نقد علم النفس الحديث من منظور فلسفة التشخيص والتجريد لطبائع النفس بقلم: عصام أبو سنينة- مستشار الفلسفة الإكلينيكية

17-10-2025

نقد علم النفس الحديث من منظور فلسفة التشخيص والتجريد لطبائع النفس بقلم: عصام أبو سنينة- مستشار الفلسفة الإكلينيكية

مقدمة:
لقد شكّلت مدارس علم النفس منذ نشأتها الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر سلطة معرفية قوية في تفسير المشكلات الإنسانية، سواء أكانت نفسية، سلوكية، أو حتى عضوية. وتطوّرت هذه المدارس باتجاهات متعددة: مدرسة التحليل النفسي، المدرسة السلوكية، المدرسة المعرفية، ومدرسة الجشطالت، وغيرها، غير أن الغالبية منها تشترك في سمة مركزية واحدة، وهي: الانطلاق من الإنسان بوصفه كائنًا ماديًا-تشخيصيًا، تحكمه الغرائز، الدوافع، العمليات الذهنية أو البيولوجية، وأيضًا انطلقوا من خلال قرن السلوك بالسلوك!

لكن، هل يكفي هذا التفسير المادي النفسي لفهم جوهر الإنسان؟
وهل أن كل مشكلة في السلوك أو الوعي يمكن إرجاعها إلى اختلال في اللاشعور أو المخططات المعرفية أو التنشئة الاجتماعية؟

في هذا المقال، أقدّم نقدًا فلسفيًا لهذا التصوّر، انطلاقًا من منظور تأملي يميز بين ثلاثية وجودية أساسية في الإنسان:
١- الطبيعة الطينية (السكون، التثاقل، الارتباط بالمادة)،
٢- الطبيعة الجنيّة (الحركة، الانفلات، الهيمنة النارية).
٤- النفس، باعتبارها مركز التوازن والوعي، والواسطة بين الطين والنار.


أولًا: علم النفس وتغييبه لجوهر النفس

رغم أن علم النفس يُفترض فيه أنه علم النفس، إلا أن ما يُدرّس في أروقة الجامعات والمراكز العلاجية غالبًا ما يكون علمًا للسلوك أو الدماغ أو العمليات الإدراكية. تم تشييء النفس (Reification) وتحويلها إلى أنماط قابلة للقياس والتجريب، وتم اختزالها في مؤشرات تشخيصية وتصنيفات اضطرابية.

هذا ما يمكن أن نسميه: التشخيص النفسي للطبيعة الطينية فقط، حيث تُعامل النفس كامتداد للجسد فقط، لا ككيان روحي/ تجريدي له أبعاده فوق المادية.

وبالتالي، فإن الانحرافات السلوكية، مثل الإدمان أو القلق أو العدوان، تُفَسَّر فقط على أنها اختلالات في التكيّف أو في السيروتونين أو في أساليب التفكير، دون الانتباه إلى الصراع العميق بين القوى الداخلية للإنسان، بين طينه وناره، بين جسده وقرينه، بين صورته وتشوه معناه.

ثانيًا: إهمال الطبيعة الجنيّة كقوة داخلية كامنة

تغفل أغلب النظريات النفسية عن البُعد الناري في الإنسان ذلك الذي يمثّله القرين أو الهوى أو (النفس الأمّارة)، أو ما نسمّيه (الطبيعة الجنيّة).

هذه الطبيعة تتجلى في:
نزعة الاستحواذ والهيمنة.
التلون والتقنّع والسخرية (كما في الآية القرآنية: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾.
الطيش، التهور، الإسراف العاطفي أو المادي.

هذه السمات، رغم كونها أساسية في الكثير من الاضطرابات النفسية المعاصرة، لا تُقرأ في سياقها الكلي كقوى رمزية روحية داخل الإنسان، بل يتم اختزالها في سلوكيات طارئة أو نتائج بيئية.

