«هل تُنقل المعرفة... أم يُعاد فكّ شفرتها...؟» مقال للدكتورة أسماء الفلاحي

05-10-2026

«هل تُنقل المعرفة... أم يُعاد فكّ شفرتها...؟»  مقال للدكتورة أسماء الفلاحي
أسئلة حائرة تدور في خواطر الكثير منا...منا من يبوح بها ويسأل.. ومنا من يُسرّها في نفسه ولا يُبدها.. حرجًا.. أو خشية أن يكون الخلل فيه وحده...!
لماذا أقرأ في فلسفة التشخيص والتجريد وأشعر أن بعض ما أقرأه لا يستقر...؟
لماذا أفهم الفكرة اليوم.. ثم أعود إليها بعد مدة كأنني لم أفهمها من قبل....؟
لماذا يفتح المصطلح نفسه لشخص معنى واسعًا..بينما لا يتجاوز عندي حدود المعنى الأول الذي تلقيته عنه....؟

وهنالك سؤال أكبر.. لماذا تأتي لحظة ينفتح فيها باب كامل للفهم من عبارة مررنا عليها مرات كثيرة.. بينما يحتاج هذا الفتح عند شخص آخر إلى زمن أطول وتجربة أعمق ومراجعات متكررة..؟

وهل يعني تأخر الفهم أننا لم نحسن القراءة.. أم أن للمعرفة نفسها شروطًا في الظهور لم ننتبه إليها...؟

اليوم اسمحوا لي أن أتكلم بصوتكم.. وأستعين بعد الله بما تفتحه علينا فلسفة التشخيص والتجريد.. وما ينقلنا إليه أستاذنا الجليل د. هاشم نصّار.
فكلما تقدمت في موضوعات هذه الفلسفة وجدت أن الروابط تتسع بين الفطرة.. والوحي.. والتشفير.. والاستحقاق.. والظهور.. حتى بدا لي أن المعرفة نفسها تحتاج إلى قراءة مختلفة.

وربما لا تُنقل المعرفة كما هي.. بقدر ما تجد في كل متلقٍّ طريقًا جديدًا للظهور..

فنحن ننقل الكلام.. وننقل المصطلح.. وننقل الشرح.. وننقل تجربة شخص آخر كما وصلت إلينا.

أما المعرفة نفسها فيبدو فيما ظهر لنا إلى الآن من مستويات الفلسفة أنها ليست بهذه البساطة...!

فقد يسمع شخصان العبارة نفسها.. فيفهم أحدهما منها قدرًا محدودًا.. بينما يحملها الآخر سنوات من غير أن تفتح له شيئًا.. ثم قد تأتي لحظة متأخرة فتلتقي تلك العبارة بخبرة أو سؤال أو تغيّر داخلي.. فتتجلى بمعنى لم يكن حاضرًا من قبل...العبارة لم تتغير.. ولكن الذي تغيّر هو موضعها في المتلقي...!

وهنا يطرح أستاذنا الفاضل د. هاشم نصّار موضوع التشفير بما يسمح بالاقتراب من هذا التعقيد من جهة أعمق.

((فالشفرة ليست الصورة الظاهرة للشيء ولا نتيجته الأخيرة.. وإنما ما يحمل إمكانية ظهوره حين تتهيأ شروطه))..!!

وحين يصل د. هاشم بين (العلم المطلق) و(الفطرة) ويتحدث عن حضوره فيها بصورة مضغوطة ومشفرة.. يصبح من الصعب اختزال الفطرة في مجرد مخزن جاهز لتفاصيل المعارف...!
فالأقرب في فلسفة التشخيص والتجريد أن الفطرة لا تختزن تفاصيل المعارف جاهزة.. وإنما تحمل قابلية أوسع بكثير مما ظهر منها حتى الآن...!
بُنية تستجيب لما يرِد عليها من الخارج.. وتفتح منه بحسب ما بلغته من سعة ومقام واستحقاق...
ولهذا لا يستغني الداخل عن الخارج.. فالكتاب قد يوقظ.. والمعلم قد يوقظ.. والتجربة قد تفتح ما لم تفتحه القراءة وحدها.. وحتى الخطأ قد يكشف أحيانًا ما كان غائبًا عن الانتباه.
((لكن ما يستيقظ في الداخل لا يأتي من فراغ))..!!
فبين ما يراه الإنسان خارج نفسه وما يجد صداه في داخله صِلات لا تظهر كلها دفعة واحدة.. وإنما ((تتكشف بقدر ما تتسع القدرة على استقبالها))..!
وعند هذه النقطة تقترب الفطرة من قانون الظهور أكثر..

