منذ أن طُرح عنوان (الوقع في العلاقات) استعدادا للقاء الليلة، ظلت كلمة واحدة تشدني إليها أكثر من العلاقة نفسها:
الوقع.
كنت أستطيع أن أمرّ عليها باعتبارها أثرا يتركه إنسان في آخر، لكن شيئا في الكلمة كان يرفض هذا الاختصار. فالأثر نراه بعد أن يحدث، أما الوقع فيأخذني إلى لحظة أسبق: ماذا يحدث فينا حين يصل إلينا شيء من الآخر؟
كلمة، نظرة، موقف، صمت… أشياء قد لا تستغرق إلا لحظة، ومع ذلك لا تتساوى في مرورها بنا. بعضها يعبر كأنه لم يكن، وبعضها يدخل إلى موضع لا نعرفه إلا حين نكتشف أن شيئا فينا قد تغيّر.
وهنا وجدتني أعود، كما أفعل كلما أربكني ظاهر المعنى، إلى ما تعلمته من فلسفة التشخيص والتجريد: ألا أتوقف عند صورة الواقعة وحدها، بل أحاول أن أرى الحركة التي تعمل خلفها.
فلماذا تقع الكلمة نفسها في نفسين بوقعين مختلفين؟
ربما لأننا لا نستقبل بعضنا على أرض خالية.
فالذاكرة ليست مجرد مكان نعود إليه لاستحضار ما مضى؛ إنها حاضرة في بنية التلقي نفسها. حين تصلني كلمتك لا تدخل فراغًا، بل تدخل نفسًا لها بنيتها وإدراكها وصورتها عن ذاتها وعن الآخر.
وهنا استوقفني قوله تعالى:
<وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا>
في أنفسهم.
كأن القول لا ينتهي عند خروجه من قائله؛ له رحلة أخرى تبدأ حين يبلغ النفس.
وهنا حضرت أمامي صورة الشجرة. فالماء الذي يصل إلى الجذر لا يبقى قطرة كما دخل؛ تتلقاه بنية حية، فيسري فيها ثم يظهر ورقا أو زهرا أو ثمرا.
فماذا لو كان شيء من ذلك يحدث في العلاقات؟
ربما نحن أيضا لا نحفظ كلمات بعضنا كما قيلت، بل نحوّلها فينا.
ولهذا لا تكفي أحيانا عبارة: «لم أقصد ذلك»، لأن القصد يصف ما خرج مني، لكنه لا يصف وحده ما حدث حين بلغك. وفي المقابل، لا يكفي أن أجعل إحساسي دليلا كاملا على قصدك؛ لأنني أنا أيضًا كنت حاضرا في عملية التلقي.
وبين الاثنين بدأت أرى معنى الوقع.
وفي قراءة رمزية لحروف وَقْع، لفتني مسارها:
و: وصل.
ق: إحاطة وقبض.
ع: ظهور وتعيّن.
وكأن شيئا يصل، فيُحتوى، ثم يظهر.
لكن الذي يظهر فيَّ بعد أن تلقيتك لن يبقى فيَّ؛ سيعود إليك في كلمة أو نظرة أو استجابة، فيقع فيك بدوره.
وهنا لم أعد أرى العلاقة خطا بين شخصين، بل حركة بين وعاءين: أتلقى منك، يتحرك ما تلقيته فيَّ، ثم أفيض إليك؛ فتتلقى أنت، ثم تعيد الحركة من جديد.
وربما لهذا استوقفتني كلمة واحدة في قوله تعالى:
<وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً>
بينكم.
كأن العلاقة لا توجد في أحد الطرفين وحده، بل يتكوّن لها مجال ثالث: ما بيننا.
وهنا يمكن أن نفهم كيف يصنع الوقع وجهين مختلفين للعلاقة.
قد تقع كلمة في إنسان فتضيّقه، وقد تقع فيه كلمة أخرى فتوسّعه. كلمة واحدة طيبة قد تعيد إليه ثقته، أو تمنحه سكونا كان يحتاجه، أو تجعله يرى في نفسه إمكانية لم يكن يراها.
