حين لا تعود السفينة كما كانت! مقال للكاتبة حياة الصالحي

20-09-2026

حين لا تعود السفينة كما كانت! مقال للكاتبة حياة الصالحي
أغلقتُ المقال، لكن البحر لم يُغلق معي.
بقيت كلمة واحدة تعود إليّ كلما ظننت أن الفكرة قد استقرت، كأنني مررت بها من قبل دون أن أنتبه إلى أنها لم تقل بعد كل ما فيها.
السفينة.
هذه المرة لم أذهب بعيدًا معها، بل عدت مباشرة إلى المشهد:
﴿فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾.
قرأتها ببطء، لكن عيني تعلقت بالفعل نفسه:
﴿خَرَقَهَا﴾.
الخرق حدث فعلًا، ولذلك جاء اعتراض موسى من داخل ما رآه:
﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾.
لم يتوهم موسى الخرق.
كان أمام فعل حقيقي أصاب سفينة تحمل أهلها في البحر، وما ظهر أمامه كان كافيًا ليجعل اعتراضه مفهومًا.
لكن العبد الصالح لم يناقشه في حقيقة ما رأى.
قال له:
﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾.
وهنا توقفت.
لم يقل: ما لا تعرف.
قال: ﴿لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾.
وفجأة بدا لي أن المسافة بين الرؤية والإحاطة أوسع بكثير مما نظن.
قد أرى الشيء كما وقع تمامًا، ثم أخطئ حين أتصور أن ما رأيته هو المشهد كله. وقد لا تكون المشكلة في العين التي رأت، بل في اللحظة التي نغلق فيها دائرة المعنى حول ما ظهر لنا، قبل أن نعرف ما يتصل به مما لم يظهر بعد.
وعلى غير انتظار، عبرت صورة الدكتور هاشم في ذهني.
ابتسمت.
في رحلتي السابقة كان نجمًا؛ كنت عند الدفّة أبحث عن الاتجاه، وكان حضوره يضيء الطريق دون أن يأخذ الدفّة من يدي.
أما هنا، أمام هذه الآية تحديدًا، وجدتني أقبل مغامرة أخرى:
ماذا لو انتقل الدكتور هاشم في رحلتي هذه من النجم إلى مقام العبد الصالح؟
وتركت الصورة تمضي بي.
فهذا بالضبط ما تفعله بي الرحلة معه كلما ظننت أنني أمسكت بالمعنى: لا يسحب مني ما رأيت، وإنما يفتح أمامه امتدادًا لم أدخله بعد في رؤيتي.
وكم مرة قلت في داخلي وأنا أقرأ الموسوعة:
الآن فهمت.
ثم قلبت الصفحة...
فاكتشفت أنني لم أكن أمام نهاية الجواب، بل أمام بداية سؤال آخر.
ومنذ ذلك الحين بدأت ﴿لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ تأخذ عندي معنى مختلفًا؛ لم تعد نقصًا في المعرفة بقدر ما أصبحت تذكيرًا بألا أجعل ما بلغته منها جدارًا يمنعني مما بعدها.
ثم جاء تفسير الخرق:
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾.
هذه المرة لم تستوقفني السفينة أولًا.
استوقفتني كلمة واحدة:
﴿وَرَاءَهُم﴾.
كان الملك موجودًا منذ البداية.
لم يظهر بعد الخرق ليغيّر معنى ما حدث، بل كان جزءًا من المشهد منذ اللحظة الأولى، وإن لم يكن داخل مجال رؤية موسى.
وهنا تغير السؤال عندي.
لم يعد: ماذا رأى موسى؟
بل: ما الذي لم يدخل بعد في مجال رؤيته؟
رأى الخرق، ولم يرَ «وراءهم».
وحين دخل «وراءهم» في المشهد، لم يتغير الخرق؛ الذي تغير هو المعنى الذي أصبح ممكنًا أن نراه فيه.
عندها شعرت أن كلمة «وراء» بدأت تخرج من حدود الحكاية.
