في اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أنه قادر على تغيير شيء في الوجود.. قد تبدأ في داخله حركة أخرى أشد خفاءً من التغيير نفسه.. حركة تنتقل فيها أنظاره من القانون الذي أتاح له الفعل إلى ذاته التي قامت به.. حتى يغدو ما حققه من قدرة شاهدًا في وعيه على ما ينسبه لنفسه من سلطان.
ومن أدق ما تفتحه لنا فلسفة التشخيص والتجريد.. أن نعيد النظر في العلاقة بين ما يستطيع الإنسان فعله.. وما يؤهله مقامه واستحقاقه لممارسته.. وبين الموازين التي توجه اختياراته والأثر الذي يتحقق من خلالها في نفسه وفي الوجود من حوله.
وفي معالجته للتسخير وصلاحيات الإنسان في التدبير.. يفتح لنا أستاذنا الفاضل الدكتور هاشم نصّار أفقًا دقيقًا في قراءة قوله تعالى
﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
ففي ﴿لَكُم﴾ يتسع أمام الإنسان مجال الانتفاع والتصرف والتدبير.. وفي ﴿مِّنْهُ﴾ تعود جميع هذه الإمكانات إلى مصدرها.. فيتجلى من خلال هذه العلاقة اتساع ما أُتيح للإنسان من صلاحيات مع بقاء تلك الصلاحيات محكومة بمصدرها ومقتضياتها.
ومن هذا المعنى الذي أضاءه أستاذنا.. يمكن أن نمضي في تأمل ما قد يحدث داخل وعي الإنسان حين تتنامى قدرته على توظيف قوانين الوجود.. حتى تختلط لديه حدود ما أُتيح له من قدرة بحدود ما يستحقه من وجوه التصرف فيها.
وفي المسافة المعرفية بين هاتين الدلالتين يمكن أن نستبصر جانبًا عميقًا من حقيقة الاستخلاف.. فالإنسان يمتلك قدرة حقيقية على اكتشاف قوانين الوجود وتوظيفها.. غير أن اتساع قدرته على التعامل مع هذه القوانين لا يجعل كل وجه من وجوه توظيفها مستوفيًا بالضرورة لمقتضيات الاستحقاق.
وتأخذنا هذه العلاقة إلى مسألة تستحق وقفة أطول..
فقد تتسع قدرة الإنسان على إحداث الأثر في عالم التشخيص.. دون أن يكون اتساع هذه القدرة وحده دليلًا على استيفاء مقتضيات حسن توجيهها وتحمل مسؤولية آثارها.
ويحضر هنا ما تعلمناه عن تدرج الأطوار.. وعن ارتباط الارتقاء بالتأهل والاستيعاب ومقتضيات كل طور...
فإذا كان الانتقال بين الأطوار في البناء التكويني محكومًا بما تستوعبه البنية وما تستوفيه من شروط.. فإن هذا المعنى يعمّق إدراكنا للعلاقة بين اتساع الإمكانات التشخيصية للإنسان وبين مقدار تأهله الوعيوي لحسن توظيفها.
وقد يبلغ الإنسان من العلم ما يتيح له ممارسة تأثير واسع في الوجود.. بينما تظل الموازين التي تحكم اختياراته بحاجة إلى معايرة وتصحيح.. فالقدرة والاستحقاق معنيان متصلان في مسار الارتقاء.. ولكل منهما موضعه ووظيفته.. وامتلاك الوسيلة يفتح مجالًا للفعل.. ولكنه لا يحسم وحده سلامة الغاية التي تُوظف الوسيلة من أجلها.
وأرى أن هذا الفرق يقودنا إلى أفق أبعد من مجرد البحث في حدود ما يستطيع الإنسان تحقيقه..
فقد يعرف الإنسان كيف يحقق ما يريد.. وينجح في تحقيقه بالفعل.. بينما تكون حاجته إلى المراجعة كامنة في الموازين التي جعلته يريد تلك الغاية ابتداءً.
وهذا أحد المواضع التي يمكن أن نستبصر فيها وجهًا دقيقًا من وجوه خداع التشخيص..
إذ قد تمنح النتيجة الظاهرة صاحبها شعورًا بأن اختياره كان صائبًا لمجرد أنه استطاع إنجازه.. فيختلط لديه نجاح الوسيلة بسلامة الغاية.. وتتحول استجابة الواقع لما وظفه من قوانين إلى شهادة يمنحها لنفسه على استحقاق ما حققه.
فنجاح الإنسان في توظيف قانون من قوانين الوجود لا يكفي وحده للدلالة على سلامة الغاية التي وجّه قدرته نحوها.. إذ إن تحقق الأثر وفق شروط القانون يدل على فاعلية توظيفه في حدود ذلك الأثر.. أما مدى اتساق الغاية التي اختارها مع مقتضيات الوظيفة والاستحقاق فيحتاج إلى نظر يتجاوز مجرد تحقق النتيجة.
ومن هذا التمييز تتسع أمامنا مسؤولية النظر إلى ما وراء النتيجة التشخيصية.. نحو الموازين التي حكمت اختيار الغاية ووجّهت القدرة إلى تحقيقها.
