حين تصبح المرايا طريقًا إلى النفس الواحدة مقال للأستاذة لبنى هاشم

21-09-2026

حين تصبح المرايا طريقًا إلى النفس الواحدة مقال للأستاذة لبنى هاشم
قالها لي أبي مرة وأنا في واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في حياتي:

"إنتِ بتطلبي حب ما بتستحقيه."

صدمني الكلام… ليس لأنني لم أفهمه، بل لأن جزءًا مني فهمه فورًا، وجزءًا آخر لم يكن مستعدًا أن يسمعه.

كنت غاضبة. وبمجرد أن قالها، توقفت عن الغضب. وكأن الجملة لم تضف معلومة جديدة إلى المشكلة بقدر ما غيّرت موقع النظر إليها.

كنت أنظر إلى زوجي… وفجأة أصبحت أنظر إليّ.

كنت أسأل: "لماذا لا يحبني بالطريقة التي أحتاجها؟"؛ فجعلني أسأل: "هل أنا أصلًا أحبه بالطريقة التي أطلبها؟"

وهنا تغيّر شيء ما، وخفّ الغضب، واتسعت مساحة الإنصات. وبدل أن أبحث عن المزيد من الأدلة التي تثبت خطأ الآخر، بدأت أبحث عن الأشياء التي لا أريد أن أراها في نفسي.

وكانت المفاجأة أن كثيرًا من الصفات التي كنت أضعها أمامي وأنا أقول: "هذه مشكلته"، كنت أستطيع أن أجد لها صورة ما في داخلي.

ومن هنا بدأت أفهم شيئًا مختلفًا عن العلاقات؛ أن الإنسان قد يقضي وقتًا طويلًا وهو يحاول إصلاح الصورة التي أمامه، بينما لم يتوقف ليسأل: "ماذا تكشف لي هذه الصورة عني؟"

ربما هذه أحد المواضع التي أفهم فيها معنى التشخيص، حيث أن المعاني الكبرى لا تبقى دائمًا في صورتها المجردة؛ فالحب يتشخص في شخص، والرحمة تتشخص في موقف، والقسوة تتشخص في كلمة، والوفاء يتشخص في فعل، والخوف يتشخص في سلوك، والإنسان الذي أمامي قد يكون هو الصورة التي أستطيع من خلالها أن أرى معنى كان موجودًا في داخلي، لكنني لم أكن أراه.

وهذا لا يعني أن كل ما أكرهه في الآخر موجود فيّ بالطريقة نفسها، ولا أن الآخر نسخة مني. بل يعني أن وجوده في حياتي قد يجعل شيئًا في داخلي قابلًا للرؤية.

وهنا كان عليّ أن أتعلم الفرق بين أن أرى الشخص، وبين أن أتوقف عند الصورة التي ظهر بها لي. لأنني كنت أفعل العكس تمامًا؛ كنت أفسر تصرفاته من خلال مفاهيمي أنا. ما أراه قوة هو القوة. ما أراه اهتمامًا هو الاهتمام. ما أراه حبًا هو الحب. وما يخالف صورتي يصبح نقصًا أو عنادًا أو أنانية.

إذا فعل شيئًا لا أفهمه، كان يعني بالنسبة لي شيئًا سيئًا، وإذا لم يتغير، فهو متزمت، أنا إذا اهتز أو تردد، فهو ضعيف، وإذا تصرف بأنانية، فهو أناني.

ولكن عندما أفعل أنا الأشياء نفسها، فكان لدي دائمًا تفسير. كنت أرى تصرفه، ولا أرى سياقه. أرى النتيجة عنده، والنية عندي.

كنت أطلب منه أن يدخل إلى عالمي، بينما لم أكن قد تعلمت بعد كيف أدخل إلى عالمه.

ثم وجدتني أمام كلمة أكبر: الميثاق. يقول الله تعالى:

﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾
[النساء: 21]

كنت أعرف (الميثاق) باعتباره عهدًا. لكن كلما اتسعت دلالة الكلمة، شعرت أن التعبير القرآني أكبر بكثير من مجرد وصف لعقد الزواج.