لأنني أنا أيضًا، حين أنظر إلى شيء، لا أقف أمامه وحدي.
يأتي معي شيء من ورائي.
ذاكرة سبقت اللحظة، ومألوف استقر طويلًا، وخوف قديم، ورغبة خفية، وصورة كوّنتها عن نفسي وعن العالم، وأجوبة تعلمت أن أطمئن إليها قبل أن أعرف لماذا اطمأننت إليها.
كل ذلك قد لا يظهر أمامي...
لكنه يدخل معي في الرؤية.
وفجأة لم يعد الملك وحده هو الذي كان «وراءهم».
صار السؤال أقرب:
ماذا يوجد ورائي أنا حين أقول: هكذا أرى؟
هنا عادت السفينة.
ولست أتعامل مع حروفها بوصفها قاموسًا مغلقًا أو تفسيرًا ملزمًا، وإنما أتتبع حركتها حين تفتح في الكلمة بابًا للتأمل؛ ففي السين يلوح لي السريان والحركة، وفي الفاء فتح وانكشاف، وفي النون احتواء وحمل للأثر.
سريان، ثم فتح، ثم حمل.
وبدا لي أن السفينة لا تكشف حقيقتها وهي راسية.
لا بد أن تدخل البحر.
فالحركة هي التي تختبر بنيتها، والعبور هو الذي يكشف ما تستطيع حمله، وما يمكن أن يحدث فيها وهي تحمل.
وهنا جاءني سؤال لم أكن أبحث عنه:
من هي الحاملة؟
بدا الجواب أول الأمر واضحًا.
السفينة.
هي التي تحمل، وهي التي تدخل البحر، وهي التي وقع فيها الخرق.
لكن شيئًا في الجواب لم يتركني أكتفي به.
فأنا أيضًا أحمل.
أدخل إلى المعرفة ومعي لغة سبقتني، وذاكرة، وتجارب، ومخاوف، ومسلمات، وصور كوّنتها عن نفسي وعن الأشياء. ثم أقرأ وأتعلم وأضيف معلومة إلى معلومة، وفكرة إلى فكرة، وقد أظن أنني تغيرت لأن ما أحمله أصبح أكثر.
لكن السفينة قد تمتلئ...
وتبقى السفينة نفسها.
وهنا انفتح الفرق أمامي فجأة:
هناك معرفة تدخل الحمولة،
ومعرفة تصل إلى الحاملة.
الأولى تزيد ما عندي.
أما الثانية فتفعل شيئًا فيَّ أنا.
وعند هذه النقطة فقط فهمت لماذا ظل الخرق يلاحقني منذ بداية المقال.
لأنه لم يقع في البحر.
ولم يقع في الحمولة.
وقع في السفينة نفسها.
وسكتُّ أمام الفكرة لحظة.
ثم لم أعد أرى سفينة موسى أمامي.
كنتُ أنا السفينة.
أنا التي تدخل البحر بما تحمله.
وأنا التي يمكن أن تجمع من المعرفة الكثير، بينما تظل البنية التي تستقبل بها تلك المعرفة على حالها.
وأنا التي قد أفرح بكل ما أضيفه إلى حمولتي، دون أن أسأل إن كان شيء مما تعلمته قد وصل فعلًا إلى الطريقة التي أرى بها.
عندها عاد الخرق، لكنني لم أعد أراه ثقبًا في خشب.
رأيته سؤالًا يصل إلى موضع لم أكن أريد فتحه.
رأيته لحظة يدخل فيها معنى جديد إلى يقين قديم، فلا يضيف نفسه إليه بهدوء، بل يحدث فيه شقًا يسمح لي بأن أرى من خلاله شيئًا لم تكن الصورة المكتملة تسمح لي برؤيته.
وهنا فقط اقترب مني قوله:
﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾.
أعيبها.
كم نخاف هذه الكلمة.
