجامه مع الفطرة الانسانيه ؟!.( الرجوع لمبحث الفطرة ومبحث ماهية الاسلام والمنظومه الكونيه) ..

يقول الدكتور عمر الأشقر:

"هذه الفطرة هي التي تفسر الظاهرة التي لاحظها الباحثون في تاريخ الأديان ، وهي

أن ً الأمم جميعا َّ – التي درسوا تاريخها – اتخذت معبودات تتجه إليها وتقدسها)1)

ثم يسترسل الدكتور: وقد يقال هنا : لو كان التوجه إلى الله أمرا ً فطريا لما عبد الناس في مختلف العصور آلهة شتى . والجواب : أن ّ الفطرة تدعو المرء إلى الاتجاه إلى الخالق ، لكن الانسان تحيط به مؤثرات كثيرة تجعله ينحرف حينما يتجه إلى المعبود الحق . فيما يغرسه الأباء في نفوس الأبناء ، وما يلقيه الكتاب والمعلمون والباحثون في أفكار الناشئة يبدل هذه الفطرة ويقذرها ، ويلقي عليها غشاوة ، فلا تتجه إلى الحقيقة. وقد نص الرسول صلى الله عليه وسلم على صدق هذا الذي قررناه ، ففي الصحيحين البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه ، أو ينصرانه ، أو يمجسانه) ولم يقل يسلمانه ، لأن الإسلام موافق للفطرة . وقد يقال: إذا تركنا الطفل من غير أن نؤثر في فطرته هل يخرج موحدا ً عارفا بربه، فنقول : إذا ترك شياطين الإنس البشر ، ولم يدّنسوا فطرهم ، فإن شياطين الجن لن يتركوهم ، فقد أخذ الشيطان على نفسه العهد بإضلال بني آدم : ( قال فبعزتك ألغوينهم أجمعين – الا عبادك المخلصين.

وأعطي الشيطان القدرة على أن يصل إلى قلب اإلنسان ، كما في الحديث الصحيح: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً ( . )3)( أو قال : ) شيئا.

أقول هنا الدكتور يتحدث عن الفطرة وبعد أن كانت عنده دليلا على وجود الله (وتوحيده) أصبحت لا قيمة لها امام المؤثرات التي يتأثر بها الانسان سواء أكانت من شياطين الانس او شياطين الجن!! فكيف يمكن الاستدلال بما لا يصلح دليلا ولا يمكن رؤية أثره كدليل لسبب أو لآخر فان كان من غير الممكن حسب قول الدكتور للإنسان اذا ما ترك لوحده ان يهتدي الى الله وذلك بسبب من سيأثرون به من شياطين الانس وشياطين الجن الذين لن يسمحوا له بذلك الا يدعونا هذا الى التسائل عن مدى أهمية ان يخلقنا الله على الفطرة التي هي قاصرة وعاجزة عن مقاومة المؤثرات التي تطرأ عليها وكيف يمكن للدكتور ان يثبت لنا كيف يمكن الاستدلال على ان الفطرة تدل على وجود الله ؟! ام سيكتفي بالقول ان الشيوعين كانوا يعبدون مؤسس مذهبهم لأنهم كانوا يمروون امام ضريحه وينحنوا ..!! أو أن مجموعة من ( الملاحدة ) عندما أصابهم الرعب في إحدى الطائرات توجهوا بالدعاء!! وعاد الدكتور ثانية ليورد دليلا لا علاقة له بالمسأله وهو الحديث (ما من مولود..) واستنتج بعقله أو بحسب من سبقوه بهذا الاستنتاج بأن الحديث طالما لم يذكر أو يمسلمانه فان ذلك ان الفطرة هي الاسلام أو على الاقل شيئا يوافق الاسلام !!

العجيب ان الدكتور السلفي على ما يبدو انه لم يتنبه الى ان الشيخ الالباني رحمه الله تعالى اكتشف رواية جديدة لحديث الفطرة وفيه زيادة مهمة وهي (او يمسلمانه) وهي عند الشيخ صحيحة وبذلك فإن هذه الزيادة تنسف كل مفهوم بأن الفطرة هي الاسلام لإنها -اي الفطرة- لو كانت الإسلام فكيف يقال (او يمسلمانه)؟!

ثم بين الدكتور ان الله أعطى القدرة للشيطان على ان يجري في الانسان مجرى الدم وأن هذا الشيطان قد أخذ على نفسه العهد بأن يضل البشر .. أتساءل ما مدى توافق هذا الامر مع مسألة أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ( الآية ) فإن كانت مشيئة الله هي التي تحكم مسألة ضلال الانسان بالطريقة التي يقررونها وأن المشيئة تساوي الإرادة فما قيمة تأثير (شياطين الانس او شياطين الجن) ..! أم انهم أدوات ووسائل لهذا الاضلال او الهداية ..!!

ويبقى ان اساس استناده بالجملة على أن الفطرة تدل على وجود الله هو التصور العقلي لذلك فقط من دون أي دليل (شرعي )..!

بعد ذلك وضع الدكتور عنوانا فرعيا وهو الآتي: " كفر الناس – اليوم أعظم :

إلا أن الإنحراف اليوم وصل الدّرك الأسفل ، فأصبحنا نرى أقواما يزعمون أن لا خالق ، ويجعلون هذه المقولة مذهبا يقيمون عليه حياتهم ، وقامت دول على هذا

المذهب تعد بمئات الماليين من البشر . وانتشرت هذه المقولة في كل مكان ، وألفت فيها كتب ، وأصبح لها فلسفة تدرس، وحاول أصحابها أن يسموها بالمنهج العلمي ، ويدللوا عليها. من أجل ذلك كان لابد أن نتوسع شيئا ما في الإستدلال على هذه القضية."

أقول: ولاحظت مجددا أن الدكتور أنزل صفة الخالق مكان صفة الموجود ..! فاعتبر ان لا موجود تساوي لا خالق ومؤكد أن ذلك ليس على اساس اللغة التي تقضي على الاقل أن لا تساوي بين اسم الفاعل(الخالق ) واسم المفعول (الموجود )..! وانما كان ذلك بالاستنتاج العقلي ..! ويؤكد على ذلك العنوان اللاحق الذي أورده في كتابه واعتبره الدليل الثاني وهو :

" المخلوق ال بد له من خالق (ويتابع) يحتج القرآن على المكذّبين المنكرين بحجة لا بد للعقول من الإقرار بها ، ولا يجوز في منطق العقل السليم رفضها ، يقول تعالى : ( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون – أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون ). يقول لهم : أنتم موجودون هذه حقيقة لا تنكروها ، وكذلك السماوات والأرض موجودتان ، ولا شك . وقد تقرر في العقول أن ّ الموجود لا بد من سبب لوجوده ، وهذا يدركه راعي الإبل في الصحراء ، فيقول : » البعرة تدل ّ على البعير ، والأثر يدل على المسير ، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ، ألا تدل على العليم الخبير » . ويدركه كبار العلماء الباحثين في الحياة والأحياء .

وهذا الذي أشارت إليه الآية هو الذي يعرف عند العلماء باسم : (قانون السببية).

هذا القانون يقول : ((إن شيئا من الممكنات لا يحدث بنفسه من غير شيء لأنه لا يحمل في طبيعته السبب الكافي لوجوده ، ولا يستقل بإحداث شيء لأنه لا يستطيع أن يمنح غيره شيئا لا يملكه هو)).

أقول: وقد أورد الدكتور نظرية السببية للاستدلال على ان كل موجود لابد له من موجد فما مدى توافق هذه النظرية مع القول بأن الله موجود مما يقتضي القول بأنه لابد له من موجد أو سببا للوجود ؟!

وأظن أنه من حقنا ان نحتج بهذه الحجه على كل من أخذ بها ..!

ثم ضرب الدكتور الفاضل المثال الآتي على هذه القانون:

"ولنضرب مثالا نوضح به هذا القانون:

منذ سنوات تكشفت الرمال في صحراء الربع الخالي إثر عواصف هبت على المنطقة عن بقايا مدينة كانت مطموسة في الرمال ، فأخذ العلماء يبحثون عن محتوياتها ويحاولون أن يحققوا العصر الذي بنيت فيه ، ولم يتبادر إلى ذهن شخص واحد من علماء الآثار أو من غيرهم أن هذه المدينة وجدت بفعل العوامل الطبيعية من الرياح والأمطار والحرارة والبرودة لا بفعل الإنسان. ولو قال بذلك واحد من الناس لعده الناس مخرفا ّ يستحق الشفقة والرحمة ، فكيف لو قال شخص ما : إن هذه المدينة تكونت في الهواء من لا شيء في الأزمنة البعيدة، ثم رست على الأرض ؟ إن ّ هذا القول لا يقل غرابة عن سابقه ، بل يفوقه . لماذا ؟ لأنً العدم لا يوجد شيئا هذا أمر مقرر في بدائه العقول ، ولأن الشيء لا يستطيع أن يوجد نفسه .

والمدينة على النحو الذي نعرفه لا بد لها من موجد ، والفعل يشي ، ويعرف بصانعه فالابد أن تكون المدينة صناعة قوم عقلاء يحسنون البناء والتنسيق" انتهى كلام الدكتور عمر.

