«بين الضجيج والخلوة..» (( تأمل في ضوء فلسفة التشخيص والتجريد )) مقال للدكتورة أسماء الفلاحي

13-10-2026

🔗 شارك المقال:واتسابفيسبوكXتيليغرام
«بين الضجيج والخلوة..»  (( تأمل في ضوء فلسفة التشخيص والتجريد )) مقال للدكتورة أسماء الفلاحي
«بين الضجيج والخلوة..»

(( تأمل في ضوء فلسفة التشخيص والتجريد ))


تمضي بنا الأيام وتعبر تفاصيلها الكثيرة حياتنا.. وقد ينتهي حضور بعضها في الخارج بينما تظل تُقيم في داخلنا.. وتُشارك في تشكيل أحكامنا وانفعالاتنا.. وربما في توجيه اختيارات لم نعد نعرف على وجه الدقة من أين بدأت !

وكم من مرة ظننا أننا أقبلنا على أمر بكامل وعينا بينما كان في داخلنا شيء من أثر كلمة سمعناها أو صورة ألِفناها أو رأي تكرر أمامنا حتى أصبح جزءًا من الطريقة التي ننظر بها إلى العالم.

وقد أعادتني إشارة أستاذنا الفاضل د.هاشم في محاضرته قبل الأخيرة أثناء حديثه عن الفطرة والتشفير إلى التأمل في الضجيج من أفق أوسع..حين تناول ما تُحدِثه المؤثرات الخارجية عبر السمع والبصر من تشويش.. وأشار إلى العزلة في سياق الاتصال بالفطرة.

فما الذي يحدث للإنسان حين يستغرق في استقبال العالم إلى الحد الذي يغفل معه عن جهة أخرى من المعرفة أودعها الله في أصل تكوينه ؟

لقد تعلّمنا في هذه الفلسفة أن الفطرة تحمل علمًا مطلقًا مضغوطًا ومشفّرًا..وأن المعرفة أوسع من المعلومات التي تتراكم لدينا وأن ما يصل إلى الإنسان عبر عالم التشخيص يمثل جانبًا من رحلته المعرفية.. تتجاوزه مراتب أخرى من الكشف والارتقاء.
وهنا تبدو المفارقة عميقة..
(( فقد يمضي الإنسان عمرًا يجمع ما يستطيع من المعارف.. ويلاحق كل جديد ويزداد إحاطة بما يجري حوله.. بينما تظل علاقته بما يحمله في فطرته أبعد عن إهتمامه)) .

ومن هذا المنطلق أخذت آيات الاعتزال والخلوة تتجلى أمامي بصورة مختلفة.
فهذا إبراهيم عليه السلام قد قال
(وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا)
فالواضح في هذا التعبير أن الاعتزال شمل القوم وما يدعون من دون الله..
ثم تشرق عبارة (وَأَدْعُو رَبِّي) لتجعلنا نتأمل جهة الاتصال التي أعلن إبراهيم الإقبال عليها...

لكن ما أُضيء لي أكثر هو أن النسق القرآني لم يتوقف عند إعلان الاعتزال والدعاء.. ولكنه مضى بنا إلى ما أعقب ذلك..
(فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا)
(وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا)
فيا لجمال هذا النسق وما يفتحه أمامنا من آفاق..!!