الميثاق من معنى الوثاق: ما يُشدّ به الشيء ويُوثق. وفي التشخيص، يظهر ذلك بوضوح؛ حيث أن الزواج ليس مجرد شعور بين شخصين. إنه عقد، وحقوق، وواجبات، وخصوصية، ومسؤولية، وحياة تتداخل فيها القرارات والمصائر، وأسرار لا يعرفها الآخرون، ومساحات من الضعف لا نكشفها عادة إلا لمن وثقنا به. أي أن هناك شيئًا يُوثق إنسانًا بإنسان.

لكن كلمة (غليظ) هي التي تستوقفني؛ فالغِلَظ في أصل اللغة يتصل بالضخامة والكثافة والشدة، وهو ضد الرقة. ويقال: شيء غليظ، أي كثيف أو قوي أو شديد.

فلماذا لم يقل: ميثاقًا؟ لماذا ميثاقًا غليظًا؟

لأن الميثاق هنا ليس رباطًا رقيقًا يمكن أن نحكم عليه من خلال شعور عابر؛ إنه رباط ثقيل بالمعنى، وكثيف بالمسؤولية، وعظيم الأثر، وقوي التبعات.

وكلما اتسع فهمي لهذه الكلمة، شعرت أن الزواج ليس مجرد (أنا أحبك وأنت تحبني).

بل:

أنا أضع جزءًا من وجودي في مساحة مشتركة معك، وأقبل أن يصبح لما أفعله أثر في وجودك، كما يصبح لما تفعله أثر في وجودي.

وهنا يصبح (الغليظ) ليس وصفًا لشدة العقد فقط، وإنما وصفًا لعمق ما يترتب عليه.

والأعجب أن القرآن يسبق الميثاق بكلمة: (أفضى)

﴿وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ﴾

نعم، للفظ (أفضى) في سياق الآية معنى معروف في التفسير، وحمله كثير من المفسرين على المباشرة والجماع.

لكن اللفظ في أصله اللغوي يحمل أيضًا معاني الوصول والبلوغ والانتهاء، ويقال: أفضى إليه، أي وصل إليه، وأفضى بالسر إليه أي كشفه وأعلمه به، وأفضى المكان أي اتسع وخلا. والجذر هو ف ض و. الفضاء.

وهنا، على مستوى التجريد، يصبح التعبير بالغ العمق.

أفضى بعضكم إلى بعض… ليس فقط أن جسدًا وصل إلى جسد. بل أن إنسانًا وصل إلى إنسان. وصل إليه. بلغ إليه. خرج من حدوده إلى مساحة الآخر. اتسع له، وخلا له من بعض حواجزه، وأصبح بينهما من القرب ما يجعل كل واحد منهما قد وصل إلى مناطق في الآخر لم يكن يصل إليها أحد.

ثم، بعد هذا الإفضاء، يأتي:

﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾

كأن القرب نفسه ليس شيئًا عابرًا؛ فكلما أفضيت إلى إنسان، صار لما بينكما وزن. وكلما صار لما بينكما وزن، صار الميثاق أعظم.

ولهذا تغيّر عندي معنى الحب؛ حيث كنت أظن أن استحقاقي للحب يعني أن يحبني الآخر بالطريقة التي أفهم بها الحب.

كنت أريد أن يفهمني دون أن أشرح، وأن يكون قويًا وحنونًا في الوقت نفسه، وأن يعرف متى يقترب ومتى يترك لي مساحتي، وأن يتصرف بالطريقة التي أراها صحيحة.

وأردت منه أشياء كثيرة، بعضها متناقض أصلًا، ثم كنت أتعامل مع الصورة التي صنعتها في رأسي وكأنها تعريف موضوعي للحب.

ثم أدركت أنني لم أكن أطلب الحب فقط، بل كنت أطلب من إنسان آخر أن يحبني داخل الصورة التي رسمتها أنا للحب.

وهذا فرق هائل؛ فالحب قد يكون له مفهوماً واحدًا عند البعض، لكن صوره متعددة.

وقد لا أحب طريقة الآخر في التعبير، دون أن يعني ذلك أن المعنى الذي وراءها غير موجود.

وقد يكون عليّ أحيانًا أن أتعلم لغة لم أكن أفهمها، كما أتوقع من الآخر أن يتعلم لغتي.

وهنا لم يعد الحب عندي حقًا في أن يُحبني الآخر كما أريد.