وربما لهذا جاءت الصورة القرآنية للكلمة الطيبة مدهشة:
<كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ>
لم يشبّهها بشيء يمرّ، بل بشيء ينبت.
وهنا يصبح الوقع الطيب أعمق من كلمة جميلة. فقد تقول لإنسان كلمة وتنساها أنت، لكنها تجد فيه موضعا صالحا، فتنمو، ثم تظهر يوما في موقف أو قرار أو ثقة أو رحمة يفيض بها هو على غيره.
كأن الكلمة لم تقع فيه فقط؛ امتد وقعها من خلاله.
والعكس ممكن أيضا.
قد يقع الخوف فيَّ فأدافع، فيقع دفاعي فيك هجوما، فتبتعد، فيقع ابتعادك فيَّ رفضا… وبعد قليل لا نعود نعرف أين انتهى فعلك وأين بدأ رد فعلي.
وهنا، إذا بقينا في التشخيص، سننشغل بمن قال ومن بدأ ومن أخطأ. أما التجريد فيسمح لنا أن نرى ما هو أعمق:
الدورة التي بدأ الوقع يصنعها بيننا.
وهنا يعود السكون بمعنى آخر.
<لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا>
فالسكينة ليست فقط أن أشعر بالراحة معك؛ ربما هي أيضا أن تصبح نفسي أكثر قابلية لأن تتلقاك دون أن يسبق اضطرابها حضورك.
لأن النفس المضطربة قد تسمع خوفها في كلامك، وترى صورتها عنك قبل أن تراك أنت.
وحين يحدث ذلك قد لا أعود في علاقة معك، بل مع الصورة التي كوّنتها عنك.
وهنا يظهر التجريد في أدق صوره: ألا أنكر ما وقع، لكن ألا أختزل الإنسان فيما وقع منه. أن أبقي باب التلقي مفتوحا، لأن الإنسان أوسع من موقف، والعلاقة أوسع من لحظة.
وعند هذه النقطة توقفت أمام قوله تعالى:
<ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ>
مرة أخرى يعود البين.
لكن هذه المرة مع فعل: ادفع.
وقد لا أملك ما وصلني منك، ولا أول حركة أحدثها فيَّ، لكنني أملك شيئا بالغ الأهمية: ما الذي سأدفع به أنا بعد أن أتلقى؟
وهنا توجد، ربما، مساحة الاختيار.
أن يصلني شيء فلا أكون مضطرا إلى إعادته كما وصل. أن يمرّ عبر وعيي قبل أن يعود إليك.
فإذا كان الوقع الجارح قادرا على أن يتكاثر بين نفسين، فلماذا لا يكون الوقع الطيب قادرا أيضا على أن يغيّر اتجاه العلاقة كلها؟
ومن هنا لم يعد سؤالي:
ما وقعك فيَّ؟
بل أصبح أوسع:
ماذا نصنع نحن بما يقع بيننا؟
وهنا أصل إلى السؤال الذي أريد أن أتركه مفتوحا :
إذا كان الوقع يولد من التقاء ما يصدر عن الإنسان ببنية النفس التي تتلقاه، فأين تقف مسؤولية صاحب الفعل، وأين تبدأ مسؤولية المتلقي؟
ثم، حين يعود كل واحد منا فيفيض على الآخر بما تلقاه منه، هل تبقى المسؤولية فردية فقط، أم تنشأ معها مسؤولية أخرى عن ذلك الشيء الذي نصنعه معا، والذي سمّاه القرآن بهذه الكلمة الدقيقة:
«بينكم»؟
ربما لهذا شدّتني كلمة «الوقع».
لأنها بدأت عندي بسؤال عن أثر إنسان في إنسان، وانتهت بي أمام شيء أكبر:
نحن لا نعبر بعضنا فقط… نحن نشارك في تشكيل ما يصبح ممكنًا بيننا.
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.