ما وراء المادة: فلسفة الوعي بين نصّار وسترويمي.. الكاتبة حياة الصالحي

30-11-2025

ما وراء المادة: فلسفة الوعي بين نصّار وسترويمي.. الكاتبة حياة الصالحي

يظهر التقاطع البنيوي بين فلسفة هاشم نصّار وبعض الطروحات العلمية الحديثة في فهم الوعي باعتباره بُنية أولية تتجاوز التفسير المادي الصرف. فالتجريد، كما يصوغه نصّار، ليس نشاطًا ذهنيًا ثانويًا ولا قيمة مضافة للوجود المادي، بل مستوى أصيل من الوعي يمنح التشخيص معناه ويحدّد وجهته. وهذا التصور الذي يضع البعد اللامادي في موقع تأسيسي يجد صداه في عدد من النماذج الفيزيائية المعاصرة، ومنها طرح ماريا سترومي التي تعتبر الوعي حقلًا كونيًا مستقلًا يتفاعل مع الدماغ دون أن يُختزل فيه.

يتعامل كلا التصورين مع الجسد أو الدماغ كوسيط لتمثّل الوعي وليس كمنشأ له؛ فالتشخيص عند نصّار ليس خالق التجريد، بل مجال ظهوره، تمامًا كما يُفهم الدماغ في نظرية سترومي كمنظّم لترددات وعي أوسع وأقدم من الكائن البيولوجي. بهذا المعنى، يصبح الوعي الفردي نمطًا خاصًا داخل منظومة أعمّ، سواء سُمّيت في الفلسفة «تجريدًا» أو في الفيزياء «حقلًا كونيًا».

كما يتلاقى الجانبان في اعتبار أن المعنى ليس ظاهرة طارئة أو مشتقة من المادة، بل خاصية أصيلة للوعي ذاته. فالتجريد عند نصّار يمارس دوره في إضفاء الاتجاه والقيمة على الفعل الإنساني، في حين تشير سترومي إلى بُنى معلوماتية–معنوية كامنة في حقل الوعي لا يمكن تفسيرها بالكامل عبر التفاعلات العصبية. هذا الانسجام البنيوي يسمح بقراءة فلسفة نصّار ضمن سياق أوسع يتجاوز الثنائية التقليدية بين العلم والروح، ويجعلها قابلة للتفاعل مع الاتجاهات العلمية التي تعيد للوعي مكانته كعنصر تأسيسي في الطبيعة.

ولا يعني هذا التطابق بين الفلسفة والفيزياء، بل يدلّ على إمكان بناء جسر مفاهيمي يجمع بين المعنى والقانون العلمي دون خلط المنهجين. فالتجريد يمكن النظر إليه بوصفه المستوى الإنساني لفعالية الوعي الكوني كما تُشير إليه بعض الطروحات الحديثة، ما يمنح فلسفة نصّار أفقًا علميًا مكمّلًا، ويجعل الطروحات العلمية قادرة على التوسّع نحو فهمٍ أعمق للوعي يتجاوز الاختزال المادي التقليدي.

التعليقات:

Asmaa.T.Yaseen: شكرا استاذة حياة..اجدني هنا أمام مقالة تقدّم جسرًا معرفيًا ناضجًا بين فلسفة د. هاشم والطروحات العلمية الحديثة.. وتنجح في إبراز الوعي بوصفه بُنية تأسيسية لا تابعة للمادة..وهو جوهر ما يقوم عليه مفهوم التجريد في مشروع د. هاشم
لقد استطعتي أن تلتقطي التقاطع بين (التجريد كطبقة عليا للوعي) عند د. هاشم وبين فكرة (الحقل الكوني للوعي) في أعمال سترومي... دون الخلط بين المنهجين و مرورا بالإشارة ل كيف يتحول الجسد أو الدماغ إلى وسيط لاستقبال الوعي..لا مصدرًا لإنتاجه
منظور يعيد الاعتبار للمعنى بوصفه خاصية أصلية في الوجود..تسبق المادة وتوجّهها. و بهذا السياق منح النص فلسفة التشخيص والتجريد امتدادًا علميًا يثريها دون أن يذيبها..

إنه نصّ نجح في جمع «القيمة» و«القانون» في إطار واحد، وأظهر كيف يمكن للوعي أن يكون نقطة التقاء بين العلم والمعنى.. وبين التجريد والفيزياء.. وتفتح الباب أمام رؤية أعمق للإنسان والكون...
شكرًا أستاذة حياة لهذا الطرح المتألق الراقي.
2025-11-30 18:03:05
علا كساب: مقالكِ مكتوب بثقة فكرية واضحة أبدعتي، وفعلاً يفتح مساحة مشتركة نادرة بين الفلسفة والفيزياء. أعجبني كيف ربطتِ التجريد عند نصّار بحقل الوعي الكوني عند سترومي؛ الربط كان ناضجًا، هادئًا، ومبنِيًّا على فهم عميق للمعنى قبل المعلومة. الفكرة التي لفتتني أكثر هي وضع الوعي كمستوى تأسيسي سابق للمادة، وهذا الطرح وحده يكشف عن نُضج لغوي وفلسفي عالي عندك. باختصار… مقالك مش بس مقارنة، بل جسر معرفي بيعيد ترتيب العلاقة بين الروح والعلم، والجميل إنه بيحافظ على دقة المفهوم بدون ما يقع في المبالغة أو الخلط.
2025-11-30 16:53:34
وسن حسين: احستي أستاذة حياة مقال رائع????
2025-11-30 16:31:26