27-11-2025
تمهيد
يتكوّن الوجود الإنساني، وفق منهج التشخيص والتجريد، من بُعدين متداخلين ومتفاعلين: البُعد الجسدي التشخيصي، والبُعد النفسي التجريدي.
فالجسد يمثّل المجال المادّي المحسوس، ويحتوي على الأجهزة الحسيّة التي تستقبل آثار العالم التشخيصي: أصوات، روائح، صور، ملمس… إلخ. أما النفس، فهي مجال المفاهيم والمعاني، وفيها تتم عمليات الإدراك العقلي، والتأويل، والتخيّل، والشعور، وهي بذلك تستقبل معطيات العالم التجريدي.
وتتشكّل المعرفة الإنسانية من تفاعل هذين البُعدين؛ فالمعرفة الحسية تأتي من الجسد وأجهزته، بينما تنشأ المعرفة المفهومية من العمليات العقلية للنفس. واتحاد هاتين المعرفتين هو ما يكوّن تجربة الإنسان وفهمه للعالم من حوله.
أولاً: طبائع التكوين الإنساني
يبيّن منهج التشخيص والتجريد أن الإنسان مركّب من مجموعة من الطبائع تتفاعل في داخله، ويتصدّرها بعدان رئيسيان:
١- الطبيعة الطينية: وهي البُعد الإنساني المادي التشخيصي، وتمثّل ما ينتمي إلى عالم الحضور الجسدي.
٢- الطبيعة النارية: وهي البُعد المرتبط بالجانب الجنيّ، والمعبّر عن الطاقة، وسرعة التأثر، وقدرة التشكّل.
ويتحقق التوازن الإنساني عندما تخضع الطبيعة النارية للطبيعة الطينية، أي حين تُطوَّع الطاقة المتفلّتة لصالح البنية التشخيصية الراسخة. ومن هذا الاندماج بين الإنس والجن يتكوّن الكائن الذي نسمّيه إنسانًا؛ أي (إنسجانًا) وفق القراءة المفهومية التي ترى الإنسان وحدة وجودية تجمع بين البعدين المادي والناري، بين إنسيّ من معشر الإنس وجِنيّ من معشر الجن.
ثانيًا: بوابات السحر في البنية الإنسانية
يظهر مفهوم السحر ، وفق هذا الإطار، على مستويين معرفيين:
1. السحر التشخيصي (المادي): وهو كل تأثير سحري يتم عبر المادة: أعشاب، مركبات كيميائية، تفاعلات فيزيائية، أو أدوات محسوسة. هذا النوع يوجّه أثره مباشرة إلى الجسد، وقد ينعكس، بصورة ثانوية، على النفس إذا أثار خوفًا، أو قلقًا، أو تصوّرات معيّنة.
2. السحر التجريدي (المعرفي–الطاقي): وهو السحر الذي يعمل من خلال المفاهيم والمعاني والرموز، أي عبر الأفكار، والبرمجيات العقلية، والصدمات النفسية، والرسائل الإيحائية. وهذا النوع يؤثر مباشرة في النفس، وقد ينعكس على الجسد بواسطة أعراض نفسجسدية.
ويتبيّن من ذلك أن الإنسان قابل للتأثر عبر بوابتين: الحسّ والفكر، التشخيص والتجريد. وفي كثير من الحالات، يكون السحر التجريدي أكثر انتشارًا لأن بابه الرئيس هو الاعتقاد وما يحمله الفرد من تصوّرات مسبقة حول السحر نفسه.
ثالثًا: طرق العلاج وفق طبيعة السحر
1. علاج السحر التشخيصي (المادي): هذا النوع يعالج بمواد من جنسه؛ أي بمضادات مادية تعمل على تفكيك المادة السحرية أو تحييدها، ومن خلال فهم تركيبها الكيميائي والفيزيائي، ومعالجة آثارها على الجسد مباشرة.
2. علاج السحر التجريدي (المعرفي–النفسي): يعدّ هذا النوع الأخطر لأنه يتسلّل عبر المعنى والاعتقاد لا عبر المادة. وعلاجه يتم من خلال تصحيح التشوهات المعرفية وإعادة بناء التمثّلات الذهنية، وإصلاح البوابات العقلية المنكسرة التي تسمح بدخول الفيروسات المعرفية، ومضادات الفيروسات الطاقية، أي تعزيز البُنى النفسية ورفع مناعة الوعي.
ملاحظة مهمة
قابلية الإنسان للتأثر بالسحر التجريدي تعتمد على مدى استعداده النفسي. فكلما ازداد إيمانه بفعالية السحر وقدرته، ازداد تأثره به. بينما من لا يؤمن به إطلاقًا، ولا يحوي في عقله ملفات مفهومية عنه، يكون محصّنًا معرفيًا من تأثيره، ولو بلغ السحر ذاته أعلى مستوى من القوة.
فالاعتقاد هنا يعمل كمفتاح تشغيل للتأثير التجريدي.
خاتمة
تُظهر قراءة السحر وفق فلسفة التشخيص والتجر أنه ليس مجرد ممارسة غيبية، بل هو بنية تأثير يمكن أن تعمل عبر المادة أو عبر المعنى. وتتحدد قوة هذا التأثير بحسب طبيعة الإنسان نفسه: مادته، ووعيه، وصورته الذهنية عن العالم.
وبذلك يصبح فهم السحر، لا بوصفه خرافة ولا بوصفه مسلّمة، بل بوصفه آلية تأثير تعمل ضمن العالم التشخيصي والتجريدي، خطوة أساسية نحو تحرير الإنسان من الخوف، وتعزيز صلابته النفسية، وتحصين بوابات وعيه
التعليقات:
هنا يتبين لنا نقطة حاسمة: السحر الأخطر ليس ما يُلقى في اليد(التشخيصي /المادي) بل ما يُلقى في الوعي... فالمادة تُحارب بالمادة...لكن الأفكار لا تُبطل إلا بإعادة هندسة العقل نفسه..وعندما يكون الاعتقاد هو المفتاح..وتصبح المناعة الحقيقية هي :ــ وعيٌ لا يسمح للمعنى المضلِل أن يجد له مُدخلًا.
2025-11-28 13:45:27
شكرًا أستاذ عصام لإضاءاتكم العميقة...
هنا أجد مادة تُعيد تعريف السحر كظاهرة تأثير لا كقوة غيبية منفلتة...
فبين طين الجسد ونار النفس تتحدد قابلية الإنسان للتأثر
وما لم تُحكم (بوابات الوعي).. يصبح" المعنى" أخطر من" المادة"...هذه القراءة تعيد الموضوع إلى مكانه الصحيح
ليس خوفًا من الخارج بل ..هندسة الى لداخل حيث "الاعتقاد" هو(( المفتاح))
والعلاج يبدأ من ((إعادة بناء الصورة)) لا من(( مطاردة الظلال))
شكرًا مرة أخرى لهذا الألق المتواصل..
2025-11-28 13:13:15