«لا أبالي بعد اليوم… أعلم أن الرسالة وصلت واستقرت بمشيئة الله… قوة يا الله… مدد يا الله.»
هكذا كتب الدكتور هاشم.
استوقفتني المسافة بين وصلت واستقرت.
فالوصول يمكن أن يحدث بمجرد أن تعبر الفكرة إلى الآخر، أما الاستقرار فلا يُقاس بما حُفظ منها ولا بما أُعيد قوله. ثمة شيء آخر ينبغي أن يحدث بعد الوصول حتى يستطيع صاحب مشروع فكري أن يطمئن إلى أن رسالته لم تُسمع فقط، وإنما وجدت موضعًا تعمل منه.
ومن هذه المسافة أخذني القرآن إلى البلاغ:
<مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ>
ثم:
<فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ>.
يضع القرآن حدًا دقيقًا بين ما يحمله المبلِّغ وما يحدث بعد أن يبلغ. هناك فعل يمكن القيام به إلى غايته، ثم تأتي لحظة تعبر فيها الرسالة إلى مساحة أخرى، فلا يعود مصيرها كله في يد من حملها.
وحتى في جرس البلاغ وبنيته يظل معنى البلوغ حاضرًا: حركة لا تقف عند صدور القول، وإنما تمتد إلى أن يبلغ مداه. أما ما يبدأ بعد ذلك، فلا يعود جزءًا من سلطة المبلِّغ.
ومن هنا لم أعد أقرأ عبارة الدكتور هاشم في حدود موقف قيلت فيه.
ماذا يعني أن تصل رسالة مشروع فكري؟
فلسفة التشخيص والتجريد لا تختبر وصولها حين تنتشر مفرداتها فقط. فالمصطلح أسرع الأشياء انتقالًا؛ يمكن أن ينتقل من كتاب إلى حديث، ومن حديث إلى مقال، وأن يظل في رحلته كلها على سطح الوعي.
يمكن أن نقول «التشخيص» و«التجريد» كثيرا دون أن يتغير الموضع الذي ننظر منه، وأن نتحدث عن السعة ثم نضيق أمام التصويب، وأن ندعو إلى تحرير القراءة من المحمولات السابقة ثم نحملها معنا إلى النص دون أن نشعر.
وقد يتحول المنهج الذي جاء ليفتح السؤال إلى أجوبة جاهزة نحرسها.
عندها يكون اللفظ قد بلغ، ولم يبلغ المنهج بعد.
فالمنهج يستقر حين يبدأ الاشتغال في الطريقة التي نقرأ بها، وفي نوع السؤال الذي نبنيه، وفي قدرتنا على مراجعة ما انتهينا إليه.
وحين يحدث ذلك في أكثر من شخص، يتغير شكل البلاغ نفسه.
لا تعود هناك رسالة تنتقل من مركز إلى أطراف صامتة. يبدأ الذين تلقوا بالمشاركة في حركتها؛ سؤال يفتح سؤالًا، وقراءة تستدعي قراءة، وتصويب يعيد بناء معنى، ثم يخرج من كل ذلك شيء لم يكن موجودًا بالصورة نفسها عند نقطة البداية.
وهنا استوقفني قوله تعالى:
<هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ>
بلاغ للناس.
ومن هذه الزاوية يتسع أثر فلسفة التشخيص والتجريد عن أي فرد بعينه.
فإذا أحدث المنهج تحولا في قارئ، ثم ظهر شيء من ذلك في نص يقرؤه آخر، فقد خرج الأثر من العلاقة المباشرة مع مصدره ودخل دائرة جديدة. وإذا ولّد سؤالًا فتح بدوره بحثًا آخر، فقد صار للمشروع امتداد لا يمكن اختزاله في تكرار ما قيل فيه.
وقد يصل شيء من هذا الأثر إلى إنسان لم يقرأ الموسوعة أصلًا؛ لا يصل إليه اسم المصطلح بالضرورة، وإنما تصل إليه ثمرة سؤال، أو دقة تمييز، أو قراءة أعاد شخص آخر بناءها تحت تأثير المنهج.
هنا تبدأ دوائر البلاغ.
ومنذ تلك اللحظة لا يعود المشروع محمولا بصوت واحد.
تتعدد الأصوات، وتتعدد معها زوايا النظر. يدخل كلٌّ من موضعه، ويلتقط ما استطاع أن يراه، ثم يضيف السؤال الذي لم يكن موجودًا قبله. وإذا بقي الجميع يبحثون عن العبارة ذاتها ليعيدوها، فلن تتسع الرسالة؛ سيتسع صداها فقط.
وهنا وجدتني أعود إلى تركيب قرآني بالغ الإيجاز:
<فَبَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ>
ما أُنزل إليك.
ففي البلاغ أمانة تجاه ما يُحمل؛ لأن المعنى حين يعبر من إنسان إلى آخر يمر عبر وعي حامله، وهنا تصبح المسافة دقيقة بين أن نفتح للمنهج طريقًا جديدًا، وبين أن نضيف إليه من صورنا ثم نحسبها منه.
وهذا يجعل الذين يكتبون ويناقشون داخل فضاء فلسفة التشخيص والتجريد جزءًا من حركة المشروع نفسها، لا مجرد متلقين له.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر صعوبة:
ماذا سيحدث للمشروع وهو يعبر؟
فالرسالة التي تجاوزت صاحبها بدأت حياتها خارجه. ستدخل أسئلة لم تكن مطروحة عند تأسيسها، وتلتقي بمعارف جديدة، وتوضع أدواتها أمام مسائل لم تُختبر فيها من قبل.
وهناك يظهر معدن المنهج.
أن يستطيع الذهاب إلى الجديد دون أن يفقد أصوله، وأن تبقى العودة إلى الأصل ممكنة دون أن تتحول إلى إقامة دائمة عند لحظة البداية.
وعندها لا يعود أثر الدكتور هاشم قابلا للقياس بعدد الذين يتحدثون عن فلسفة التشخيص والتجريد، وإنما بما أصبح ممكنًا في فضائها: أسئلة لم تكن لتُطرح بالطريقة نفسها، وقراءات تعيد فحص أدواتها، ومساحات معرفية يفتحها المنهج من غير أن تكون نسخا لما سبقها.
وهنا أعود إلى الجملة الأولى، وقد أصبح وقعها مختلفا:
«أعلم أن الرسالة وصلت واستقرت.»
لعل الاستقرار لا يعني أن الرسالة وجدت مكانًا تسكن فيه.
قد يعني أنها وجدت مكانا تنطلق منه.
وهنا يتغير معنى الوصول كله.
فأبعد نقطة يبلغها مشروع فكري ليست بالضرورة آخر شخص يسمع به، وإنما اللحظة التي يصبح فيها قادرًا على أن يغادر صوت صاحبه، ويمر عبر عقول متعددة، ويفتح ما لم يكن مفتوحًا، من غير أن يفقد الخيط الذي يصله بأصله.
عندها لا يعود البلاغ نهاية حركة بدأت عند صاحب المشروع.
يصبح بداية حركة لم يعد صاحب المشروع وحده من يصنع مداها.
ولعل لهذا جاءت بقية العبارة:
«قوة يا الله… مدد يا الله.»
فحين تبدأ الرسالة حياتها خارج صاحبها، لا يكون الطريق قد انتهى.
يكون قد اتسع.
التعليقات:
2026-09-23 13:55:51