نريد صورنا مكتملة، وأفكارنا متماسكة، ويقيننا بلا شقوق. وكلما ظهر خرق أسرعنا إلى ترميمه، كأن سلامتنا رهينة بأن تبقى السفينة كما عرفناها.
لكن سفينة المشهد نجت لأنها لم تبق كما كانت.
العيب الذي أصاب صورتها هو نفسه الذي أخرجها من الصورة التي كان الملك يريدها.
ولو بقيت «كاملة» في عينه، لأُخذت غصبًا.
وهنا أصبح السؤال أكثر إزعاجًا:
كم صورة أحرسها في داخلي لأنني أخشى أن تُرى ناقصة، بينما يكون بقاؤها مكتملة هو ما يمنعني من تجاوزها؟
صورة العارف الذي لا يراجع.
صورة المتعلم الذي يريد أن يصل سريعًا إلى: «فهمت».
صورة الإنسان الذي يطمئن إلى ما ألفه، ثم يدافع عنه لا لأنه أحاط به، بل لأنه أصبح جزءًا من الطريقة التي يرى بها نفسه.
عندها فهمت لماذا تستطيع بعض الأجوبة أن تريحنا، بينما تقلقنا بعض الأسئلة.
فالجواب يمكن أن أضعه في السفينة إلى جانب ما أحمله.
أما السؤال الحقيقي...
فقد يخرق السفينة.
وهنا وجدت فلسفة التشخيص والتجريد تعمل فيَّ من مكان أعمق من المصطلحات.
لم تعد المسألة عندي أن أمتلك مفاهيم جديدة أصف بها الواقع، بل أن ألتفت إلى البنية التي تصنع الصورة في داخلي قبل أن أقول عن الخارج: هكذا هو.
أن أسأل عمّا جاء معي إلى الرؤية.
عن الذاكرة التي لونتها.
عن المألوف الذي رسم حدودها.
عن الخوف والرغبة والصورة السابقة التي ربما كانت تعمل في الخلفية بينما كنت أظن أنني أنظر إلى الشيء وحده.
وعندما عدت إلى المشهد كله، رأيت شيئًا بالغ البساطة لم أنتبه إليه من قبل.
العبد الصالح لم يغيّر البحر.
ولم يغيّر طريق السفينة.
ولم يُزل الملك من مكانه.
لقد غيّر السفينة التي ستواجه كل ذلك.
وهنا عادت إليّ الجملة الأولى من المقال.
كنت أظن أن البحر لم يُغلق معي لأن كلمة «السفينة» بقيت عالقة في ذهني.
والآن فقط أدركت لماذا.
لأنني منذ البداية لم أكن أبحث عن السفينة.
كنت أبحث عني.
وما زالت الرحلة مفتوحة.
ولا أعرف أي خرق ينتظر صورة أخرى ظننتها مكتملة.
وللمرة الأولى، لا أريد أن أعرف مسبقًا.
يكفيني أنني حين يضطرب فيَّ شيء كنت أظنه مستقرًا، لن أسرع إلى ترميمه لمجرد أن الخرق أخافني.
ربما سأتريث قليلًا.
سأنظر إلى ما حدث...
ثم أتذكر أن ما أمامي ليس بالضرورة كل ما في المشهد.
فقد يكون هناك دائمًا شيء وراء ما أراه.
وقد يكون بعض ما ظننته عيبًا هو المنفذ الذي أحتاجه كي لا أبقى كما كنت.
ولعل السفينة لا تنجو دائمًا بأن تصل سليمة كما انطلقت...
لعلها تنجو أحيانًا لأنها لم تعد كما كانت هذا التص الذي وصله

التعليقات:

طارق ابو السندس: العين مغلقة على ما هي مفتوحة عليه او مفتوحة على ما هي مغلقة عليه . كانط ...... ابدعتى التحقيق
2026-09-20 11:53:46
نبيل شياكه: بقاء بعض العيوب اسلم من ترميمها ( يجب ان يدرس هذا الكلام )
2026-09-20 11:19:59