وأقول: انا لا أدري كيف انتقل الدكتور الفاضل من الاستدلال على ان الله تعالى موجود الى الاستدلال على انه الواجد للموجودات الا يوجد فرق بين الواجد والموجود ؟!

وبحسب كلام الدكتور فإن الشيء لا يمكن ان يوجد نفسه وهنا هل يحق لنا أن نتساءل مستنكرين هل الله سبحانه شيء ؟! فإن كان كذلك فكيف أوجد نفسه والشيء لا يوجد نفسه وماذا كان قبل ان يكون موجودا هل كان عدما سبحانه وتعالى؟!! فإن لم يكن شيئا فهل يصح قياس الأشياء وقوانين وجودها عليه سبحانه وتعالى؟!!

ويتبادر الى الذهن اساس شبهة التجسيم على الجماعات ومدى تأثيرها على الاعتقاد بأن الله موجود !

خلاصة الطرح انني أؤمن وأعتقد أن الله لم يصف نفسه بالموجود وأن صفات الله وبحسب ما يقرره عموم علماء المسلمين وقفية لا تؤخذ بالمنطق والتصور والعقل وانما بما أنزل الله سبحانه وبما أن الله لم يصف بصريح القرآن ولا حتى بالسنة أنه موجود فإن وصف الانسان له بذلك لا يصح كما ان كلمة موجود على وزن مفعول وصفات الله لا تأتي على هذه الصيغة وانما كل اسماء الله تأتي على صيغة صفة مشبهة او اسم فاعل كما ان الله سبحانه هو الواجد لكل الوجود والواجد اسم فاعل والموجود مناقض لهذه الصفة..فلا يجتمع النقيضان في حق الله كأن نقول ان الله خالق ومخلوق حاشاه سبحانه ومثلها ان نقول هو واجد وموجود..!!

كما ان الموجود محدود في داخل الوجود والله سبحانه مطلق حاشاه ان يحده وجود فهو بكل شيء محيط..

وان وصف الموجود ينطبق على الموجودات التي اوجدها الله تعالى ولا تنطبق على الواجد سبحانه ولا يجوز اسقاط صفاتنا وأحوالنا على الله عقلا بحيث نقول كيف يخلق ان لم يتصف بأنه موجود فالله تعالى عن الاتصاف بصفاتنا وطبائعنا سبحانه ..

يبقى الله سبحانه متعالٍ عن كل تصوراتنا ووصوفنا ومنطقنا.. وهناك امور كثيرة في هذه المسألة وأظن ان في هذا التبسيط كفاية لبيان رأيي حفظكم الله جميعا..

هاشم نصار 2013

عرض المزيد

التعليقات:

ثناء: 💡💡✨✨✨
2026-10-20 18:51:05
معتز قواس: ما شاء الله أبو راشد
لك الفضل الكبير على عقولنا
2026-03-02 23:40:47
Asmaa: د.هاشم شكرا لك..
هذا الطرح يلامس جذرًا حساسًا في لغتنا العقائدية..فهو لا يناقش لفظ "الموجود" فحسب.. بل يفكك الخلفية التشخيصية التي تجعلنا نُسقط قوانين (الوجود المخلوق) على( الواجد سبحانه)
ملفت د.هاشم هذا التمييز بين الواجد والموجود بوصفه حماية دقيقة لمعنى التوحيد من بقايا التشخيص ..وتذكيرًا بأن أسماء الله توقيفية لا تُستعار من منطقنا المحدود..
هذا المقال أعاد صياغة سؤال "الله والوجود" من منطق: (أين نضعه داخل العالم؟) إلى منطق: (كيف نفهم أن العالم كلّه لا يكون إلا به ومنه) لا به كموجودٍ بين الموجودات...
جزاك ربي كل خيرد.هاشم لهذه النقلة النوعية الكبيرة في وعينا..

2025-11-18 13:11:44
من يُمثل أسوء الشخصيات

من يُمثل أسوء الشخصيات

أسوء الشخصيات تلك التي لم تعش دنيا وقد لا تظفر بآخرة..! وتريدك ان تكون مثلها..!!
اضطرَ لعيش الحياة بمظاهر تدينٌ موروث خالٍ من جوهر التدين الحقيقي.. بل بعيدا كل البعد عن حقيقة الدين العظيم وروحه..!!

في الحقيقة هو لم يبحث عن الله ولم يتعرف على دينه.. بل ورث دينا أفهموه انه دين الله.. وعبد الها اوهموه انه الله..!!

كان يخشى في تدينه الناس ويتعبدهم..! حتى انه لم يكلِّف نفسه التعرف على الله الحق ودينه العظيم..!

وتحت طائلة التكفير والتفسيق وسيف العامة وسوطهم تم اغلاق العقول واستسهال التلقين والسير مع القافلة والقطيع ووضع الرأس بين الرؤوس ..!!

لم يتوقف الأمر هنا بل تعداه..! فبعد أن ألِفَ الناس هذا التدين الزائف في أغلبه والذي ترى فيه كل انواع التناقض ما بين الرحمة والعذاب والصدق والكذب والإيمان والنفاق والأمانة والخيانة انتقلوا لإرغام البقية (الآخر) (الكافر.. الفاسق.. الضال) انتقلوا لإرغامه على اتباع تبعيتهم وتقليد تقليدهم بل والتفكير بطريقتهم والشعور بشعورهم والاحساس بإحساسهم!!! والا !!!!

ان لم تستطع الا التقليد والاتباع والانصياع من غير تَدَبُر ولا تَعَقُل بدعوى ان الأولين الذين أتبعتهم لديهم عقول ولديهم القدرة على الفهم والتفسير والفقه والتأويل وانك قاصر عن فهمهم ودون مستوى علمهم وأضل من تصل لهديهم.. فلا تفرض عليَّ فروضك ولا تفترض اني مثلك.. فأنا لستُ انت كما انك لستَ انا..!!

فدعني اتعرف على الكون وخالقه ومشيئته.. فإن قضى لي خيرا فبرحمته وان قضى علي عذابا فبعدله.. وانا راضٍ بكل ارادته وخاضع لكل مشيئته..

هاشم 2012

عرض المزيد

التعليقات:

ثناء: ✨✨🙏🙏
2026-10-20 15:50:44
Asmaa: شكرا د.هاشم...
هنا وجدت تعرية للتدين الشكلي حين يتحول من رحلة معرفة إلى بدل واقٍ من الخوف الاجتماعي.. ويذكّرنا بأن الإيمان لا يُقاس بطقوسٍ محفوظة بل بصدق البحث عن الله بعيدًا عن قيد الجماعة وظل القطيع...
شكرًا مرة أخرى
2025-11-18 14:05:11
فلسفة الاستعباد..!

فلسفة الاستعباد..!


كل ما بني على باطل فهو باطل .. ويستلزم اعادة الوضع الى ما كان عليه!! الأرض لله وحق الناس فيها سواء!!

الفلسفة الدجلية للحياة التي لوثوا عقولنا بها عبر مئات السنين ليستحوذوا بها على السلطة والنفوذ وثروات الأرض غيرت في أفهامنا معاني الملكية ومشروعيتها وأسس استحقاقها..!! حتى أصبح الإنسان - من حيث الأصل وبمعزل عما يورثه له أبواه- يولد ميتا مُعدما لا يملك من كل أصقاع الدنيا وتلك الملايين من الهيكتارات والعظيم من الثروات سوى ما يواري جسده ان مات!! بل انه قد لا يملك ذلك.!!

ويُضْحي محكوما عليه ان يُقيّد منذ طفولته عبدا لعبيد كيما يستطيع الحياة كمثل آلة تعمل عشرة ساعات يوميا وتنام عشرة وتتجهز لإحدى هاتين الحالتين أربع ساعات!! فمن أين لنا أن نبدع وأن نبحث وأن نتأمل ونتدبر ونتعلم ونتثقف؟!! وكيف لمن أشغله رغيف الخبز أن يُفكر؟!! لقد جعلوا من حياتنا معركة وجود يباغتنا فيها الموت قبل أن نفهم القصة والحكاية فكيف لمثلنا ان يتفكر حتى في الله؟!!

من أعطى أولاء البشر حق تملك ما يملكون من ملايين ومليارات وعقارات وأراضٍ وضِيَعٍ وثروات؟! هم على الأغلب ورثوها من خلال السرقات والمؤامرات واشعال الحروب واستعباد الضعفاء من البشر؟!

لماذا نعيش ونموت جيلا بعد جيل ونحن نمر يوميا على ملايين الهيكتارات من أراضٍ خاوية لم يكن لنا فيها نصيب ولم نُعطى الفرصة حتى لزراعتها او استغلالها او نصب خيمة فيها؟!! ونراقب أشخاص لا يشعرون حتى بوجودنا وهم يجوبون الارض طولا وعرضا يعتبرون انهم قد تملكوا هذا الجِرم الأرضي؟!!

لماذا يُفرض علينا العمل كالعبيد لساعات طويلة لكي يزداد هؤلاء الأغنياء غنى ونزداد شقاءً وفقرا؟!!

لماذا لا يكون هناك سقف للثروة لأي فرد في الأرض من حيث المال والأراضي والعقارات لا يستطيع تجاوزه؟! اتدرون ما سيحصل لو أنه فُرض قانون مثل هذا ؟! سيتم ضغط عامود الثروة لدى طواغيت السلطة والمال من الأعلى ليتوزع أفقيا على كل أفراد المجتمع وسنحافظ على حق ملكية متوازن مع التنافسية المعتدلة وسيتوقف نهمهم وتكالبهم على نهب ثروات الأرض والاستحواذ عليها بالقتل والسرقة والمؤامرات والحروب والفتن.!

