— دكتور… رأيت موسوعتك البارحة.
— ترينها كل يوم يا حياة.
— لا. البارحة رأيتها لأول مرة.
— وكيف رأيتها؟
— أحد عشر كوكبًا.
— مجلداتي؟
— نعم. باغتني الرقم، وحضرت الآية في قلبي:
﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾.
— جعلتِ المجلدات كواكب؟
— سأغامر كما علّمتني: نعم. هذه الأحد عشر، في قراءتي اليوم، هي الأحد عشر كوكبًا.
— والشمس والقمر؟
— هنا بدأت المشكلة.
— بهذه السرعة؟
— بل هنا بدأت المغامرة فعلًا. كنت سعيدة بالأحد عشر حتى انتبهت إلى أن الرؤيا لم تنته عندها. لم يأتِ كوكب ثانٍ عشر… تغيّر جنس المشهد: شمس وقمر.
— وإلى أين أخذتك هذه الملاحظة؟
— إلى جملة قلتها أنت.
— أي جملة؟
— إن هذه المجلدات الأحد عشر لم تتناول إلا ثلاثة مستويات فقط.
— نعم.
— لا تقل «نعم» بهذه البساطة يا دكتور! نحن أمام أحد عشر مجلدًا، وأنت أمام ثلاثة مستويات فقط.
— وما المشكلة في «فقط»؟
— المشكلة أنني كلما حاولت تجاوزها أعادتني إليها. نحن ننظر إلى الأحد عشر فنرى مشروعًا يكاد يملأ الأفق، وأنت تنظر إليها وتقول: ثلاثة مستويات فقط. نحن نحصي ما كُتب، وأنت تتحدث عمّا بقي أن يُكتب.
— وماذا فعلتِ ببقية المستويات؟
— في البداية بحثت لها عن مجلد ثانٍ عشر.
— ووجدتِه؟
— وجدت أنني وقعت في التشخيص.
— كيف؟
— افترضت أن ما سيأتي لا بد أن يكرر صورة ما جاء؛ مجلد بعد مجلد، وكوكب بعد كوكب. ثم أعادتني الآية إلى ترتيبها: أحد عشر كوكبًا… ثم لا كوكب آخر. الشمس والقمر.
— وهل عرفتِهما؟
— لا.
— وأنتِ التي قلتِ سأغامر؟
— المغامرة ليست أن أختلق لهما معنى يا دكتور. أحيانًا تكون المغامرة أن أصل إلى باب لا أعرف ما وراءه، وأمتنع عن تسميته قبل أن يُفتح.
— إذن ماذا عرفتِ؟
— عرفت أنني كنت أنظر إلى الموسوعة من الجهة الأسهل.
— وما الجهة الأسهل؟
— أن أعدّها.
واحد… اثنان… حتى أحد عشر.
أما حين توقفت عن العد، بدأت أرى ما لا يدخل في الرقم.
— مثل ماذا؟
— أن هذه الأحد عشر لم تبق حبيسة صورتها الأولى. عبرت إلى الإنجليزية، ثم خرجت من الصفحة إلى الصوت، ومنها إلى الأكاديمية والبث والحوار، وبقيت أنت حاضرًا معها؛ تشرح وتجيب وتناقش، وتفرح حين نغامر، وتعيدنا حين نخطئ، وكأن كتابة الموسوعة لم تكن نهاية مهمتك، بل بداية مسؤوليتها.
— وإلى أين أوصلك ذلك؟
— إليك أنت.
— إليّ؟
— نعم. كنت مشغولة بالكواكب عن صاحبها.
— وماذا رأيتِ حين التفتِّ إليه؟
— رأيت أن أحد عشر مجلدًا يمكن أن تكون عند رجل آخر سببًا كافيًا ليعلن الوصول، أما عندك فقد صارت سببًا لتقول لنا: بقي.
