شكرًا لمن بنى فينا الوعي، ثم سلّمنا معول الكسر.. لنهدم به كل بناءٍ قد يحجبنا عمّا وراءه قراءة تأملية من وحي مقولة الدكتور هاشم نصار صاحب فلسفة التشخيص والتجريد " إن لم يأتِ أحد ليكسر هذه الفلسفة فسأكسرها بنفسي "/ مقال للكاتبة آمنة ناصر

29-09-2026

شكرًا لمن بنى فينا الوعي، ثم سلّمنا معول الكسر.. لنهدم به كل بناءٍ قد يحجبنا عمّا وراءه قراءة تأملية من وحي مقولة الدكتور هاشم نصار صاحب فلسفة التشخيص والتجريد " إن لم يأتِ أحد ليكسر هذه الفلسفة فسأكسرها بنفسي "/ مقال للكاتبة آمنة ناصر
تُقاس قيمة الأدوات المعرفية، في ابتداء أمرها، بقدرتنا على إعمالها في تفكيك الظواهر وتجريد المعاني.
وقبل أن أمضي في هذا العبور، أعتذر عن طول النص؛ فقد كان من الصعب اختزال رحلةٍ تشكلت عبر سنوات، أو ضغط أسئلةٍ لم تأتِ دفعةً واحدة، وإنما تراكبت وتكشفت طبقةً بعد طبقة. ولعل طول المقال هنا ليس رغبةً في الإطالة، بقدر ما هو وفاءٌ لبعض المسار الذي قادني إلى هذه القراءة؛ فبعض المعاني حين تُختصر كثيرًا تفقد شيئًا من المسافة التي قطعتها حتى انكشفت.
غير أنى اظن ان المعيار الأعمق لاستيعاب فلسفة التشخيص والتجريد لا يقف عند حدود قدرتنا على تطبيقها على الكلمات والأفكار من حولنا؛ بل يبدأ حين تنفذ هي إلى بنية وعينا نحن، فتُعيد تشكيل طريقة الرؤية ذاتها.
فالامتلاك الحقيقي للفكرة ليس أن نحفظها، ولا أن نجعل منها قالبًا مرجعيًا نعود إليه كلما واجهتنا مسألة، وإنما أن تتجاوز الفكرة حدود الذاكرة لتصبح فعلًا جاريًا في الوعي؛ حتى نرى بها قبل أن نتحدث عنها، ونكتشف بها قبل أن نستدعيها، ونتجاوز بها حتى ما ظنناه يومًا نهايةً للمعرفة.
ومن هنا أجدني استقرأ معنآ أعمق في عبارة استاذى الفاضل د. هاشم نصار:
،، إن لم يأتِ أحد ليكسر هذه الفلسفة فسأكسرها بنفسي ،،
لم أفهمها بوصفها إعلانًا عن مرونة منهجية فحسب، بل بوصفها إشارة إلى قانون السريان نفسه؛ فالمعول الحقيقي لا يُرفع على الفلسفة بوصفها بناءً معرفيًا، وإنما يُرفع على السقف الذي قد نصنعه منها حين نحولها من أداة للعبور إلى مقام للإقامة، ومن منهج حي إلى صورة جامدة، ومن طريق إلى نهاية.
فالكسر هنا ليس هدمًا لفلسفة التشخيص والتجريد، بل حماية لها من أن تتحول إلى حجاب.