وسنتمكن من الالتفات الى جمال هذا الوجود ونتفرغ قليلا من أجل سبر أعماقه والتأمل في ماهيته ومكنوناته وبديع صُنع الله فيه..! لنتعرف على الأقل علينا..!

#هاشم_نصار 2016

عرض المزيد

التعليقات:

ثناء: الأرض لله وحق الناس فيها سواء!!✨✨
2026-10-20 15:55:46
mohammedk.alhashimy66@gmail.com: أحسنت
كثيرا ما تسالت عندما اجوب أرض بلدي الشاسعة واتذكر قوله تعلى (يوم تبدل الأرض غير الأرض) اقول لاصحابي في السيارة معقوله هذه الأرض ستتبدل وتنتهي ونحن لا نملك فيها قطعة صغيرة لبناء مسكن بينما مصاصي الدماء يشيدون عليها العمارات ليبيعون لنا وحدة سكنية لايستطيع اغلبنا دفع قيمتها ولو بالتقسيط مدى الحياة...
2026-08-24 11:22:34
Asmaa: هذا نَص يصرخ ضد منظومة الملكية المتضخمة والإنسان المنهوب..ويذكّر بأن اختلال الثروة ليس قدرًا ولكنه هندسة اجتماعية صنعت عبيدًا بلباس مواطنين.. وأن استعادة الإنسان لحقه في الأرض والمعنى تبدأ من تفكيك قداسة القوانين المصممة لحماية القِلّة... لا الكرامة العامة...
شكرًا د.هاشم لهذا الطرح الذي يتطلب جرأة و شجاعة و صدق...دمت بكل خير وزادك ربي نورا وعلما..
2025-11-18 14:10:20
Hayet salhi: طرح يفعل التساؤل فينا ومن لا يسال لا يجاب
2025-09-23 13:06:19
مقدمة منهجية: الأبعاد السبعة وفلسفة التشخيص والتجريد

مقدمة منهجية: الأبعاد السبعة وفلسفة التشخيص والتجريد

إن مفهوم "الأبعاد السبعة" الذي نتناوله ليس مصطلحًا فيزيائيًا يتعلق بفيزياء الكم أو الفيزياء الكلاسيكية، كما أنه لا يمثل مفهوماً هندسياً محضًا. بل هو في جوهره وصفة تفاعلية مع الوجود والمعرفة والقيم، وسوف نتحدث عنها بالتفصيل لاحقًا، لكننا سنحتاج للتمهيد لها. لقد تطور الأمر إلى أن أصبح بحثاً قرآنياً وبحثاً في الكتاب المقدس. وسنتبع في عرض الموضوع منهجية قرآنية، فليس هناك ما هو أفضل من منهج القرآن الكريم الذي يطرح الموضوع الواحد من عدة جوانب، مما يسمح بفهم أعمق وأكثر شمولاً.

ولأن الأفكار التي نطرحها معقدة ومتشابكة، وقد تكون أحيانًا ثورية وصادمة، فلا بد من أن تأخذ حقها من الشرح والتحليل. وهذا ما يدعونا إلى استمهال القارئ، فلا يتعجل في إصدار حكمه قبل استكماله قراءة كامل المشهد التحليلي حول أي موضوع من الموضوعات المطروحة وعن أي بعد من الأبعاد السبعة وهي البعد التراكمي، الإفتراضي، الإختياري، الإستحقاقي، الإنسياقي، الإعتباري، والإحترازي. ولأنني ما أزال في خضم هذا البحث والتأمل، فإنني لا أعتبر نفسي مؤهلاً لتقييم الآخرين. ومع أن هذه الموضوعات لها أهمية بالغة عندي وعند من شاركني الاهتمام بها من الأصدقاء من المفكرين والباحثين، إلا أنني أؤكد على أنني أتدرج في مستويات الطرح لفلسفة التشخيص والتجريد التي اجتهدت لأكثر من سبعة وعشرين عاما لأخرجها ضمن سبع مستويات يمثل كل مستوى من المستويات عالما من الأفكار والتصورات والمعالجات لكافة المباحث الفلسفية يبدو وكأنه منفصل عن المستوى الأدنى منه الى درجة يبدو معه أن هناك فجوة كبيرة بين المستويين لعظيم الفرق في القفزات النوعية المعرفية وخطورة الطرح وصادميته كلما ارتقينا بالمستوى مبينا أنني لم أطرح الى الآن من هذه الفلسفة إلا المستوى الأول والذي يمثل مقدمات ونماذج فقط وبدأت مؤخرا بطرح المستوى الثاني من البعد التراكمي من خلال حوالي ستون ساعة بث متوفرة على قناتي الأبعاد السبعة حوار وأسرار.

موقف فكري وفلسفة شخصية
أستطيع أن أقول بأنني لا أنتمي لأي دين من الأديان الموازية التي أنتجها تآمر السلطات السياسية والسلطات الدينية عبر العصور. فمع إقراري بأنني نشأت نشأةً سلفية، إلا أنني لست سلفيًا. ومع ذلك فإن علاقتي مع أتباع الأديان المختلفة والجماعات والطوائف علاقة حيادية وموضوعية وليس لي موقف ذاتي معين. بمعنى انني أتعامل بود مع كل من ألقى السلام منهم وأجافي كل متطرفٍ متعنتٍ بالرأي وأعادي كل من يحاول الإجرام ويعادي ويحارب ويبث الكراهية والبغضاء بين أفراد الإنسانية وجماعاتها. وبالطبع فإنني لا أنتمي لأي جهة ولا لأي جماعة ولا لأي تيار ولا لأي حزب. فأنا مستقل ولي منهجي الخاص، حيث يمكنني القول أن لدي مجموعة من الأفكار المتسقة التي تشكل في مجموعها فلسفة خاصة تعالج كافة جوانب ومباحث الفلسفة والأسئلة الوجودية وفيما يخص نظرية المعرفة والقيم والأخلاق.
وعلى ذلك فأنا أحترم الجميع سواء من القرآنيين أو من الأصوليين أو من التنويريين، وأحافظ على مسافة واحدة منهم جميعًا. لا أتطرق للأشخاص مهما كان اختلافي معهم وأحترم الجميع بلا استثناء. أما الفكر، فإنني أحاول مناقشته بلطف وبدون اعتباط أو هجوم.
أنا أحترم القرآنيين وأتفق معهم في الكثير من أفكارهم، وخاصة مع المرحوم الدكتور شحرور الذي أوافقه في البعض من أفكاره، خاصة تفصيله في مفهوم الذكر الحكيم والكتاب والقصص القرآني ومفهوم السبع المثاني. ولكني قد أختلف معه في البعض الآخر من أفكاره، لكني بكل الأحوال لست أهلاً لأن أقيم هذا الإرث العظيم الذي تركه. كما أنني لست أهلاً لأن أقيم شخصًا مثل العلامة الشيخ الألباني رحمهم الله جميعا.
بالنسبة للتنويريين، فإنني أجد أن هناك إشكالية تتعلق بهم، فكثيرون منهم يريدون الخير بلا شك، ولكن البعض منهم يريد هدم القيم بصرف النظر عن مسمياتهم. في حين أن أساس الخطة الشيطانية على مر العصور هو هدم القيم: قيمة الله، قيمة الدين، قيمة المعلم، قيمة المربي سواء أكان أبًا أم أستاذًا، قيمة أو أخلاقا.. هذه كلها يسعى الشيطان إلى هدمها بكافة الطرق والوسائل، وهو يستخدم في ذلك أدوات عادة تتمثل هذه الأدوات في شخوص بعض المفكرين التنويريين.

