طبعا بعد خوضي في فلسفة التشخيص و التجريد و علم الدكتور هاشم الذي انار العقول ، وكان سببًا في تقويم الفكر وتقعيده، والانتقال به من مجرد ملاحظة الأشياء إلى تحليلها وتأملها بصورة أكثر عمقًا و رؤيتها من زاوية مختلفة، تتجاوز الظاهر التشخيصي، فتنتقل إلى الباطن التجريدي، ومن ملاحظة الشيء في حضوره المباشر إلى التساؤل عن معناه وما يختبئ وراءه من أبعاد.
جلب انتباهي حديثه عن أصل حواء الذي طرحه في إحدى لقاءاته حيث أشار بأن أمنا حواء هي من الجن !. كانت فكرة غريبة نوعاً ما عن النمطية الموروثة.
لكن خطر ببالي موضوع علمي/بيولوجي عن الميتاكوندريا فربطه بطرح د هاشم . (أرجو أن يكون ربطي موفقاً).
الميتوكوندريا بين الطاقة والجِنّ والأم الأولى :
الميتوكوندريا هي عضيات صغيرة موجودة داخل معظم خلايا الجسم، وتُعرف غالبًا بأنها «مصانع الطاقة» في الخلية، إذ تساهم في تحويل الطاقة الكيميائية الموجودة في الغذاء إلى طاقة قابلة للاستعمال، تحتاج إليها الخلايا للقيام بوظائفها والحفاظ على بقائها.
وقد اهتمت الدراسات العلمية بخصوصية الميتوكوندريا من الناحية الوراثية، ومن بينها دراسة Molecular Basis for Maternal Inheritance of Human Mitochondrial DNA، التي تناولت الأساس الجزيئي للوراثة الأمومية للـDNA الميتوكوندري. ويُعرف علميًا أن الـDNA الميتوكوندري عند الإنسان يُورث عادةً عبر الأم، في حين أن المادة الوراثية النووية تأتي من الوالدين معًا.
لكن الميتوكوندريا لا تثير اهتمامًا علميًا فقط، بل يمكن أن تصبح أيضًا موضوعًا للتأمل الفلسفي، لأنها تفتح أسئلة تتعلق بالأصل والهوية والوراثة والعلاقة بين الأم والابن.
تبدو الميتوكوندريا، في النظرة الأولى، مجرد عضية داخل الخلية مسؤولة عن عمليات إنتاج الطاقة. غير أن وجودها يفتح سؤالًا فلسفيًا أعمق: إلى أي حد يساهم أصلنا البيولوجي في تشكيل هويتنا؟
فالإنسان لا يرث مادته الوراثية بالطريقة نفسها من الأب والأم. وبينما يأتي معظم الـDNA النووي من الوالدين معًا، ينتقل الـDNA الميتوكوندري عادةً عبر الأم. وهذا يجعل الميتوكوندريا، من زاوية فلسفية، أثرًا بيولوجيًا متواصلًا يربط الأجيال بخط أمومي.
وهنا يمكن أن تصبح الميتوكوندريا مدخلًا للتفكير في مفهوم الطاقة النارية الجنية. فإذا كانت النار في صورتها المادية ظاهرة مرتبطة بالحرارة والتحول وتحرير الطاقة، فإن النشاط الميتوكوندري نار داخلية لا نراها بالعين، لكنها ترتبط بالعمليات التي تجعل الحياة ممكنة.
وكأن داخل كل خلية شعلة صغيرة صامتة؛ لا تضيء كما تفعل النار الخارجية، ولا تحرق بالطريقة نفسها، لكنها تساهم في استمرار الحياة والحركة والبقاء والتجدد , تنتقل عبر الأم. طاقة تسمح باستمرار الحياة، وسلسلة من الأجيال تربط الإنسان بماضيه.
ومن هنا تبرز فكرة فلسفية تجمع بين الطاقة النارية الجنية والأم الأولى التي ترمز إليها حواء وأصل الإنسان
ومن هنا يمكن الانتقال إلى مفهوم التجريد. فالميتوكوندريا نفسها كانت، بالنسبة إلى الإنسان القديم، جزءًا من عالم لا يمكن رؤيته مباشرة، ثم أصبح العلم قادرًا على كشفها ودراسة وظائفها وقياس بعض عملياتها. ولذلك يمكن القول إن الميتوكوندريا تمثل لامرئيًا علميًا: شيء لا نراه بأعيننا، لكنه قابل للملاحظة غير المباشرة والقياس والتفسير العلمي.
أما الطاقة الجنية فتنتمي إلى مجال مختلف؛ مرتبط بالمجال الديني والتجريدي ،. ومن هنا يمكن طرح تمييز فلسفي مهم:
الميتوكوندريا تمثل اللامرئي العلمي، بينما يمثل الجن اللامرئي التجريدي.
وبذلك تصبح الميتوكوندريا نقطة التقاء بين عدة أسئلة: سؤال الطاقة، وسؤال الحياة، وسؤال الأصل، وسؤال الأم، وأخيرًا سؤال التجريدي. ومن خلال هذا التقاطع يمكن للميتوكـوندريا أن تتحول من مجرد موضوع بيولوجي إلى مدخل فلسفي للتفكير في الإنسان: كائن يحمل في داخله أثر ماضيه)أمه حواء الجنية النارية(، وطاقة حاضره، وتساؤلًا دائمًا حول أصله وما يظل خفيًا وراء وجوده.
وفي النهاية، لا أتعامل مع هذا الربط بوصفه حقيقة علمية أو إثباتًا لتطابق المفاهيم، وإنما كمساحة للتأمل وفتح الأسئلة؛ فحين يلتقي التشخيص بما يكشفه العلم مع التجريد بما يفتح أبواب التساؤل، يصبح الإنسان نفسه ساحةً للبحث عن المعنى. وربما تكمن قيمة الفكرة لا في الوصول إلى إجابة نهائية، بل في قدرتها على نقلنا من رؤية الشيء كما يبدو، إلى التساؤل عمّا يمكن أن يكون وراءه، ومن المعلوم إلى المجهول، ومن التشخيص إلى التجريد.
التعليقات:
2026-09-20 20:20:34