وهذا الكسر لم يكن عندي يومًا تمرينًا ذهنيًا منفصلًا عن حياتي ، ولا اشتغالًا مجردًا بالأسئلة، بل كان معنىً أخذ يتكشف في مساري منذ البدايات الأولى؛ حين بدأت الأسئلة الماورائية تهبط على النفس، لا لتسأل عن ظاهر الأشياء وصورها، وإنما لتنفذ إلى ما وراء المألوف والشكل: ما وراء خَلق الإنسان والكون؟ وما الغاية الأعمق من وجودهما؟ وما الذي يُراد للإنسان أن يصير إليه من خلال هذا الوجود؟
ثم امتد السؤال إلى القرآن نفسه: هل المصحف، بما يحمله من حروفٍ وآياتٍ وأشكال، هو نهاية التلقي، أم أن وراء هذا الظهور معنىً أوسع، يتجاوز القراءة إلى أن يصبح القرآن فعلًا ممتدًا في الإنسان؛ يعيد ترتيب وعيه، ويهذب إرادته، ويعيد تشكيل نظرته إلى نفسه والوجود وربه؟
ولم تكن هذه الأسئلة، في جوهرها، تبحث عن أجوبة تستقر عندها، بقدر ما كانت تبحث عن وجهةٍ تهديها. كانت تتجذر كلما تقدمت، وتتسع كلما ظننت أنني اقتربت من نهايتها؛ حتى جاءت نقطة التحول الحاسمة في حياتي، قبل نحو ربع قرن، حين أقبلت على الله بصدق التوجه، وأنا يومها لا أعلم أصلًا الفرق الجوهري بين الألوهية والربوبية، ولا أملك من التصورات ما يفسر ما كنت أطلبه. لم أكن أمتلك آنذاك لغةً لهذا الطلب؛ كان كل ما أملكه رغبةً صافيةً في أن أجد الطريق. وكان دعائي، ببساطته الأولى، حرفيًا:
،، يا الله… أريد السير في طريقك، والوصول إليك،،
ولم أكن أعلم يومها أن هذه العبارة البسيطة ستصبح، مع الزمن، أعمق سؤالٍ في حياتي، وأن «الوصول» الذي كنت أتصوره كغايةٍ يمكن بلوغها، سيتحول شيئًا فشيئًا إلى معنى آخر: أن يتغير السائر نفسه في الطريق، حتى يصبح السير هو فعل التحول، وتصبح كل محطةٍ لا نهايةً، بل كشفًا لما وراءها.
ومنذ ذلك الحين، أخذت أرى أن السيرورة الإلهية لا تمنح الإنسان جوابًا نهائيًا يغلق السؤال، بقدر ما تنقله من سؤالٍ إلى أعمق، ومن إدراكٍ إلى ما وراءه، ومن صورةٍ إلى حقيقتها، ومن حقيقةٍ أدركها إلى حقيقةٍ لم يتسع لها وعيه بعد. فهي لا تملأ الوعي بالمعلومات بقدر ما تعيد تشكيل الوعي الذي يستقبلها؛ تنقي النظر، وتهذب الإرادة، وتكشف مواضع التعلق، وتعيد ترتيب علاقة الإنسان بنفسه وبالكون وبالله.
ولهذا، كلما اتسع الوعي، لم تتكاثر الإجابات بقدر ما اتسعت قابلية الإنسان للرؤية؛ وكلما ظننا أننا بلغنا محطة، انكشفت المحطة نفسها كعتبةٍ إلى ما بعدها. وكأن الطريق، في أعمق معانيه، لا يقود الإنسان إلى نقطةٍ ينتهي عندها السير، بل ينتزع منه وهم الوصول، ليبقيه في حركةٍ دائمة من التشخيص إلى التجريد، ومن التجريد إلى الوعي، ومن الوعي إلى مزيدٍ من العبودية لله.
وهنا ربما بدأ يتكشف لي المعنى الأعمق لذلك الدعاء القديم: لم أكن، في الحقيقة، أطلب أن أصل إلى «مكان»، بقدر ما كنت أطلب أن أُصاغ في الطريق الذي يُراد لي أن أمشيه إلى الله.
حتى وصلت بي الرحلة إلى فلسفة التشخيص والتجريد.
وهنا ظهرت لي دلالة شديدة العمق: أن المعارف قد تأتي من مدارس ومسارات تبدو متباعدة في ظاهرها، ثم ينتظم بعضها مع بعض في مسار معرفي صاعد؛ لا ليؤسس لنا بناءً نهائيًا، وإنما ليعلّمنا كيف نكسر المحطة حين تتحول إلى سقف، ونفتح الأفق حين يصبح البناء قيدًا.
