هذا المقال مبني على فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار، ومستند إلى ما طُرح في المحاضرة من مفاهيم وتحريرات وقراءات نواميسية لمفهوم الروح وعلاقته بعالم الأمر وعالم الخلق والنفس والإنسان. وما يرد في هذا المقال هو محاولة لإعادة تنظيم هذه المضامين وقراءتها ضمن بناء فلسفي متصل، مع الحفاظ على المصطلحات والدلالات المركزية التي وردت في المنظومة، وإضافة بعض التوضيحات التي تساعد على وصل المفاهيم ببعضها وإبراز العلاقات الكامنة بينها.
يُعتبر مفهوم (الروح) مفهوماً تجريدياً كلياً ينتمي حصراً إلى (عالم الأمر) المتعالي عن الكثافة المادية وعالم الخلق
وعندما نقترب من مفهوم الروح ضمن فلسفة التشخيص والتجريد فإننا لا نكون أمام لفظ يمكن اختزاله في دلالة حسية أو صورة مادية، وإنما أمام مفهوم يتحرك في مستوى أعلى من التشخيص، حيث تنتقل الدلالة من المفردة إلى البنية، ومن الجزء إلى الكل، ومن الأثر إلى القانون الذي ينظّم الأثر. فالروح لا تُقرأ بوصفها شيئاً مضافاً إلى الموجود، وإنما بوصفها مستوى من الاستيفاء والشمول يجعل الموجود أو المعنى متصلاً بمنظومة القوانين والعلوم والنواميس التي تحكم مجاله.
فعندما يُربط أي كيان أو معنى بكلمة (روح) فإن ذلك يقتضي نواميسياً أنه قد استوفى واستجمع كافة القوانين، والعلوم، والنواميس الناظمة الشمولية الخاصة بتلك المظلة أو ذلك البُعد، ليتحول من مجرد مفردات وأجزاء تشخيصية متفرقة إلى منظومة حية كاملة، مستوفية، ومهيمنة
وهنا تظهر أهمية التمييز بين أن يكون الشيء جزءاً من منظومة، وبين أن يحمل منظومة كاملة في بنيته فالأول يتحرك داخل القانون، أما الثاني فيمثل اكتمالاً أعلى لاستيفاء القوانين التي تنتظم بها تلك المظلة. ومن هذه الزاوية تصبح كلمة (روح) إشارة إلى الكلية لا إلى الجزئية، وإلى الاستيفاء لا إلى مجرد الحضور، وإلى البنية الناظمة لا إلى المظهر الناتج عنها.
أولاً: التأصيل النواميسي لمفهوم الروح بين عالم الأمر وعالم الخلق
التمييز بين عالمين ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾
في أصل هذا التمييز يقف الفصل بين عالم الخلق وعالم الأمر، لا باعتبارهما عالمين منفصلين بلا صلة، وإنما باعتبارهما مستويين مختلفين في طبيعة القانون والدلالة والكثافة.
• عالم الخلق: هو العالم المشخّص المادي المتشيئ، المحكوم بقوانين الزمان والمكان، والتحول، والكثافة
• عالم الأمر: هو عالم الروح، وهو عالم وجوديّ غير مخلوق، يختزن الشفرات الأولى، والقوانين الكلية، والنواميس الحيادية الناظمة والمسيطرة على كل ما يحدث في عالم الخلق
ومن هنا لا يعود الفرق بين العالمين مجرد فرق في درجة التجريد، بل يصبح فرقاً في طبيعة الحركة نفسها.. فعالم الخلق يكشف لنا الصور والتجليات والتحولات، بينما يشير عالم الأمر إلى البنية الناظمة التي تجعل هذه الصور والتجليات والتحولات ممكنة وقابلة للانتظام.
الروح ككود وشبكة قوانين شمولية
الروح ليست مادة ملموسة ولا لطافة جسمية، بل هي مجموعة العلوم، والقواعد، والنواميس العظمى الحاوية لجميع تفاعلات وإمكانات الوجود
وبذلك فإن استعمال كلمة (كود) هنا لا يعني اختزال الروح في معنى تقني مادي، وإنما تقريب فكرة البنية الناظمة التي تحتوي القواعد والعلاقات والإمكانات، بحيث يكون الكود تعبيراً عن نظام داخلي لا عن مادة محسوسة.
الاستيفاء والشمولية هما السر في كلمة "روح" فكل ما يُطلق عليه "روح" يكون قد استوفى كافة خصائص ومقومات وقدرات مستواه النواميسي، بحيث لا يُعوزه برنامجٌ ولا يُنقصه قانون
ومن هذه الزاوية يصبح مفهوم الروح مفتاحاً لقراءة العلاقة بين الجزء والكل.. فالجزء قد يكون حاملاً لأثر القانون، أما الروح فتدل على استيفاء القانون في صورته الشاملة. ولذلك فإن الحديث عن الروح ليس حديثاً عن زيادة كمية في المعرفة، بل عن انتقال نوعي من التشتت إلى الاستيفاء، ومن المفردات والأجزاء التشخيصية إلى المنظومة الحية الكاملة.