صار الحب مسؤولية في أن أتعلم كيف أحب الإنسان الذي أمامي، لا الصورة التي أريد منه أن يكونها.

ثم جاءت الآية التي أعادت ترتيب معنى الكراهية بالنسبة لي:

﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
[النساء: 19]

أكثر ما استوقفني فيها أنه سبحانه وتعالى لم يقل: لا تكرهوا. لم ينكر الشعور. قال: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ أي أن الكراهية نفسها يمكن أن تكون موجودة، ولكنها ليست نهاية الرؤية.

قد نكره شيئًا. وهذا حقيقي. لكن هل ما نكرهه هو كل الحقيقة؟ هل نملك أبعاد الصورة كلها؟ هل نعرف إلى أين ستصل؟

وهنا تأتي:

﴿فَعَسَىٰ﴾

وكأنها تفتح في الوعي نافذة لاحتمال بل احتمالات لم نرها بعد.

ثم:

﴿وَيَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾

لا تقول الآية إن الشيء الذي أكرهه سيصبح فجأة محبوبًا، ولا تقول إن كل ما نكرهه يجب أن نبقى فيه، ولا أن الألم خير لمجرد أنه ألم. لكنها تضع أمام الإنسان حقيقة أعمق: أن حكمه الأول على الشيء ليس بالضرورة نهايته.

ثم تأتي جملة (ويجعل) التي يقشعر لها بدني كلما تأملتها.

لم يقل: وقد جعل الله فيه خيرًا كثيرًا. بل: ﴿وَيَجْعَلُ﴾

فعل مضارع يترك الباب مفتوحًا على فعل لم… ولن ينتهِ ظهوره.

قد يكون الخير موجودًا في الشيء منذ البداية ونحن لا أراه، وقد يتولد منه، وقد يظهر أثره بعد زمن، وقد لا يكون الخير في الصورة التي كرهتها أصلًا، بل في المعنى الذي كشفتْه لي.

وهنا يتسع المعنى مع لفظة (فيه). فيه ماذا؟ في الشخص؟ في الصفة التي كرهتها؟ في العلاقة؟ في التجربة؟ في الأثر الذي تركته؟ في الإنسان الذي أصبحت عليه بعدها؟

لا أظن أن علينا أن نحصر الضمير في طبقة واحدة.

وهنا تكمن روعة القرآن في أن اللفظ يستطيع أن يحتمل المعنى في طبقته الظاهرة، ثم يفتح لمن يتأمله أبوابًا أعمق دون أن يلغي الطبقة الأولى.

ومن هنا فهمت شيئًا عن التجريد؛ حيث أن التشخيص أعطاني الصورة. أما التجريد فعلّمني ألا أتخذ الصور مسلّمات. أن أرى الإنسان، ثم أتساءل عن المعنى الذي يتشخص فيه. أن أرى الخلاف، ثم أبحث عن القانون الذي يكشفه. أن أرى ما أكرهه، ثم أسأل: ما الذي يجعلني أكرهه؟ وماذا يكشف عني؟ وما الذي أراه في الآخر لأنني أعرفه في نفسي؟ وما الذي أحتاج إلى فهمه قبل أن أطالب الآخر بتغييره؟

وهنا لم تعد العلاقة بالنسبة لي مجرد مكان للحب أو الخلاف، بل أصبحت مساحة للتعرّف على الآخر، وعليّ، وعلى المعاني التي لا تظهر لنا إلا حين تتجسد في الحياة.

ربما لهذا أصبحت أؤمن أن بعض الأشخاص لا يدخلون حياتنا عبثًا.

ليس بمعنى أن كل شخص يشبهنا، ولا أن كل ما يحدث لنا قدرٌ يجب أن نقبله بلا وعي، بل بمعنى أن اللقاء بالآخر قد يكون من أعظم طرق الإنسان في رؤية نفسه.

قد يكشف لي شخص عن أجمل ما فيّ، وقد يكشف لي آخر عن أقبح ما فيّ، وقد يجعلني ثالث أواجه شيئًا كنت أهرب منه سنوات.

فربما الخير الكثير ليس فقط أن نكتشف عيبًا في أنفسنا، بل أن نفهم أن وجود هذه المرايا في حياتنا هي في ذاتها صورة من صور العدل الإلهي؛ فما أرحم أن لا يُترك الإنسان أسيرًا لصورة نفسه عن نفسه.

