فلسفة التشخيص والتجريد كأداة منهجية في جلسات الاستشارة الفلسفية 1 بقلم عصام أبو سنينة - مستشار الفلسفة الإكلينيكية

13-10-2025

فلسفة التشخيص والتجريد كأداة منهجية في جلسات الاستشارة الفلسفية 1 بقلم عصام أبو سنينة - مستشار الفلسفة الإكلينيكية

تمهيد(1): الاستشارة الفلسفية
التعريف
الاستشارة الفلسفية هي ممارسة حديثة تقوم على توظيف الفكر الفلسفي ومناهج التفكر النقدي والحوار التأملي لمساعدة الأفراد على فهم مشكلاتهم الفكرية والوجودية، وتحسين جودة تفكيرهم وحياتهم.
هي ليست علاجًا نفسيًا بالمعنى الطبي، بل عملية حوارية تهدف إلى تحرير الإنسان من التناقضات الفكرية، والارتباك القيمي، والاغتراب الوجودي، من خلال إعادة بناء منظومته المعرفية والفكرية على أسس عقلانية وواعية.

نبذة عن الاستشارة الفلسفية
نشأت الاستشارة الفلسفية كمجال مستقل في أواخر القرن العشرين، على يد الفيلسوف الألماني جيرد آشنباخ (Gerd Achenbach) الذي أسّس أول عيادة فلسفية عام 1981 في ألمانيا، مؤكدًا أن الفلسفة ليست حكرًا على الأكاديميا، بل هي فنّ للعيش وممارسة للحكمة.
منذ ذلك الحين، تطورت الاستشارة الفلسفية لتصبح حركة عالمية تُمارَس في أوروبا، وأمريكا، والشرق، وتتنوع مدارسها بين النهج السقراطي الحواري، والتحليل المفهومي، والاستنارة الوجودية، والتحرير السلوكي العقلي. وتقوم فلسفة الاستشارة على قناعة أساسية تقول: "إن أغلب معاناة الإنسان لا تنبع من المرض، بل من سوء التفكير وسوء الفهم."
ولذلك، تسعى الاستشارة الفلسفية إلى تمكين الإنسان من التفكير في تفكيره، أي وعيه بمصادر أفكاره ومعتقداته، وكيفية تأثيرها في قراراته وسلوكه.
يعمل المستشار الفلسفي على تفكيك بنية المعتقدات والتصورات الذهنية لدى المستفيد، بأسلوب حواري تأملي يهدف إلى إحداث تحول داخلي.
ولا يقدّم المستشار أجوبة جاهزة، بل يرافق العميل في رحلة تساؤل وتبصّر ذاتي، تساعده على رؤية ذاته والعالم بوضوح أكبر. وتشمل موضوعات الاستشارة الفلسفية مجالات واسعة، مثل:
• أزمة المعنى والهوية.
• التوتر بين القيم والممارسة.
• الحيرة الوجودية أمام الموت أو الحرية أو المسؤولية.
• الصراعات الفكرية والدينية والأخلاقية.
• إدارة الأفكار والمشاعر والسلوك وفق رؤية عقلانية ووجودية متوازنة.

خاتمة
الاستشارة الفلسفية هي جسر بين الحكمة القديمة والإنسان المعاصر، تُعيد للفلسفة دورها الطبيعي كفنّ للعيش بوعي، وتُعيد للإنسان قدرته على التفكير الحر والمسؤول.
إنها ليست تعليمًا للفلسفة، بل عيشٌ فلسفيٌّ للحياة.
"الفلسفة لا تعطيك أجوبة، بل تفتح لك الأسئلة التي تقودك إلى ذاتك."




تمهيد (2): فلسفة التشخيص والتجريد عند الدكتور هاشم نصار

مدخل عام في فلسفة التشخيص والتجريد
تُعدّ فلسفة التشخيص والتجريد من أبرز الإسهامات الفكرية الأصيلة في المشهد العربي المعاصر. صاغها الدكتور هاشم نصّار عبر سلسلة حلقات وحوارات في برنامجه (الأبعاد السبعة حوار وأسرار)، لتشكّل جسراً متينًا بين الوعي الفلسفي، التأمل الديني، والتحليل العلمي للإنسان والوجود. وتعتمد فلسفة التشخيص والتجريد على ثنائية جوهرية:
أولًا: التشخيص، عالم الصورة، الظاهر، القوانين، السلوكيات، التنظيم الاجتماعي، والتجسيد الواقعي.
ثانيًا: التجريد، عالم القيم، الروح، المعنى، المقاصد العليا، اللغة في بعدها الرمزي، والإنسان في جوهره الأخلاقي.
هذه الثنائية ليست تضادًا، بل تكامُلٌ يبيّن أن الحقيقة الإنسانية والدينية لا تُختزَل في صورة منفصلة أو قيمة مستقلة، بل في التفاعل الديناميكي بينهما.