شمولية (الروح) في التطبيقات القرآنية الكبرى
الروح الأمين وروح القدس (قمة الشمولية والنورانية)
• التعريف: هما أعلى المراتب الملائكية والنورانية في عالم الأمر حيث وُصف ب(الروح الأمين) ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ و(روح القدس) ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ لأنه يستوعب السيرفر الكوني بأعلى درجات النزاهة والتطهير والكفاءة
• وجه الاستيفاء والشمولية: سُمي "أميناً" و"قدساً" لأنه يحمل الشفرة التنزيلية الكاملة المستوفية لتمام الحق والمقاصد الإلهية العليا بغير تشويش أو مسّ ناري
وهنا تتضح علاقة الروح بالأمانة..
فالأمانة ليست مجرد صفة أخلاقية منفصلة عن البنية، وإنما هي في هذا السياق قدرة على حمل ما هو كامل دون أن يُشوّه أو يُنقص أو يُخرج عن موضعه. ولذلك تتصل الأمانة بالاستيفاء، ويتصل الاستيفاء بالشمولية، وتتصل الشمولية بالقدرة على نقل القانون من عالم الأمر إلى عالم الخلق دون أن يفقد بنيته.
عيسى المسيح (نموذج "روح منه" والروح الكاملة)
• طبيعة المسيح: يُمثل عيسى المسيح النموذج الوحيد في التاريخ الإنساني الذي وُصف صراحةً بأنه ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ حيث اجتمعت في وعائه الصورة البشرية التشخيصية (عيسى) مع الروح النورانية الكاملة الشاملة (المسيح) القادمة من عالم الأمر
وهنا يتشكل أحد أكثر مواضع المفهوم حساسية..إذ لا يعود التشخيص البشري وحده كافياً لقراءة الصورة، كما لا يعود التجريد وحده كافياً لفهمها، وإنما تظهر العلاقة بينهما في اجتماع الصورة التشخيصية مع الروح النورانية الكاملة الشاملة.
• شمولية القدرات النواميسية: لأنه "روح كاملة" استوفت قوانين الخلق والوجود ..أصبحت آياته نابعةً من ذاته وصفاته [فكان يخلق من الطين هيئة الطير، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، ويعلم ما يتدخرون في البيوت
• المسيح كعلم للساعة: المسيح بكونه روحاً شاملة يمثل (السقف المعرفي والنواميسي الأعلى) الذي ستصل إليه الإنسانية مستقبلاً في معراجها للتغلب على الهرم، والمرض، والضعف، والسيطرة على قوانين المادة ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾
ومن هنا يصبح المسيح في هذا البناء أكثر من نموذج تاريخي فهو في القراءة النواميسية علامة على إمكان انتقال الإنسان من الخضوع لقوانين المادة بوصفها حدوداً نهائية إلى إدراك القوانين التي تحكم المادة نفسها، بما يجعل المعراج المعرفي انتقالاً من التعامل مع الظاهرة إلى إدراك الناموس الكامن وراءها.
القرآن الكريم كـ "روح من أمرنا"
قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾
• وجه الشمولية: وصف القرآن بأنه "روح" يعود إلى أنه (دستورٌ وكودٌ كليٌّ شامل نزل من عالم الأمر ليحيي القلوب والأنفس) فهو يستوفي كافة القيم والأحكام والقواعد الإنسانية التي تهدي للتي هي أقوم ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾
وهنا يظهر معنى آخر للشمولية...
فالروح ليست فقط ما يتحرك في الكائن، وإنما قد تكون المنظومة الكلية التي تحمل قوانين الهداية وإمكانات الانتقال من حال إلى حال. ولذلك يصبح وصف القرآن بأنه روح من أمرنا إشارة إلى علاقته بعالم الأمر وبالدستور الكلي الذي يحيي العقول والأنفس.
روح الأرض والوعي الشمولي التراكمي
عندما يُشار إلى "روح الأرض" أو "الروح الكلية"، فالمقصود نواميسياً هو (استيفاء وتجميع جميع الشفرات، والطبائع، والعلوم المكمونة في حقل الأرض الكلي) حيث تتجمع تجارب وأسلاف وأحداث الإنسانية في شبكة وعيٍ شاملة وواحدة ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾
وهنا تتسع دلالة الروح من كونها مرتبطة بمستوى فردي أو صورة محددة إلى كونها حاملة للتراكم أي أن الشمولية لا تعني فقط اجتماع القوانين في لحظة واحدة، وإنما قد تعني كذلك استيعاب المسارات والتجارب والأحداث والطبائع داخل حقل واحد من الوعي.