ثالثًا: غياب التوازن المفهومي ورفض التجريد

التوازن بين الطبيعتين: الطينية والجنيّة، لا يعني إزالة إحداهما، بل ضبط تطرف كل منهما عبر وعي النفس لذاتها، ومراقبتها لاندفاعاتها، وتحقيق الفضيلة بين الرذيلتين، وبلغة فلسفية، معالجة اغترابهما عن النفس الأصيلة.

وهذا ما تعجز عنه معظم المقاربات النفسية الحديثة، لأنها لا تؤمن بوجود (وعي علوي) في الإنسان قادر على التأمل في دواخله وإحداث الانفصال عن الميول المتطرفة.

التحليل النفسي القديم (فرويد) حاول تفسير هذا عبر (الأنا الأعلى)، لكن بشكل سلبي ومكبوت، لا متحرر ومستنير.
أما مدارس العلاج المعرفي السلوكي، فهي تنظر للعقل على أنه آلة تفكير وتصحيح، لا كراصد تأملي يعيد توجيه القوى الداخلية نحو الاتزان والتنوير.

رابعًا: نحو علم نفس متجذر في فلسفة النفس الواعية

بدلًا من علم نفس يتعامل مع الإنسان كمعادلة بيولوجية/ذهنية، نحتاج إلى علم نفس روحي وجودي، يستند إلى:
الاعتراف بالصراع الداخلي بين قوى مختلفة في الإنسان.
إعادة الاعتبار للنفس ككيان قادر على ضبط هذا الصراع وتحقيق الفضيلة.
النظر إلى المشكلات النفسية بوصفها علامات على اختلال التوازن الداخلي بين الطين والنار.

وهذا يستدعي منهجًا تأمليًا لا تجريبيًا فقط، وتحليلًا رمزيًا لا سلوكيًا فقط، وأسلوبًا حواريًا فلسفيًا لا إجرائيًا ميكانيكيًا.

خاتمة:

علم النفس الحديث، رغم خدماته التجريبية والتطبيقية، يقع في مأزق الاختزال والسطحية عندما يغفل عن التركيبة الوجودية النفسية للإنسان.
إن النفس، كما هي في جوهرها، ليست مجرد (حالة)، بل مسرح لصراع بين قوى الطين والنار، ومجال لإمكانية التوازن والتنوير.
وكل تفسير لا يرى الإنسان بهذه العينية المتعددة الأبعاد، هو تفسير ناقص، عاجز عن إنقاذ النفس من ضياعها في الطين أو في النار.

التعليقات:

خلود غيث: بإعجاب عميق بالفكر الفلسفي الثري الذي طرحه الأستاذ عصام، أتساءل أليس في اختزال علم النفس الحديث للنفس إلى مجرد تشخيصات وسلوكيات هروب من مواجهة لغزها الوجودي؟ ألا يمثل صراع الطين والجان داخلها ذلك التناقض المقدس الذي يجعل من الإنسان كائناً يفوق قياساته المادية؟ مقالك يدعونا لإعادة اكتشاف النفس كمسرح لهذا الصراع الأزلي حيث يتحول الاضطراب من مرض إلى سؤال وجودي يستحق التأمل لا القمع.
2025-10-17 17:45:53
معتز قواس: هذا التعريف الجديد "للنفس" يستدعي تحديث منهج علم النفس برمته للانطلاق من جوهر معنى النفس.

شكراً كوتش عصام على وضع بوصلة جديدة محدثة ستصل بعلم النفس إلى بر السلامة النفسية الحقيقي.
2025-10-17 16:42:54
Om omar: مقال عميق...طرْحٌ و رؤية تحرّر علم النفس من أسر المادية، وتعيد للنفس مكانتها كجوهر واعٍ لا كوظيفة عصبية.
رؤية الإنسان كصراعٍ بين الطين والنار ، تُصلحه النفس حين تعي ذاتها..وتتمكن من زمام أمورها..????
طرحتَ نقدًا راقيًا للاختزال العلمي، ودعوة لعلمِ نفسٍ يستنير بالروح والمعنى.
إنه فكر مستنير يوقظ العلم من غفلته ويعيد للإنسان بُعده الوجودي الحقيقي..
شكرا لكما د.هاشم و أستاذ عصام ????
2025-10-17 15:39:33