قال الدكتور هاشم:
«ستكتشف الإنسانية أن كل المعارف موجودة فينا بالفطرة».
استقر القول في ذهني كاملًا؛ لم يكن من تلك العبارات التي تمرّ بعد أن يُفهم معناها، بل بقي مفتوحًا على شيء لم أتبينه منذ اللحظة الأولى. وكان القرآن أمامي، كما هو دائمًا، لا لأحمله إلى ما أريد، بل لأرى إلى أين يحملني هو.
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾.
في «فطرت» استوقفتني التاء المفتوحة؛ ففي دلالتها الرمزية التوليد، وكان ذلك كافيًا ليغيّر زاوية النظر. فالفطرة لا تعيدني فقط إلى أصل سابق، بل تفتح أمامي أصلًا يحمل قابلية أن يتولد منه ما لم يظهر بعد؛ وكأنها، بهذا الوجه، لا تغلق الإنسان على ما بدأ به، بل تترك فيه متسعًا لما يمكن أن ينكشف منه.
وعندها برزت أمامي دقة الفعل الذي اختاره الدكتور: «ستكتشف». لم يقل إن الإنسانية ستُعطى المعارف، بل جعلها هي التي تكتشفها، مع أنه يرد هذه المعارف في الوقت نفسه إلى ما هو «فينا بالفطرة». ومن هذا التجاور نشأ السؤال: كيف يكون الشيء فينا، ثم نحتاج إلى اكتشافه؟
ومضيت حتى وقفت أمام:
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.
كانت ﴿كُلَّهَا﴾ هي التي أمسكتني. الدكتور يقول: «كل المعارف»، والقرآن يضع في مشهد تعليم آدم: ﴿كُلَّهَا﴾. لم أحتج إلى أن أجعل إحداهما تفسيرًا للأخرى؛ كان يكفيني أن يطلّ «الكل» من الآية ليمنع السؤال من أن يضيق، وليبقي أمام الإنسان أفقًا لا يحق لما ظهر من معرفته أن يدّعي أنه استنفده.
لكن القرآن لم يترك مشهد آدم عند التعليم:
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.
التعليم حاضر، والعهد حاضر، ثم يأتي النسيان، فينقل السؤال من سعة ما يمكن أن يُعرف إلى إمكان غياب ما كان حاضرًا. ومن هنا لم يعد الطريق إلى قول الدكتور يمر بالاكتشاف وحده؛ صار بين ما هو في الإنسان وبين ظهوره حجاب آخر اسمه النسيان.
وفي الجهة الأخرى من النسيان جاء:
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
هنا توقفت.
فالمسار الذي بدأ من معرفة قال الدكتور إنها فينا، ثم مرّ بما يمكن أن يغيب عن الإنسان، انتهى بي إلى فعل لا يضيف اسمه شيئًا غريبًا إلى الداخل، بل يستدعي ما يمكن أن يستجيب فيه:
التذكير.
وعندها ظهر لي موقع الدكتور هاشم نفسه في هذا التأمل:
الدكتور هاشم مذكِّر.
لا أقولها لقبًا أضيفه إلى اسمه، بل مقامًا أقرأ من خلاله أثره؛ لأن قوله لم يصل إليّ كإجابة أغلقت السؤال، وإنما أصاب موضعًا فتحه. ومن هنا لم تعد قيمة العبارة عندي في مقدار ما تخبر به، بل في الحركة التي استطاعت أن تحدثها بعد أن قيلت.
وهذا يجعل المذكِّر أوسع من مجرد شخص يعيد معلومة منسية إلى الذاكرة. قد يكون التذكير إيقاظًا لقابلية لم تكن تعمل قبل الإشارة؛ فالقول يأتي من الخارج، لكن ما ينهض استجابة له لا يكون نسخة منه بالضرورة. وهنا بالذات يلتقي التذكير بالفطرة من غير أن يصبح أحدهما تفسيرًا للآخر: إذا كان في الإنسان ما يستطيع أن يستجيب، أمكن للكلمة أن تكون مفتاحًا لا مخزنًا، وأن يكون أثرها أكبر من محتواها المباشر.