وتتضح من هذا الموضع أهمية النزاهة الوجودية والقلب السليم في علاقتنا بالمعرفة والقدرة.
فقد يكون الإنسان واسع العلم.. دقيقًا في إدراك العلاقات التي تحكم ما حوله.. ولكنه يحمل في داخله من التعلق بصورة الذات أو بما حققه من تفوق ما يؤثر في وجهة اختياراته.
وقد تكتسب نجاحاته المتكررة سلطة على وعيه.. حتى تصبح تجربته السابقة ميزانًا يمنح من خلاله الصواب لكل ما يختاره لاحقًا.
وعندها يغدو ما حققه من معرفة وقدرة معرضًا لأن يتحول من وسيلة لتحرير وعيه إلى صورة جديدة يتماهى معها.. فيصعب عليه مراجعة الغايات التي ارتبطت بها تلك الصورة.
وتبرز في هذا السياق أهمية تصفير الموازين بوصفه مدخلًا إلى مراجعة ما استقر في وعينا من تصورات ومعايير...
فالمراجعة التي نحتاجها قد تتجاوز تصحيح وسيلة أخطأنا في استخدامها.. أو معالجة نتيجة لم تحقق ما توقعناه.. إلى فحص المعيار الذي وجّه إرادتنا نحو الغاية نفسها.
وقد يكون الفعل ناجحًا في ظاهره.. بينما يكون الخلل أعمق من أن تكشفه نتيجته المباشرة.
ومن أرفع صور الاستقلال المعرفي في تقديري أن يظل الإنسان قادرًا على إخضاع اختياراته للمراجعة حتى حين يحقق ما أراد.. وأن يمتلك من النزاهة ما يجعله مستعدًا لإعادة معايرة غاياته دون أن يرى في ذلك انتقاصًا مما بلغه من معرفة أو قدرة.
وفي ضوء هذا الفهم يتسع أمامنا معنى حسن التدبير..
فقد يمتلك الإنسان أسباب الفعل.. ويكون قادرًا على تحقيق غاية معينة.. ثم يدرك أن مقتضيات مسؤوليته تستدعي منه التريث أو ضبط استعمال قدرته أو العدول عن الغاية ذاتها.
وقد يكون الامتناع الواعي عن ممارسة قدرة متاحة وجهًا من وجوه حسن التدبير.. كما يكون الإقدام في موضع آخر مقتضى من مقتضيات أداء الأمانة..
والفارق يتصل بسلامة الميزان الذي يحدد موضع الفعل من الوظيفة والاستحقاق.. لا بمجرد وقوع الفعل أو تركه.
وبهذا المعنى تتكشف أمامنا علاقة أعمق بين ممارسة الربوبية الإنسانية المقيدة ومقام العبودية لله الصمد..
فالإنسان يمارس ما أُتيح له من صلاحيات التدبير والتصرف ضمن مستويات الوجود.. وتبقى ممارسته محكومة بمقتضيات مقامه وعبوديته لله...
وإدراكه افتقاره إلى مصدر القدرة يحرر علاقته بها من وهم الاستقلال.. ويعيد ما يمارسه من سلطان إلى حدوده الوجودية.. دون أن يعطل فاعليته أو يسلبه مسؤوليته عن الاختيار.
وقد يكون من أدق ثمرات هذا الوعي أن يصبح حضور مقام العبودية مؤثرًا في الموازين التي يختار الإنسان على أساسها غاياته.. بدل أن يقتصر على اعترافه بمصدر القدرة بعد أن يكون قد استعملها وحقق أثرها.
ومن هذا الباب نستطيع أن نتأمل الأمانة في علاقتها بالاستخلاف تأملًا يتجاوز مسؤولية حملها إلى مسؤولية ما يتولد عن ممارستها من آثار.
ويكتسب هذا التأمل اتساعًا آخر حين نعود إلى استشهاد أستاذنا الفاضل الدكتور هاشم نصّار في بيانه لمقتضيات الاستخلاف بقوله تعالى
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾
فما أعمق هذا الانتقال من الجعل إلى كيفية العمل..
إذ تتجه أنظارنا من موضع الإنسان في الاستخلاف إلى ما يحققه من أداء.. ومن الصلاحية التي أُتيحت له إلى الكيفية التي مارس بها مقتضياتها.
وهذا يحملنا إلى تأمل الفرق بين قصد الإنسان من الفعل وبين الأثر الذي قد ينتجه الفعل في الوجود.
فقد يباشر الإنسان عملًا يبتغي به غاية محددة.. ثم تتولد عنه آثار تمتد إلى غيره وإلى مسارات لم تكن حاضرة في تقديره الأول.
فالقصد الذي بدأ به فعله لا يستنفد بالضرورة جميع ما يمكن أن ينتجه ذلك الفعل في الواقع.
وتتسع بهذا المعنى مسؤولية التدبر.. إذ يصبح النظر فيما قد يترتب على اختياراتنا جزءًا من حسن توظيف ما أُتيح لنا من معرفة.. وتصبح مراجعة الأثر بعد ظهوره فرصة لتصحيح ما لم نكن قد أحطنا به عند مباشرة الفعل.