— بقي ماذا؟
— هذا ما لا أعرفه. وربما لهذا بدأت أفهم مقامك أكثر. لم تعد المسألة عندي كم تعرف، بل ماذا فعل بك ما عرفت.
— وماذا ترين أنه فعل؟
— لم يغلقك.
كلما اتسعت المعرفة بين يديك، اتسعت معها مساحة السؤال، وكلما ظننا أننا وصلنا إلى جواب دفعتنا إلى طبقة تحته. أعطيتنا موسوعة، ثم لم تطلب منا أن نسكنها؛ أعطيتنا فلسفةً ومنهجًا لنقرأ بهما أبعد مما كُتب.
— ولهذا عدتِ إلى كلمة «فقط»؟
— نعم.
— ما زلتِ عندها؟
— أكثر من البداية.
— لماذا؟
— لأنني بدأت أسمعها بطريقة أخرى. «ثلاثة مستويات فقط» لم تعد عندي تقليلًا من الأحد عشر، بل أصبحت تكشف حجم الأفق الذي تنظر منه إليها.
— ولهذا صارت الأحد عشر أصغر؟
— لا. صارت أعظم… لكنك جعلتني أرى ما هو أعظم من الإنجاز نفسه.
— وما هو؟
— مقام العالم أمام العلم.
أن يضع إنسان بين أيدي الناس أحد عشر مجلدًا، وأن يعبر علمه لغةً وصوتًا ودرسًا وحوارًا، ثم لا تتحول المعرفة في داخله إلى وهم إحاطة.
أن يبقى بعد كل جواب قادرًا على السؤال، وبعد كل كشف قادرًا على أن يقول: بقي، وبعد أحد عشر مجلدًا قادرًا على أن يقول:
ثلاثة مستويات فقط.
— وماذا ترين الآن حين تنظرين إلى الأحد عشر؟
— أرى أكثر مما رأيت في البداية.
— ماذا؟
— أرى علمًا، نعم… لكنني أرى أيضًا معلّمًا لم يحتفظ بما عرفه لنفسه. أرى ما فتحه الله لك يعبر منك إلى غيرك، حتى صار كتابًا لمن يقرأ، وصوتًا لمن يسمع، ودرسًا لمن يتعلم، وسؤالًا جديدًا في قلب من ظن أنه جاء يبحث عن جواب.
وأرى شيئًا آخر.
— ما هو؟
— أنني كلما أردت أن أشكرك على ما أعطيتنا، شعرت أن «شكرًا» أصغر من أن تحمل المعنى.
— فلا تقوليها.
— لن أقولها وحدها.
سأقول إن فضل المعلّم لا يُقاس فقط بما يضعه في يد تلميذه، بل بما يوقظه فيه حتى يصبح قادرًا على أن يرى من حيث لم يكن يرى، وأن يسأل من حيث لم يكن يجرؤ أن يسأل.
وهذا يا دكتور بعض ما فعلته بنا.
— وبعض؟
— تعلمت منك أن أحذر كلمة «كل»!
ضحك.
— الآن بدأتِ تتعلمين.
— بل الآن بدأت أفهم لماذا لم تعد الأحد عشر هي أكثر ما يدهشني.
— فما الذي يدهشك؟
— أن ما نقف نحن أمامه مبهورين، تقف أنت بعده وتقول:
بقي.
— بقي دائمًا يا حياة.
— وهذه وحدها أعادتني إلى سورة يوسف مرة أخرى.
— إلى الأحد عشر كوكبًا؟
— لا… هذه المرة إلى آية أخرى.
— أي آية؟
قلت:
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.
— أتدرين ما الجميل فيها؟
— ماذا؟
— أنها لم تجعل للعلم درجة أخيرة.
قلت:
— ولهذا يا دكتور… بدأت حديثي معك وأنا أعدّ أحد عشر كوكبًا، وأنهيه وقد توقفت عن العدّ. 🌹🌹🌹
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.