الفكر السلفي… حين يتحول الماضي إلى قيد على الوجود! قراءات نقدية وفق سيكولوجية التفكير الإنساني بقلم عصام أبو سنينة – مستشار الفلسفة الإكلينيكية

21-10-2025

الفكر السلفي… حين يتحول الماضي إلى قيد على الوجود! قراءات نقدية وفق سيكولوجية التفكير الإنساني بقلم عصام أبو سنينة – مستشار الفلسفة الإكلينيكية


تمهيد
إن الفكر السلفي، في جوهره، محاولة للبحث عن الأمان في مواجهة قلق الحاضر. فالعقل الذي يخشى المجهول يعود إلى الماضي، يلوذ به، ويجعل منه معيارًا للحقيقة والمعنى. لكن حين يتحول هذا الميل الطبيعي إلى موقف فكري مطلق، يصبح الماضي سجناً لا ملاذًا، ويغدو الإنسان أسيرًا لصورة منتهية للعالم، في حين أن الوجود بطبيعته مفتوح على التحول والتجدد.
الفكر السلفي، بهذا المعنى الواسع، لا يخص دينًا بعينه أو مذهبًا بعينه، بل هو نزعة عقلية وروحية يمكن أن تظهر في الدين، أو الفلسفة، أو الأيديولوجيا. هو الميل إلى اعتبار (الذين سبقونا) هم الأصل الذي لا يُمسّ، وأن الحقيقة قد قيلت، وأن دورنا ينحصر في التفسير والتكرار لا في الإبداع والاكتشاف.
لكن الوجود الإنساني لا يقبل الجمود، لأنه حركة دائمة بين ما كان وما يمكن أن يكون. الإنسان، كما يقول كيركغارد، هو مشروع لا يكتمل إلا بالاختيار الحر. والفكر السلفي، في المقابل، ينفي هذه الحرية عبر تحويل الإنسان إلى ظلٍّ لماضٍ مثالي، فيعيش الفرد على هامش ذاته، غريبًا عن واقعه، ومغتربًا عنإمكانياته.

إن أعظم ما يُفقده الفكر السلفي للإنسان هو القدرة على التساؤل. فحين تتحول الإجابات القديمة إلى يقين مطلق، يُغلق باب السؤال، وتُطفأ جذوة الفكر. يصبح الوعي مجرد إعادة للوعي القديم، لا لقاءً حقيقيًا مع الوجود. ولهذا، فإن أزمة الفكر السلفي ليست معرفية فقط، بل وجودية؛ لأنه يقتل إمكانية الإنسان في أن يكون حاضرًا في ذاته وزمنه.

ليست الدعوة إلى التحرر من السلفية دعوة إلى نسيان التراث، بل إلى إعادة بنائه داخل الحاضر. فالماضي ليس سلطةً بل تجربة، وليس نموذجًا للإعادة بل مادةً للفهم. وكما يشير كيركيغارد في مفهون التكرار، أي إعادة بناء الماضي وفق وعي الحاضر. والوفاء الحقيقي للسابقين لا يكون بتقليدهم، بل بتجديد روحهم فينا، كما قال نيتشه: “الأوفياء حقًا للأساتذة، هم الذين يتجاوزونهم”. إن الفكر الذي يقدّس الماضي يخون الحاضر، والفكر الذي يرفض الماضي يخون الذاكرة؛ أما الفكر الحي فهو الذي يجعل من الماضي جسراً نحو المستقبل، لا جدارًا يحجبه.

القراءة الأولى: الفكر السلفي، قراءة سيكولوجية في آلية الهروب من قلق الوجود
ليس الفكر السلفي ظاهرة فكرية فحسب، بل هو نمط في الوعي الإنساني يتكرر كلما ضاق الإنسان بقلقه الوجودي أو فقدَ بوصلته أمام تحولات الزمن. فحين يتهدد الإنسان غموضُ الحاضر، ويغيب المعنى، يلوذ بالماضي لا كمجرد ذاكرة، بل كملاذ نفسي يختبئ فيه من رعب التبدّل.
وهكذا يصبح الفكر السلفي، بمعناه الواسع الذي يشمل الدين والفلسفة والأيديولوجيا، آلية دفاع نفسية أكثر منه خيارًا معرفيًا، لأنه يُعطي للعقل راحة اليقين مقابل عناء التساؤل، ويُسكّن اضطراب النفس بوهم الثبات في عالم لا يعرف إلا التحول.