فليس المطلوب أن نجمع المحطات، بل أن نعي قانون العبور بينها.
وعند هذه المرتبة يبدأ المنهج في الانتقال من كونه شيئًا نمارسه إلى كونه شيئًا يجري فينا.
يصبح التشخيص تلقائيًا: حساسيةً فورية تجاه الجمود قبل أن يتصلب، وقدرةً على تمييز المعرفة الحية التي ما زالت تتحرك، من الصورة التي بدأت تتكلس حتى تكاد تتحول إلى جدار أو صنم فكري داخل النفس.
ويصبح التجريد تلقائيًا: قدرةً على خلع الثياب اللفظية والشكلية عن المعنى، والعبور من الصورة إلى ما وراءها، ومن المرحلة إلى ما تفتح عليه، دون أن تلتصق الذات بالبناء المعرفي الذي وصلت إليه، ودون أن تذوب فيه.
وهنا لا يعود التشخيص و التجريد عمليةً نخصص لها وقتًا ثم نعود بعدها إلى حياتنا؛ بل يتحول إلى حالة وعي. حالة من السيولة الداخلية التي تسمح للإنسان بأن يتجاوز ما صنعه بنفسه، وأن ينزع الحصانة عن المألوف، وأن يراجع حتى الأدوات التي أعانته على المراجعة.
وعندها لا نحتاج إلى أن نستدعي المنهج كل مرة كي نحاكم به الأشياء؛ لأنه يكون قد أصبح الشاشة التي نرى من خلالها، والنور الذي نكتشف به المسافة بيننا وبين ما تعلمناه.
وهنا، في ظني، يلتقي معنى التشخيص والتجريد مع معنى السعي.
فكل ما نكابده من تشخيص وتجريد، وكل محطة نعبرها، وكل معول نرفعه لكسر سقفٍ صنعناه، ليس ادخارًا لصورة جديدة، ولا بحثًا عن بناء معرفي نستقر فيه، وإنما هو حركة تطهير وعبور؛ استجابة لقانون السعي الذي يضعه القرآن أمام الإنسان:
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ۝ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ۝ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ ۝ وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ﴾
وهنا تتغير دلالة السعي.
فالسعي ليس أن نصل إلى صورة أخيرة للمعرفة، ولا أن نحرس ما بلغناه من فهم؛ بل أن نبقى في حركة العبور ما دام فينا ما يحتاج إلى التجريد.
لأن «إلى ربك المنتهى» تعني، في أعمق ما تفتحه في الوعي، أن كل ما نصل إليه في الطريق ليس هو المنتهى.
كل صورة معرفية هي معبر.
كل مفهوم هو أداة.
كل مرحلة هي محطة.
وكل أفق نبلغه يمكن أن يكون بدايةً لأفق أوسع.
ولهذا فإن أعظم تجريد قد لا يكون أن نتجرد من صورةٍ إلى صورة، وإنما أن نتجرد من وهم امتلاك النهاية.
وهنا يكتمل معنى الرجوع.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
فالرجوع ليس حركةً تأتي بعد الوصول، وكأن الإنسان يبلغ غايته ثم يبدأ رحلة العودة؛ بل لعل الرجوع هو عين السعي.
رجوعٌ من الصورة إلى أصلها،
ومن الظاهر إلى ما يكشفه،
ومن السبب إلى مسببه،
ومن المعرفة التي ظننا أننا امتلكناها إلى الحقيقة التي ندرك، في كل تجريد جديد، أننا لم نملكها قط.
فنحن منه، وإليه؛ وبين «منه» و«إليه» تتحرك رحلة الإنسان كلها: تشخيصًا ثم تجريدًا، قبضًا ثم انخلاعًا، معرفةً ثم تجاوزًا للمعرفة، وصولًا ثم كسرًا لوهم الوصول.
ومن هنا يصبح كسر الفلسفة هو أعمق نجاح لها.