فقد جاء الاعتزال متعلقًا بالقوم وما يعبدون.. وجاء الدعاء متوجهًا إلى ربه.. ثم نقرأ (وَهَبْنَا) و(جَعَلْنَا).. وكأننا أمام مشهد يستحق أن نتأمل فيه ما يباشره الإنسان باختياره وما يتحقق له من عطاءات وهِبات وجَعل..
...إبراهيم حين اعتزل ما كانوا يعبدون لم يكن اعتزاله انقطاعًا عن كل اتصال.. وإنما كان في قوله (وَأَدْعُو رَبِّي) إعلانًا عن جهة أخرى يتوجه إليها..
وهنا تكتسب الخلوة في بحثنا بُعدًا أعمق.. فقد يكون الاعتزال خروجًا من مؤثرات ومرجعيات استغرقت الإنسان.. لكنه يفتح كذلك مجالًا للنظر فيما يتوجه إليه بعد هذا الخروج..
أما الهِبة والجَعْل الواردان في الآيتين فلهما خصوصيتهما في قصة إبراهيم.. غير أن حضورهما بعد الاعتزال يضيء لنا فرقًا شديد الأهمية بين ما يباشره الإنسان من فعل وما يتحقق له من عطاء لا يملكه بمجرد مباشرته ذلك الفعل..

.....ومن إبراهيم إلى مريم عليها السلام نجد صورة أخرى تستحق الوقوف عندها
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا)
هنا يبرز لنا اجتماع الانتباذ والحجاب والإرسال في مشهد واحد...!
لكن النسق القرآني يأخذنا إلى ما هو أبعد من ذلك..
(قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا)
ثم نقرأ..
(قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا)
ما أروع ما يفتحه لنا اجتماع هذه الأفعال من آفاق للتأمل.. فالانتباذ والحجاب كانا مما باشرته مريم.. ثم جاء الإرسال والتمثّل وإعلان الهِبة والجَعْل والرحمة والأمر المقضي....!
وما يستحق الوقوف عنده أن ما ورد إلى مريم تمثّل لها في صورة بشر سويّ.. ثم جاء البيان عن حقيقة الرسالة وما تحمله من عطاء.. وهنا تتجلى دقة التمييز بين الصورة التي يقع عليها الإدراك وحقيقة الأمر الذي يتجاوز حدود ظهورها في عالم التشخيص..

وبهذا الأفق تتسع أمامنا دلالة الخلوة.. فقد كان الانتباذ ابتعادًا عن الأهل واتخاذًا للحجاب.. ثم جاء الإرسال والهِبة والجَعْل في مشهد له خصوصيته التي تستحق التأمل.. فالعزلة بذاتها ليست سببًا آليًا للعطاء ولا تختزل قيمتها في صورتها المكانية..وفي اجتماع هذه المعاني ما يثير الدهشة.. فالتمثّل جاء في عالم التشخيص.. بينما امتدت حقيقة ما جرى إلى ما وراء الصورة التي ظهر بها.. و في ذلك طرفًا من الصِلة العميقة بين عالم التشخيص وعالم الأمر.. صِلة ما زلنا نتلمس آفاقها بما تفتحه لنا هذه الفلسفة من مفاتيح..
فالمسافة بين أن يتخذ الإنسان حجابًا عن الناس وأن يدرك حدود الصورة التي ظهرت له وما يتجاوزها من أمر.. مسافة شاسعة...!
فالحواس التي تصِل الإنسان بعالم التشخيص لها وظائفها.. والعالم المنظور نفسه كتاب من كتب المعرفة كما تعلمنا من أستاذنا الفاضل د.هاشم..
وإذا كنا قد تعلمنا أن الكتاب المنظور والكتاب المسطور يدخلان في بناء معرفي أوسع فإن الخلوة التي نتأملها قد تتيح للإنسان أن يعيد النظر في علاقته بما يتلقاه.. وأن يمنح كل جهة من جهات المعرفة موضعها دون أن يشغله استغراقه في المؤثرات الخارجية عن الاتصال بما أُودِع في فطرته..

و تحضرني آية زكريا عليه السلام
(قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا) .
وفي موضع آخر
(قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ)

ما يثير الإنتباه هنا أن الآية تتحدث عن الامتناع عن مخاطبة الناس في سياق آية مخصوصة مع بقاء الذكر حاضرًا..وورود الرمز في طريقة التواصل...
وقد لا يصح لنا أن نعمم خصوصية زكريا على كل خلوة.. غير أن هذا المشهد يفتح بابًا لتأمل اختلاف جهات الاتصال ووظائفها..

