﴿وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾
لفتني أولا أن القرآن لم ينف عنهم النظر؛ إنهم ينظرون فعلا، ثم تأتي المفارقة: ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾.
إذن، ثمة مسافة بين النظر والإبصار.
وهنا أجد التجريد ينقلني من العين إلى المتلقي؛ فليس كل ما يصل إلى الإنسان يصبح بالضرورة جزءا من وعيه. قد يحدث الاستقبال، بينما البنية الداخلية ما تزال تعيد ما استقبلته إلى صورها السابقة، إلى ذاكرتها وما استقر فيها من تشخيصات.
وكأن الإنسان قد لا يكون أعمى عن الشيء فقط، بل قد يصبح أعمى به يراه لكن من داخل صورة سبقت رؤيته إليه، فلا يصل إلى ما أمامه إلا بعد أن يكون قد أعاد تشكيله على مقاس ما فيه.
وهنا أربكني سؤال الآية:
﴿أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾
لماذا يأتي السؤال عن الهداية بعد إثبات النظر؟
ربما لأن الخارج يستطيع أن يضع أمامك العلامة، وأن يدلّك عليها، بل وأن يزعزع يقينك، لكنه لا يستطيع أن يقوم مقامك في فعل التجرد.
هناك عتبة في الداخل لا يعبرها عن الإنسان معلّم، ولا كتاب، ولا معرفة مهما بلغت؛ لأن الانتقال من النظر إلى الإبصار لا يتعلق فقط بما هو حاضر أمامك، بل بما أصبح فيك مستعدا لاستقباله.
وهنا أعود إلى ما تعلمناه من فلسفة التشخيص والتجريد: ربما لا تغيب الحقيقة بقدر ما تضيق عنها أحيانا سعة الوعاء؛ وكلما تجرد المتلقي من صورة ظنّ أنها نهاية المرئي، اتسع لاستقبال وجه لم يكن غائبا عنه، وإنما لم يكن قد أصبح قابلا لرؤيته بعد.
لذلك لم تعد الآية عندي تسأل:
هل ترى؟
بل أخذتني إلى سؤال أشد قسوة:
كم مرة كنتُ أنظر… بينما الذي ينظر من داخلي لم يكن مستعدا بعدُ لأن يبصر؟
شكرًا أستاذنا د. هاشم بعض الآيات لا تحتاج أن نبحث لها سريعًا عن إجابة، بقدر ما تحتاج أن نسمح لها بأن تغيّر فينا موضع السؤال.
التعليقات:
2026-09-20 11:54:51