غيابت الجب
حوار مع الدكتور هاشم
أنا: دكتور… بقيت عالقة عند كلمة واحدة:
﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾.
لا أعرف لماذا أخذتني ﴿غَيَابَتِ﴾ أكثر من الجب.
الدكتور هاشم: ماذا رأيتِ فيها؟
أنا: الجب مكان، ويمكن للعين أن تتخيله: عمق، جدران، قاع. أما الغيابت فبدت لي شيئًا آخر؛ يوسف موجود، لكن صورته خرجت من مجال الرؤية.
كأن الغياب هنا ليس في يوسف، بل في العلاقة بين يوسف ومن لم يعد قادرًا على رؤيته.
الدكتور هاشم: أنتِ تنظرين إلى الغيابت من خارج الجب.
أنا: من جهة إخوته؟
الدكتور هاشم: نعم. هم غُيّب عنهم يوسف. لكن ماذا حدث ليوسف نفسه حين صار في الغيابت؟
أنا: انقطع عنهم.
الدكتور هاشم: بل انقطع قسرًا عن الخارج كله تقريبًا. في قاع الجب، ماذا بقي من التشخيص؟ مجال البصر ضاق، والسمع محدود، والحركة محصورة، والحواس لا تعمل إلا في أدنى حدودها.
يوسف دُفع من الخارج إلى الداخل.
أنا: إذن… ﴿غَيَابَتِ﴾ لا تصف فقط اختفاءه عن أعينهم، بل تصف أيضًا انحسار العالم المشخَّص عنه؟
الدكتور هاشم: هنا تبدأ الكلمة تفتح معناها.
غيابت… تغييب عن التشخيص ليتجلى التجريد.
أنا: انتظر يا دكتور…
إذا قرأتها هكذا، فالجملة التي بعدها تصبح مختلفة تمامًا:
﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾.
كأن الآية لا تترك فراغًا بين انحسار التشخيص وفتح جهة أخرى من التلقي.
الدكتور هاشم: بالضبط.
أنا: وهذا يعيدني إلى التاء المفتوحة في ﴿غَيَابَتِ﴾.
كنت أقرأ فيها دلالة التوليد؛ لم أشعر أن الغيابت إغلاق، بل طور يحمل في كمونه حركة ستظهر لاحقًا.
لكنني الآن أراها بصورة أدق: ما تحمله الغيابت يبدأ ظهوره أولًا في مستوى لا تملكه الحواس.
الدكتور هاشم: ولهذا لا تتوقفي عند ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾. اقرئي ما بعدها.
أنا:
﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
الدكتور هاشم: ما النبأ؟
أنا: خبر؟
الدكتور هاشم: أبعد.
النبأ يتعلق بالغيب.
أنا: إذن ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ تحمل بشارة أكبر من مجرد الخروج من الجب.
الدكتور هاشم: بل بشارة نبوة تأتيه وهو أحوج ما يكون إليها. هم ألقوه في الغيابت، وفي الغيابت نفسها جاءه الوحي يخبره بمقام سيبلغه.
أنا: هنا ينقلب المشهد كله…
هم عند الجب يظنون أنهم أنهوا حضور يوسف، وفي غيابته يُخاطَب هو بما يحمله مساره.
والآن أصبحت ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ عندي أخطر.
الدكتور هاشم: لماذا؟
أنا: لأنهم ليسوا جاهلين بما فعلوا. هم يعرفون أنهم ألقوه.
الذي لا يشعرون به هو ما يجري وراء حدود فعلهم.
يرون التشخيص الذي صنعوه: يوسف في الجب.
لكنهم لا يشعرون بما فُتح له في التجريد:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾.
الدكتور هاشم: تابعي النبأ في السورة.
أنا: تقصد أن ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ لا تنتهي هنا؟
الدكتور هاشم: يوسف أنبأهم بمستويين.
هنا مستوى تجريدي عبر الوحي، وهم لا يشعرون.
ثم سيأتي مستوى تشخيصي.
