لا أدري لماذا قفزت إلى ذهني الآية الكريمة:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
ربما لأن ما بين الانتقال والجدار، وما بين الصمت والكلام، قد يكون أعمق بكثير مما تسمح لنا الصورة برؤيته.
فالكظم، في أحد وجوهه، ليس مجرد حبسٍ للغضب، كما أن العفو ليس مجرد تجاوزٍ لفعل الآخر. ثمة حركة أعمق تحدث في النفس؛ حركة تتعلق بصورة الذات عن ذاتها، وبحاجتها إلى الدفاع عن صورتها، وإثبات حضورها، وانتزاع الاعتراف من الآخر.
فماذا يحدث حين تسقط هذه الحاجة؟
هل يصبح الكظم، حين يصفو، تحررًا من الذات التي تريد أن تنتصر؟
وهل يصبح العفو أوسع من إسقاط حق، إلى التحرر من الحاجة لأن يبقى الآخر أسيرًا للصورة التي كوّناها عنه؟
وهنا يأخذني السؤال إلى معنى التجريد.
فالتجريد ليس بالضرورة أن نكظم أو نتكلم، ولا أن نصمت أو نعفو بوصفها أفعالًا ظاهرة؛ بل قد يكون التجريد الحقيقي هو أن يتجرّد الباطن من تلك «الأنا التشخيصية» التي تجعل من كل موقف ساحةً لإثبات الصورة والدفاع عنها.
عندها لا يعود السؤال: ماذا فعل الآخر بي؟
بل يصبح: ما الذي يحدث في داخلي حين أرى ما فعله؟
وهنا تبدأ المسافة بين الحدث وتأويله، بين الفعل والصورة التي نصنعها عنه، وبين الأذى كما وقع والأذى كما تشخّص في وعينا.
ولعل أعمق وجوه التجريد أن ينتقل الإنسان من كظم الفعل إلى تجريد الدافع، ومن العفو عن الآخر إلى التحرر من الذات التي تحتاج إلى الانتصار عليه.
ومن هنا يفتح ختام الآية بابًا أبعد:
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
فحين يسقط طلب الاعتراف، وحين لا يعود الفعل صادرًا عن ذاتٍ تريد أن تُرى أو تثبت نفسها، ماذا يبقى؟
لعل الذي يبقى هو الأثر.
وهنا يأتي التأمل الذي فتحته لي كلماتكِ يا دكتورة علا: أن التجريد لا ينتهي عند فكّ ارتهان الوعي بصورة الآخر، بل قد يمضي إلى موضع أعمق؛ إلى الموضع الذي تبدأ فيه ثنائية الأذى والخير، والفاعل والمفعول بالتراجع، لا بمعنى إنكار الحدث أو تبرير الأذى، وإنما بمعنى التحرر من الصورة التي أغلقت معناه.
فما بدا في البدء أذىً، قد لا يبقى كذلك حين يتجرّد المشهد من تشخيصه الأول؛ فقد تكون الشفرة التي عبر منها الأذى هي ذاتها المعبر الذي يعبر منه الخير.
ولعل هنا يكمن أحد أسرار التحوّل الذي تفتحه الآية:
﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾
ليس بالضرورة أن يكون الآخر هو الذي تغيّر، بل قد يكون الذي تغيّر هو موضع الرؤية؛ فتتبدل علاقة الوعي بالحدث، وتنفتح خلف صورة العداوة طبقةٌ أخرى لم تكن مرئية.
وعندها لا يعود الإحسان فعلَ «أنا» تجاه «آخر»، لأن الأنا نفسها تكون قد تراجعت عن مركز المشهد.
فيصبح الإحسان أعمق من فعلٍ يصدر عن ذاتٍ تريد أن تُحسن؛ يصبح انكشافًا لخيرٍ كان يعبر المشهد من حيث لم نكن نراه.
وربما هنا تحديدًا يبدأ التجريد الحقيقي:
حين لا نعود أسرى للصورة،
ولا أسرى للدور،
ولا أسرى للحاجة إلى الانتصار،
وحين يتراجع «أنا الفاعل»…
ويبقى الفعل وأثره.
فالإحسان، في أعمق صوره، قد لا يكون أن تفعل الخير فحسب، بل أن تتجرّد من الذات التي تريد أن تُرى وهي تفعله.
التعليقات:
وممتنّة من القلب لأستاذي الفاضل د. هاشم نصّار؛ لهذا الأفق الذي فتحه في وعيي، وللعمق الذي جعلني أرى من خلاله ما وراء الصورة.❤️🙏
2026-09-17 08:24:24
وممتنّة من القلب لأستاذي الفاضل د. هاشم نصّار؛ لهذا الأفق الذي فتحه في وعيي، وللعمق الذي جعلني أرى من خلاله ما وراء الصورة .❤️🙏
2026-09-17 08:18:30
2026-09-16 22:35:45
2026-09-16 22:35:24