21-10-2025
بين الحلم والوجود.. يعيش الإنسان، منذ بدايات وعيه، ممزقًا بين ما يتمنى أن يكون وما هو كائن عليه فعلاً. في هذا التمزق تولد أغلب أشكال التعاسة، لأن العقل ينشد صورة مثالية للحياة لا تتحقق في أرض الواقع، فيظل الوعي عالقًا بين صورتين: الخيال الذي يَعِد، والواقع الذي يُفاجِئ.
وفي الزواج، يتضاعف هذا التمزق. إذ يُبنى الحلم على فكرة (السعادة الكاملة)، كأنها غاية يمكن بلوغها في لحظة ما، بينما الحقيقة الوجودية تقول: إن السعادة لا تُعطى دفعة واحدة، بل تُكتشف، وتُمارَس، وتُخلَق من تفاصيل اليوم العادي.
في المعنى الوجودي للعِشرة، يرى الوجوديون، من سارتر حتى بوبر، أن الإنسان لا يكتمل إلا في (العلاقة)، لأن الوجود الإنساني ليس انغلاقًا في الذات، بل انفتاح نحو الآخر. والزواج هو المجال الأخص الذي يمتحن فيه الإنسان صدق وجوده، إذ لا مكان فيه للمظهرية أو للأدوار الاجتماعية، بل للكينونة في أصفى صورها.
السعادة هنا ليست فكرة، بل أسلوب وجود. إنها تحدث عندما يتحول (الآخر) من كائن منفصل إلى (شريك في الوجود)، فنرى أنفسنا من خلاله، ونتعلم بواسطته كيف نكون أكثر صدقًا وإنسانية.
الحضور بدل الغياب… في التجربة الصوفية، السعادة لا تُطلب في المستقبل، بل تُدرك في الحضور. الحاضر هو موضع اللقاء بين الإنسان وربه، وبين الإنسان والإنسان.
وهكذا فإن السعادة الزوجية، من هذا المنظار، ليست في الأمنيات المؤجلة.. سأكون سعيدًا عندما يتغيّر شريكي، أو حين تتحسّن الظروف. بل في القدرة على تذوّق اللحظة كما هي. أن تشرب القهوة مع من تحب بصفاء نية، أن تتبادل نظرة صادقة بلا قناع، أن تصمتا معًا بلا توتر، أن تضحكا من أمر تافه، أن تتقبلا النقص دون محاولة إصلاح كل شيء… تلك هي لحظات (الوجد التنويري)، حيث يتجلى معنى الحضور، وحيث يلمع بريق السعادة الحقيقية.
التفاصيل التي تُنقذ..! في الممارسة اليومية، السعادة الزوجية لا تُبنى على الأحداث الكبرى، بل على التفاصيل الصغيرة: كلمة لطيفة تُقال في لحظة تعب، أو إنصاتٌ صادق لا يُقاطع.. وعناقٌ يسبق الاعتذار، أو نظرة امتنان بدل اللوم.
هذه التفاصيل البسيطة تشكل البنية التحتية للحب الواقعي، فهي التي تُرمم الشرخ قبل أن يتحول إلى هوّة.
إنها اللغة الصامتة التي تقول: أنا أراك، وأقدّرك، وأحبّك رغم التعب.
الفلسفة الوجودية تعلمنا أن الإنسان لا يُعرف بما يفكر فيه، بل بما يعيشه. والروح الصوفية تعلمنا أن الحب ليس إحساسًا، بل تجربة تَذَوُّقٍ دائم للحضور الإلهي في الآخر.
وحين نجمع البعدين، نفهم أن السعادة الزوجية هي ممارسة وعيٍ مشترك: أن يعيش كل طرف في وعي لحظة اللقاء، فيتعامل مع الآخر لا كوسيلة لإشباع حاجة، بل آية من الآيات على الوجود نفسه.
السعادة الزوجية، إذن، ليست هدفًا يُسعى إليه من الخارج، بل ثمرة نضجٍ داخليّ. هي لا تتحقق بالبحث عن الكمال في الشريك، بل بالقدرة على رؤية الجمال في النقص. هي ليست وعدًا مستقبليًا، بل نعمة حاضرة تحتاج فقط إلى عينٍ مبصرة وقلبٍ ممتن.
فالزوجان اللذان يدركان هذا المعنى لا يعيشان في (انتظار السعادة)، بل يعيشان السعادة وهي تحدث.
وما أكثر ما تتناثر هذه السعادة حولنا: في ضحكة عابرة، في وجبة أُعدّت بحب، في يدٍ تمسح الحزن عن وجه الآخر، في مساءٍ صامت يملؤه الأمان.
الخاتمة
حين نفهم أن السعادة الزوجية ليست مطروحة في الأمنيات، بل متناثرة في تفاصيل الحياة، نتحرر من فكرة (المثالية)، وندخل فضاء (الحضور).
فالحياة الزوجية ليست مشروعًا لإصلاح الآخر، بل رحلة لاكتشاف أنفسنا في مرآة الآخر. ومن هنا، تصبح كل لحظة عادية فرصةً للإندماج والارتقاء، وكل فعل بسيط مظهرًا للوجود في أسمى تجلياته التنويرية
التعليقات:
شكرا لهذا الجمال الروحي أستاذنا الفاضل
2025-11-18 20:49:15