مفهوم ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ في فلسفة التشخيص والتجريد للكاتب محمد الدَن

23-09-2026

مفهوم ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾  في فلسفة التشخيص والتجريد للكاتب محمد الدَن
في كل ورقة خضراء يلتقي عالمان: عالم السماء البعيد، حيث تشتعل الشمس على مسافة مئة وخمسين مليون كيلومتر، وعالم الأرض القريب، حيث التراب والماء. والشجرة هي المكان الذي يتصالح فيه هذان العالمان. ولا يسعى هذا المقال إلى إثبات النص بالعلم، ولا إلى إخضاع العلم للنص. غايته أن ينظر في الظاهرة بعين العالِم أولاً، ثم يتأملها بعين المتدبّر.
أولاً: ما الذي يفعله الضوء في الورقة؟
حين يسقط الضوء على الورقة، تلتقطه صبغة الكلوروفيل، وهي تمتص الأحمر والأزرق من طيف الشمس وتعكس الأخضر. ذلك الأخضر الذي نراه هو ما رفضته الشجرة من الضوء.
تثير طاقة الفوتون إلكتروناً في الكلوروفيل فتدفعه خارج مداره. ولكي تعوّض الشجرة ما فقدته، تفعل شيئاً مدهشاً: تشطر جزيء الماء. ومن هذا الانشطار يخرج الأكسجين الذي نتنفسه. فالأكسجين الذي تطلقه الشجرة مصدره الماء، لا ثاني أكسيد الكربون كما يُظن عادة.
ثم تأتي المرحلة الثانية. تستعمل الشجرة الطاقة التي اختزنتها من الضوء، ومعها إنزيماتها الخاصة، وأشهرها إنزيم "روبيسكو"، لتلتقط ثاني أكسيد الكربون من الهواء وتبني منه السكر. ومن السكر يُبنى الخشب واللحاء والجذر وكل شيء فيها.
فالضوء يَفصل، والشجرة تَبني. الضوء لا يصنع الشجرة، والشجرة لا تستغني عن الضوء.
ومن أغرب ما كشفه العلم أن معظم كتلة الشجرة لا يأتي من التربة. فقد زرع الطبيب البلجيكي فان هلمونت في القرن السابع عشر شتلة صفصاف في وعاء موزون من التراب، ورواها بالماء وحده خمس سنين. زاد وزن الشجرة عشرات الكيلوغرامات، بينما لم ينقص التراب إلا بضع عشرات من الغرامات. فالشجرة في جوهرها هواءٌ وماءٌ عقدهما الضوء، أما التراب فيمنحها الماء والمعادن ويمنحها المقام.
ثم إن الشجرة لا تستقبل الضوء استقبالاً سلبياً، بل تتوجّه إليه. فهرمون "الأوكسين" يتجمّع في الجانب المظلل من الساق، فتستطيل خلاياه أكثر من خلايا الجانب المضاء، فينحني الساق نحو النور. ولهذا تنمو أشجار الغابة الكثيفة طويلة نحيلة تتسابق إلى الضياء، بينما تنبسط الشجرة الوحيدة في السهل على جوانبها.
ثانياً: النار والطين
يتصوّر المشروع الفلسفي في "فلسفة التشخيص والتجريد" لهاشم نصار الإنسانَ كائناً يلتقي فيه عنصران: عنصر ناريّ وعنصر طينيّ، ومن اجتماعهما تتشكّل النفس، فلا هي نار خالصة ولا طين خالص.
وإذا نقلنا هذه الرؤية إلى الشجرة، وجدنا البنية نفسها ماثلة أمامنا. فضوء الشمس ليس إلا ناراً في أصله، إنه ثمرة اندماج نوويّ في قلب نجم مشتعل، قطع المسافة إلى الأرض في نحو ثماني دقائق. والتربة والماء هما الطين. والشجرة هي الكائن الثالث الذي لا يُردّ إلى أحدهما: هي النار حين تسكن الطين، والطين حين يتشرّب النار.
والدليل على أن النار ساكنة في الشجرة أنها تعود إذا احترق الخشب. فاللهب الذي يخرج من الحطب هو ضوء الشمس المختزن يُطلَق من جديد بعد سنين من الحبس. وهنا يحضر قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: 80]. الشجر أخضر رطب، ومع ذلك تسكنه النار.
