13-10-2025
أولًا: الإطار العام لتوظيف الفلسفة في الاستشارة
فلسفة التشخيص والتجريد لا تُقدَّم كنظام معرفي نظري، بل كمنهج تفاعلي توازني بين مستويين من الوعي عند الإنسان:
التشخيص: التعامل مع الواقع الظاهر المادي المُشخّص: السلوك، الموقف، الصورة الحسية، المعاملات الإنسانية.
التجريد: الغوص في المعنى، القيمة، الغاية، الدافع الباطن، المقصد الروحي.
في الاستشارة الفلسفية، يصبح عمل المستشار هو تنشيط حركة الوعي بين المستويين: من الصورة إلى المعنى، ومن المعنى إلى الصورة. أي أن المستشار لا يكتفي بوصف المشكلة (تشخيص)، بل يساعد المسترشد على إدراك رمزيتها ودلالتها (تجريد). وهذه المنهجية تركيب ثنائي يساهم في إيجاد حل جوهري للمشكلات التي تعتري الإنسان في التجربة الوجودية الحياتية، لا من خلال التجربة الحسية وحدها، بل وأيضا ومن خلال المعنى التجريدي الذي يضفى على التجربة الحسية، وبالتالي تفهم التجربة الإنسانية فهما ابستيمولوجيا وانطولوجيا واكسولوجيا أعمق وأنضج.
ثانيًا: خطوات تطبيق المنهج في الجلسة الاستشارية
1. المرحلة الأولى: التشخيص الواقعي (الجانب التشخيصي للتجربة)
يُطلب من المسترشد أن يصف ما يعيشه كما هو:
ما الحدث؟
ما السلوك؟
ما اللغة التي يستخدمها؟
ما الانفعالات المرافقة؟
ما الاحساسات التي عاينها؟
وهنا يتم جمع البيانات الحسية لتحديد الجانب المعرفي الحسي التشخيصي لتجربة العميل. وبالتالي يعمل المستشار كمفسّر للظاهر، محلل للّغة والصورة والسلوك والاحساسات.
الغاية: الإمساك بشكل المشكلة من الخارج، دون تأويلها بعد. أي إطارها المعرفي الحسي التشخيصي فقط.
أداة عملية:
صف لي ما يحدث دون أن تشرح سببه.
ما الذي تراه؟
ما الذي تسمعه في داخلك؟
2. المرحلة الثانية: التجريد المعنوي (الجانب التجريدي)
بعد تثبيت الصورة، يُنتقل إلى التنقيب في ما وراءها، وما هي المعاني المجردة التي أضيفت على التجربة المادية الحسية التشخيصية، والبحث عن العلاقات بين المعنى التجريدي والتجربة الحسية التشخيصية. ونطرح مجموعة من الأسئلة:
ما القيمة التي جُرحت فيك؟
ما المعنى الذي افتقدته؟
ما الغاية التي تبحث عنها من خلال هذا الموقف؟
الغاية: تحويل الانفعال أو السلوك إلى رمز دالّ على حاجة وجودية أو قيمة مفقودة. وبمعنى آخر، ربط التجربة بالمعنى التجريدي لها. وهنا يتشكل إطار المعرفة النهائية لتجربة العميل، بجانبيها: التشخيصي والتجريدي. وعند الانتهاء نبدأ بمرحلة عملية التقييم، ومن ثم تصميم خطة علاج المشكلة بعد تحديد العنصار الأولية لتشكل التجربة بجانبيها، التشخيصي والتجريدي.
3. المرحلة الثالثة: التوازن بين التشخيص والتجريد
يقود المستشار المسترشد إلى التكامل بين الصورتين: لا يهرب إلى النفس فقط (تجريد مطلق بلا واقعية).
ولا ينغمس في الصورة فقط (تشخيص سطحي بلا معنى).
الغاية: تكوين معرفة واعية ومتوازنة، بحيث يرى الحدث في بعديه: التشخيصي والتجريدي.
أداة عملية:
كيف يمكن أن تعبّر عن قيمتك من خلال هذا الفعل الواقعي؟
ما الصورة الجديدة التي يمكن أن تجسّد بها المعنى الذي اكتشفته؟
ثالثًا: المنهج كأداة وعي مزدوج.
في جوهره، منهج التشخيص والتجريد يساعد المسترشد على امتلاك عينين داخليتين:
عين تشخيصية: تلاحظ الواقع بلا إنكار.
عين تجريدية: تراه في ضوء الحكمة والمعنى.
عندما تتكامل العينان، يولد ما يسميه الدكتور هاشم الرؤية الفؤادية، أي رؤية المعنى من خلال الصورة، ورؤية الصورة كجسدٍ للمعنى. وهذا بالضبط ما يحتاجه العمل الاستشاري الفلسفي: تحرير الإنسان من الرؤية الأحادية (المادية أو الروحية) ليصل إلى وعي متكامل.
رابعًا: النتائج التحولية في جلسة الاستشارة
تحول من ردّ الفعل إلى الوعي بالمعنى.
انتقال من الحيرة إلى البصيرة.
إعادة بناء العلاقة بين الذات والعالم على أساس التوازن.
تأسيس فهم جديد للحرية والإرادة كقوة واعية وليست اندفاعًا.
نقل المسترشد من التجزئة إلى الوحدة الوجودية (بين الجسد والنفس، بين الفعل والعمل، بين الأنا والكل).
خامسًا: النموذج العملي.
يمكن صياغة جلسة الاستشارة وفق هذا التسلسل:
التشخيص= وصف الواقع.
التحليل الفؤادي= إدراك الدلالة الحسية.
التجريد= اكتشاف القيمة أو الفكرة الكامنة.
إعادة التجسيد = تحويل الفهم إلى سلوك أو قرار متوازن.
النتيجة: من صورة بلا معنى إلى معنى متجسد.
سادسًا: خلاصة فلسفية
منهج التشخيص والتجريد في الاستشارة الفلسفية هو: فنّ تحويل الوعي من الإدراك السطحي إلى الرؤية الكلية، ومن التشتت بين الظاهر والباطن إلى انسجام بين الجسد والنفس، بين الإنسان والله، بين الفكر والعمل. بهذا يصبح المستشار الفلسفي ليس معالجًا، بل مرافقًا في رحلة وعي، يستنطق الوجود داخل التجربة الإنسانية اليومية.
التعليقات:
2025-10-13 22:54:40