أن يُعطى، من خلال علاقاته ولقاءاته ومواقفه، مرايا تكشف له ما لم يكن يستطيع أن يراه وحده.

وهنا لا يسعني إلا التأمل في معنى العمل على البعد التراكمي؛ فنحن لا نبدأ كل يوم من الصفر. بل نحمل معنا ما يتراكم في أنفسنا من أفكار وأفعال وصور وأحكام ومخاوف ورغبات وطرق في النظر إلى الأشياء.

ثم يأتي البعد الاستحقاقي ليكشف لنا، من خلال ما نلتقيه وما نستثيره وما نراه في الآخرين، جوانب من هذا التراكم لم نكن نراها.

وهذا في حد ذاته رحمة؛ لأن أرحم ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يُعطى فرصة ليحاسب نفسه قبل أن يُحاسَب عليها. أن يكون على نفسه رقيبًا وحسيبًا. أن لا ينتظر أن تأتيه الحقيقة من الخارج، بل أن يتعلم أن يفتش عنها في داخله كلما اضطربت علاقته بالعالم.

ومع كل إجابة، تنكشف طبقة. ومع كل طبقة تنكشف، يصبح الإنسان أخف. أقل تزمتًا. أقل حكمًا. أكثر رحمة، وأكثر قدرة على رؤية نفسه والآخر دون أن يختزل أيًا منهما في صورة واحدة.

يتنقّى ويتلطّف حتى لا تعود المرايا بحاجة إلى أن تكون مؤلمة كي تكشف.

لكنني أيضًا لا أريد أن أستخدم فكرة (المرآة) لأختزل الآخر أو أحمّله ما في نفسي، بل أراها كدعوة إلى المسؤولية؛ فأنا مسؤولة عن نفسي، وعن نظرتي، وعن حكمي، وعن رد فعلي، وعن ما أراكمه، وعن ما أختار أن أنقّيه.

وهذه ربما من أرحم صور العدالة: أن لا تكون محاسبتنا على ما لم نستطع رؤيته، وأن تُتاح لنا في الحياة، مرة بعد مرة، فرص لأن نراه.

وربما لهذا لم تعد الجملة التي قالها لي والدي: "إنتِ بتطلبي حب ما بتستحقيه" جملة عن الحب أصلًا، بل أصبحت جملة عن الاستحقاق.

وهنا يصبح العمل على النفس ليس مشروعًا للوصول إلى نسخة مثالية منها، بل رحلة تنقية وتلطيف وتحرير. طبقة بعد طبقة. حتى تتسع النفس عن الصور التي حبست نفسها فيها. حتى تقل المسافة بين ما أظنه عن نفسي وما أنا عليه. حتى أرى الآخر دون أن أبحث فيه عن نفسي فقط، وأرى نفسي دون أن أعزلها عن الآخر. حتى نصل، شيئًا فشيئًا، إلى ما هو أعمق من (أنا) و(أنت).

إلى النفس الواحدة.

وربما عندها فقط نفهم شيئًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فإذا كنا منه وإليه، فربما تكون الرحلة كلها عودة.

عودة من كثافة الصورة إلى لطافة المعنى. من الحكم إلى الفهم. من القسوة إلى التلطّف. من التعلق بالذات إلى تجاوزها. ومن أن نرى أنفسنا منفصلة عن الآخر، إلى أن نرى أن كل مرآة في الطريق كانت تدعونا إلى شيء واحد: أن نعود إلى أنفسنا وقد صارت أصفى، وأرحم، وألطف، وأقرب إلى حقيقتها.

وربما يكون هذا هو الخير الكثير الذي لم نستطع أن نراه في البداية. وربما كانت هذه هي الرحلة كلها:

أن نمرّ بالمرايا حتى نصل إلى النفس الواحدة… إلى الله.

التعليقات:

نجوى برهومي: مقال عميق جدا مسني بقوة و كأنه رسالة لي بالذات شكرا جزيلا على هذه الهدية القيمة ممتنة جدا
2026-09-21 18:33:58
احمد: (أستاذه)
2026-09-21 14:35:27
احمد: رائع جدا أساذه لبنى 🤍🤍🙏🙏
2026-09-21 14:34:15