بالنسبة للدين الإبراهيمي، فقد سمعت عنه، ولكن ولأن الأمر كما فهمته تقوم عليه مؤسسات ذات طبيعة سياسية، ولأنني لا أهتم بالسياسة، فإنني لا أشغل نفسي بالموضوع ولا أصدقه ولا أكذبه. لكني لا أعرف دينًا اسمه الدين الإبراهيمي، وإنما أعرف أن الدين عند الله الإسلام، ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يُقبل منه. أما إذا كان المقصود بالديانة الإبراهيمية أن نكون جميعًا على الحنيفية الإبراهيمية، فنحن على ذلك. أما أن يُخترع دين جديد يطلق عليه الدين الإبراهيمي فلست مع هذا أبدًا. ولكن على ما يبدو أنهم أرادوا الخروج من الأزمة الناتجة عن الصراع القائم بين أتباع الديانات، فجنحوا إلى هذا الاختراع الذي يتناقض مع ما هو موجود في الكتاب المقدس والقرآن الكريم.
بالنسبة لمؤسسة تكوين، فأنا لا أعرف الكثير عنها مع أنني سمعت عنها، ولكني أعرف عن الأشخاص الذين أسسوها معرفة ليست قليلة ولكنها ليست كثيرة أيضًا. ولكن ما أعرفه يجعل لدي تحفظات كثيرة على ما يتم طرحه، إذ يبدو لي أنهم ومثلهم الكثيرون غيرهم أرادوا الخروج من إشكاليات معينة – قلَّت أو كثرت - موجودة في الإسلام – من وجهة نظرهم – أو في الأديان عمومًا، فوقعوا فيما هو أخطر. فلا هم استطاعوا الخروج من طريقة التفكير السلفي، ولا هم استطاعوا أن يوجدوا بديلاً مقنعًا لما أرادوا الهروب منه. ومع ذلك أكرر أنني لست أهلاً لأن أقيم أحدًا.
أهمية التنوع الفكري والحذر من التطرف
أؤمن بأن جميع الجماعات الإسلامية وغيرها هم إخواني في الإنسانية. ورغم اختلافي مع الكثيرين في الكثير من الطروحات، إلا أنني أؤمن بأن وجود الجماعات المتناقضة هذه ضروري لإقامة التوازن في مجال الفكر. فرؤيتي تقوم على أن التطرف في الفكر منبوذ، ولكن مع ذلك، بل وبسبب ذلك، لا يحق لي أن أهاجم وجود أي جماعة بسبب فكرها مهما كان متطرفًا. بل إن محاربة أي فكرة سوف يحييها ويدعمها أكثر، وهذا واقع معروف عند علماء النفس والسلوك الاجتماعي.
أنا لا أدعي أنني على الحق ولا أدعي أنني أمتلك الحقيقة. أنا أطرح أفكارًا وآراء. قد يقول قائل إن هذه الأفكار يجب أن تتوافق مع السنة ومع القرآن، ولكن السؤال هو: يجب أن تتوافق من وجهة نظر من؟
منهجية التعامل مع النصوص الدينية
أما بالنسبة لموقفي من القرآن، "الذكر الحكيم" فأنا لدي تصور بأن كل الكتب السماوية قد أطلق عليها القرآن اسم "الكتاب". ولكل كتاب تفريعاته التي تندرج تحته وتسمى هي أيضًا كتبًا. وكما انخفض التفريع أو علا، فنحن نتحدث عن كتب، فكلنا أهل كتاب مسلمين ومسيحيين ويهودًا على سبيل المثال. وعندما يطلق الله وصف أهل الكتاب على اليهود مثلاً، فهو يمدحهم.
أما من حيث موقفي من القرآن الكريم أو الذكر الحكيم أو الكتاب، فأنا بداية أعتبره محفوظًا. وهو قد تضمن في طياته ما يلزم من الرسالات السابقة أو من الكتب السابقة، بمعنى أن كل ما كان موافقًا للمنهج القرآني فيما يَصلح لكل ويُصلح كل زمان ومكان مما وجد في الكتب السابقة، فقد تضمنها القرآن الكريم. أما ما لا يلزم مما اقتصرت منفعته وصلاحيته على زمان نزول تلك الكتب، فقد تخلى عنه القرآن الكريم. القرآن نص ثابت وتفسيره وتأويله متحركان، ومع أن هذه المسألة قد سبقنا إليها الكثيرون إلا أننا سوف نعرج عليها بشكل مختلف.

أما بالنسبة للسنة، فأعلن بداية أنني لا ألزم نفسي بأي مصطلح ولا ألزم أحدًا بمصطلحاتي. ومن حيث المبدأ عندي مشكلة مع الحديث لجهة التصحيح والتضعيف. فلجهة تعريف الحديث الصحيح في أبسط صوره وهو أنه الذي يرويه العدل الثقة/الضابط عن العدل الثقة/الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة، فإنني أتساءل: من الذي سوف يصدر حكمه بالعدالة والثقة/الضبط على هؤلاء الرجال الذين يكونون سلسلة رواة الحديث؟ إنهم رجال مثلهم. ثم على أي معايير تم إصدار تلك الأحكام؟ إن هناك إشكالية في هذا الأمر، وسوف تناقش بعمق لاحقًا. ولكن عندي قاعدة سبقني إليها الكثيرون وهي أنني أعرض أي حديث على القرآن الكريم، فإن وافقه أو حتى لم يعارضه أو يناقضه، فهو عندي حديث صحيح حتى لو لم يصح سنده، فلا تعتبر هذه مشكلة عندي. أي أن المسألة في الأساس تتعلق بالمتن. فإن توافق أو لم يتعارض مع القرآن أقبل به، أما أن أجعل من السند معيارًا ساميًا وأقبل بالحديث بناءً عليه، ثم أجعل الحديث مهيمنًا على القرآن أو ناسخًا له مثلاً، فأنا لا أقبل بذلك أبدا.
في هذا السياق، أود لفت الانتباه إلى سبب رفض الكثيرين للسنة النبوية. فمن رفضوها ادعوا أنها لا تتوافق مع العقل ومع المنطق... إلخ، ولكنهم أخضعوها للعقل والمنطق بمستواهما الراهن والحالي، في حين أن السنة التي تمثل اجتهاد الرسول عليه السلام وفق منطق وعقل وثقافة وعلوم زمانه لا يمكن أن تمتد بذاتها إلى المستقبل حتمًا وبالضرورة. ولهذا السبب طلب الرسول من أصحابه حرق كل ما كتب عنه. لذلك، فأنا أقول إنه يجب أن نحاكم النص ضمن واقعه، ولا تجوز محاكمته ضمن واقع ليس واقعه الذي صدر فيه. أي ضمن فهمهم وثقافتهم هم وليس ضمن فهمنا وضمن ثقافتنا نحن في هذا الزمان.
إن جميع من حاولوا الانطلاق إلى الحداثة عندما لم يحسنوا وضع ضوابط للأصالة مع حتمية عدم الانعتاق الكامل منها، فإنهم أخطأوا السبيل. فلا حداثة بدون الرجوع إلى الأصالة، ولكن ضمن ضوابط صارمة لا تقبل كل ما وردها من الماضي كما هو بعزله عن السياق الذي نشأ فيه.
التراث والعلاقة بين الفلسفة والعلم
بالنسبة لكتب التراث، فلا يسعني إلا أن أعترف بأن الكثير منها كان مجرد نسخ ولصق بلا أي إضافات نافعة، فهذا لا نحتاجه ولا داعي له. ولكن ما لا شك فيه أن الكثير من كتب التراث تعتبر مراجع لا يُستغنى عنها. مع ضرورة توضيح أن العلماء الذين خطوا لنا تلك الكتب كانوا يقدمون في كتبهم محاولات للتوفيق بين القرآن والحديث عندما يبدو أن هناك تعارضًا بينهما، ولكن وفق منظورهم ومعتقداتهم ومناهجهم التي كانت سائدة ومهيمنة على عقولهم وأنماط تفكرهم. ولنا أن نقبل منها أو لا نقبل بما يلائم احتياجاتنا وزماننا، وأن نترك ما لا يناسبها بحسب منهاجنا في التفكير وبحسب حيثيات زماننا.. إن لنا الحق في أن نقول ما نريد مثلما قال الأولون ما أرادوا، ولن نكون بقولنا بخلاف ما قالوا مقللين من شأنهم. ونقول هم اجتهدوا وأصابوا وأخطأوا، ولنا الحق في أن نفعل مثلما فعلوا، وأن ننتقد الأفكار وليس الأشخاص.
بالنسبة للمجتمعات الإنسانية، فأستطيع القول بأن معظمها إن لم تكن جميعها مُغيبة. إن من يتمكن من مراقبة ومشاهدة هذه المجتمعات من الأعلى ليُطل أكثر على المشهد يستطيع أن يكتشف أن هناك تضييعًا وهدرًا شبه كامل للقيم. إن أخطر ما في المؤامرة الشيطانية أنه جاء لكل مجتمع من داخل خصائصه ومن داخل تفاصيل معتقدهم ليكون اختراقه لهم سلسًا وسهلاً. فهو يوظف أفكارك ومعتقداتك وخصائصك وقيمك ضدك، وهذه هي الكارثة التي وقعت فيها كل المجتمعات الإنسانية بدون استثناء، حتى على المستويات السياسية والاقتصادية.

