من خلال ما تعلّمته من معلمينا الدكتور هاشم والدكتورة علا بدأت أرى العلاقات من زاوية مختلفة فالأخر ليس دائمًا مجرد شخصٍ نلتقيه بل قد يكون مرآةً تكشف لنا شيئًا في أنفسنا، وقد يكون ما يقع علينا من أثرٍ بدايةً لتحولٍ أعمق في وعينا.
ولعل أسمى وأجمل ما يمكن أن يُكتب عن جوهر العلاقات والأخلاق لا يحتاج أحيانًا إلى كثير من الكلام لأنه قد تجسّد أمامنا في سلوكهما وتعاملهما. ويكفي أن نتأمل ما يجسّدانه من جمالٍ في العلاقة، ورقيٍّ في التعامل، وصدقٍ في المعنى، حتى ندرك أن بعض القيم لا تُشرح فقط، بل تُرى وتُعاش، وتترك فينا وقعًا عظيمًا.
ومن هنا، ومن خلال فلسفة التشخيص والتجريد كانت هذه بعض الأفكار التي بدأت أفهمها من خلال هذه الرؤية ...
حين لا تكون العلاقة مع الآخر إلا علاقةً مع نفسك
نحن نعيش في وجودٍ لا يبدو فيه شيءٌ بلا أثر ، وجودٍ تجري فيه الأشياء ضمن سنن وقوانين، ويُحاسَب فيه الإنسان على ما يصدر عنه، حتى على ما قد يظنه هو صغيرًا عابرًا لا يستحق الالتفات. ولذلك فإن الكلمة التي نلقيها بلا تفكير، والموقف الذي نمارسه في لحظة غضب، قد لا ينتهي بانتهاء اللحظة، فقد تهوي الكلمة في نفس إنسانٍ فتستقر فيها، وتعيد تشكيل نظرته إلى نفسه، ثم نظرته إلى الحياة، ثم طريقته في التعامل مع من حوله.
فالوقع لا يتوقف عند لحظة وقوع الفعل.
كلمة قاسية من أب، أو إهانة من أم، أو تجريح من شريك، أو موقف يشعر فيه الإنسان بأنه غير مرغوب أو غير كافٍ، قد يتحول مع الزمن إلى جدارٍ داخلي. والإنسان حين يتألم لا يبني دائمًا جدارًا لأنه يريد القسوة، بل قد يبنيه لأنه يريد النجاة. ثم ينسى، بعد سنوات، أنه هو الذي بناه، فيظن أن الجدار هو شخصيته.
ومن هنا تبدأ مشكلة العلاقات.
نحن كثيرًا ما ندخل العلاقة ونحن لا نرى الآخر، بل نرى أنفسنا من خلاله. نبحث عن عيوبه، ونحصي أخطاءه، ونمسك بنقاط ضعفه كما لو أننا في ساحة حرب، وكأن انتصارنا لا يتحقق إلا إذا أثبتنا أن الآخر أسوأ منا. وربما كان السبب الأعمق أننا لم نكن صادقين مع أنفسنا بما يكفي لنرى عيوبنا.
فالإنسان قد يرفض في نفسه صفةً معينة، ثم يغضب حين يراها في غيره. وقد يطلب من الآخر أن يكون ما عجز هو عن أن يكونه. وقد يحوّل عيب الآخر إلى سلاح، لا ليعينه على التخلص منه، وإنما ليغطي به على عيبه هو.
وهنا تأتي دلالة المرآة.
حين قيل: «المؤمن مرآة أخيه»، يمكن أن نتأمل المرآة قبل أن نتأمل الصورة. فالمرآة لا تخترع وجهًا، وإنما تعكسه. لكنها إن كانت مغطاة بالغبار، فلن تُظهر الصورة كما هي ستظهر مشوهة بقدر ما عليها من شوائب.
وكذلك الإنسان.
إذا كانت داخله أحقاد، واستكبار، وإسقاطات، وعدم صدق مع الذات فقد يرى الآخر من خلال غبار نفسه، فيظن أنه يراه كما هو بينما هو في الحقيقة يرى صورةً صنعها هو عنه.
أما المرآة الصافية، فلا تستعمل ما تراه سلاحًا ولا تفضح العيب لتنتصر وإنما تكشفه لكي يُصلح.
وهنا يتغير معنى العلاقة كلها:
لماذا أرى ضعف الآخر؟
هل لأنتصر عليه، أم لأعينه؟
ولماذا ظهر هذا الشخص في حياتي بهذه الصفات تحديدًا؟ ولماذا أثار في داخلي هذا الغضب أو هذه الشدة؟
ربما لأن العلاقة ليست دائمًا مجرد لقاء بين شخصين ربما تكون أيضًا مواجهة الإنسان مع شيء في نفسه.
ومن هنا يمكن أن نفهم أهمية البعد الافتراضي في تعاملنا مع الآخر.