فالضوء طاقة مجرّدة لا جسد لها، والتمثيل الضوئي هو تشخيصها وإنزالها إلى جسد من خشب وورق. أما الاحتراق فهو التجريد المعاكس: الجسد يعود طاقةً ونوراً. فالشجرة تقف على الحدّ بين المجرّد والمشخّص، تستقبل الأول وتصير الثاني.
ثالثاً: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾
في سورة الرحمن: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ۝ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 5–6].
والسجود في هذه الآية لا يُفهم بمعنى العبادة، بل بمعناه الأصيل في اللغة: الميل والانحناء وتطويع الذات. فالعرب تقول "نخلة ساجدة" إذا أمالها حملها. فالنخلة لا تعبد شيئاً، لكنها تنحني لأن ثقل ثمرها طوّع قامتها. وبهذا المعنى يكون سجود النجم والشجر تطويعاً للقدرة: كلٌّ منهما يطوّع ما يملكه من قدرة ليلتقي بالآخر.
فالنجم يملك قدرة هائلة: نار اندماج نووي لو اقتربت لأحرقت كل شيء. لكنه يطوّع هذه القدرة فيرسلها ضوءاً بقدر، على مسافة محسوبة، فتصل إلى الورقة طاقةً تحتملها وتنتفع بها. وليس عبثاً أن تسبق الآيةَ عبارةُ ﴿بِحُسْبَانٍ﴾، فالعطاء الذي لا يُطوَّع يُهلك، والعطاء المطوَّع يُحيي.
والشجرة كذلك تملك قدرتها: قدرة الطين على الحمل والإمساك والبناء. فتطوّعها لاستقبال النار، فتنحني نحو الضوء، وتفرد أوراقها له، وتشطر الماء لتفسح له مكاناً في جسدها، ثم تبني منه خشباً وثمراً. فهي لا تتلقى الضوء كما هو، بل تطوّع نفسها لتصير وعاءً له، وتطوّعه ليصير جسداً.
وهذا هو جوهر السجود المتبادل: النار تنزل عن شدّتها لتلائم الطين، والطين يرتفع عن كثافته ليستقبل النار. لا أحدهما يُلغي الآخر، ولا أحدهما يذوب فيه، بل كلٌّ منهما يطوّع قدرته فتولد من اللقاء حياة ثالثة.
وهذا بعينه هو مبدأ فلسفة التشخيص والتجريد. فالمجرّد لا يتجسّد إلا إذا طوّع إطلاقه، والمشخَّص لا يرتقي إلا إذا طوّع كثافته. التجريد وحده نارٌ بلا مستقر، والتشخيص وحده طينٌ بلا روح، ولا يكون الوجود الحيّ إلا في المنطقة التي يسجد فيها كلٌّ منهما للآخر.
وكما تتكوّن النفس الإنسانية من التقاء النار بالطين حين يطوّع كلٌّ منهما قدرته للآخر، كذلك تتكوّن الشجرة من التقاء نار النجم بطين الأرض. فالسجود ليس انكساراً ولا تبعية، بل هو الشرط الذي به يلتقي المختلفان، والقانون الذي به تُبنى الحياة من عناصر متباعدة.
خاتمة
ليس القرآن كتاباً في علم النبات، ولا ينبغي أن يُحمَّل ما لم يقصد إليه. لكن العلم حين يكشف أن الشجرة ضوءٌ مُجسَّد، وأن أنفاسنا ماءٌ شطره النور، وأن الحطب شمسٌ مختزنة، فإنه يفتح باباً أوسع لتدبّر الآية.
فالنجم والشجر يسجدان، أي يطوّع كلٌّ منهما قدرته للآخر: النجم يعطي بقدر، والشجرة تأخذ بقدر، ومن هذا التطويع المتبادل تقوم الحياة. وبين نار السماء وطين الأرض تقف الشجرة كما يقف الإنسان: كائناً لا يكتمل بقوته وحدها، بل بقدرته على أن يطوّع هذه القوة للقاء ما يكمّله.

التعليقات:

Adam masri: Welcome back bro
2026-09-23 13:56:07
سعيدة لافي: فكرة رائعة جعلت من الشجرة أكثر من كائن حي جعلتها صورة للوجود نفسه حين يلتقي النور بالمادة و التجريد بالتشخيص لا يلغي أحدهما الآخر بل يتكاملان فتولد الحياة،جميل جدا 🤍🤍🤍
2026-09-23 13:55:51
مروة: الله الله يا سلام عليك أستاذ محمد 😇
2026-09-23 13:51:23