أما على صعيد العلاقة بين الفلسفة والعلم، أقول بأنه كانت هناك محاولات دائمة عبر التاريخ لتمزيق العلاقة بين الفلسفة والعلم، لأن الربط بينهما من شأنه أن يؤدي إلى إيجابيات هائلة لصالح الإنسان، لذلك كان استهداف هذه اللحمة من أهم ركائز الخطة الشيطانية. لذلك نلاحظ دائمًا خاصة عند أهل الديانات حربًا شعواء على الطروحات الفلسفية. بل إن العلوم الطبيعية نفسها راحت تحارب الفلسفة وتدعي الاستغناء عنها، مع أن تطور العلوم يؤكد أنه لا بد من التوأمة بين الفلسفة والعلوم. وهو ما أسميه تزويج الفلسفة بالعلم، ولا يمكن للعلم أن يتطور إلا من خلال أمومة الفلسفة له.
أما عن طبيعة الطرح، فسوف نستخدم النصوص الدينية التي وردت في الكتاب المقدس، سواء القرآن أو التوراة أو الإنجيل، وما صح من أحاديث الرسول الكريم وفق منهجنا في ضرورة عدم التعارض مع ما جاء في القرآن. بل إننا لن نتردد في الأخذ عن الصحابة العظام أو عن العلماء الكبار في ما يلزمنا. بالنتيجة فإن فلسفة التشخيص والتجريد تشكل بناءً لجسور بين الماضي والمستقبل بحيث ترتكز على القواعد الصحيحة النقية التي أسستها الإنسانية في الماضي لنرتقي في بنائنا الوعيوي في آفاق المستقبل بتجرد وحيادية وموضوعية دون أي تمييز بين إنسان وآخر على أي أساس ديني او عرقي او إثني أو طائفي أو من حيث جنسه أو لونه أو جنسيته أو وطنه فالهدف الأسمى في هذه الفلسفة هو الإرتقاء بالإنسانية جمعاء من خلال زيادة الوعي والبناء المعرفي والقيَمي والأخلاقي والبعد عن كل ما يعيق هذا الارتقاء من فوضى وأذى واعتداء وتمييز وإساءة وتخلف وجهل من أي نوع كان وتحت أي شعار ومسمى وبعيدا عن أي نوع من انواع خطاب الكراهية.. ومن خلال تعظيم دور حرية الإنسان في البحث والتطوير والتحضّر والتعلّم ضمن دائرة الإخاء الإنساني..
من الحلقة التمهيدية لبرنامج الأبعاد السبعة

عرض المزيد

التعليقات:

ثناء: لا يمكن للعلم أن يتطور إلا من خلال أمومة الفلسفة له👏👏🙏🙏
2026-10-20 16:09:58
Asmaa: هذا الطرح يفتح بابًا واسعًا لفهم الدين بوصفه طريقًا لارتقاء الإنسان لا أداة فرز أو صراع...ويؤكد أن المعرفة الحقيقية تُبنى بالصدق والحرية لا بالتعصّب والانغلاق...
..يستدعي الماضي بوصفه رصيدًا لا قيدًا.. ثم يوجّه البوصلة نحو إنسانٍ (كونيّ الهوية) لا (طائفيّ الانتماء) ليجعل الوعي غاية والتحرّر المعرفي هو الوسيلة
2025-11-18 14:20:25
الأبعاد السبعة طبيعة خلق المسيح العجائبية..!

الأبعاد السبعة طبيعة خلق المسيح العجائبية..!

طبيعة المسيح: الخلق العجائبي والروح الكاملة
إن طبيعة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام هي محور الإشكاليات الدينية التي نتناولها، فالحقيقة التي يطرحها القرآن هي أن المسيح ليس بشرًا عاديًا، كما أنه ليس إلهًا أو ابن إله. بل هو خلق فريد، جمع الله فيه بين صفات فوق بشرية ومظهر إنساني. هذا المفهوم يتجاوز الثنائية التقليدية في الفهم، ويؤسس لنموذج جديد.

فلقد أراد الله عز وجل أن يقيم الحجة على الإنسانية، التي كانت تطلب أن يأتيها الأنبياء من الملائكة لا من البشر، فقالوا "لو شاء الله لأنزل ملائكة". لذلك، بعث الله لهم ملكًا رسولًا في صورة بشرية، وهو المسيح. هذه الصورة لم تكن مجرد تمثيل، بل كانت تجسيدًا حيًا لروح ملائكية في جسد إنساني.

القرآن الكريم يصف المسيح بأنه "كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه". هذه الصفة العظيمة، "روح منه"، لم تُطلق على أحد غيره، وهي تؤكد أن روحه ليست روحًا بشرية عادية، بل هي روح علوية طاهرة. عندما سألت مريم العذراء عن كيفية حملها، جاءها الجواب:

قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا ﴿18﴾ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا. (سورة مريم، الآية 18-19)

إن قوله "لأهب لك" بدلًا من "ليهب لك الله" يحمل دلالة عميقة. فالملك هنا لا يتحدث عن هبة من الله بشكل منفصل عنه، بل يؤكد أن الهبة تأتي من خلاله مباشرة، وهذا يؤكد على طبيعته الملائكية وقدرته على الإعطاء، وهي قدرة لا يمكن أن تتوفر في بشر عادي. هذه الروح هي مصدر القوة التي كانت تمنح المسيح قدراته الخارقة، مثل إحياء الموتى وشفاء المرضى، والتي كانت تُنسب إليه مباشرة من قبل الناس، حتى أدى ذلك إلى إشكالية تأليهه.

إن وصف القرآن للمسيح بأنه "بشرًا سويًا" لا يعني أنه إنسان عادي مثلنا، بل يعني أن جسده اكتمل بشكل بشري ليحمل هذه الروح الكاملة. هذا المزيج الفريد هو ما يفسر قدراته العجائبية، فجسده البشري كان مجرد وعاء لروح عظيمة، مما جعله قادرًا على إحداث المعجزات دون أن يتأثر بأي من نقاط الضعف البشرية، كالألم والموت.

دلالات الطبيعة العجائبية على قضية الصلب
تترابط قضية الصلب ارتباطًا وثيقًا بطبيعة المسيح الفريدة. فالذين ظنوا أنهم صلبوه وقتلوه، لم يكونوا يدركون أنهم يتعاملون مع كيان يختلف عن البشر. فالذي يمتلك القدرة على إزالة آلام الآخرين بلمسة، والذي يحيي الموتى، كيف يمكن أن يتأثر بالألم أو أن يقع عليه فعل القتل؟

هنا يأتي الإعجاز القرآني في قوله تعالى:

وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. (سورة النساء، الآية 157)

إن مفهوم "شُبِّهَ لَهُمْ" لا يعني أنهم صلبوا شخصًا آخر، بل يعني أن فعل الصلب والقتل لم يترك أثره المعتاد على المسيح بسبب طبيعته الملائكية. لقد قاموا بكل الخطوات التي تؤدي إلى القتل، لكن النتيجة لم تكن الموت. هذا التعبير يحمل دلالتين: الأولى أنهم لم يقتلوه قطعًا، والثانية أنهم لم يكونوا متيقنين من قتله. فكيف يمكن أن يُقتل "كلمة الله"؟

لقد كانت هذه الطبيعة العجائبية للمسيح هي الحائل بينه وبين الموت على الصليب، ولهذا السبب قاموا بكل أفعال الصلب والقتل، لكن النتيجة لم تكن الموت. هذا هو جوهر الفلسفة التي تطرحها الحلقة، وهي أن طبيعة المسيح تختلف عن طبيعة البشر، وأن فهمنا لقضية الصلب يجب أن ينطلق من فهمنا لهذه الطبيعة الفريدة.

عرض المزيد

التعليقات:

ثناء: شكرا دكتور هاشم على عمق هذا الطرح بارك الله بعلمك❤️
2026-10-20 15:34:18
Asmaa: شكرا د.هاشم لهذا الطرح الذي يعيد قراءة قصة المسيح من بوابة( الهوية الوجودية) لا( الجدل التاريخي) ليقدّم فهمًا يُفسّر(( الاستثناء العجائبي لطبيعته)) بوصفه روحًا" أمرية "في "جسد بشري" وبذلك تصبح قراءة أحداث الصلب خاضعة ل(ماهية المسيح) و(فرادته) لا (للصور المتداولة )حول الحدث...
شكرا د.هاشم لهذا الفكر المتعمق..زادك ربي علما ونورا..

2025-11-18 14:30:40
معتز قواس: ليت هذا الفكر كان موجوداً في القرون المبكرة لانتشار المسيحية، تحديداً في القرن الرابع في عهد قسطنطين حين اختلف البيزنطيين في طبيعة عيسى المسيح وانقسم المجتمع إلى ثلاث فرق: منهم من قال أن المسيح في جوهره إله ابن إله، ومنهم من قال بأنه بشر (آريوس تحديداً)، ومنهم من قال بأن طبيعة عيسى المسيح مختلطة بين بشر وإله. لكن سبحان الله ربما لم يكن قد آن الأوان في استحقاق الهدى آنذاك. ولله في خلقه شؤون.
2025-10-14 21:34:56
أم سلطان : سبحان الله تفكير منطقي وعميق لم يسبق لك احد عليه وعيتنا لوعي مختلف
2025-10-14 21:19:28
الأبعاد السبعة | حوار وأسرار مع هاشم نصّار  الحلقة التمهيدية: البدايات والرؤية والموقف من الأديان والجماعات

الأبعاد السبعة | حوار وأسرار مع هاشم نصّار الحلقة التمهيدية: البدايات والرؤية والموقف من الأديان والجماعات


في الحلقة التمهيدية من برنامج الأبعاد السبعة | حوار وأسرار مع هاشم نصّار، يُطل الدكتور هاشم على جمهوره ليقدّم لهم مفتاحًا لفهم مشروعه الفكري والإعلامي، عبر رواية بداياته الشخصية والعلمية، وعبر رسم ملامح موقفه من الدين والإنسان والجماعات التي تتنازع المشهد الفكري والديني.

من التعليم التقليدي إلى البحث الحر

منذ طفولته، اتسمت شخصية هاشم نصّار بنزعة نقدية واضحة تجاه أساليب التعليم التلقيني. فقد كان يرى أن الجلوس على مقاعد الدراسة في المدارس النظامية مضيعة للوقت إذا لم يكن التعليم قائمًا على البحث والتأمل والتفكر. هذه القناعة المبكرة جعلته كثير الغياب عن المدارس، في حين كان يوجّه طاقته نحو التعلم الذاتي والتعمق في القراءة الحرة.
لقد ميّز هاشم بين المعرفة الميتة التي تُلقَّن دون وعي، وبين المعرفة الحية التي تُكتسب بالتفكر والنقاش والتجربة. هذا الوعي المبكر كان أساسًا لمسيرته اللاحقة، حيث أصبح البحث الحر عنده بمثابة طريق للحياة لا مجرد وسيلة للتحصيل العلمي.

