التواتر بين التشخيص والتجريد: حين يكون التحوّل سرَّ الاستمرار / مقال للكاتبة حياة الصالحي

29-09-2026

التواتر بين التشخيص والتجريد: حين يكون التحوّل سرَّ الاستمرار / مقال للكاتبة حياة الصالحي
التواتر… ما يعبر بين الأطوار
قال الدكتور هاشم إن التواتر موجود في كل شيء؛ في العلوم، وفي الثقافات، وفي اللغة، وفي الحضارات… في كل شيء.
استقرت العبارة في ذهني، وتركت خلفها سؤالًا: إذا كانت هذه الأشياء جميعًا لا تبقى على حالها، فماذا يعني أن تتواتر؟
أخذني السؤال إلى:
﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾.
الخطاب واحد، والأطوار متعددة.
ثم إلى:
﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾.
استوقفتني دقة التركيب: <خلقًا آخر>… و<أنشأناه>الآخر حاضر، لكن الاتصال لم ينقطع. كأن التحول لا يقع خارج المسار، بل هو من صميمه.
ومن هنا عدت إلى ما تفرّقنا إليه في حديثنا عن النفس:
﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾،
ثم:
﴿أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾.
توقفت عند اجتماع المستقر والمستودع. لا لأضع لهما تعريفا جاهزا، وإنما لأن وجود أحدهما إلى جوار الآخر يمنعني من الاكتفاء بما استقر وكأنه استنفد المشهد.
وهنا ظهرت لي صلة لم أكن أبحث عنها بفلسفة التشخيص والتجريد.
فالتشخيص قد يكون أعمق من الوقوف عند شخص أو حادثة؛ قد يبدأ حين نأخذ ما تعيّن أمامنا ونمنحه حقَّ تعريف الكل.
أما التجريد، فلا يحتاج إلى إلغاء ما ظهر، بل إلى تحرير المعنى من أن يُختزل في إحدى صور ظهوره.
عندها بدا التواتر مختلفا.
فالعلوم لا تتواتر بتكرار نتائجها، واللغة لا تتواتر بتجميد دلالاتها، والحضارات لا تستمر باستنساخ صورها. هناك اتصال لا يحتاج إلى التطابق.
وهنا انقلب السؤال عندي.
ربما لم يكن الأهم: ما الذي يبقى رغم التحول؟
بل: ماذا لو كان التحول نفسه أحد شروط الاستمرار؟
عندها تصبح الأطوار أكثر من تعاقب، ويصبح ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ أكثر من صورة لاحقة؛ لأن الآخر لم يأتِ ليقطع ما سبقه، بل ظهر من حركة كانت جارية فيه.
وهنا فقط اتسعت عندي عبارة الدكتور هاشم.
فالتواتر، بهذا المعنى، لا يخبرنا فقط أن شيئا وصل من زمن إلى زمن، أو من ثقافة إلى ثقافة، أو من معرفة إلى معرفة؛ بل يكشف مأزق التشخيص نفسه:
نحن نبحث عن الثبات في الصورة، بينما قد يكون سر الاستمرار في القدرة على تجاوزها.
ولعل هذا هو ما يجعل التجريد ضرورة؛ لا ليأخذنا بعيدا عن الصورة، بل ليمنعها من أن تصبح الحد الأخير لما يمكن أن يظهر.
فالخلق أطوار…
وكل طور، مهما استقر، يبقى داخل حركة تتسع لـ:﴿خَلْقًا آخَرَ﴾.

التعليقات:

سعيدة لافي: جميل جدًا… كأن التواتر ليس تكرارًا للصورة، بل استمرارًا للمعنى عبر التحوّل. وهنا يصبح التجريد بابًا لرؤية ما يتجاوز الصورة💫
2026-09-29 20:03:43