الإرادة والمشيئة بين هاشم نصّار ونيتشه: من اندفاع القوة إلى وعي الفعل- بقلم حياة صالحي

22-10-2025

الإرادة والمشيئة بين هاشم نصّار ونيتشه: من اندفاع القوة إلى وعي الفعل- بقلم حياة صالحي


قليلة هي الفلسفات التي تلامس جوهر الفعل الإنساني كما فعل الدكتور هاشم نصّار في تفريقه الدقيق بين الإرادة والمشيئة
فهو لا يتحدث عن مجرد فعلٍ إرادي بسيط، بل عن بنية وجودية مركبة تتداخل فيها المعرفة، والذاكرة، والمسؤولية، والزمن.
وبهذا، يعيد نصّار صياغة العلاقة بين الإنسان وذاته، فيجعل الحرية ليست لحظة طارئة، بل نظامًا تراكميّا ناتجًا عن تاريخٍ من الإرادات المتعاقبة.
في المقابل، تمثل فلسفة نيتشه اتجاها آخر لفهم الإرادة، بوصفها قوة كونية متفجرة لا تخضع لأي قيد أخلاقي أو معرفي.
غير أن هذه المقارنة لا تُضعف طرح نصّار، بل على العكس، تُبرز عمقه وفرادته في ربط الإرادة بالوعي والمشيئة بالمسؤولية.
أولًا: الإرادة عند نصّار — القصد الواعي للفعل
الإرادة عند هاشم نصّار ليست نزوة نفسية ولا دافعًا غريزيا، بل قصد واع للفعل المباشر.
هي لحظة الالتقاء بين الفكر والعمل، بين المعرفة والقرار.
الإرادة بهذا المعنى هي الوجه النوراني للحرية، إذ لا تتحقق الحرية إلا عبر وعي الإنسان بالفعل الذي يريد إنجازه.
إنها فعل صادر عن الذات العارفة، لا عن الانفعال أو الغريزة.
فمن خلال الإرادة، يختبر الإنسان حدود قدرته ويؤسس مسؤوليته الأخلاقية.
ولهذا فهي عند نصّار ليست طاقة عمياء كما في التصورات الغريزية، بل طاقةٌ مضبوطة بالمعرفة، ومنضبطة بالوعي.
ثانيًا: المشيئة — الذاكرة العميقة للإرادة
أما المشيئة فهي المفهوم الذي يمنح فلسفة نصّار عمقها الاستثنائي.
فهي ليست فعلا آنيا، بل النتيجة التراكمية لكل إراداتنا السابقة.
هي ذلك المستوى غير الواعي الذي يعمل فينا، ويعيد توجيه أفعالنا وفق ما راكمناه من قراراتٍ وخياراتٍ متكررة.
إنها تشبه (البرنامج الداخلي) للإنسان، لكنها ليست حتمية مغلقة، لأننا نحن من كتبنا شفراتها عبر إراداتنا الماضية.
من هنا تأتي مسؤوليتنا الكاملة عنها:
فما يبدو اليوم سلوكا عفويا، هو في الحقيقة نتاج قرارات قديمة صنعناها بوعينا، ثم تركناها تتحوّل إلى طبيعة ثانية فينا.
بهذا التصور، تصبح المشيئة عند نصّار ذاكرة الوعي، ودفتر التاريخ الداخلي للفعل الإنساني، حيث تُسجل كل الإرادات السابقة بدقّة وشفافية.
إنها ليست نقيض الحرية، بل امتدادها في الزمن
ثالثًا: نيتشه ومحدودية إرادة القوة

في المقابل، يرى نيتشه أن الإرادة هي قوة الحياة نفسها، اندفاعها الأبدي نحو التفوق والتجاوز، دون مرجعية أخلاقية أو معرفية.
إنها طاقة غريزية متفجرة، تسعى إلى القوة من أجل القوة.
لكن هذا الفهم، رغم بريقه الثوري، يبقى أحادي البعد:
فهو يلغي الوعي لصالح الغريزة، ويقصي الذاكرة لصالح الحاضر الدائم، ويتجاهل البعد الأخلاقي والزماني للفعل.
فـإرادة القوة عند نيتشه قد تنتج بطلا خارقًا أو مبدعا حرا، لكنها تسحب من الإنسان وعيه بمسؤوليته التاريخية.
إنها إرادة بلا ذاكرة، بلا ضمير، بلا توازن بين الاندفاع والتبصر.
بينما عند نصّار، لا تكون الإرادة فعلا حرا إلا إذا كانت متصلة بالمعرفة، ومؤسسة على وعيٍ تراكميّ بالماضي.
رابعًا: تفوّق فلسفة نصّار — من القوة إلى الوعي