النشأة السلفية والتأثيرات المبكرة

نشأ نصّار في بيئة سلفية متأثرة بأعلام كبار، أبرزهم الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله. وقد أتاح له هذا الانتماء المبكر أن ينهل من علوم الحديث والرجال والمتون الشرعية، وأن يحفظ الكثير من النصوص في سن صغيرة. إلا أن هذه التجربة، على الرغم من غناها العلمي، لم تمنعه من مراجعة ونقد الأطر المغلقة التي تتحول فيها النصوص إلى قوالب جامدة تحجب روح الدين ومعناه الأصيل.

لقد منحته هذه النشأة المزدوجة – بين الالتزام الصارم والتفكير النقدي – قدرة على أن يرى بوضوح كيف يمكن للإنسان أن يقدّس النصوص حتى تتحول إلى أداة للانقسام بدل أن تكون وسيلة للهداية والتقريب. وهذا الوعي قاده إلى صياغة موقف متزن من الأديان والطوائف والجماعات، موقف يقوم على النقد من جهة، وعلى احترام التنوع من جهة أخرى.

القانون والفلسفة والرؤية الإنسانية

لاحقًا، توجّه نصّار إلى دراسة القانون، فجمع بين التكوين الشرعي المبكر والخبرة القانونية والفكرية، وصولًا إلى الدكتوراه في القانون. هذا المزج بين النصوص الدينية والقوانين الوضعية والفلسفة الإنسانية كوّن لديه رؤية شمولية تنظر إلى الإنسان كقيمة مطلقة قبل أي انتماء، وترى أن الأصل في الدين هو الإنسان، لا العكس.
هذه الخلفية المتعددة جعلت من هاشم نصّار مفكرًا قادرًا على أن يربط بين الإيمان والحرية، وبين الروح والعقل، وبين النص والواقع، دون أن يقع في فخ التعصب أو الإقصاء.

الموقف من الأديان والجماعات والطوائف

في الحلقة التمهيدية، يوضح نصّار موقفه من الأديان والجماعات الدينية والمذاهب الفكرية. فهو يرى أن الأديان السماوية جاءت في جوهرها لخدمة الإنسان، ولتثبيت القيم العليا كالعدل والرحمة والتعايش. غير أن التاريخ أظهر أن الجماعات والطوائف كثيرًا ما اختطفت هذه الرسائل النقية وحولتها إلى أدوات صراع وتناحر.
ينتقد نصّار النزعة الانغلاقية التي تجعل من الانتماء الطائفي بديلاً عن الانتماء الإنساني، ويرفض احتكار الحقيقة من قِبل أي جماعة، سواء كانت سلفية، أو أشعرية، أو حتى التيارات التي تصف نفسها بالتنويرية. فهو يعتبر أن كل جماعة حين تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة إنما تقطع الطريق أمام الحوار وتُقصي المختلف.

إن موقفه يتجاوز النقد إلى الدعوة لبناء دين الإنسانية، حيث لا يُلغى التنوع، بل يُحتفى به كجزء من الثراء البشري. في هذا الإطار، يدعو نصّار إلى تجاوز حدود الطائفة والمذهب نحو فضاء أرحب يجمع بين القيم المشتركة، دون أن يلغي خصوصيات الأفراد والجماعات. فالتدين عنده ليس هوية مغلقة، بل تجربة روحية وفكرية مفتوحة على الآخر.

الأبعاد السبعة: مشروع للحوار العميق

من هنا، يتضح أن برنامج الأبعاد السبعة | حوار وأسرار ليس مجرد منصة إعلامية، بل هو مشروع فلسفي وإنساني يسعى إلى إعادة طرح الأسئلة الكبرى: كيف نتجاوز الانقسامات دون أن نفقد هوياتنا؟ كيف نُعيد قراءة النصوص في ضوء مقاصدها لا في أسر قوالبها؟ وكيف نبني إنسانية مشتركة قائمة على العدل والرحمة، لا على الهيمنة والسيطرة؟

الحلقة التمهيدية إذن تمثل المدخل لفهم مسار طويل، مسار يتقاطع فيه الشخصي مع الفكري، والتجربة الفردية مع الهمّ الإنساني العام. وهي تعلن بوضوح أن هاشم نصّار لا ينحاز إلا إلى الحقيقة والإنسان، وأن مشروعه الفكري يقوم على النقد البناء، وعلى الدعوة إلى احترام جميع الأديان مع تجاوز حدود الطائفية إلى أفق أرحب: أفق الإنسانية الجامعة.

عرض المزيد

التعليقات:

ثناء: استاذنا الفاضل🙏
2026-10-20 15:35:17
Asmaa: هذا النص يكشف أن مشروع د. هاشم لم يولد من رد فعل... بل من رحلة وعي بدأت بالانتماء ..ثم تحولت إلى (تحرّر معرفي) لينتقل من {حفظ النص} إلى {تفكيك معناه} ومن {هوية الجماعة} إلى{ قيمة الإنسان} في إطار رؤية ترى الدين طريقًا للارتقاء لا ساحة صراع...
بارك ربي في وعيك وزادك بسطة فيه أستاذنا الفاضل د.هاشم المحترم..
2025-11-18 14:56:34
أليس الله بكافٍ عبده..!

أليس الله بكافٍ عبده..!

عندما تُوكِل أمورك لله فهو وحده خصيمٌ لكل مَن يُؤذيك وهو سبحانه كافيك .. اليس الله بِكافٍ عبده؟!!
هاشم نصار 2012

عرض المزيد

التعليقات:

ثناء: حسبنا الله ونعم الوكيل
2026-10-20 15:39:03
Amna Nasser: حسبنا الله ونعم الوكيل
2026-03-09 10:01:16
Amna Nasser: حسبنا الله ونعم الوكيل
2026-03-09 10:01:15
Asmaa: الطمأنينة تبدأ حين تدرك أن الكفاية ليست بيد الناس.. بل بيد من لا يخذلك أبدًا...
2025-11-18 15:06:12
هند محمد : اللهم انت حسبي ونعم الوكيل
2025-10-03 16:15:50
Souad zidi : اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك واغننا بفضلك عمن سواك
2025-09-23 15:35:24
الإنسان هو مركز القضية كلها..!!

الإنسان هو مركز القضية كلها..!!

الإنسان هو مركز القضية كلها..!!
من هنا نبدأ التغيير..!!

في خِضَمِّ عقليتنا النمطية الموروثة غابت عنّا أهم القيم والمبادئ التي من اجلها بعث الله الرسل وأنزل الكتب ووضع الموازيين ..!!

ومن أهم هذه المبادئ المندثرة : مركزية الانسان بالنسبة للدين ..!!

ويعني ذلك وبعكس فهمنا للأمور أن الدين جاء لخدمة الانسان وتوجيهه نحو تحقيق مصالحه على مستوى الفرد والجماعة ..!!

وتبدأ المسألة من أن الله سبحانه غنيٌ عن العالمين ..!!

..وأنه سبحانه وتعالى بعث الرسل وشَرّفَهُم بواجب عظيم ألا وهو خدمة الانسانية ومصالحها وسموها ونهضتها في جميع مناحي الحياة ..!! لو أننا فهمنا هذه المسألة ..! أقول لو أننا فهمناها ..!! لما رأيت أحدا يحارب أحدا من أجل الدين لما رأيت أحدا من البشر يرفع أحدا مهما كانت صفته ومكانته فوق مكانة الناس أجمعين ..! لما رأيت أحدا يُقدّس طائفة فوق العالمين .. لما رأيت أحدا يؤوّل النص لسحق الناس ..للتمييز بينهم.. لتفريقهم.. لتعذيبهم وتدميرهم ..!!

لابد لنا من التمييز بين خدمة الأمة بالدعوة الى الدين القويم الذي يحقق مصالحها وبين تطويع وإخضاع الأمة لخدمة الدين ..!!

وخير مثالٍ لنا في هذا المقام هو الدساتير التي تضعها الأمم لبناء دولها فإن هذا الدستور وضعه الشعب أو وُضع له ليخدم مصالحهم.. ولا بأس والحال كذلك بل الواجب هو احترام هذا الدستور والمحافظة عليه طالما ان نصوصه من حيث الأصل والتطبيق تحقق الأهداف التي وُجِد الدستور من أجلها وهي صيانة مبادئ العدالة والحرية وحقوق الأفراد وتنظيم علاقة الدولة بهم وعلاقتهم ببعضهم وبيان السلطات الخادمة لهم وعلاقة هذه السلطات فيما بينها وتحديد وظائفها التي أسندها الدستور لها خدمة للشعب ..! فإن أصبح الدستور عاجزا عن تحقيق هذه الأهداف فإنه يفقد إحترامه ويلزم تغييره وإعادة صياغته بما يضمن خدمة الشعب ومصالحه العليا وهذا ما حصل مرارا عبر تاريخ الدول والشعوب..!