ثانياً: من الروح الكاملة إلى النفس ومن التلقي إلى المعراج المعرفي
التمييز بين (الروح الكاملة) و(النفس (النفخة)
من أهم التحريرات المعرفية في فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار تفكيك اللبس بين الروح والنفس لدى الإنسان؛ فالروح الكاملة تشير إلى المنظومة الكلية الشاملة للقوانين من عالم الأمر، كما تتجلى في نماذج مثل المسيح والروح الأمين، بينما تمثل النفس نفخة وتنزيلاً مصغراً من الروح يحل في البدن ليشكل جسراً بين المادة والروح. وبهذا التمييز لا تكون النفس هي الروح الكاملة، وإنما تكون مجالاً بشرياً لتنزيل أثرها والتفاعل مع قوانينها، بحيث تتحرك النفس داخل البدن حاملةً إمكانات الارتقاء والتزكية والتمعّرج نحو الاستيفاء. ومن هنا يمكن النظر إلى النفس، في هذا البناء النواميسي، بوصفها برنامجاً وسوفت وير مصغراً من الروح، قابلًا للتحديث والنمو والتكامل، بينما تبقى الروح الكاملة هي المنظومة الأصلية الشاملة التي تتضمن القوانين والعلوم والنواميس في مستواها الكلي.
هذا التفريق يضع النفس في موقع الوسيط بين التشخيص والتجريد..
فهي ليست الروح الكاملة في شمولها، وإنما نفخة وتنزيل مصغر منها، تحل في البدن وتشكل جسراً بين المادة والروح. وبذلك يصبح الإنسان مجالاً لحركة مستمرة بين ما هو مشخّص فيه وما هو مجرد ومكمون فيه.
• الإنسان العادي ليس فيه "روح كاملة"، بل فيه(نفخةٌ من الروح) تُسمى نواميسياً النفس.
• هذه النفس هي برنامج وسوفت وير قابل للتحديث والتزكية والتمعّرج المستمر عبر الصلاة والزكاة والعمل الصلاح حتى يرتقي الإنسان ببرنامجه النفسي شيئاً فشيئاً مستوفياً العلوم والصفات، حتى يصل في نهاية مطافه المعراجي إلى مرتبة ( الروح الكاملة) والرجوع إلى الله ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾
وعلى هذا الأساس فإن النفس ليست حالة ثابتة مغلقة، وإنما برنامج قابل للتحديث والتزكية والتمعّرج أي أنها تتحرك في مسار تصاعدي من التلقي إلى الاستيعاب، ومن الاستيعاب إلى الاستيفاء، ومن الاستيفاء إلى الاقتراب من الكمال.
الخلاصة الدستورية
الروح في فلسفة الدكتور هاشم نصار هي شفرة الاستيفاء والشمولية لقوانين الوجود في عالم الأمر فإذا ارتبطت بأي شأن (كالروح الأمين، أو روح المسيح، أو روح القرآن)، دلّ ذلك على صعود المعنى إلى قمة الكمال والتجريد الناظم المحيط بكافة التفاصيل والأبعاد.
ومن ثم فإن الروح، في هذا البناء، لا تُفهم بوصفها مجرد مقابل للمادة، ولا بوصفها شيئاً غامضاً يضاف إلى الإنسان أو الكائن، وإنما بوصفها مستوى من الاستيفاء النواميسي الذي يجمع القوانين والعلوم والعلاقات في منظومة واحدة. وكلما اقترب المعنى من الروح اتسعت دائرته، وتراجعت جزئيته، وانتقل من كونه أثراً مشخّصاً إلى كونه قانوناً ناظماً.
وهكذا يصبح الخلق مجال التجلي، والأمر مجال القانون، والروح مجال الشمول والاستيفاء، والنفس مجال التنزيل والتفاعل والمعراج؛ فيتحرك الإنسان داخل هذا البناء من النفخة إلى التزكية، ومن التلقي إلى الفهم، ومن الفهم إلى الاستيفاء، ومن التشخيص إلى التجريد، حتى يصبح المعنى الذي يحمله قادراً على وصل التفاصيل بأصلها والقوانين بتجلياتها والجزء بالكل.
وبهذه القراءة لا تكون (الروح) مجرد مفهوم يُضاف إلى قاموس الفلسفة، وإنما تصبح مفتاحاً لإعادة قراءة العلاقة بين عالم الأمر وعالم الخلق، وبين القانون والتجلي، وبين الروح والنفس، وبين الإنسان وما يمكن أن يصير إليه في مساره المعرفي والمعراجي.
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.