«المصطلح بين أمانة الأصل ومساحة الفهم» مقال للدكتور أسماء الفلاحي

03-10-2026

«المصطلح بين أمانة الأصل ومساحة الفهم» مقال للدكتور أسماء الفلاحي

في تعاملنا كطلاب مع فلسفة لها لغتها ومصطلحاتها نجد أنفسنا أمام مساحة شديدة الدقة والحساسية.. فنحن لا نتعامل مع ألفاظ منفصلة وإنما مع مفردات اكتسبت دلالتها من مواقعها وصلاتها داخل المنهج..

واللغة هنا قد تحفظ الفكرة كما قد تحركها عن موضعها من حيث لا نشعر.. لذلك كلما اتسعت مساحة الطالب في القراءة والكتابة وتطوير الفهم ازدادت حاجته إلى معرفة البنية التي يتحرك داخلها.. حتى تبقى قراءته وكتابته امتدادًا واعيًا للمعرفة من غير أن تختلط بأصلها..

وفلسفة التشخيص والتجريد تكشف هذه الحساسية بوضوح.. فمصطلحاتها لا تُفهم منفردة عن البناء الذي تعمل فيه.. ولا يكفي قرب لفظ من آخر حتى يقوم مقامه ما لم يؤد الوظيفة نفسها ويحفظ الصلات التي يحملها المصطلح في موضعه..

وتزداد هذه المساحة حساسية حين ينتقل الطالب من التلقي إلى إعادة صياغة ما فهمه..

فالمعنى في وعي صاحبه لا يكون جملة فقط وإنما تجربة وسياقًا وروابط لم تأخذ كلها صورة لغوية بعد.. وعندما يُصاغ في اللغة يأخذ صورة يمكن أن تنتقل إلى غيره.. ثم تدخل هذه الصياغة وعيًا آخر فتلتقي بما لديه من معرفة وتجربة وأدوات..

لذلك لا يكون التلقي محايدًا تمامًا.. فقد يتغير المثال أو ترتيب الشرح أو زاوية العرض من غير أن تضيع الفكرة.. وقد تبقى العبارة نفسها ويختل معناها حين تُنقل إلى سياق لا تنتمي إليه..

ومن هنا تصبح الأمانة أكثر تطلبًا من مجرد حفظ المصطلحات.. فهي تحتاج إلى التمييز بين ما ينتمي إلى المنهج وما استقر في فهم الطالب وما بدأ يتولد من هذا الفهم..

ولا يعني ذلك أن جميع المصطلحات تحتمل الدرجة نفسها من الحركة.. فبعضها مختار بدقة من داخل المنهج حتى إن تغييره بلفظ قريب قد يغيّر جهة المعنى أو يقطع صلة من صلاته.. وحينها تتسع مساحة الطالب في الفهم والشرح أكثر مما تتسع في تبديل المصطلح نفسه..

ومع الوقت قد لا يبقى الطالب ناقلًا فقط.. فما يتلقاه يمر عبر فهمه وما يكتبه قد يتجاوز حدود ما تلقاه حرفيًا..

وهنا تظهر أهمية النسبة..
فالخلل لا يكون في أن يتولد لدينا فهم أو امتداد جديد.. وإنما في أن نقدمه كجزء من الأصل أو ننسب إلى صاحب الفكر ما نشأ في قراءتنا نحن..

وقد يأتي هذا الخلط من زيادة في الفهم لا من نقصه فقط.. حين نرى في الفكرة إمكانًا جديدًا ثم نعيده إليها بدل أن نحمله كقراءة خرجت من تفاعلنا معها..

فالقراءة تحمل أثر القارئ معها.. وما يتولد منها يستطيع أن يحمل قيمته من غير أن يحتاج إلى العودة باسم الأصل..

ومن هذه النقطة يصبح انتقال الفكرة بين القراءات مساحة إنتاج أيضًا.. فقد يكشف الشرح جهة لم ننتبه إليها.. وقد تفتح مداخلة أو اعتراض علاقة جديدة.. وقد يعيد فهم لاحق وصل ما افترق في قراءة سابقة..

وهنا تقترب منا دلالة أن تكون المعرفة تفاعلية تشاركية تكاملية تصاعدية سلّمية.. فالفكرة تواصل حركتها بين أكثر من وعي من غير أن يعني ذلك ذوبان أصلها في كل ما يتولد حولها..

وهكذا تعود اللغة إلى صميم المسألة من جهة أخرى..
فالكلمة التي نختارها قد توسّع جهة في المعنى أو تضيّقها.. والمثال الذي يقرّب فكرة قد يربطها بصورة أضيق منها.. وحتى الاختصار الذي يبدو أمينًا قد يكون أكثر حساسية مما نظن.. لأنه قد يُبقي العبارة ويُسقط علاقة كانت جزءًا من بنائها..

وعليه تصبح اللغة جزءًا من حركة التشخيص والتجريد.. ففيها يأخذ المعنى صورة يمكن أن تنتقل من وعي إلى آخر من غير أن تختصره تلك الصورة كله..

وربما تنضج علاقتنا بالمصطلح حين نألف هذه الموازنة..

فنحن كطلاب مؤتمنون على المصطلح بقدر ما نحن مسؤولون عن فهمه.. ننتبه إلى موقعه وصلاته ونحفظ نسبته داخل البناء.. ثم نمنح قراءتنا مساحة للحركة والإضافة من غير أن نحمّله ما لم يقله أو ننسب إليه ما تولّد في وعينا نحن..وعندها يصبح الانتقال من التلقي إلى القراءة ثم إلى الإضافة جزءًا من أمانة المعرفة نفسها.. إذ يبقى واضحًا في وعينا ما الذي جاءنا في الأصل وما الذي نشأ خلال قراءتنا له.

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.