أن تنجح الفلسفة في تربيتنا إلى الحد الذي يصبح فيه تجاوزها جزءًا من وعيها.
أن نصل إلى اللحظة التي لا نحتاج فيها إلى أن نتذكر فلسفة التشخيص والتجريد كي نمارسها؛ لأنها تكون قد انتقلت من فكرة في وعينا إلى وعيٍ يعيش بنا.
وعندها فقط يصبح التجريد حياة:
أن أكون لله،
وأن أمضي إليه،
وأن أظل في السعي حيًّا بما يكفي لأعبر كل ما ظننته نهاية.
فربما لا يكون المنتهى محطةً نقف عندها، بقدر ما هو وجهةٌ تُصحح اتجاهنا في كل محطة.
ولعل جوهر فلسفة التشخيص والتجريد، في نهايتها الأبعد، ليس أن تمنحنا طريقةً أفضل لفهم الأشياء، وإنما أن تربّي وعينا حتى لا نستقر في شيءٍ يحجبنا عن الحق.
أن تعلّمنا كيف نستخدم الصورة دون أن نُستعبد لها، ونستفيد من المنهج دون أن نؤلّهه، ونطلب المعرفة دون أن نجعل منها حجابًا، ونسير في الطريق دون أن نخلط بين الطريق والمنتهى.
وعندها يصبح قوله تعالى:
﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ﴾
ليس خاتمةً للرحلة ، بل معيارًا لكل الرحلة.
فكل ما يقربنا من الله يُؤخذ منه بقدر ما يفتح، وكل ما يتحول بيننا وبينه إلى صورةٍ مغلقةٍ يحتاج إلى تجريد.
وهكذا لا يكون السعي حفظًا لما وصلنا إليه، بل استعدادًا دائمًا لتركه حين يحين وقت العبور.
ولا يكون الرجوع نهاية الطريق، بل حقيقة الطريق.
نحن منه، وإليه.
نسعى، فنُرى.
نعرف، فنتجاوز.
نبني، ثم نكسر ما بنيناه حين يصبح البناء حجابًا.
حتى لا يبقى من السعي إلا صدقه،
ولا من الصور إلا ما دلّ على ما وراءها،
ولا من الطريق إلا وجهته:
أن نكون لله، وأن نرجع إليه.
وفي ختام هذا العبور، يبقى الشكر أعمق من أن يكون امتنانًا للكلمات؛ فهو امتنانٌ لما تفتحه الكلمات من أفق، ولما تتركه في الوعي من أثرٍ لا يُغلق على نفسه.
كل الشكر لأستاذي الدكتور هاشم نصار، على هذا البحر الذي لا يهبنا شاطئًا نقيم فيه، بل يعلّمنا كيف نعبر، وكيف نكسر حتى المراكب التي أوصلتنا.
وشكرًا لحبيبتي أسماء، على ذلك النص الملهم؛ نصٍّ لم يضف إلى ما أعرفه فحسب، بل أزاح شيئًا من حجاب ما كنت أظنه معرفة.
ولعل أجمل ما تهبه لنا فلسفة التشخيص والتجريد، أن تقودنا، في لحظةٍ ما، إلى ما هو أبعد منها؛ حيث لا تبقى الفكرة فكرة، ولا الطريق طريقًا، ولا الوصول وصولًا… بل يبقى السعي نفسه فعلًا من أفعال الرجوع.
فشكرًا لكل فرد في هذه المجموعة (مجموعة الأبعاد السبعة )ولكل كلمةٍ كانت معبرًا، ولكل معنىً كسر فينا سقفًا، ولكل أفقٍ علّمنا ان ما وراءه ليس نهاية الطريق.

التعليقات:

سعيدة لافي: نصّ عميق لامسني كثيرًا، خصوصًا في معنى أن تتحول المعرفة من فكرة نمتلكها إلى وعيٍ نعيش به. وأجمل ما أخذته منه: أن كل محطة معبر، وأن كسر ما بنيناه أحيانًا هو عينُ الوفاء للطريق
2026-09-29 19:52:54