في ضوء بث البارحة، حاولت أن أجمع بعض الخيوط التي فتحها الدكتور هاشم، وأتركها تقودني قليلا أبعد مما استقر في ذهني لحظة الاستماع.
وكان أول ما عدت إليه الاية
﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾.
حين وُضع الأول والظاهر في جهة الفتق والتشخيص، والآخر والباطن في جهة الرتق والتجريد، لم تعد هذه الأسماء أمامي مجرد تقابلات بين بداية ونهاية أو ظهور وخفاء، وإنما بدت كأنها ترسم اتجاهين لحركة التكوين نفسها: اتجاها يزداد فيه (الوجود) تعيّنا حتى يبلغ التمظهر، واتجاها عكسيا تتراجع فيه الكثافة والحدود نحو التجريد والصمدية.
ومن هنا عدت إلى قوله تعالى: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾، واستوقفني أن الفتق، داخل هذا البناء، لا يفتح المسافة فحسب، بل يفتح إمكان التعيّن؛ فالشيء لا يصبح مشخَّصا إلا حين تكون له حدود تميزه، وكل حد ينشئ نسبة وعلاقة ومرتبة، حتى يدخل الموجود في شبكة القوانين والوسائط التي تحكم ظهوره في مرتبته.
لذلك بدا لي أن الهندسة الأمامية لا تدفع الموجودات نحو الظهور فقط، بل نحو مزيد من التحديد؛ فكلما ازداد التعيّن ازدادت قابلية الموجود للتشخيص، ومن هنا تلتقي في الجهة نفسها، دون أن تكون مترادفة، حركات الفتق والفطر والفلق والذرء والبث والنشر؛ ألفاظ تختلف في دلالاتها، لكنها تجعلنا أمام حركة يتسع فيها التكوين ويتمايز ويتكثر.
وهنا أثارت الفيزياء الحديثة عندي سؤالا قريبا من جهة أخرى. فنظرية الحقول الكمومية لا تجعل الصورة المألوفة للجسيم المنفرد المستوى الوحيد لوصف الواقع، بل تصف الجسيمات بوصفها إثارات لحقول كمومية، كما أن الانتقال من الوصف الكمومي إلى العالم الكلاسيكي يكشف أن الاستقرار والتعيّن اللذين نراهما في الأجسام الكبيرة لا يمكن نقلهما ببساطة إلى جميع مستويات الواقع.
>>لا أبحث هنا عن مطابقة بين الحقل والباطن أو بين الجسيم والظاهر، وإنما عن الإشارة التي يفتحها اختلاف مستويات الوصف: الأكثر تشخصا ليس بالضرورة الأعمق. فما يظهر في مرتبة ما بوصفه جسما محدد الحدود والخصائص قد يحتاج، في مرتبة أعمق، إلى لغة مختلفة لوصفه.
وهنا ازداد معنى ما طرحه الدكتور عن الكثافة وضوحا بالنسبة إليّ؛ فالتشخيص يصبح اتجاها تتراكم فيه الحدود والخصائص والعلاقات كلما تحرك التكوين نحو التمظهر، حتى يبلغ الموجود مرتبة تدخل فيها صورته ضمن قوانينها ووسائطها. وعندها تصبح «مصفوفة الأرباب» ملازمة لعالم التشخيص؛ لأن ما دخل الحد دخل القانون، وما تعيّن في مرتبة دخل في شروطها.
لكن الآية لم تقل الأول والظاهر وحدهما، بل قالت أيضًا: ﴿وَالْآخِرُ وَالْبَاطِنُ﴾. وهنا تنفتح الهندسة العكسية، لا باعتبارها محوًا لما ظهر، وإنما حركة رتق وتجريد تتراجع فيها الكثافة كلما تراجعت الحدود التي صنعت التشخص.
وعند هذه النقطة بدت لي صورة الطي شديدة الأهمية:
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾.
فالقرآن لا يقول هنا إن الامتداد يُمحى، بل إنه يُطوى، ولا يجعل المآل قطيعة مع البدء، وإنما يصله به: ﴿كَمَا بَدَأْنَا... نُعِيدُهُ﴾. والأدق أن القرآن لم يقل في هذا الموضع: «نرتقه»، وإنما قال: ﴿نُعِيدُهُ﴾.
وهذا التفصيل جعلني أتريث أمام التناظر السهل بين الفتق والرتق؛ فقد يكون المسار الذي تفتحه الآيات أوسع من مجرد حركة في اتجاه ثم انعكاسها: رتق، ثم فتق وتمظهر، ثم طي وإعادة. وعندها لا تكون الإعادة مجرد رجوع ميكانيكي إلى الحالة الأولى، بل حركة تتراجع فيها الحدود التي صنعت الامتداد والتشخيص، من الكثافة نحو اللطافة، ومن التفرق نحو الاجتماع، ومن التعيّن نحو التجريد.
ومن هنا تأخذ الصمدية موقعها داخل الهندسة العكسية بصورة أعمق؛ فالعودة إليها لا يمكن أن تعني جمع الكثرة في «واحد» عددي، لأن الواحد العددي نفسه ينتمي إلى نظام يسمح بالاثنين والثلاثة والكثير، بينما تفتح ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، في هذا الأفق الفلسفي، على ما لا يقوم على التجزؤ والحدود والوسائط. وبذلك يصبح الرتق في مداه الأبعد تراجعًا عن شروط التكثر ذاتها، لا مجرد ضم أجزاء كانت متفرقة.
ثم استوقفتني الآية التالية مباشرة لرباعية الحديد:
﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾.
بعد الأول والآخر والظاهر والباطن تأتي حركة كاملة: يلج ويخرج، ينزل ويعرج. وكأننا لا نقف أمام جهات ساكنة، وإنما أمام حركة تجري داخل إحاطة واحدة، تتبدل فيها المراتب والاتجاهات دون أن يكون شيء منها خارج العلم.
وهنا عدت مرة أخرى إلى الآية الأولى، ولكن هذه المرة إلى نهايتها التي كنت قد مررت عليها سريعًا:
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
ربما هنا يتغير موضع النظر كله؛ لأن «الشيء» يمكن أن يدخل الفتق فيتعين، ويبلغ الظهور فيتكثف، ثم يدخل الطي والإعادة فتتراجع حدوده ومراتبه، لكن تغير الصورة لا يعني تغير الإحاطة بها.
وعندها يصبح للتشخيص والتجريد معنى آخر: نحن نحتاج إلى التشخيص لندرك الشيء في تعيّنه، ونحتاج إلى التجريد لنتجاوز خصوصية الصورة إلى ما هو أوسع منها، أما العلم الذي ختمت به الآية فلا يحتاج إلى أن ينتقل من الظاهر إلى الباطن حتى يعلم، ولا أن ينتظر الآخر بعد الأول حتى يحيط:
﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.