وهذا يراعي حدود علم الإنسان وإمكاناته.. فلا يُحمّل ما لم يكن في وسعه إدراكه.. وإنما يدعوه إلى استبصار النتائج الممكنة بما يمتلكه من أدوات المعرفة.. وإلى إعادة النظر في اختياراته حين تتكشف له معطيات جديدة.
وتقودنا هذه المعالجة إلى صلة أخرى بين الأمانة ومقتضيات الاستحقاق.. وما يستدعيه أداء الإنسان لوظيفته الاستخلافية من يقظة مستمرة في مراجعة اختياراته وآثارها..
فبلوغ الإنسان مرتبة من التأهل يفتح له مجالًا لممارسة وظيفة معينة.. غير أن ما تحقق لديه من قدرة ومعرفة في مرحلة من مراحله لا يجعل الموازين التي يعتمدها بمنأى عن المراجعة...
وقد يكون من أدق مقتضيات استمرار التأهل أن يظل قادرًا على تصحيح ما ينتجه وعيه من اختيارات.. حتى لا تصبح نجاحاته الماضية حجابًا عن إدراك ما يحتاج إلى تصحيح في حاضره.
وفي هذا السياق يتسع أمامنا مجال التأمل في العلاقة بين الاستحقاق وما يبلغه الإنسان من تمكين.. فالصلاحيات الاستخلافية أمانة مشروطة بمقتضيات الأداء.. وليست امتيازًا ذاتيًا يمنح صاحبه حصانة من المراجعة أو يجعل ما بلغه من مقام شاهدًا نهائيًا على سلامة اختياراته..
وهذا يأخذنا إلى فرق بالغ الدقة بين المحافظة على صورة المقام والمحافظة على مقتضياته...
فقد يشتد حرص الإنسان على ما بلغه من تمكين.. ويصبح الحفاظ على صورته الراهنة في وعيه أهم من مراجعة ما يوجه أداءه من غايات واختيارات...
وقد يقتضي الوفاء بمسؤوليته أن يعيد النظر في مسار نجح فيه سابقًا.. بعدما تكشفت له معطيات أوسع.. وأن يتخلى عن بعض ما ألفه من وسائل أو تصورات لم تعد تستقيم مع ما بلغه من معرفة..
وهذه من أصعب صور المراجعة.. لأن الإنسان فيها يراجع ما اعتاد أن يراه شاهدًا على نجاحه.. وليس ما ثبت له إخفاقه فحسب.
ويظهر في هذا الموضع وجه آخر من وجوه التحرر الذي تعلمناه في فلسفة التشخيص والتجريد.. حين يصبح الوعي قادرًا على تجاوز سلطة نتائجه السابقة.. فلا يمنحها من القداسة ما يحجب عنه إمكان تصحيحها أو تجاوزها.
وبذلك تتسع العلاقة بين الأمانة والسيادة الإنسانية المقيدة لتأخذنا إلى ما يسبق الفعل نفسه.. إلى الموازين التي تتشكل من خلالها الغايات.. وما قد يعتري تلك الموازين من تعلق وتشخيص.. ثم إلى ما ينتجه القرار من أثر في الوجود.
فقد ينجح الإنسان في تغيير أشياء كثيرة من حوله.. بينما يكون أعظم ما يحتاج إلى العناية به هو ذلك الموضع في نفسه الذي يحدد ما يستحق أن يسعى إلى تغييره ابتداءً.
ومن أجمل ما يثمره هذا المسار المعرفي الذي نتشرف بالتعلم فيه على يد أستاذنا الفاضل الدكتور هاشم نصّار.. أن نتعلم كيف نقرأ ما نحققه من نجاح قراءة تتجاوز صورته الظاهرة.. وكيف نحافظ على يقظة المراجعة حتى حين تستجيب لنا أسباب الفعل ونبلغ ما سعينا إليه.
فكل اتساع في القدرة يفتح مجالًا جديدًا من الاختيار.. وكل اختيار يستدعي ميزانًا يضبط وجهته.. ويبقى الإنسان معنيًا بما يحققه من أثر وبما تكشفه له تجربته من مواطن تحتاج إلى تصحيح.
وما أعظم أن يبلغ الإنسان من الوعي ما يجعله قادرًا على مراجعة الغاية التي نجح في بلوغها.. دون أن يستمد من نجاحه حصانة لموازينه..
فهناك قد تتجلى إحدى أعمق ثمرات الأمانة.. حين تصبح القدرة مجالًا لحسن التدبير.. ويظل الوفاء بمقتضيات الأمانة مسؤولية متجددة.. ويتحرر الإنسان من الحاجة إلى اتخاذ إنجازاته دليلًا نهائيًا على سلامة اختياراته..
حتى يكون ارتقاؤه في الوجود متصلًا بارتقاء بصيرته بما يفعل وبما يدفعه إلى الفعل.. وتبقى العبودية حاضرة في أصل اختياره ووجهته.. لا في حدود اعترافه بمصدر القدرة بعد أن يتحقق أثرها.
التعليقات:
2026-10-18 22:50:12
2026-10-18 18:10:13