هنا تتجلى فرادة الطرح النصّاري:
فهو لا ينفي الطاقة الحيوية في الإنسان كما يفعل بعض الفلاسفة العقلانيين، ولا يتركها بلا ضابط كما يفعل نيتشه.
بل يُدرجها في منظومةٍ من الوعي، والذاكرة، والمسؤولية.

المشيئة ليست قيدا على الحرية، بل فضاؤها الواسع، لأنها تذكّر الإنسان بأن حاضره امتدادٌ لاختياراته.
إنها تضعه في علاقة مستمرة مع ذاته عبر الزمن، فلا ينسى ولا يتنصل، بل يفهم نفسه ككائن يصنع مصيره بإرادته، ويُعيد تشكيله بمشيئته.

بهذا المعنى، يمكن القول إن فلسفة نصّار تجاوزت نيتشه:
ففي حين جعل نيتشه من الإرادة قوة بلا ذاكرة، جعلها نصّار ذاكرةً حية للوعي.
وفي حين حرّر نيتشه الإنسان من الأخلاق، حرّره نصّار داخل الأخلاق أي داخل مسؤوليته عن فعله.
اخيرا يمكن القول ما يلي
تضعنا فلسفة الدكتور هاشم نصّار أمام رؤية جديدة للحرية الإنسانية:
الحرية ليست رفض القيود فقط، بل وعيٌ بالتاريخ الداخلي الذي صنع تلك القيود.
ليست انطلاقًا أعمى نحو القوة، بل سيرٌ حكيم في ضوء المعرفة، يوازن بين الفعل والذاكرة، بين الوعي والمشيئة.
وبهذا المعنى، تتجاوز فلسفة نصّار النزعات الغريزية التي بشّر بها نيتشه، لتؤسس لرؤية أكثر إنسانية ونضجًا،
رؤيةٍ ترى الإنسان لا كمجرّد كائن يسعى إلى التفوق، بل ككائنٍ يدرك ذاته عبر تراكم إراداته، ويخلق حريته من وعيه بماضيه.
فالإرادة عند نصار ليست اندفاعا نحو القوة، بل ارتقاءٌ نحو المسؤولية،
والمشيئة ليست قيدًا على الفعل، بل الذاكرة التي تحفظ.

التعليقات:

Asmaa: أرسلت تعليقي قبل إتمامه...
شكرًا لهذه المنهجية المقارنة أخت حياة..دمت بوعي متسع..
2025-11-18 20:41:25
Asmaa: هذا المنهج المقارن منح الإرادة بُعدها الإنساني الأشمل
نيتشه يحرر الإرادة من الأخلاق الخارجية...
في حين يحررها د.هاشم نصار داخل أخلاق نابعة من الوعي والذاكرة..فهي ليست اندفاعًا لحظيًا كما تتصورها الفلسفات الغريزية ولا قيدًا يُحاصر الإنسان..بل حركة وعي تتراكم داخل الذاكرة حتى تتحوّل إلى مشيئة تصنع المصير وهكذا تصبح الحرية عند د.هاشم مشروعًا زمنيًا و ليس لحظة قوة ومسارًا أخلاقيًا لا انفلاتًا إراديًا.. حيث يتشكل الإنسان عبر ما يختار لا عبر ما ينفلت منه..
2025-11-18 20:34:29
عصام ابو سنينة: جميل هذا المقال الذي سعى من خلال المنهج المقارن توضيح الفرق بين الطرحين بشكل وضوعي
2025-11-17 08:25:43
Adel: Bravo ????????????????????
2025-10-22 16:05:33
معتز قواس: مقال جميل ويدعو إلى التأمل في عملية انضباط مفاهيم الإرادة والمشيئة والحرية والمسؤولية في سياق البرنامج الإنساني المعني بارتقاء الإنسان جسداً وروحاً بتوازن داخلي متناغم، بناء القوة والأخلاق معاً.
2025-10-22 15:42:05