التفاصيل التي تصنع الإنسان مقال للأستاذة سعيدة لافي

07-10-2026

التفاصيل التي تصنع الإنسان  مقال للأستاذة سعيدة لافي
التفاصيل التي تصنع الإنسان:

لا يخلو لقاء مع أبو راشد من لفت الانتباه إلى العمل على التفاصيل, لا باعتبارها جزئيات هامشية، بل باعتبارها جزءًا من فلسفة متكاملة ترى أن التفصيل الصغير قد يكشف عن بنية أكبر منه، وأن طريقة تعاملنا مع الأشياء الدقيقة تكشف في النهاية عن طريقة حضورنا في العالم ,حتى إنه حدّثنا عن الانتباه إلى البرواز المعلّق على حائطك, و قشرة الموز الذي تلقيها أرضا و لا تلقي لها بال، وما قد يترتب على ذلك من آثار، وهي أمثلة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تفتح سؤالًا أعمق: هل يمكن أن نبني الأشياء الكبيرة إذا لم نتعلم أولًا كيف نحسن التعامل مع أصغر تفاصيلها؟
نحن نميل إلى قياس أفعالنا بحجمها، بينما يلفت القرآن نظرنا إلى دقتها وأثرها: - فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ -
الآية تتحدث عن الجزاء، لكنها تفتح أيضًا سؤالًا عن طبيعة الفعل نفسه, هل ينتهي الفعل بمجرد وقوعه، أم أنه يترك شيئًا من نفسه في الإنسان الذي فعله؟
فالإنسان لا يمرّ بأفعاله مرورًا محايدًا.
الفعل يخرج منه، لكنه في الوقت نفسه يعود إليه بصورة أخرى.
حين نكرر طريقة معينة في العمل، أو في الكلام، أو في التعامل مع الناس، لا نكرر السلوك فقط،بل ندرّب أنفسنا على أن نكون أكثر قابلية له. ما كان في البداية اختيارًا واعيًا يصبح مألوفًا، ثم يصبح أسهل، حتى يستقر في النفس كأنه طبيعتها.
وهنا تحدث النقلة الحقيقية: من الفعل إلى الصفة.
وبذلك لا تكون العادة في الزمن الخطي مجرد تكرار للماضي، بل تصبح قوة تؤثر في المستقبل.
فالإنسان الذي صنعته عاداته لا يبدأ كل يوم من الصفر؛ إنه يدخل يومه محمّلًا بما راكمه بالأمس(البعد التراكمي).
ومن هنا تصبح التفاصيل ذات قيمة تتجاوز حجمها؛ فالتفصيل الصغير قد لا يُرى أثره في لحظته، لكنه قد يدخل في سلسلة من التفاعلات تتسع تدريجيًا، حتى يصبح أثره أكبر بكثير من حجمه الأول. وهذا هو ما يقرّب لنا معنى «تأثير الفراشة»: حركة تبدو ضئيلة في بدايتها، لكنها قد تغيّر مسارًا كاملًا في نهايتها.
كما اننا لو نظرنا إلى قوله تعالى-إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا-
نرى أن الآية تفتح معنى يتجاوز الزمن الخطي وتأخذنا إلى الزمن الدائري : فالماضي لا يُحكم عليه بما كان فقط، والحاضر ليس لحظةً معزولة، بل قد يأتي فعلٌ صغير في الحاضر فيعيد تشكيل أثر الماضي ويفتح للمستقبل نتيجةً مختلفة. وهنا تتجلى قيمة التفاصيل: قد يتغيّر المسار كله من تفصيلٍ يبدو في لحظته ضئيلًا؛ حتى إن السيئة نفسها، بالتوبة والإيمان والعمل الصالح، يمكن أن تدخل في مسار جديد فتُبدَّل حسنات.
وهذا يفسر لماذا يمكن أن يتحول العمل اليومي إلى تربية للنفس، ولماذا يمكن أن تلتقي العادة بالعبادة. فحين يصبح الإتقان أو الصدق أو الأمانة ممارسة مستمرة، لا يعود العمل مجرد وسيلة لإنجاز شيء خارج الإنسان، بل يصبح وسيلة لإعادة تشكيل داخله.
والقرآن نفسه يجمع بين الصغير والكبير في سياق علم الله:
-وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ-
فالذرة والسماء والأرض تظهر هنا داخل أفق واحد, لا شيء صغير إلى درجة أن يفقد معناه، ولا شيء كبير إلى درجة يخرج عن العلم والإحاطة.
ومن هذه الزاوية، يصبح العمل على التفاصيل موقفًا وجوديًا، لا مجرد كمالية في الأداء. أنت لا تضبط التفاصيل لأن التفاصيل مهمة وحدها، بل لأنك تعرف أن ما تفعله بها سيعود إليك في صورة أخرى: في طبعك، وفي نظرتك، وفي قدرتك على الاختيار و في مصائرك.
وهنا ربما تكمن المسألة الأعمق:
نحن نتصور عادةً أن الإنسان هو الذي يصنع أفعاله. وهذا صحيح، لكنه ليس الحقيقة كاملة.
فالإنسان يصنع الفعل، ثم يبدأ الفعل في صناعة الإنسان.
وكل اختيار يترك خلفه قابلية لاختيار آخر؛ وكل تكرار يغيّر المسافة بين الإنسان وبين ما يفعله. ومع مرور الزمن، قد يصل الإنسان إلى مرحلة لا يعود فيها يسأل: «ماذا سأفعل؟» بالقدر نفسه الذي أصبح فيه سؤاله الحقيقي: «من أصبحتُ حتى صار هذا الفعل يصدر مني بهذه السهولة؟»
وربما لهذا كان الميزان الإلهي دقيقًا إلى هذا الحد: لأن الله لا يحاسب فقط على المشهد الكبير الذي يراه الناس، بل يعلم الطريق الخفي الذي صنع ذلك المشهد؛ يعلم الذرة التي سبقت الذرة، والاختيار الذي سبق العادة، والنية التي سبقت الفعل.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال: ماذا فعلتَ في حياتك؟
بل: ماذا جعلتَ من نفسك، فعلًا بعد فعل، حتى أصبحتَ أنت؟

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.