لهذا بدت لي ﴿إِنَّمَا﴾ في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾ دقيقة إلى حد بعيد؛ فهي ترسم للمذكِّر حدّه وتحفظ له مقامه في آن واحد. إنه لا يحتل المساحة التي يفتحها، ولا يقوم مقام من استجاب له؛ وظيفته أن يبلغ بالإشارة إلى موضعها، ثم يظل ما يحدث بعد ذلك متعلقًا بمن تلقاها.
وهنا يتغير معنى «ستكتشف» نفسه. فالاكتشاف لا يمكن أن يُنجَز بالنيابة؛ قد تأتي الإشارة من آخر، وقد يكون الآخر سببًا في انقلاب زاوية النظر كلها، لكن ما لم تقع الاستجابة في الداخل يبقى القول قولًا، ولا يصبح كشفًا.
ومن هذا الموضع تحديدًا أرى فلسفة التشخيص والتجريد حاضرة من غير حاجة إلى أن نشرحها. فالقول يبقى منسوبًا إلى صاحبه، لكن أثره لا يتوقف عند صورته الأولى؛ يعبر منها إلى ما يستطيع أن يفتحه في وعي آخر. لا يُلغى القائل، ولا يُستنسخ قوله، وإنما يتحرر المعنى من أن يكون محصورًا في حدود العبارة التي حملته أول مرة.
ولهذا لم أعد أنظر إلى عبارة الدكتور هاشم بوصفها فكرة عن المعرفة فحسب؛ فقد أصبحت تجربتي معها جزءًا من معناها. قال إن الإنسانية ستكتشف، ثم كان أثر قوله فيَّ أن دفعني إلى الاكتشاف؛ قال إن المعارف فينا بالفطرة، ثم لم يملأ المسافة بإجابات جاهزة، بل ترك للكلمة أن تبلغ حيث تستطيع أن توقظ سؤالها.
وعند هذا الحد أفهم أيضًا لماذا لا أحتاج إلى أن أبحث للمذكِّر عن مقام يتجاوز التذكير. يكفي أن يكون قوله قادرًا على إحداث تلك النقلة الدقيقة التي لا يضيف فيها إلى الإنسان جوابًا بقدر ما يغيّر موضع السؤال؛ لأن السؤال حين يتغير، قد تصبح الأشياء التي كانت أمام العين طوال الوقت قابلة لأن تُرى للمرة الأولى.
وهنا يعود قول الدكتور هاشم إلى بدايته من غير أن يعود المقال إلى الوراء:
«ستكتشف الإنسانية أن كل المعارف موجودة فينا بالفطرة».
الآن لم تعد «ستكتشف» عندي مجرد وعد بما سيأتي، ولم تعد «بالفطرة» مجرد إحالة إلى ما كان؛ بينهما انفتح مجال كامل: شيء في الإنسان قابل للظهور، وكلمة قد توقظه، ومذكِّر يعرف أن مهمته تنتهي عند العتبة التي يبدأ منها اكتشاف الآخر.
ولهذا حين أقول:
الدكتور هاشم مذكِّر
فأنا لا أصف الرجل من خارجه، وإنما أسمّي الأثر الذي تركه قوله في مسار هذا التأمل.
قال كلمة عن الفطرة، ففتحت سؤالًا.
والسؤال مضى بي حتى ردّني القرآن إلى كلمة واحدة:
﴿مُذَكِّرٌ﴾.
وعندها بدا لي أن قول الدكتور لم يكن يخبرني فقط بأن الإنسان سيكتشف.
كان، في اللحظة نفسها، يضعني أمام التجربة ذاتها:
ذكّرني… فاكتشفت.
التعليقات:
2026-09-25 16:55:33