أولًا: الخوف من المجهول والحاجة إلى اليقين
يولد الفكر السلفي من رحم القلق الوجودي. فالعقل الإنساني يضيق أمام المجهول، ويسعى دومًا إلى أنساق مغلقة تحميه من الارتباك. في هذا الإطار، يصبح الماضي منطقة الأمان التي تمنح النفس شعورًا بالثبات، لأن كل ما هو قديم يبدو مكتملًا، واضحًا، مأمونًا. ومن هنا، فإن التمسك بالماضي هو في جوهره بحث عن اليقين في وجه العدم، واستجابة لغرائز النفس التي تكره الشك وتخاف من الانفتاح على المجهول. إنها محاولة لاستبدال سؤال (من أكون؟) بإجابة جاهزة: (أنا كما كانوا)، أي تعريف الذات من خلال الآخر الذي رحل.

ثانيًا: الهروب من الحرية والمسؤولية
الحرية، كما يراها سارتر، ليست منحة، بل عبء، لأنها تجعل الإنسان مسؤولًا عن وجوده. وهنا يتدخل الفكر السلفي ليخفف عن النفس هذا العبء، فيقدّم نموذجًا فكريًا مكتملًا، لا يحتاج إلا إلى الاتباع. إنها راحة الطاعة مقابل قلق الاختيار. فالإنسان السلفي لا يخاف من الخطأ بقدر ما يخاف من أن يكون حرًّا، لأن الحرية تضعه وجهًا لوجه أمام مسؤوليته عن ذاته، بينما الاتباع يتيح له أن يعيش بلا ذنب فكري، مستظلًا بظل سلطة الماضي.

ثالثًا: التماهي مع السلطة والتعويض عن الضعف
من منظور التحليل النفسي، التمسك بالرموز القديمة هو نوع من التماهي مع السلطة الأبوية. حين يشعر الإنسان بالعجز أو التفكك، يبحث عن صورة الأب الكامل الذي يمنحه القوة والاتساق. في الفكر السلفي، يتحول هذا الأب إلى الأسلاف أو الآباء الفكريين، فيذوب الفرد فيهم ليحتمي من هشاشته. وهكذا يخلق الفكر السلفي تماهيًا نفسيًا مع رموز الماضي، ليعوّض به عن شعور النقص، فيُغلف تبعيته بقداسة، وضعفه بإيمان، وركوده بحجة الوفاء للأصل.
رابعًا: الحنين كآلية دفاعية ضد التمزق
يصف يونغ الحنين إلى الماضي بأنه "عودة رمزية إلى الأمّ الكبرى"، أي إلى الحالة الأولى من الأمان الوجودي. والفكر السلفي، بهذا المعنى، هو العودة النفسية إلى الرحم، إلى الحالة التي كانت فيها الذات متماهية مع الكل، قبل أن تنفصل وتواجه قلق الاستقلال. لكن هذا الحنين يتحول إلى انغلاق مرضي حين يرفض الإنسان النضوج، ويصرّ على البقاء في رحم الماضي، رافضًا مواجهة واقع الوجود ومخاطره.

خامسًا: إنكار الزمن وإيهام الخلود
التمسك المطلق بالماضي هو شكل من أشكال إنكار الزمن. فالزمن، بمعناه الفلسفي، يذكّر الإنسان بفنائه، وتغيره، ونقصه. أما الفكر السلفي، فيعِدُهُ بالثبات، بالدوام، وبالمشاركة في حقيقة أزلية لا تمسها التحولات. وهكذا يصبح الانتماء إلى السلف مخدرًا ضد الوعي بالفناء، ووسيلةً لسرقة لحظة من الخلود وسط صيرورة الوجود. إنه نوع من الميتافيزيقا النفسية التي تحاول تثبيت العالم في لحظة مثالية كي تهرب من مأساة الزمن.

خاتمة القراءة الأولى
يتجذر الفكر السلفي في النفس الإنسانية لأنه يخاطب أعمق حاجاتها: الأمان، واليقين، والانتماء. لكنه، في الوقت ذاته، يجمّد طاقتها على الإبداع والتحول. فالإنسان الذي يخاف من أن يخطئ، يحرم نفسه من أن يكون.
إن تجاوز السلفية لا يعني نكران الماضي، بل تحرير العلاقة معه؛ أن نستلهم لا أن نستنسخ، أن نعيد قراءة التراث بوصفه تجربة إنسانية لا سلطة مطلقة. فالحياة لا تنبع من التكرار، بل من القدرة على التجدد. والماضي، حين يُستعاد كروح لا كقيد، يتحول من سجنٍ للوعي إلى جسرٍ نحو الوعي ذاته.

