من معارج الوعي إلى المقام المحمدي : تأمل في تلقي القرآن في ضوء فلسفة التشخيص والتجريد مقال للأستاذة آمنة ناصر

19-10-2026

🔗 شارك المقال:واتسابفيسبوكXتيليغرام
من معارج الوعي إلى المقام المحمدي : تأمل في تلقي القرآن في ضوء فلسفة التشخيص والتجريد مقال للأستاذة آمنة ناصر

كتبت دكتورتنا الغالية علا في أحد تعليقاتها الرائعة:
(حسب ما فهمت من هاشم أنه مع صعود النفس العليا في معارج الوعي تتطور طريقة تلقيها للقرآن من الصوت الحسي إلى التخاطر الكودي (Quantum Syncing). عندما يترفع الوعي عن كثافة الجسد المادي ولا يعود بحاجة إلى الأذن البيولوجية أو اللسان المنطوق، يتفعل القرآن مباشرة في القلب النفسي، ويتحول حينها إلى تزامن كودي وتخاطر تام مع نسيج الوجود، فيتحدث القرآن مع النفس في الصفر الزمني، ويشرح لها ملكوت السماوات والأرض، ويكشف لها قوانين الخلق والتجلي في تلك السماء بصفاء ونورانية متكاملة).
ومنذ قرأت هذه الكلمات، لم أستطع أن أبرحها. ظللت أعود إليها، وأتأمل ما تفتحه من أسئلة تتجاوز كيفية تلقي القرآن إلى مراتب هذا التلقي، وما يمكن أن ينكشف للنفس كلما ارتقت في معارج الوعي.
وهنا يبدأ تأملي ا، انطلاقًا من كلمات دكتورتنا علا، لا بوصفه تتمةً لما نقلته عنها، ولا باعتباره قولًا أنسبه إلى أستاذي الدكتور هاشم نصار، وإنما بوصفه تساؤلًا أثارته في نفسي تلك الكلمات، واستدعاني إلى العودة إلى بعض المفاتيح التي تعلمتها منه في فلسفة التشخيص والتجريد.
فإذا كان التلقي، وفق التصور الذي عرضته دكتورتنا علا، يتجاوز في مراتبه حدود الصوت الحسي إلى أفق أوسع من الإدراك، فكيف يمكن أن نتأمل هذا المعنى في ضوء المقام المحمدي؟
قادني هذا السؤال إلى سورة النجم، وإلى التأمل في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ۝ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ ۝ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾.
وأتساءل هنا: كيف نفهم، من خلال مفاتيح التشخيص والتجريد، الصلة بين الوحي بوصفه مصدرًا، وتلقيه في المقام المحمدي، ثم ظهوره في صورة خطاب يُتلى ويُسمع ويُبلَّغ؟ وهل يفتح لنا هذا التأمل أفقًا للنظر في اختلاف مراتب التلقي.
ثم يمتد بي التأمل إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ ۝ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾، فأجدني أتوقف عند دلالات الدنو والتدلي، وما قد تثيره من أسئلة حول مراتب التلقي والتجلي، مع إبقاء الآيات في مقامها القرآني، وعدم الجزم بدلالات تتجاوز ما أعلمه.
إن ما أكتبه هنا ليس تفسيرًا للآيات، ولا تقريرًا لحقيقة نهائية في المقام المحمدي، وإنما هو مسار تأملي أثارته كلمات دكتورتنا علا، وأحاول من خلاله استكشاف بعض الصلات التي قد تتيحها لي مفاتيح فلسفة التشخيص والتجريد التي تعلمتها من أستاذي الدكتور هاشم نصار.
ولعل أجمل ما في تلك الكلمات أنها لم تمنحني إجابة أركن إليها، بل أبقتني أمام سؤال لا أستطيع مفارقته: هل يمكن أن يكون الانتقال من التلقي الحسي إلى مراتب أوسع من الإدراك مدخلًا لفهم أعمق للصِّلة بين الوحي والتلقي والظهور؟
سؤال ما زلت أمكث عنده، وفاءً لمن علّمنا مفاتيح النظر، وتقديرًا لكلمات دكتورتنا علا التي أيقظت في نفسي هذا التأمل، ورغبةً في مواصلة البحث دون أن أخلط بين ما نُقل إلينا، وما تعلّمناه، وما نحاول أن نفهمه ونتأمله.
لقد تعلّمت من أستاذي أن المقام المحمدي يمثّل أعلى نماذج التجريد، وأن فهمه لا يقف عند حدود الصورة الظاهرة، بل يدعونا إلى النظر في حقيقة المقام وما ينطوي عليه من معانٍ تتصل بالوحي والروح القدس وسدرة المنتهى. ومن هنا، وجدتني أتساءل: هل يمكن أن يكون ما أشارت إليه الدكتورة علا عن ارتقاء النفس في طريقة تلقي القرآن مدخلًا للتأمل في هذا المقام؟ وهل يفتح لنا مفهوم التجريد أفقًا لفهم الصلة بين علوّ المقام وكيفية تلقي الوحي؟
في حدود ما اتصل بي من هذه المفاهيم، بدا لي أن الخيط يبدأ من التجريد، لا من التلقي وحده. فالتلقي، في صورته الحسية، يرتبط بالصوت والأذن واللسان؛ أما حين نتأمل مراتب الوعي، فإن السؤال ينتقل من الوسيلة التي يصل بها الخطاب إلى النفس، إلى طبيعة الإدراك الذي تتلقاه به. وهنا لا يعود اهتمامي منصبًّا على الصوت بوصفه وسيلة، بل على ما وراء الوسيلة: ما الذي يجعل التلقي ممكنًا في مرتبته الأعمق؟ وما الصلة بين مقام المتلقي وأفق ما يتلقاه؟