((فوجود الإمكان لا يعني أن أوانه قد حان.. وما لم يظهر بعد لا يعني أنه غائب عن البنية))..
فقد يبقى معنى قريبًا من الإنسان سنوات من غير أن يجد فيه موضعًا يتسع له.. ثم تأتي تجربة أو كلمة أو سؤال فتفتح له ما كان يمر عليه من قبل ولا يراه.
((ولهذا نعود أحيانًا إلى نص قديم فنشعر أننا نقرأه للمرة الأولى... النص لم يتغيّر.. لكن شيئًا فينا أصبح أقدر على حمله)).
وعندها يمكن أن يُفهم الاستحقاق بعيدًا عن معناه السطحي.. لا كمنحة تأتي من الخارج وإنما كسعة تكوّنت وأصبحت قادرة على حمل ما لم تكن قادرة عليه من قبل...

ومن هنا نفهم لماذا لا تكفي كثرة القراءة وحدها دائمًا.. فقد نعرف العبارة ونحفظ المصطلح.. ونظل مع ذلك بعيدين عن المعنى الذي يحمله..!
هنا تظهر قيمة المعلم بصورة أدق.. فهو يقدّم العلم ويكشف مسالكه ويقرّب مفاتيحه.. وقد يختصر على المتلقي طريقًا طويلًا أو يعيد ترتيب سؤال أو يلفت انتباهه إلى علاقة كانت أمامه ولم يرها..
أما الفهم فلا يُسلَّم جاهزًا.. ولا يستطيع أحد أن يقوم به نيابة عن أحد...!
ويكتسب هنا وصف المعرفة في فلسفة التشخيص والتجريد بأنها (تفاعلية وتشاركية وتكاملية وتصاعدية وسُلَّمية) معنى أعمق.
فالتفاعل ليس مجرد أن يضيف كل شخص رأيًا إلى ما سبقه.. فقد يمر المعنى بوعي جديد فتظهر منه علاقة لم تكن ظاهرة في القراءة السابقة..ليس لأن المتلقي أنشأ حقيقة جديدة أو تجاوز صاحب الفكرة بالضرورة.. وإنما ((لأن المعنى التقى بسعة أخرى وتجربة أخرى ومقام آخر من القراءة))..

وهنا تصبح المسألة أدق..
فـ((الذي ينفتح للمتلقي قد يكون من أصل الفكرة نفسها.. لكن الذي ظهر له منها مرتبط أيضًا بموضعه منها وبما يحمله من خبرة وبقدر ما أصبح قادرًا على كشفه واستقباله)).
ولهذا قد يتعدد الفهم من غير أن تتعدد الحقيقة نفسها.
وهنا تصبح الأمانة أكثر دقة..
فالمطلوب ليس أن نجمّد ما وصل إلينا حتى لا يتغير.. ولا أن نتركه يتحرك حتى تضيع نسبته.. وإنما أن ((نبقي الحدود واضحة بين ما قاله صاحب الفكرة وما فهمناه من كلامه، وما ربطناه بغيره وما فتحه لنا استشرافًا من غير أن يكون قد قاله)).