وحيث أن القرآن العظيم دستور رباني أسس لدينٍ يحفظ للأمم كرامتها ويحقق أهدافها فكان لابد ولزاما أن يكون دستورا جامعا مانعا وكذالك مختصرا وواضحا يضع الأسس العامة والسياسات التشريعية التي يستند اليها الافراد والجماعات في تشريعاتهم بما يتوافق مع ثقافاتهم وأنماط حياتهم المختلفة عبر العصور .. وكان بالنتيجة لزاما أن يبقى نصّ القرآن ثابتا من حيث اللفظ ومتغيرا متطورا متحركا من حيث المعنى ليحقق توازنا وانسياقا وتوافقا مع المتغيرات التي تطرأ على الافراد والمجتمعات خلال حركة التاريخ وسيرورته أخلاقيا وإجتماعيا وإقتصاديا...!

وعلى ذلك فإن أي إسقاط لفهم الدين - ضمن مرجعيته القرآنية – من زمان على زمان او من مكان على مكان من حيث التطبيق ..! أو من أشخاص على آخرين من حيث الفهم..! لا يمكن ان يكون ملزماً إلا ان عَبَّر عن مبادئ اساسية تخدم المصلحة العامة للإنسانية والا فإن لكل أمة أن تفهم القرآن بما يتوافق مع مبادئها الاساسية من ناحية وثقافتها ونمط حياتها من ناحية أُخرى وبهذا يخرج الدين عن فهمه بحسب العقلية النمطية العربية الصحراوية التي كانت سائدة قبل الف سنة .. ليكون قابلاً للتطبيق بما يحقق سمو أمم الأرض جميعاً .. بدل أن يكون كما هو الحال اليوم وبسبب التشويه المقيت الذي طرأ على فهمه أداة تستخدم في كل هذه النزاعات والانتكاسات والحروب وتتم بإسمه ..!

أيُّ ظلم اقترفناه حين تم التحولّ من توظيف الدين ليحقق مصالح الناس الى توظيفه ليكون سببا في شقائهم ؟!!

وأي إجرامٍ أجرمناه عندما صورنا للناس إله الرحمة على انه إله قتل وحرب؟!!

وأي جناية جنيناها عندما حولنا رُسل الهداية إلى رُسل الغواية ؟!!.

هاشم نصار 2015

عرض المزيد

التعليقات:

ثناء: لكل أمة أن تفهم القرآن بما يتوافق مع مبادئها الاساسية من ناحية وثقافتها ونمط حياتها من ناحية أُخرى ❤️
2026-10-20 15:25:42
Asmaa: من خلال هذا النص يتأكد لنا أن منهجية د. هاشم تقوم على قلب مركز الفهم الديني من “الدين محور الإنسان” إلى “الإنسان محور الدين” ... لا بمعنى(( نزع القداسة)) بل بمعنى(( إعادة وظيفة الدين لموضعها الأصلي)) :- (بناء الإنسان) (تحريره) (ترقيته) و(تحقيق مصلحته الأخلاقية والوجودية)
كل الشكر والامتنان لهذا الفكر أستاذنا الفاضل د.هاشم

هذا التحول ليس وعظًا، بل إعادة ضبط للبارادايم (طريقة التفكير) بنقل مركز القيمة من الانتماء إلى الكرامة الإنسانية، ومن الحفظ إلى الوعي، ومن التقليد إلى المسؤولية.

2025-11-18 15:16:57
مروة: سبحان الله
2025-09-23 18:28:25
التدوير ضد التنوير..!!

التدوير ضد التنوير..!!

التدوير ضد التنوير..!!
اعادة إنتاج العفن الثقافي والسلوكي والفكري والفلسفي..!!

في بيوتنا نقوم بإعادة إنتاج ذواتنا من خلال أولادنا ..!!

وفي المدارس والجامعات والمعابد والكنائس والمساجد نقوم بإعادة إنتاج أفكارنا وموروثاتنا من خلال طلابنا ..!!

هذه هي آلية تدوير الذات وإنتاج العفن ..!!

لنتوقف عن التلقين ..عن حشوا العقول بالموروث والمنقول..! دون حثها على التفكر والتأمل والتدبر..! والتصور والتخيل ..! والدهشة والذهول ..! والسفر عبر الآفاق واختراق المجرات والأفلاك .. والأكوان والسماوات ..!!

لعل الأجيال القادمة تصنع وطناً أجمل.. تنتج فكرأً أشمل .. تتأوّل دينا أرحم .. تتصور رباً أعدل ..!!

هاشم نصار 2017

عرض المزيد

التعليقات:

ثناء: 🙏🙏🙏🙏🙏
2026-10-20 15:26:55
Asmaa: التغيير لا يولد من تكرار أنفسنا في الآخرين.. بل من تحرير عقولهم من حدودنا...لا بد لذلك أن يحدث عاجلا أم آجلا....
2025-11-18 16:19:46
القواعد العشرة التي تأسس عليها الفكر الكهنوتي الإقصائي…!!

القواعد العشرة التي تأسس عليها الفكر الكهنوتي الإقصائي…!!


ان الباحث المتعمق في تاريخ كافة الجماعات الاصولية المتطرفة يجد ان هذه الجماعات اعتمدت في معتقداتها وتشريعاتها على مجموعة من القواعد التي وضعتها كل جماعة بالاستناد على طائفة من النصوص كيّفتها وأوّلتها بمنهج احادي القطبية وإقصائي لا يعترف برأي الآخر ولا يقيم له وزنا ابدا.. وبما يتناسب مع فلسفة هذه الجماعة وتوجهاتها ..!! وانعكست هذه التأويلات التي غدت عقائد ومسلمات لا يمكن التشكيك فيها أو حتى مجرد ابداء الرأي إزاءها ..! انعكست على التشريعات المختلفة لهذه الجماعة وأثرت على سلوكها وأخلاقها وطريقة تعاملها مع الآخر على أساس انها تمتلك الحق المطلق الذي على اساسه تستطيع تقييم عقائد كل الافراد والجماعات ومن ثم تصنيفهم الى مؤمن وكافر .. ضاربة بعرض الحائط شمولية رسالة الاسلام وانسانية تعاليمه ..!

ومن أهم المحاور التي ساهمت في البناء العقدي والفكر السلوكي والمنهجي لدى هذه الجماعات ما يلي:

1- تعدد مصادر التشريع والمساواة بينها من حيث القوة وتغليب بعضها على بعض احيانا بما يتفق وفلسفة الجماعة..!

2- وضع قواعد أصولية عليا لا يمكن لأحد مناقشتها او التشكيك فيها تحت طائلة التكفير والخروج من الملة..!

3- وضع قواعد لأصول الفقه والتفسير تُسهل عملية تغليب مصدر على الآخر وتسمح بوضع منظومة تشريعية حدّية وتسلطية..يتحكم بها رجال الدين بقداسة تأويلاتهم..!

4- اعتماد قواعد علم الرواية والدراية وعلم الرجال بالاعتماد على معايير إقصائية ومطاطة تسمح بتصحيح الاحاديث وتضعيفها بما يتفق وفلسفة الجماعة ..!

5- تطويع اللغة بما يتلاءم مع توجهات الجماعة واسسها العقدية..!

6- تصنيف العلماء وتقسيمهم بناء على قربهم من عقيدة الجماعة وبعدهم عنها وليس على اساس موضوعي حيادي ومجرد..!

7- قراءة التاريخ قراءة انتقائية تستبعد كل الوقائع والنصوص والاخبار التي تختلف مع فلسفة الجماعة وتوجهاتها..!!

8- شن الحروب التكفيرية والتشكيكية على الآخر ومهاجمة الاشخاص على حساب مناقشة الافكار..!

9- التهديد والتلويح الدائم عبر التاريخ بسيف الردّة والجزاء والوعيد والتهديد للمخالفين لهم بالرأي

10- تجنيد العوام بالخطاب الديني العاطفي تارة وبالترهيب بالخطاب الجزائي الدنيوي والأخروي تارة أخرى ..!

هاشم نصار 2012

عرض المزيد

التعليقات:

ثناء: 💯💯💯
2026-10-20 15:28:51
Amna Nasser: كل الشكر والتقدير دكتور هاشم ????????
2026-08-05 07:42:15
Asmaa: هذا توصيف دقيق ل كيف تتحول النصوص من" هداية مفتوحة" إلى" منظومة مغلقة و متحجرة" تصنع أتباعًا لا أصحاب وعي حين تُقرأ بعين التصنيف و الإقصاء لا بعين الإنسانية الشمولية التي تنادي بها كل الرسالات السماوية(الإسلام)..
2025-11-18 16:27:59
أليس الله بكافٍ عبده؟!

أليس الله بكافٍ عبده؟!

أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ..؟!
لكم يدهشني حال مَن لا يتمنى لغيره الخير ثم يدعو الله أن يرزقه ويعطيه ..؟!! ويرعبني كيف أنه لا يستحيي من الله وهو عالم بكل ما يخفيه ..؟!!

وأعمى منه من يتمنى لغيره الشرّ ويؤذيه .. فإذا خلا بربه ناجاه أن يحفظه ويحميه ..!!

يا ربّ: أعطِ الأول ما يُطَيّبُ قلبه ويجبره ويجليه .. وأعطِ الثاني ما يداوي أمراض نفسه ويشفيه ..

