الهندسة العكسية للكون: من تجليات الفتق والتشخيص إلى أبعاد الرتق والتجريد / مقال للاستاذة ثناء سليمان

30-09-2026

الهندسة العكسية للكون: من تجليات الفتق والتشخيص إلى أبعاد الرتق والتجريد / مقال للاستاذة ثناء سليمان
في البدء يقوم الوجود في عمقه على مصفوفة محيطة، يختصرها قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} [الحديد: 3]. هذه الأسماء هي محاور "الهندسة الكونية" التي تدير مطلق التكوين بمطلق الأزمان؛ حيث يتجلى الأول والآخر كامتداد للزمان المطلق (الأزل والأبد)، بينما يمثل الظاهر والباطن امتداد المكان والوعي.
عند صدور أمر التكوين الأول (كُن)، تفتق الكون عن الغيب الإلهي، فتزمن كل شيء. ولم يكن الزمان بعداً واحداً، بل تشكلت طبقات زمكانية متراكبة تتطابق مع كل حدّ سماوي وحدود المراتب الوجودية، ليصبح "مكان الأصل" عند الله وعاءً مشحوناً باحتمالات مطلقة، قابلاً لأن يكون مكاناً لأي شيء.

أولاً: *الهندسة الأمامية* (الفتق، التمظهر، ومصفوفة الأرباب)
الهندسة الأمامية هي حركة الوجود الطاردة من المركز إلى المحيط، وهي عملية الفتق والتشخيص الأولى المقابلة لخط (الأول - الظاهر):
قانون التمظهر والبعد عن المركز: كلما ابتعدت المكونات عن "المركز الإلهي"، زاد كثافتها وتشخصها، وأصبحت أكثر تمظهراً في عالم المادة والنشر. هذا البعد والتشخيص هو ما يعبر عنه قوله تعالى: {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} [الشورى: 11]، حيث تتعدد الطبقات الزمكانية في كل طبقة سماوية.

*الدخول في مصفوفة* *الأرباب* : أي شيء يخرج إلى التكوين ويتشخص في عالم الفتق والتمظهر، فإنه يدخل تلقائياً في "مصفوفة الأرباب" (أرباب الأنواع، القوانين الحاكمة، والوسائط الملائكية المدبرة للسموات والأرض)، مبتعداً عن الغيب المحض..

ثانياً: *الهندسة العكسية* (الرتق، التجريد، والصمدية)
في المقابل، يمثل خط (الآخر - الباطن) الهندسة العكسية للكون، وهي حركة الجذب والعودة العروجية من المحيط إلى المركز:
• الهندسة العكسية هي عملية رتق وتجميع، تمثل التراجع عن الكثافة نحو اللطافة، وتفكيك أبعاد الزمان والمكان، يجعل حركة الوعي والوجود في هذا الخط خارقة للحدود الزمكانية المعتادة.
• العودة إلى صمدية الله وأخرويته: الهدف النهائي للهندسة العكسية هو الخروج من مصفوفة الأرباب والوسائط المتمظهرة، والعودة إلى صمَدية الله (حيث لا جوف، لا كثرة، ولا أبعاد) وأخروية الله (حيث الفناء عن التزمن) قوله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [الأنبياء: 104]. "الطي " هنا يمثل الارتداد لطبقات الزمكانية نحو نقطة الأحدية الصمدية.

خلاصة  :
  يظهر الكون كأنه "شهيق وزفير" كوني. الشهيق (الامتداد الأمامي) يبني الطبقات الزمكانية ويوجه الوجود نحو التمظهر والدخول في مصفوفة القوانين والأرباب. بينما الزفير (العودة العكسية) يطوي هذه الطبقات بتجريد فائق، متجاوزاً كل الوسائط المادية والطاقية ليرتمي الوجود والوعي في حضن الصمدية والأخروية الإلهية.

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.