مقالة مستوحاة من محاضرة للدكتور هاشم في (فلسفة التشخيص والتجريد)، وهي محاولة أولية لفهم بعض المفاهيم التي طُرحت في المحاضرة وربطها بتأملات في النص القرآني. وما يرد هنا هو قراءة شخصية متواضعة قابلة للنقد والتصحيح والإضافة.
في البدء، يتجلى الوجود كـمصفوفة كونية محكومة بنظام صارم من السنن والقوانين الحتمية، حيث لا يصدر الخلق عن عبث، بل يتدفق من رحم هذه القوانين البدئية. وضمن هذا الهيكل الشامل، يمكن النظر إلى الإنسان من خلال ثلاث طبيعات متمايزة ومتفاعلة: طبيعة طينية تمثل التقوى، وطبيعة نارية تمثل المغامرة والمخاطرة وتفجير الطاقات والإبداعات، وطبيعة نورانية تمثل النفس العليا، وهي الروح.
وهذه الطبيعة النورانية قد تكون في الطريق الشيطاني والطريق الرحماني، لأن النور في ذاته لا يكفي لتحديد المسار، وإنما تتحدد جهة السير بما تقوم به الأنفس من توجيه لهذا النور وما تقيمه من علاقة بين الطاقة والتقوى.
ومن هنا تأتي فكرة استواء الأنفس لتفعيل النفس المطمئنة.
فالطبيعة الطينية يجب أن تستوي على عرش التقوى، أما الطبيعة النارية فيجب أن تستوي على عرش الطاقة، وأي نقصان في إحدى الطبيعتين قد يؤثر في الأخرى. بمعنى أن كلما قل وجود الطبيعة الطاقية أو النارية، أدى ذلك إلى التأثير في التقوى، فيزيد الخوف، ويصير في لوم أكثر، وخوف أكثر.
وهنا لا تكون المشكلة في وجود الطبيعة النارية، ولا في وجود الطبيعة الطينية، وإنما في اختلال النسبة بينهما؛ فالتقوى إذا انفصلت عن الطاقة قد تتحول إلى خوف ولوم وتردد، والطاقة إذا انفصلت عن التقوى قد تتحول إلى اندفاع لا تحكمه الغاية.
لذلك يأتي المعنى الأعمق في إحراق الطبيعة الطينية والنارية بالنار لتصبح نوراً.. أي انتقال الطبيعتين من حالتهما الأولى إلى حالة أكثر تجرداً ووعياً، بحيث لا يبقى الطين مجرد ثقل، ولا تبقى النار مجرد اندفاع، بل يتحول كلاهما إلى نور قادر على الحركة في الطريق الذي يستوي فيه الإنسان مع أمر ربه.
فالطبيعة الطينية جاهلة، ولذلك جاء:
«وعلّم آدم الأسماء كلها».
ومن هنا نقول:
«واتقوا الله ويعلّمكم الله».
أما الطبيعة النارية فهي عالمة، لكنها تحتاج إلى ترويض لتتجسد لأمر ربها. فهي تحمل الطاقة والمغامرة والمخاطرة وتفجير الطاقات والإبداعات، لكنها تحتاج إلى الاستواء حتى لا تتحول المعرفة والطاقة إلى خروج عن الأمر.
ومن هنا يمكن النظر إلى الفرق بين معصية آدم وفسوق إبليس من زاوية لغوية وفلسفية؛ فـ (عصى) من معنى استعصى عليه الأمر، أما إبليس فسق عن أمر الله. فهناك فرق بين طبيعة تستعصي عليها الاستجابة، وطبيعة تخرج عن الأمر.
ولهذا يجب أن تقوم النفس اللوامة، وهي الطبيعة الطينية، بتثبيط الفسوق وتقوى الله، حتى لا تنفصل الطاقة عن التقوى، ولا يتحول العلم إلى فسوق، ولا تتحول التقوى إلى خوف يستهلك الطاقة.
ومن هنا يمكن أن ننتقل إلى سورة الصافات، حيث يظهر بُعد آخر من أبعاد هذه المصفوفة الكونية.
لا تمثل مفاهيم «التذكير» و«التأنيث» مجرد تصنيفات بيولوجية عابرة، بل يمكن النظر إليها بوصفها قوى وجودية فاعلة وقوانين جوهرية تسكن في عمق المصفوفة الكونية، وهي أحد ثنائيات الرحمان.
ومع ذلك، شهد التاريخ البشري انحرافاً إدراكياً؛ فالوعي الإنساني، أو فئات منه، استوعب بُعد «التذكير» وتمثله في واقعه المعاش كحقيقة وظيفية، في حين انكفأ مفهوم «التأنيث» وتعرض للاختزال والتأطير المشوه، فتحول من قانون وجودي كوني إلى مجرد تشخيص وتجسيد قاصر تمليه الثقافة والموروث الاجتماعي.