القراءة الثانية: تفسير تجذّر الفكر السلفي في ضوء سيكولوجية التفكير الإنساني من خلال مجموعة آليات نفسية ومعرفية متشابكة:

1. حاجة الإنسان إلى اليقين:
العقل البشري يميل بطبعه إلى تجنّب الغموض واللايقين، فالتاريخ والموروث يقدّمان له شعورًا بالأمان والثبات في عالم متغيّر. لذلك يجد الفرد في الفكر السلفي منظومة مغلقة توفر إجابات جاهزة تخفّف من قلق الوجود.
2. آلية الهوية والانتماء:
الفكر السلفي يمنح الفرد شعورًا بالانتماء إلى جماعة متجانسة تملك الحقيقة. هذه الهوية الجمعية تُعوِّض عن ضعف الهوية الفردية، وتوفّر إحساسًا بالقداسة والتميز.
3. التحيّز المعرفي (التحيز التأكيدي):
الإنسان يميل إلى تصديق ما يوافق معتقداته السابقة وتجاهل ما يخالفها. ومن هنا، يصبح الفكر السلفي بنية مغلقة ذاتية التغذية؛ فهي لا تبحث عن الجديد، بل تؤكد القديم.
4. الخوف من الحرية:
الحرية الفكرية تتطلب مسؤولية وجرأة في مواجهة المجهول. بينما السلفية تقدّم نموذجًا مريحًا: اتبع تُعفَ من الحيرة. فهي استجابة دفاعية ضد القلق الوجودي الذي تسببه حرية الاختيار.
5. النمط التربوي والتنشئة السلطوية:
المجتمعات التي تقوم على الطاعة أكثر من الحوار تُنتج عقولًا سلفية في بنيتها النفسية، لأن الطفل يتعلم أن الحقيقة تُتلقّى من السلطة لا تُكتشف بالعقل.
6. الحنين إلى الأصل والنقاء:
سيكولوجيًا، لدى الإنسان نزعة إلى استعادة الفردوس المفقود أو حالة الصفاء الأولى. الفكر السلفي يغذّي هذا الحنين من خلال وعدٍ رمزي بالعودة إلى زمن مثالي خالٍ من الفساد.

خاتمة القراءة الثانية
يتجذر الفكر السلفي في النفس الإنسانية لأنه يخاطب أعمق حاجاتها: الأمان، واليقين، والانتماء. لكنه، في الوقت ذاته، يجمّد طاقتها على الإبداع والتحول. وتجذّر الفكر السلفي في النفس الإنسانية ليس مجرد ظاهرة فكرية، بل هو نتاج تفاعل عميق بين حاجات النفس وبنى الوعي. فهو يولد من الخوف من المجهول، ويترسخ في الحاجة إلى الانتماء، ويستمد قوته من التحيزات التي تغلق العقل عن التساؤل. ومع مرور الزمن، يتحول من موقف دفاعي إلى نظام وجودي يوجّه إدراك الإنسان للعالم ويعيد تشكيل وعيه بذاته.
فالفكر السلفي، في جوهره، يعكس رغبة الإنسان في الثبات داخل عالم متغيّر، ومحاولة لتعليق الزمن عند لحظة مثالية يتخيلها كملاذ من قلق الوجود. لكنه، بهذا الثبات المتخيّل، يجمّد إمكانات الإنسان على النمو، ويحوّل الطمأنينة إلى جمود، واليقين إلى قيد.
إن تجاوز هذه البنية لا يكون بمحاربتها، بل بفهم دوافعها النفسية، وتحرير الطاقة الخفية التي تختبئ وراء حاجتنا إلى الأمان. فحين يدرك الإنسان أن البحث عن الحقيقة أعمق من التمسك بالماضي، وأن الحرية ليست خطرًا بل نضوجًا، يبدأ الوعي بالتحرر من دائرة السلفية نحو أفق الفكر الحيّ، الفكر الذي يسكن الزمن لا يهرب منه، ويصنع المعنى لا يرثه.
القراءة الثالثة: تفسير سيكولوجي لتجذّر الفكر السلفي في النفس الإنسانية، يربط بين ديناميات العقل البشري والحاجة الوجودية للأمان والمعنى:

التفسير السيكولوجي لتجذّر الفكر السلفي

الفكر السلفي، حين يُنظر إليه نفسيًا، ليس مجرد موقف فكري أو عقائدي، بل هو آلية نفسية دفاعية تتجذر في أعماق الإنسان كلما واجه قلقًا وجوديًا أو غموضًا في المعنى. فالعقل البشري بطبيعته لا يحتمل الفوضى، بل يسعى دومًا إلى النظام، واليقين، والاستقرار. ومن هنا، ينشأ الميل السلفي كاستجابة نفسية وجودية لمواجهة اضطراب الزمان وتبدّل القيم.

1. الخوف من المجهول والحاجة إلى اليقين

الإنسان كائن قلق، كما وصفه هايدجر وسارتر. وعندما يعجز عن فهم الحاضر أو التنبؤ بالمستقبل، يلجأ إلى الماضي كمصدر للأمان. في الماضي، يجد العقل نموذجًا منظمًا وثابتًا، يعيد إليه شعور السيطرة. ومن ثم، يصبح الفكر السلفي دواءً للقلق أكثر من كونه رؤية للعالم. فالتمسك بالموروث هو في جوهره تمسك باليقين، واليقين، في علم النفس الوجودي، وظيفة دفاعية ضد رعب اللامعنى.