وأربط هنا ما تعلمناه من دكتورنا الفاضل عن علاقة التنزيل بفك التشفير.. وأدرك في ضوء ذلك الفرق الدقيق بين العلم المودع في الفطرة وتحقُق الكشف عنه.. فوجود الشيفرة في أصل التكوين لا يعني أن ما تحمله حاضر في إدراك الإنسان على الدوام.. كما أن انحسار المؤثرات الخارجية لا يعني بذاته انكشاف ذلك العلم له..

(( وللخلوة في هذا الأفق دلالة تستحق التأمل.. فقد تفسح للإنسان مجالًا للعناية باتصاله بفطرته بعد أن استغرق طويلًا في استقبال ما يرد إليه من العالم المشخّص..)).

على أن الإنسان قد يحمل إلى خلوته التصورات ذاتها التي اعتاد النظر من خلالها.. وربما عاد منها أشد تعلقًا بها..

وربما كان هذا أحد وجوه الضجيج الأكثر خفاءً.. أن تظل آثار ما اعتاده الإنسان من تلقي وتفسير حاضرة في كل ما يحاول فهمه.. حتى يظن أنه يستقبل معرفة جديدة بينما يعيد في داخله ما سبق أن استقر لديه..
(( وقد تتجاوز قيمة الخلوة مفارقة العالم.. إلى مراجعة ما حمله الإنسان معه من آثار التشويش.. وما قد تكون تلك الآثار قد حجبته عنه من إمكانات الاتصال بما أودع الله في فطرته..)).

وتبرز لي في هذا السياق آية أصحاب الكهف..
(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا)
لقد اقترن الاعتزال هنا بالإيواء إلى الكهف.. ثم جاء الحديث عن الرحمة والتهيئة..لندرك أن الفتية باشروا الاعتزال والإيواء.. بينما جاءت الرحمة والتهيئة منسوبتين إلى الرب.. وفي هذا تمييز دقيق بين ما يباشره الإنسان في عالم التشخيص وما يرجوه من عطاء الله وتدبيره..

وإذا تأملنا ما مر بنا من مشاهد إبراهيم ومريم وزكريا وأصحاب الكهف وجدنا أن للاعتزال صورًا متعددة ووظائف مختلفة.. وأن ما اتصل بتلك المشاهد من هِبة وإرسال وجَعْل ورحمة وتهيئة يستحق أن يُقرأ في خصوصية كل مقام.. بعيدًا عن اختزال هذه المعاني جميعها في مجرد الابتعاد عن الناس..
فالمعرفة التي وصفها دكتورنا الفاضل بأنها تفاعلية تشاركية تكاملية تصاعدية سلّمية تفتح أمامنا أفقًا يتجاوز اكتفاء الإنسان بنفسه.

(( والخلوة إذا كانت مجالًا للعناية بالاتصال بالفطرة فإن ما يتصل بهذا المجال من ارتقاء معرفي ينبغي أن يجد موضعه كذلك في تفاعل الإنسان مع غيره وفي مسؤوليته عما يتعلمه وما يقدمه )).

ويبقى في مراتب المعرفة التي تعلمناها ما يستحق أن نتأمله في ضوء هذه القراءة.. فالبيانات والمعلومات والعلم والمعرفة والحكمة لكل منها موضعها في البناء المعرفي..
و((حين يستغرق الإنسان في تحصيل المزيد دون أن يراجع طبيعة ارتقائه فقد يلتبس عليه اتساع ما حصّله باتساع المعرفة))..

فقد نكون أمضينا شطرًا طويلًا من أعمارنا نتعلم كيف نصغي إلى العالم من حولنا.. بينما ما زلنا في أول الطريق إلى تعلّم كيف نعيد الاتصال بما أودع الله فينا...!!
🔗 أعجبك المقال؟ شاركه:واتسابفيسبوكXتيليغرام

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.