المحاور الأساسية لفلسفة التشخيص والتجريد
أولا: في الدين والقرآن
التشخيص يظهر في ظاهر الخطاب القرآني: آيات، أحكام، صور حسية يُدركها الإنسان.
التجريد يتجلى في مقاصد الوحي: الرحمة، العدل، الحرية، المساواة، الكرامة.
القرآن يتحرك بين الحرف والمعنى، بين الأمر والنور. الأحكام قابلة للقراءة التاريخية والاجتماعية دون أن تفقد بعدها المقاصدي الأزلي.
ثانيا: الإنسان والوجود
الإنسان مُشخّص في بُعده الأول: جسد، غرائز، حاجات، وجود بيولوجي.
الإنسان مُجرّد في بُعده الثاني: روح، قيم، معنى، أخلاق.
هذا التفريق يوضح العلاقة بين البشرية (المحدودة بالحواس والجسد) والإنسانية (المفتوحة على القيم والروح).
يقدّم الدكتور هاشم مفهومين مركزيين يشكّلان نواة هذا التحوّل: الفؤاد والقلب، باعتبارهما أداتين معرفيتين مستقلتين من حيث الطبيعة والمجال:
أما الفؤاد بوصفه وحدة المعالجة الحِسيّة، فهو الأداة المعرفية الحسية الواعية، التي تتعامل مع الظواهر المادية وتُنتج معرفة علمية قابلة للرصد والتحقق، أي أنه أداة العلم التجريبي.
أما القلب، بوصفه وحدة المعالجة التجريديّة، فهو الأداة المعرفية التجريدية المتعالية، التي تتجاوز نطاق الحس والعقل الأداتي، نحو معرفة حدسية عميقة تتصل بما وراء الظواهر، أي أنه أداة المعرفة الماورائية أو الوجودية.

ثالثا: في التشريع والقانون.
التشخيص يظهر في القوانين واللوائح التي تضبط السلوك الإنساني.
التجريد يظهر في غايات هذه القوانين: تحقيق العدل، حماية الإنسان، ترسيخ الرحمة.
الشريعة تُقرأ كصورة حكم وروح مقصد؛ واختلال التوازن يحوّل الدين إلى جمود أو فوضى.

رابعا: في اللغة والخطاب
اللغة في جانبها الأول مُشخّصة: ألفاظ، تراكيب، نحو وصرف.
وفي جانبها الثاني مُجرّدة: معانٍ، رموز، دلالات، إيحاءات.
الخطاب الديني والإنساني لا يُفهم إلا بجمع اللفظ والمعنى، البيان الظاهري والدلالة العميقة.
هذا يفسّر سر خلود النص القرآني: قابليته للحركة بين التشخيص والتجريد.

خامسا: في الإرادة والحرية
الإرادة مشخّصة: قرارات محدودة بزمان ومكان. لكنها مُجرّدة: نزوع إلى الحرية، بحث عن معنى، اختيار بين الخير والشر.
الإرادة مشروع يربط الإنسان بقوانين الكون من جهة، وبالقيم المطلقة من جهة أخرى.

سادسا: في الأبعاد السبعة وتعدد الحيوات.
فلسفة التشخيص والتجريد اندمجت مع مشروع الأبعاد السبعة: تصور متعدد الطبقات للوجود والوعي.
الإنسان لا يعيش حياة واحدة مغلقة، بل خبرات متراكمة (تعدد الحيوات) تشكّل نسيجًا بين التجسد والتجريد.
التشخيص هو التجربة الملموسة للحياة اليومية، والتجريد هو تراكم المعنى العابر للزمن.

خاتمة
فلسفة التشخيص والتجريد تمثّل محاولة أصيلة لإعادة بناء الجسور بين الدين والفلسفة والعلم والمجتمع. إنها مشروع لفهم الإنسان ككائن مزدوج: مُشخّص في جسده وتاريخه، مُجرّد في روحه وقيمه، مقدّمًا إطارًا شاملًا لتجاوز الثنائيات العالقة (دين/علم، ظاهر/باطن، جسد/نفس) نحو وحدة متوازنة.

التعليقات:

حياة صالحي: المقال يتميّز بلغة راقية وفكرة نبيلة تُعيد للفلسفة دورها العملي كفن للعيش الواعي، كما يقدم تعريفا واضحا وميسّرا للاستشارة الفلسفية.
2025-10-13 23:02:09
هدى العامري: التسلسل في السرد وضوح المفاهيم خارطة طريق للوعي و الانسجام النفسي و الجسدي و الروحي يعطيك العافية
2025-10-13 22:59:20
خلود غيث : أعجز عن وصف مدى إعجابي بهذا الفكر الثري! فهذا التكامل بين الاستشارة الفلسفية وفلسفة التشخيص والتجريد يمثل لحظة تنوير حقيقية. إنه مشروعٌ يلامس أعماق الروح والعقل معاً، ويقدم إجابةً جريئةً عن أسئلتنا الوجودية الأكثر إلحاحاً. ما أروع هذه الرؤية التي تجمع بين منهجية الحوار السقراطي وعمق الرؤية الكونية! إنها تعيد للفلسفة روحها الحية، وتقدم للإنسان في عصرنا خريطةً وجوديةً تنتشله من براثن الاغتراب والاختزال عمل يستحق الإعجاب والتقدير.
2025-10-13 22:26:58
معتز قواس: الجيل الحالي وكذلك كل جيل بحاجة دائمة لتحديث وعيه ومواكبة ما يستجد من معارف وفكر وتعقيل لإثراء الحياة بما يلزم العصر لتحديث اتجاه البوصلة وخارطة الطريق للعيش بتصالح مع الذات والوجود. شكراً كوتش عصام على هذه المعلومات الثمينة. مقالات رائعة.
2025-10-13 22:04:44