2. الكسل المعرفي والخوف من الحرية

الحرية الفكرية تضع الإنسان أمام مسؤولية الاختيار، وتجعله في مواجهة ذاته. وهذا ما تهرب منه النفس عادة، لأنها تفضل الطمأنينة على المخاطرة. والفكر السلفي يقدّم لها معادلة سهلة: اتبع ولا تتعب.. فيُعفي الفرد من عناء البحث، ويمنحه هوية جاهزة، ومعنى محددًا، وإجابات نهائية. وهكذا تتحول الطاعة الفكرية إلى وسيلة للهروب من قلق الحرية.

3. آلية الإسقاط والتماهي مع السلطة
من منظور التحليل النفسي، كثير من السلفيين يمارسون الإسقاط، أي يلقون ضعفهم الداخلي على العالم الخارجي.
فيتخيلون أن الحق في الماضي كامل لأنهم عاجزون عن بلوغه في الحاضر. ثم يتماهون مع رموز الماضي أو (الآباء الفكريين) ليشعروا بالقوة والانتماء. وهذا التماهي يعطي النفس شعورًا بالتفوق المعنوي، فيغدو الفكر السلفي وسيلة لتعويض الشعور بالنقص أو التشتت الذاتي.

4. الحنين كحالة دفاعية

الحنين إلى الماضي ليس مجرد عاطفة، بل هو، في علم النفس، استجابة للتهديد الوجودي. حين يفقد الإنسان المعنى في الحاضر، يستدعي صورة الماضي ليُرمم ذاته. ولذلك يتحدث يونغ عن (العودة إلى الأصل) كحركة رمزية نحو الأمّ الأولى، أي نحو الجذر الذي يضمن الأمان. والفكر السلفي هو في جوهره تعبير ناضج عن هذه الغريزة الأمومية للأمان، لكنه يتحول إلى عائق حين يرفض الانفصال الرمزي عن (الأم) ليبقى في حضنها.

5. التحكم في الزمن كإيهام بالخلود

من زاوية سيكولوجية وجودية، التمسك بالماضي يمنح الإنسان إحساسًا بالخلود. فمن خلال التعلق بالنموذج القديم، يعيش الفرد وهمًا بأنه يشارك في الحقيقة الأزلية التي لا تتغير. وهذا الإحساس يُسكّن الخوف العميق من الفناء والتبدل. لذا، الفكر السلفي في عمقه هو محاولة لإنكار الزمن، ولتجميد التاريخ داخل لحظة مثالية واحدة.

خاتمة القراءة الثالثة
يتجذر الفكر السلفي في النفس الإنسانية بوصفه استجابة دفاعية لقلق الوجود أكثر من كونه موقفًا معرفيًا. فالعقل البشري يميل إلى تجنّب الغموض، ويبحث عن النظام والثبات في عالم متغير، مما يجعل الماضي ملاذًا نفسيًا يرمّم به الإنسان شعوره بالأمان والمعنى. ينبع الميل السلفي من الخوف من المجهول والحاجة إلى اليقين، ويتغذى من الكسل المعرفي الذي يفضّل الاتباع على الحرية الفكرية لما تحمله من مسؤولية وقلق.
إن تجذر الفكر السلفي في العقل الإنساني هو نتيجة تفاعل بين الخوف، والحنين، والبحث عن اليقين، والرغبة في الأمان. فهو ليس فقط فكرًا محافظًا، بل هو استراتيجية نفسية لمقاومة القلق الوجودي. لكن ما إن يتحول هذا الميل الطبيعي إلى نسق مغلق، حتى يبدأ الإنسان بفقدان حريته الداخلية، ويتحول من كائن يسأل إلى كائن يتبع.

التعليقات:

Om omar: أستاذ عصام ..وضعتنا أمام مقال ثريّ أعاد قراءة الفكر السلفي بجرأةٍ تحليلية ربطت بين القلق الوجودي وآليات الدفاع النفسي.
لامستَ جوهر الفكرة حين جعلتَ السلفية بحثًا عن الأمان لا موقفًا أيديولوجيًا فحسب.
أقدّر هذا الدمج البديع بين علم النفس والفلسفة في تفكيك الحاجة إلى اليقين.
إنه نصّ يوقظ السؤال الإنساني العميق: هل نحن نؤمن حقًا، أم نختبئ من قلق الوجود خلف يقينٍ ورثناه...
أبدعت أبدعت..بمعنى الكلمة..أستاذ عصام..سلمت يداك وبورك وعيك.
2025-10-21 21:40:04