واحفظنا من أن نكون كما الإثنين واجعل لنا أنقى من القلبين...

هاشم نصار 2017

عرض المزيد

التعليقات:

ثناء: امين🙏🙏
2026-10-20 15:18:05
الخصوصية والتعامل مع الانترنت..!

الخصوصية والتعامل مع الانترنت..!

لا يوجد خصوصية أبدا ..!!

من خلال خبرتي في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والشبكات أقول لكم :

معادلة الخصوصية بسيطة جدا !

على أي جهاز مربوط أو يمكن ربطه على الشبكة في أي وقت.. !!

سواء أكان مقفلاً أو فعالاً أو بدون بطارية..!!

لا يوجد أدنى خصوصية..!!

لا يوجد أي برنامج محمي..!!

لا يوجد أي مضاد للإختراق ولا أي جدار ناري يمنع إختراق جهازك..!!

حتى وان مسحت المعلومة أو فرمّتَ جهازك عدة مرات ..!!

ومهما كانت الاعدادات التي قمت بتفعيلها ..!

كل ضغطة زر على الكيبورد مسجلة عليك سواء على السيرفر الفرعي أو المركزي ويمكن استعادتها في أي وقت..!!

كل صورة .. كل صوت.. كل حرف .. كل إعجاب .. كل تعليق .. كل منشور ..كل رأي .. كل إشارة .. كل مشاهدة .. كل بحث .. بل يمكن أحيانا كل فعل مارسته في خلوتك وجهازك معك او بقربك او في نطاق استقباله الصوتي أو المرئيّ..!!

لذا : ..

لا تضع أي معلومة .. لا ترسل أي رسالة .. لا تدع أي كاميرا على أي جهاز من دون تغطيتها .. ! لا تقم بأي ضغطة زر.. لا تصور أي صورة .. لا تبحث عن أي شيء على الشبكة ..!! الا ان كنت لا تمانع في نشر ما تقوم به على العالم بأسره في أي وقت ..!!

فكر كثيرا وعميقا جدا ولأبعادٍ ولسنواتٍ ماذا وكيف ومتى ومن سيستغل أي حركة تقوم بها ..!!.

هذا ما يستحق أن تنشره وتساعد به الآخرين ..!!

هاشم نصار 2016

عرض المزيد

التعليقات:

ثناء: 👏👏👏👏
2026-10-20 15:19:26
Asmaa: وأنا أقرأ هذا المقال المؤرَخ 2016 أوقن تماما دكتور هاشم أن نظرتك الاستشرافية للمستقبل ثاقبة..فما دوّنته حدث فعلا و صرنا نعرفه الآن 2025...ما شاء الله ربنا يزيدك من كل علم نافع أستاذنا الفاضل
2025-11-18 16:32:34
لماذا الحب؟!

لماذا الحب؟!

لماذا الحب ..؟!
الحب ليس عارضاً او مجرد مجاملة او واجهة مصطنعة ..!!

وانما هو حالة يجب أن تكون مُتَأصِلة في المؤمن الحق..!

حبك للناس يقربهم منك ويسمح لك بالغور في اعماقهم وسبر اغوارهم بل وتغيير الفاسد من معتقداتهم بكل سهولة ويسر واخلاص وود ..!!

حتى الملحد احوج ما يكون لحبك ..!!

فبحبك يصل الى ان هناك عظيماً قد اسبغ عليك نعمه وهناك كريماً قد هداك سبله وهناك رحيما قد ارخى عليك سكينته ..دعه يتعرف من خلال الحب على من زرعه فيك ..!!

هاشم نصار2015

عرض المزيد

التعليقات:

ثناء: أحبكم الله كما تحبون عياله وتنشرون النور حولكم❤️
2026-10-20 15:20:59
Asmaa: الحب هنا د. هاشم جسر هداية أعمق من كل مناظرة
2025-11-18 16:35:18
تكاد السماء تمطر علينا الكره والبغض أمطارا..!!

تكاد السماء تمطر علينا الكره والبغض أمطارا..!!

تكاد السماء تمطر علينا الكره والبغض أمطارا..!! ونحن نقول هل من مزيد ..!
كفوا .. تنازلوا .. ترفعوا .. تواضعوا.. تسامحوا .. تصالحوا .. وكونوا عباد الله إخوانا ..

تكاد السماء تمطر علينا الكره والبغض أمطارا..!! ونحن نقول هل من مزيد ..!
كفوا .. تنازلوا .. ترفعوا .. تواضعوا.. تسامحوا .. تصالحوا .. وكونوا عباد الله إخوانا ..

من أين لكم كل هذا الكبر؟!! وكيف خزّنتم في قلوبكم كل هذا السواد ؟!!

والله لأن تعصي الله بالمحبة..!! خيرا لك من أن تطيعه بالكراهية ..!!..

هاشم نصار 2016! وكيف خزّنتم في قلوبكم كل هذا السواد ؟!!

والله لأن تعصي الله بالمحبة..!! خيرا لك من أن تطيعه بالكراهية ..!!..

هاشم نصار 2016

عرض المزيد

التعليقات:

ثناء: 👏👏❤️❤️
2026-10-20 15:14:54
Asmaa: وكأن النص يذكّرنا بأن الخطيئة مع قلبٍ حي قابلة للشفاء..بينما الطاعة بقلوبٍ سوداء تتحول إلى عبادة مُلوَّثة تُنتج الكراهية لا التقوى.. ف
القيم لا تُقاس بالفعل فقط.. بل بنوع القلب الذي يصنعه..
شكرا لهذا الجمال الفكري د.هاشم
2025-11-18 16:38:13
المنصف..!

المنصف..!


المُنْصِفُ لـو أتيتَ لـهُ بِحُجة .. بلّ من غير حُجَةٍ أنصفك ..
والظالـمُ لو أتيت له بكـل حُجَةٍ .. ما أنصفك .. بل ظلمك ..

فَهَـّون على نفسـك ما دام لك ربٌ بجميلِ الصبرِ أكرمـك ..

يا ربّ كيف يخيب ظني والحكمُ لك وانت انت ما أعدلك ..

هاشم نصار 2016

عرض المزيد

التعليقات:

ثناء: ❤️❤️❤️
2026-10-20 15:15:25
Asmaa: صدقت د.هاشم...الإنصاف نورٌ يضيء في القلب لا نتيجة في الجدل...فمن غاب عنه العدل لم تهدِهِ ألف حجة...
2025-11-18 17:15:41
معتز قواس: نعم أهل الإنصاف لا يظلمون
2025-10-14 13:34:28
من أصلح الناس ومن أفسدهم؟

من أصلح الناس ومن أفسدهم؟

سألني صديقي من أفسد الناس ؟!! قلت له سأكون أنا ان أجبتك ..!!
فسألني من أصلح الناس ؟!! قلت له ستكون انت ان انشغلت بنفسك عنهم ..!

هاشم نصار 2015

عرض المزيد

التعليقات:

ثناء: سبحان الله العظيم لو ينشغل كل الناس باصلاح أنفسهم؛ شكرا دكتور هاشم❤️❤️
2026-10-20 15:17:12
Asmaa: حين ننشغل بإصلاح ذواتنا ينطفئ مقياس الإدانة ويُولد ميزان الحكمة...
شكرا لهذا العمق الروحي د.هاشم+ (عندما تُختزَل الحكمة بسطور...) !
2025-11-18 17:20:47
معتز قواس: الفضول غير معنية فيه العقول
2025-10-14 13:32:28
المصابيح التي نصنعها لتنير لنا الطريق أعمتنا وأضلتنا..!!

المصابيح التي نصنعها لتنير لنا الطريق أعمتنا وأضلتنا..!!

المصابيح التي نصنعها لتنير لنا الطريق أعمتنا وأضلتنا..!!
.. في هذه الليالي الحالكات اتدرون ما أخطر ما فيها ؟!!

كثرة الأضواء المزيفة التي حجبت عنكم رؤية نجوم السماء المتألقة ..!! وكلما أكثرتم من هذه الأضواء المزيفة كلما حجبتم عن أنفسكم نور السماء أكثر ..!!

أطفئوا هذه الأضواء ليصلكم نور السماء ..!! أسقطوا القداسة عن الأشخاص المزيفين ..! أما كفاكم ما حجبتم من النور ..

يكفي ضوء مصباح مزيف واحد على نافذة عقلك ليحجب عنك نور الف الف نجمة ..!!

المصباح الذي يسطع في وجهك يعميك ولا يهديك ..!!

جرب ان تتجرد من كل تلك الأضواء المبهرة .. وتقلب بوجهك في السماء ..!! تأمل ..تفكر .. وتدبر .. قد تدرك ساعتها هول ما فاتك من نور المعرفة ..!! التي ما حجبك عنها الا ما ظننته يهديك اليها ..!!

هاشم نصار 2017

عرض المزيد

التعليقات:

ثناء: 🙏🙏🙏🙏
2026-10-20 15:13:58
Asmaa: نص رااائع يهمس: ـ(إن ما يحجبنا عن النور الحقيقي ليس الظلام… بل" الضوء" الخاطئ الذي نظنه هداية...فيضلنا عن الطريق)
شكرًا شكرًا شكرًا....
2025-11-18 17:25:19
معتز قواس: بريق يخطف الأبصار لكنه في الواقع مصباح إبليس!
2025-10-14 13:28:21