حين يصبح الفكر هوية.. مقال للدكتورة أسماء الفلاحي

28-09-2026

حين يصبح الفكر هوية.. مقال للدكتورة أسماء الفلاحي

أشارككم رحلة تأملية مررت بها قبل أيام... لعل نفسًا تنتفع بها... فقد أدركت لوهلة أن طول الاشتغال على المنهاج لا يراكم معرفة فقط.. وإنما قد يصنع من حيث لا نشعر ألفةً قد تتحول تدريجيًا إلى هوية معرفية...!

فقبل أيام ذكر د. هاشم ما معناه.. «إن لم يأتِ أحد ليكسر هذه الفلسفة فسأكسرها بنفسي».. وأصابتني العبارة بشعور غريب لم أكن منتبهة إلى تشكّله... شيء من الانقباض.. كأن ما استقر في داخلي بدأ يفقد ثباته للحظة...!!
لقد كنت أظن أنني أُجيد مراقبة نفسي.. لأكتشف أنني كنت أزداد إستغراقًا من حيث لا أشعر...!
فالاستغراق العميق يمنح الفكر قوة في داخلنا.. ومع غياب المراقبة الدقيقة قد يتجاوز أثره حدود المعرفة إلى مساحات أعمق في الوعي..
ويبدو أن الذي ارتبك للحظة كان شيئًا من العلاقة بما تعلمته.. فبعض موضوعات الفلسفة ومصطلحاتها وقوانينها التي نظل نعود إليها في القراءة والربط والتأمل تدخل مع الوقت في طريقتنا في النظر وفي لغتنا وفي تفسير كثير مما يمر بنا...

ولكن.....حين يكون صاحب الفلسفة نفسه مستعدًا لكسرها.. فهو يسحب منها أي حصانة قد يسبغها عليها طلابه.. ويتركها خاضعة للقانون الذي جاءت به...!
وهذا من أعمق ما يمكن أن تفعله فلسفة تحمل في اسمها التشخيص والتجريد.. فتجمّد مصطلحاتها قد يحولها إلى قوالب.. واعتبار ما انتهت إليه موسوعتها سقفًا ..يجعل منها مرجعية مغلقة.. أما حين يصبح طلابها أكثر حرصًا على تثبيت صورتها من قدرتهم على تجاوزها يكون التشخيص قد تسلل إلى داخل المشروع نفسه...!
وهذه النقطة هي التي استوقفت وعيي..
فما يقترب منا كثيرًا يصعب أحيانًا أن نراه بوضوح كافٍ للمراجعة.. فنبدأ في التعامل معه كأنه امتداد طبيعي لطريقتنا في الفهم.. ويصبح الفصل أدق بين قيمة ما عرفناه وحاجتنا إلى بقائه كما هو..

فالفكرة مهما عظمت لا تتوقف عند صورتها الحالية.. والمرحلة قد تكون ضرورية من غير أن تتحول إلى نهاية.. والمصطلح قد يفتح مساحة واسعة ثم يأتي وقت تحتاج فيه المعرفة إلى لغة أوسع منه.

والتجريد هنا يأخذ معنى أكثر صعوبة.. فهو يمتد إلى ما أحببناه وما اقتنع به وعينا.. إلى اللغة التي أصبحت مألوفة لنا.. وإلى البناء الذي منحَنا وضوحًا كنا ننشده...
وهذه المنطقة تحديدًا لا ينبغي أن تبقى خارج فعل التجريد..
فبعض التشخيصات تنمو في المواضع التي نمنحها أكبر قدر من الثقة.. ولهذا قد تتخفّى عن المراجعة أكثر من غيرها..
لهذا تجاوزت عبارة د. هاشم عندي معناها المتعلق بمرحلة معرفية قادمة.. ولامست الطريقة التي نبني بها علاقتنا مع الفكر نفسه..فالفلسفة التي تفتح لنا طريق تجاوز الصور القديمة ينبغي أن تبقى صورتها هي أيضًا قابلة للعبور...!

والطالب الذي تعلّم منها كسر التشخيص يحتاج أن يحتفظ بجرأته على تطبيق الأداة نفسها على ما تلقّاه منها...!
وهنا تصبح مسؤولية طالب الفلسفة أكبر من إتقان المنهج..
أن يتعلم من غير أن يتحول إلى حارس.. ويقترب من الفكرة من غير أن يذوب فيها.. ويسمح لها أن تغيّره مع احتفاظه بالقدرة على رؤيتها من جديد.. ويحمل ما تعلمه من غير أن يجعله تعريفًا نهائيًا لنفسه..
و(( حين يضع المفكر فلسفته تحت المعول.. فهو يدفع طلابها إلى أن يبقوا أكبر من البناء..))
وهذا نوع من الوفاء أشق من الحماية..
فالحماية قد تجمع الشواهد وتشدّ أركان البناء وتنتصر لما أحبّت..
أما الوفاء لفكرة جاءت أصلًا لتكسر التشخيص.. فيبدأ من ألّا نشخّصها هي أيضًا.. وأن نقبل بأن بعض ما نتعلمه اليوم قد يغدو غدًا درجة أدت وظيفتها ورفعت وعينا إلى موضع أوسع.
لهذا كان احتمال كسر الفلسفة كافيًا لأن يربكني للحظة.. وأظن أن ذلك الارتباك كان ضروريًا...!
فقد أعاد شيئًا من المسافة بيني وبين الفكرة..مسافة لا تنتقص من المحبة.. إنما تنضجها وتمنع الإقتناع من أن يتحول إلى ثبات..
وتبيّن لي أن أصدق علاقة نبنيها مع فكر أحببناه قد تكون في أن نترك له حق التغيّر.. ونترك لأنفسنا حق العبور معه..حتى لو بلغ الكسر يومًا أكثر ما حسبناه رسوخًا في داخلنا....

...شكرًا للمعاول التي تقتلع بنورانية عالية ما كاد يتحول في وعينا إلى جدار... وتترك لنا الطريق أوسع مما كان... 🙏🌷🙏

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.