ماذا لو افترضت أن هذا الإنسان الذي أمامي، بما فيه من ضعف وعيب وقصور، ليس خصمًا لي، وإنما فرصة لأرى شيئًا لم أكن أراه في نفسي؟
ماذا لو افترضت أن وجوده في حياتي ليس لكي أزدريه، وإنما لكي أختبر ما في داخلي أنا؟
هل أنا رحيم حقًا؟
هل أنا حليم حقًا؟
هل أستطيع أن أعين الضعيف؟
أم أنني لا أكون رحيمًا إلا حين يكون الآخر كاملًا، ولا أكون حليمًا إلا حين لا يستفزني أحد؟
عندها لا يعود الآخر «ندًّا» لي، بل يصبح جزءًا من رحلة الارتقاء.
وهنا نصل إلى طبقة أعمق: الخط الرحماني والخط الشيطاني.
فبعض ما يقع في حياتنا يأتي في صورة تأزيم، وكسر، وإغواء، وقسوة، وإفساد للعلاقات وقد يصبح الإنسان حين يستسلم لهذه الدوافع أداةً في مسار شيطاني من حيث لا يشعر يغضب فيؤذي، ويُؤذى فينتقم، ويُهان فيهين، ويُكسر فيكسر غيره.
وهكذا لا ينتهي الأثر عند صاحبه، بل ينتقل من إنسان إلى آخر.
وهنا تكمن خطورة المسألة: أن يتحول الإنسان الذي وقع عليه الأذى إلى أداة جديدة تستكمل المسار نفسه.
لكن هل يعني ذلك أن ما جاء عبر الخط الشيطاني لا يمكن أن ينتج عنه إلا شر؟
هنا يظهر دور الوعي.
فالإنسان قد لا يملك دائمًا اختيار ما يقع عليه، لكنه يملك مساحةً عظيمة في كيفية تعامله مع ما وقع عليه.
قد يأتيك الأذى من مسارٍ شيطاني في ظاهره، لكنك تستطيع ألا تسمح له بأن يعبر منك بالطريقة نفسها.
يمكن أن يأتيك الغضب، فلا تعيده غضبًا.
أن تأتيك القسوة، فلا تصبح قاسيًا.
أن يأتيك الكسر، فلا تجعل مهمتك كسر الآخرين.
أن يزرع أحدهم فيك الخوف، فلا تزرع الخوف فيمن بعدك.
وهنا يتحول الأمر كله إلى وقود.
فالخط الشيطاني قد يقدم المادة الخام: الألم، الصراع، الاستفزاز، القسوة، الخلاف، والضغط. لكن الإنسان الواعي يستطيع أن يأخذ هذه المادة نفسها ويفهمها ويكشف ما أخرجته من داخله ثم يحولها إلى صبر ووعي ورحمة وحكمة.
فيتحول ما كان يمكن أن يكون وقودًا للخط الشيطاني إلى وقود للارتقاء في الخط الرحماني.
وهنا نفهم {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ ما نراه اذى وشدة هو خيرًا في ذاته فما يكون في ظاهره عذاب في باطنه رحمة .
إن الإنسان يستطيع أن ينتزع من التجربة المؤذية بابًا للارتقاء، بدل أن يسمح لها بأن تصنع منه نسخةً أخرى من مصدر الأذى.
وهذا يقودنا إلى قصة شاب لم يكن سيئًا في أصله بل كان طيب القلب محبًا للناس بسيطًا في تعامله لكنه عاش قسوة شديدة في حياته الأسرية وكان لما تعرض له من أبيه وقعٌ عميق فيه.
شيئًا فشيئًا تشكل حول ذلك القلب اللين جدار.
جدار من الشدة، والعناد، والكبرياء، والمكابرة عن الخطأ.
لم يكن ذلك الجدار هو حقيقته الأولى، وإنما كان شيئًا بناه مما عاشه ليحمي نفسه.
واجه العالم بالأداة نفسها التي واجه بها العالمُ قلبه وما كان في البداية وسيلةً للحماية أصبح مع الزمن حجابًا يحجب عنه ذاته.
ثم أصبح سجينًا داخل الجدار الذي بناه.
لكن حين بدأ يعي نفسه بدأ يهدمه.
والأعمق من ذلك أنه اكتشف أن من آذوه لم يكونوا فقط مصدرًا للألم بل أصبحوا من حيث لا يشعرون أدواتٍ أظهرت له شيئًا كان مستورًا فيه.
لقد أخرج الأذى إلى الظاهر ما كان يمكن أن يبقى خفيًا: الشدة، والعناد، والكبرياء، وعدم القدرة على الاعتراف بالخطأ.
وهنا تغير السؤال...
لم يعد لماذا فعلوا بي هذا؟
بل ماذا أظهر هذا فيّ؟
وهنا بدأت الرحلة من الخط الشيطاني إلى الخط الرحماني.
فبدل أن يستعمل ما عاشه مبررًا ليؤذي غيره استعمله مادةً لفهم نفسه وبدل أن يقول «أنا هكذا لأنهم صنعوني هكذا» بدأ يقول: «لقد كشفوا لي ما أحتاج إلى إصلاحه».
فالأذى الذي كان يمكن أن يعيد إنتاج نفسه من خلاله، أصبح وقودًا لتحرير نفسه منه.