ومن هذا السؤال انتقل ذهني إلى المقام المحمدي؛ إلى ما وسعة فهمي مما تعلمته من استاذي الفاضل هاشم عن علاقته بالروح القدس، وإلى الفكرة التي تلقيتها من أستاذي بشأن صلته بالوحي الذي تلقّاه الرسل والأنبياء ، أستحضرها بوصفها مفاتيح دفعتني إلى محاولة فهم المقام المحمدي في ضوء التشخيص والتجريد: هل يكون النظر إلى هذا المقام من جهة التجريد مدخلًا للتأمل في معنى الوحي، وفي الصلة بين مراتب الوعي ومراتب التلقي؟
وعند هذه النقطة، قفزت إلى ذهني سورة النجم، ؛ كأن تسلسل آياتها يضع أمام تأملي محطات متتابعة: بدءًا بالقَسَم بالنجم إذا هوى، مرورًا بذكر الوحي، ثم الدنو والتدلي، وصولًا إلى قوله تعالى:
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ۝ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ۝ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ۝ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ۝ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ۝ فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ﴾.
ثم تبلغ الآيات موضعًا آخر من التأمل:
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ ۝ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ ۝ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ ۝ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ ۝ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ ۝ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ ۝ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ۝ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾ [النجم: 5–18].
ما استوقفني في هذا السياق هو اجتماع الوحي والرؤية والفؤاد وسدرة المنتهى في مسار واحد. أتأمل كيف يدعوني هذا التسلسل إلى التفكير في التلقي من جهة أعمق من مجرد سماع الصوت: جهة تتصل بالرؤية والفؤاد، وبما ينكشف للنفس في مقام تجريدي اعلى.
وهنا يعود بي التأمل إلى عبارة الدكتورة علا عن انتقال التلقي من الصوت الحسي إلى التخاطر الكودي أو «التزامن الكودي» أستحضره هنا بوصفه التعبير الذي اختارته علا. الذي أثاره في داخلي: هل يمكن أن تتغير كيفية التلقي بتغيّر مرتبة الوعي، وأن يكون للمقام الذي تتحقق فيه المعرفة أثر في طبيعة انكشافها؟
ومن هنا وصلت إلى الفكرة التي أحاول التعبير عنها: لعلّ استحضار المقام المحمدي في هذا السياق يدعوني إلى النظر في العلاقة بين علوّ المقام ومعنى تلقي القرآن، باعتباره مدخلًا تأمليًا لفهم ما تعنيه خصوصية هذا المقام في المفاهيم التي تلقيتُها.
ففي حدود هذا التأمل، لا أرى المسألة مجرد أن القرآن نزل على الرسول محمد ﷺ، بل أتساءل عن دلالة المقام الذي اتصل به هذا الوحي، وعن معنى أن يكون المقام المحمدي، وفق ما تعلّمته من أستاذي، ذروة التجريد. هل يساعدني هذا المنظور على الاقتراب من الصلة بين المقام المحمدي والروح القدس وسدرة المنتهى، دون أن أخلط بين هذه المفاهيم أو أجزم بما لم يتضح لي بعد؟
إن ما يتشكّل في داخلي ليس جوابًا مكتملًا، بل مسار تأمل يبدأ من طريقة التلقي التي وصفتها الدكتورة علا، ويمرّ بمفهوم التجريد الذي تعلّمته من أستاذي، ثم يجد في سورة النجم مجالًا للتساؤل عن الوحي والرؤية والفؤاد وسدرة المنتهى.
ولعلّ خلاصة ما أحاول قوله هي أنني لا أريد أن أفهم المقام المحمدي من جهة نزول القرآن وحدها، بل أن أتأمل، في حدود ما فتحه لي هذا الفكر، في الصلة بين علو المقام ودرجة التلقي. فهل يكون التجريد هنا مفتاحًا للتساؤل عن المقام الذي يتصل به الوحي، وعن الكيفية التي ينكشف بها الخطاب الرباني في هذا المقام؟
هذا ما بدا لي من الربط، لا بوصفه حقيقة انتهيت إليها، بل بوصفه سؤالًا فتحته كلمات دكتورتنا علا، وأعاد توجيهه ما تعلّمته من أستاذي الدكتور هاشم، واستدعته إلى ذهني آيات سورة النجم. وما زلت أرى أن الأمانة في هذا المسار أن أميّز بين ما تلقيته من مفاهيم، وما أفهمه منها، وما لا يزال يحتاج في داخلي إلى مزيد من التأمل.
🔗 أعجبك المقال؟ شاركه:واتسابفيسبوكXتيليغرام

التعليقات:

نجوى برهومي: ❤️🙏🌹🌹🌹🌹🌹
2026-10-19 16:43:38
صالح حكيمي: 🔥🔥🔥
2026-10-19 13:48:36