[[فكلما اتسعت مساحة الفهم ازدادت حاجتنا إلى هذا التمييز..]]
لأن الخلط يبدأ حين يُنسب إلى صاحب الفكرة ما لم يقله.. أو حين يُنسى الطريق الذي أوصلنا إليه ويُتعامل مع ما وصلنا إليه كأنه بدأ من عندنا.
ولهذا يكتسب تأكيد د. هاشم على إنصاف العلماء وأصحاب المعرفة معنى يتجاوز التوثيق..
فـ((نسبة الفكرة إلى صاحبها ليست مجرد إجراء أكاديمي.. وإنما حفظ للطريق الذي عبرت منه إلينا)).
وربما يقترب هذا الإنصاف من الاستحقاق نفسه.. فالذي لا يُحسن حمل فضل من سبقه.. قد لا يكون قد تهيأ بعد لحمل ما هو أبعد..!
ومن هذا الباب يقترب معنى التقمص المعرفي الذي يطرحه د. هاشم.
فحين يتحدث عن "لبس قميص" عالم أو مفكر.. لا يقصد أن يذوب الإنسان فيه أو يتخلى عن موضعه وإنما (( أن يقترب من المسألة كما رآها صاحبها.. وأن يدخل منطقه بما يكفي لفهمه قبل أن يحكم عليه)).
وهذا يختلف عن التماهي الذي تضيع معه المسافة.
فالتقمص يسمح للقارئ أن يقترب من الآخر حتى يفهمه.. ثم يعود إلى موضعه محتفظًا بالقدرة على التمييز بين ما للآخر وما له.
((فالبقاء خارجه تمامًا قد يحجب عنا شيئًا من منطقه.. والذوبان فيه قد يحجب عنا الحدود بين صوته وصوتنا)).
ومع حضور عالم الأمر وعالم الخلق في فلسفة التشخيص والتجريد.. ومع ربط د. هاشم بين (التنزيل) و(فك التشفير) وبين (الفطرة) و(العلم المشفّر).. تبدو المعرفة أبعد من أن تكون مضمونًا ينتقل من شخص إلى آخر.
فالذي يعبر بين الناس يمكن نقله فعلًا.. كلمة.. مصطلح.. شرح.. تجربة.. أو طريق سبق أن سلكه آخر..
أما المعرفة نفسها فلا تبدو شيئًا يُسلَّم مكتملًا....
وإذا مددنا هذا الخيط إلى العلاقة بين عالم الأمر وعالم الخلق، من غير أن ننسب هذا الربط إلى د. هاشم ما لم يصرّح به أمكن أن نقترب من احتمال أعمق فما لم يتعيّن بعد لا يظهر في عالم الخلق إلا حين يأخذ الصورة التي تناسب مقام ظهوره.. وقد تكون المعرفة أيضًا محتاجة إلى عبور من هذا النوع يصل منها ما يدل عليها ويفتح طريقها.. ثم يبدأ في المتلقي فعل آخر.. تُفك فيه الشفرة بقدر ما تهيأت فيه شروط الكشف..!
وبهذا قد نكون أمام مستويين مختلفين اعتدنا أن نجمعهما تحت اسم واحد
(نقلٌ لما يدل على المعرفة)..
و(انكشافٌ للمعرفة نفسها)..
وهذا الفارق يفسر لماذا يمكن للكلمات أن تصل كاملة ولا يصل معناها بعد.. ولماذا قد تبقى العبارة معنا زمنًا طويلًا ثم تنفتح فجأة من الداخل...
وعند هذا الحد يتضح الفرق الذي ظل خفيًا وراء عبارة "نقل المعرفة"...
فـ((نحن ننقل ما أمكن نقله من آثار المعرفة ومفاتيحها.. أما المعرفة نفسها فقد لا تُنقل بقدر ما يُعاد فكّ شفرتها....)).

التعليقات:

ناصر عوض: ما أعمق الفكرة وأجمل هذا الكشف؛ فربما المعرفة لا تتأخر عنّا، وإنما نحن نتأخر عن الموضع الذي يسمح لها أن تنكشف فينا.
نحن ننقل الكلمات والمفاتيح، أما المعنى فيُفكّ شفرته بقدر ما نتهيأ له.
بارك الله في الدكتورة أسماء، وفي أستاذنا د. هاشم، وجعلنا الله ممن يزدادون علمًا وبصيرةً وتواضعًا، ويفتح لهم من أبواب الفهم ما يقربهم من الحق والنور.
2026-10-05 17:10:54
Salhi hayet: أسماء الغالية نصّكِ جعل أشياء كثيرة نفهمها بصمت تجد كلماتها أخيرًا شكرًا لهذا العمق الجميل الذي وصل إلى القلب ❤️
2026-10-05 16:33:52