وتظهر الفكرة نفسها في قصة رجل تزوج امرأة تحمل بعض الصفات التي كانت موجودة فيه هو أيضًا، لكنه لم يكن يراها في نفسه.
كان عنيدًا شديدًا، وكان يرى عناد زوجته وشدتها عيبًا فيها. وكثرت بينهما الخلافات، وكان يمكن لكل طرف أن يظل مشغولًا بإثبات أن المشكلة في الطرف الآخر.
لكن شيئًا تغير.
بدأ الرجل ينظر إلى المرآة بدل أن يحطمها.
قال في نفسه: ماذا لو كان ما أراه فيها موجودًا فيّ؟
فبدأ يغير نفسه يخفف عناده، ويضبط شدته، ويتجنب أن يجعل كل خلاف معركةً لإثبات الذات.
وما إن تغير هو حتى بدأ شيء من العلاقة يتغير.
فاكتشف بعد ذلك أن المرأة التي كان يظن أنه أفضل منها، كانت لها عليه فضيلة عظيمة، لقد جعلته يرى في نفسه ما لم يكن يستطيع رؤيته وحده.
وحين أصلح ما رآه فيها، انعكس إصلاحه عليها.
وهنا تتجلى صورة العلاقة على نحو آخر:
أننا أمام مرآتين متقابلتين، كل واحدة منهما تكشف للأخرى ما تحتاج إلى إصلاحه.
فإذا كان الآخر ضعيفًا، فربما لا يكون الاختبار فقط في ضعفه، بل في الطريقة التي سأتعامل بها مع ضعفه.
وإذا كان مخطئًا، فربما لا يكون السؤال فقط كيف أعاقبه على خطئه؟
بل: هل أستطيع أن أعينه على الخروج منه دون أن أزيده غرقًا فيه؟
ولهذا يصبح معنى : «لا تُعِن الشيطان على أخيك» كما يذكرنا الدكتور هاشم أعمق من مجرد الامتناع عن الأذى لأنك حين تدفع إنسانًا بعيبه أو تحطم ضعفه، أو تستعمل خطأه سلاحًا عليه، فقد تكون قد ساعدت المسار الذي كان ينبغي أن تساعده على الخروج منه.
وفي الوقت نفسه، قد تكون قد كشفت شيئًا في نفسك أنت: قسوتك، أو غلظتك، أو عدم صبرك، أو رغبتك في الانتصار.
وهكذا يصبح الآخر اختبارًا لك كما أنت اختبار له.
لذلك ربما علينا أن نعيد النظر في مفهوم «الآخر» نفسه.
لماذا نراه دائمًا ندًا؟
لماذا لا نراه إنسانًا آخر في رحلة الإنسان نفسها؟
لماذا لا نفترض أن ضعف هذا الإنسان فرصة لأن يظهر مني ما إذا كنت رحيمًا حقًا؟
وأن عناده فرصة لأرى مقدار صبري؟
وأن إساءته فرصة لأرى هل سأكون امتدادًا للإساءة أم نقطة توقفها؟
فقد يدخل إلينا الأذى لكن ليس من الضروري أن يخرج منا أذى.
قد يدخل الكسر ويخرج وعيًا.
وقد تدخل القسوة وتخرج رحمة.
وقد يدخل الاستفزاز ويخرج منه حلم.
وهنا يصبح الارتقاء الحقيقي ليس في أن نعيش في وجودٍ خالٍ من الصعوبات، وإنما في أن نعبر الصعوبة دون أن تسمح لها بأن تعيد تشكيلنا على صورتها.
فالخط الشيطاني قد يضع أمامك المادة، لكنه لا ينبغي أن يحدد نهايتك.
قد يفتح لك باب الصراع، لكنك تستطيع أن تختار باب الرحمة.
قد يكشف لك أسوأ ما فيك، لكنك تستطيع أن تجعله ظاهرًا لكي تعالجه، لا لكي تستسلم له.
وقد يستخدم إنسانًا لإيذائك، لكنك تستطيع ألا تتحول إلى أداةٍ جديدة لإيذاء غيرك.
وهنا ربما يكون أعظم ما نتعلمه من العلاقات:
أن الآخر ليس دائمًا من جاء ليؤذيك، ولا من جاء ليكملك، ولا من جاء لتغيّره قد يكون من جاء ليكشفك لنفسك.
والسؤال الحقيقي إذن ليس فقط:
ماذا فعل الآخر بي؟
بل: ماذا أظهر الآخر فيّ؟
ثم السؤال الأعمق:
ماذا سأفعل أنا بما أظهره؟
فمن هنا تبدأ الرحلة: من الوقع إلى الوعي، ومن التشخيص إلى التجريد، ومن رؤية الآخر إلى رؤية النفس، ومن أن نكون أدواتٍ في سلسلة الأذى… إلى أن نقطع السلسلة ونحوّل ما وصل إلينا من وقودٍ مؤلم إلى طاقةٍ نصعد بها في الخط الرحماني.
التعليقات:
2026-09-20 11:50:29
2026-09-20 10:50:24