أنا: وأين يتعين؟
الدكتور هاشم:
﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾.
أنا: لحظة…
إذن ما جاء في الجب نبأً عبر الوحي، يعبر المسار حتى يأخذ صورة يسمعونها في عالم التشخيص:
﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾.
لكن… لماذا السرقة تحديدًا؟
الدكتور هاشم: ألم يسرقوا من يوسف؟
أنا: السقاية وُجدت في رحل أخيه، لا في رحلهم.
الدكتور هاشم: أنا لا أتحدث عن السقاية.
لقد سرقوا من يوسف سني عمره، وعشرته مع أبيه، وعيشه في كنفه.
أنا: إذن عليّ أن أعود إلى البداية:
﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾.
أخذوا يوسف من أبيه ليخلو لهم وجهه.
وكأن السرقة سبقت السقاية بزمن طويل، ثم جاء آخر المسار بصورة تعيد الكلمة إلى أصلها الأول.
الدكتور هاشم: والآن اقرئي ما قاله يوسف بعد أن رأى المسار كاملًا.
أنا:
﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
الدكتور هاشم: هنا المفتاح.
ما أرادوا أن يسرقوه منه سُرق منهم، وما كان تغييبًا له عن أبيه كان تقريبًا له من ربه، وما كان تقليلًا من شأنه أصبح رفعًا له، وما كان باطلًا أصبح حقًا.
أنا: الآن فهمت لماذا بقيت عبارتك معي:
«كمون لطف الله في مسارات حياتنا حتى وإن لم ندرك ذلك».
فاللطف لم يكن ينتظر يوسف في آخر الطريق؛ كان كامنًا في صلات الطريق منذ ﴿غَيَابَتِ﴾.
الدكتور هاشم: وكيف ترين التاء الآن؟
أنا: أراها أعمق.
كنت أقول إن التاء المفتوحة تحمل عندي دلالة التوليد.
والآن أرى التوليد حركةً لما يحمله المسار في كمونه من مستوى إلى آخر.
في الجب انحسر التشخيص، فانفتح التجريد.
وفي التجريد جاء:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾.
وفي الوحي جاء النبأ:
﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾.
ثم عبر النبأ الزمن حتى أخذ صورته في التشخيص.
الدكتور هاشم: واللطف؟
أنا: كان أسبق من قدرتهم على الشعور به.
وهنا، يا دكتور، أفهم أيضًا شيئًا عن فضل هذه الفلسفة علينا.
الدكتور هاشم: ما هو؟
أنا: أنها لم تعلّمنا أن نضع المصطلحات فوق القرآن، بل أن ندقق.
أن كلمة مثل ﴿غَيَابَتِ﴾ لا نعبرها سريعًا، وأن ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ قد تفتح لنا ما بعدها، وأن ﴿لَسَارِقُونَ﴾ قد تعيدنا إلى ما قبلها.
وأظن أن هذا هو فضل المعلّم الأعمق أيضًا:
ألا يعطينا ما نراه…
بل أن يدرّب فينا العين التي تعرف أين تتوقف.
الدكتور هاشم: والآن، ما غيابت الجب عندك؟
أنا: لم تعد حفرة غاب فيها يوسف.
أراها حدًّا دقيقًا انحسر عنده التشخيص حتى اتسع التجريد.
حين ظنوا أن يوسف صار أبعد ما يكون، جاء:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾.
وحين ظنوا أن ما فعلوه قد حسم مساره، جاء:
﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾.
وما لم يكونوا يشعرون به في الغيابت، احتاج المسار كله حتى يُقرأ باسمه:
﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾.
الدكتور هاشم: الآن وصلتِ.
أنا: لا يا دكتور…
الآن فقط عرفتُ من أين أبدأ.
التعليقات:
وفي الخاتمة بقي معي معنى لطف الله طويلًا ذلك اللطف الذي قد يكون حاضرًا في قلب ما نظنه انقطاعًا قبل أن نملك القدرة على فهمه...! سلمت يداك وبورك نورك🙏🌷
2026-10-05 19:51:04