وهذا التناقض المعرفي والظلم الوجودي هو ما تفككه الآية الكريمة:
«فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ».
فهي لا تعيد سرد ظاهرة اجتماعية فحسب، بل تفتح مساءلة عميقة للوعي البشري التاريخي، ولطريقة اختزاله للأنوثة في صورة محدودة، بينما يتجاوز المفهوم في أصله حدود التشخيص الاجتماعي إلى معنى أوسع داخل النظام الكوني.
ثم يذهب النص القرآني إلى أبعد من ذلك في مساءلته بقوله:
«أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ».
وهنا تأتي ملاحظة مهمة: «وهم شاهدون» ليست إثباتاً بأنهم شهدوا، بل تأتي في سياق الاستنكار والسؤال عن مصدر هذا الادعاء. وكأن السؤال القرآني يعيد الإنسان إلى أصل المعرفة: من أين جاء بهذا الحكم؟ ومن أين له أن يقرر حقيقة غيبية لم يشهدها؟
ومن هذا المنظور يمكن فهم «الأنوثة» بمفهومها الوظيفي الكوني بوصفها ركيزة من ركائز الوجود العليا، لا مجرد تشخيص بشري محدود. أما عبارة «وهم شاهدون» فتأتي لتكشف المفارقة بين الادعاء البشري وبين حقيقة الشهادة والمعرفة.
وهنا تتضح إحدى الإشكالات الأساسية في علاقة الإنسان بالتشخيص والتجريد؛ فالإنسان حين يعجز عن إدراك القانون في تجرده، قد يقوم بصبه في صورة مادية أو اجتماعية ثابتة، ثم يتعامل مع الصورة وكأنها هي الحقيقة ذاتها.
وهذا هو الخطر في التشخيص القاصر؛ أن يتحول القانون الكوني إلى صورة مغلقة، وأن يتحول المعنى إلى قالب، وأن يتحول التجريد إلى تشخيص جامد.
أما الحقيقة الكونية فتقوم على التناغم الوظيفي التام، بعيداً عن أوهام الاستعلاء البشري، لأن الاختلاف بين الطبيعة الطينية والنارية والنورانية، وبين التذكير والتأنيث، لا يعني بالضرورة مفاضلة في القيمة، وإنما يمكن أن يشير إلى تنوع في الوظيفة داخل المصفوفة الكونية.
وهنا تعود فكرة استواء الأنفس إلى مركز المشهد؛ فالاستواء ليس إلغاءً لطبيعة لصالح أخرى، وإنما هو إعادة كل طبيعة إلى موضعها، بحيث تستوي الطبيعة الطينية على عرش التقوى، وتستوي الطبيعة النارية على عرش الطاقة، وتتجه الطبيعة النورانية نحو النفس العليا، حتى تتفاعل هذه المستويات دون أن يطغى أحدها على الآخر.
فالطين يحتاج إلى النار، والنار تحتاج إلى الترويض، وكلاهما يحتاج إلى النور.
وإذا استوت الأنفس، أمكن للطبيعة الطينية أن تتجاوز الجهل بالخضوع للتقوى، وللطبيعة النارية أن تتجاوز الاندفاع بالترويض، وللطبيعة النورانية أن تتجاوز احتمالات الانحراف بتحديد الطريق الذي تسلكه.
وهكذا يصبح استواء الأنفس ليس مجرد حالة نفسية، بل حركة انتقال من التشخيص إلى التجريد، ومن الصورة إلى القانون، ومن الخوف إلى التقوى، ومن الطاقة المنفلتة إلى الطاقة المستوية، ومن المعرفة المجردة إلى التجسد لأمر الرب.
خاتمة
لعل جوهر المسألة كلها أن الإنسان لا يحتاج إلى إلغاء طبيعته، بل إلى إحراقها بنار المعرفة حتى تتحول إلى نور؛ فلا يقتل الطين فيه، ولا يخمد النار، ولا يحبس النور داخل تشخيص ثابت، وإنما يجعل لكل طبيعة عرشها ووظيفتها ومسارها. فالتقوى بلا طاقة قد تتحول إلى خوف ولوم، والطاقة بلا تقوى قد تتحول إلى فسوق، والنور بلا توجيه قد يسلك الطريق الشيطاني أو الرحماني. لذلك يبقى استواء الأنفس هو الطريق إلى النفس المطمئنة، حيث لا تتصارع الطبيعة مع الطبيعة، بل تستوي كل واحدة منها في موضعها، لتلتقي في النهاية عند معنى واحد: أن يتحول التشخيص إلى وعي، والتجسيد إلى معنى، والطين والنار إلى نور.
التعليقات:
2026-09-24 12:06:05