الهندسة العكسية واتساع النطاق الحسي من الكثافة إلى الانكشاف
في أصل خلقه التشخيصي يستند البدن البشري إلى (الفؤاد) بصفته وحدة المعالجة المركزية للحواس الخمس المشخّصة السمع والبصر والشم والذوق واللمس
وهذا الهاردوير الحسي مصمم تشخيصياً للعمل ضمن نطاق أطوال موجية وترددية محددة وضئيلة من الوجود فالأذن البشرية لا تسجل سوى الترددات المحصورة بين 5 هرتز و20,000 هرتز والعين لا تبصر سوى الضوء المرئي المحصور بين طيفي الأشعة تحت الحمراء وفوق البنفسجية
وهنا تبدأ الهندسة العكسية بوصفها انتقالاً من التعامل مع الحاسة كحد نهائي إلى قراءتها باعتبارها نظاماً له حدود وكثافات ونواميس فمحدودية الهاردوير الحسي الأرضي لا تعني بالضرورة محدودية الوجود ذاته وإنما تعني أن الإنسان في صورته التشخيصية لا يلتقط إلا جزءاً محدداً من هذا الوجود
عبر تطبيق الهندسة العكسية لا ينغلق الإنسان داخل حدود حواسه الضيقة بل يدرك أن المادة المشخصة ما هي إلا كثافة طاقية شُفّرت بأمر الله
وعند انضباط وتلاحم )الطبيعة الطينية (البدن)( مع )الطبيعة النارية (القرين والنواقل الطاقوية)( تحت قيادة )النفس العليا( تتسع الهالة الحامية وتتجاوز الحواس عوائق الكثافة المادية فيحدث تعرُّجٌ وتسامٍ حسي وتنكشف للعين والسمع ترددات وعوالم موازية غائبة كانت محجوبة بكثافة الطين
ومن هنا يصبح الانتقال من الحس إلى ما وراء الحس ليس قفزاً خارج النظام وإنما قراءة أعمق للنظام نفسه فالحاسة ليست نهاية المعرفة وإنما مدخلها والهندسة العكسية هي الحركة التي تعود من الأثر إلى القانون ومن الظاهر إلى ما يقف خلف الظاهر
ويأتي الشاهد القرآني في قوله تعالى
﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾
فالغطاء هو الكثافة التشخيصية والحديد هو الحِدّة الشديدة والنافذة للبصيرة والبصر بعد التجريد
وقال تعالى في سورة الإسراء
﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
حيث الفؤاد هو المسؤول عن تجميع وضبط المخرجات الحسية للسمع والبصر
ومن هذا الموضع يتشكل معنى الحاسة السادسة تشخيصياً فهي لحظة تضافر وتكامل الحواس الخمس في أعلى درجات تناسقها عند مِفصل الفؤاد
أما )الحدس النواميسي( فتجريدياً فهو نقطة اندماج إشارات الفؤاد الحسي والناري مع واردات )القلب النفسي (مركز النفس العليا القادم من عالم الأمر(
وعند ممارسة الهندسة العكسية لضبط الحواس وتقليل التلوث البصري والسمعي والتخفف من شهوات الطين والنار يصفو الفؤاد ويصبح مصفاةً نقيّة ومستقبلاً للإشارات النورانية المكمونة في الأرشيف الكوني فيستشهد الوعي بالواقع ليتنبأ بالأحداث قبل وقوعها بيقينٍ تام
وهنا لا تعود الحاسة السادسة إضافة حاسة جديدة إلى الحواس القائمة بقدر ما تصبح نتيجة لتكاملها وانضباطها وانتقالها من استقبال الأثر إلى قراءة الناموس الكامن خلف الأثر
سُلّم الارتقاء المعرفي من البيانات إلى النبوة والحكمة ومن التشخيص إلى التجريد
يُفرق الدكتور هاشم في نظرية المعرفة صارماً بين )المسار التشخيصي الحسّي (الفؤاد)( وبين )المسار التجريدي النفسي (القلب)(
ويمكن قراءة هذا المسار على هيئة حركة معرفية تبدأ من البيانات ثم تتدرج نحو المعلومات ثم العلم بينما تفتح الهندسة العكسية مساراً آخر يبدأ من المعرفة ثم الحكمة ثم النبوة
[ المسار التشخيصي المادي (الفؤاد) ] ───► بَـيَـانَـات ───► مَـعْـلُـومَـات ───► عِــلْــم
│
│ هندسة عكسية
▼
[ المسار التجريدي النواميسي (القلب) ] ───► مَـعْـرِفَـة ───► حِــكْــمَــة ───► نُــبُــوَّه
ومن البيانات إلى العلم مستوى الفؤاد
البيانات الرموز والأرقام الأولية المجردة مثل 1 و2
ثم تأتي المعلومات بوصفها ربط البيانات ببعضها لمخرجات حسية مفيدة 1+1=2
ثم العلم بوصفه تجميع المعلومات وتصنيفها في أبواب واستدلالات فيزيو كيميائية أرضية
غير أن المسار لا يتوقف عند حدود العلم لأن المعرفة تفتح انتقالاً آخر من التشخيص إلى التجريد ومن الظاهرة إلى القانون ومن المادة إلى ما وراء المادة
من المعرفة إلى النبوة مستوى القلب والنفس العليا
المعرفة العبور إلى فلسفة العلم وما وراء المادة الميتافيزيقا
الحكمة توظيف المعارف بأفضل الاستراتيجيات القيمية والأخلاقية لإصلاح الواقع الإنساني
النبوة أعلى درجات الترقي والاشراق المعرفي حيث ينفذ القلب إلى السيرفر الإلهي لـ (استقراء المستقبل والسنن الكونية الكلية عبر الواقع الموضوعي)
فالنبوة في فلسفته ليست حكراً تاريخياً مائتاً بل هي (مرتبة استحقاقية حية واستشراف نواميسي)
ويأتي الشاهد القرآني في قوله تعالى
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
وقال تعالى في سورة الشورى
﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾
ومن هنا تتجلى ثنائية التشخيص والتجريد في مسار الرسالات عبر ثلاثة نماذج كبرى
[ النموذج الموسوي ]───► قمة التشخيص المادي بصائر وآيات حسية خارجية العصا واليد والدم
│
▼
[ النموذج المسيحي ] ───► الجسر بين التشخيص والتجريد ذاته آية روح من عالم الأمر في صورة
│
▼
[ النموذج المحمدي ] ───► قمة التجريد المطلق القرآن الكود المعرفي العقل والناموس المتعالي
النموذج المسيحي عيسى ابن مريم
ماهيته يُعدّ عيسى المسيح )النموذج الأوسط والجسر النواميسي الجامع بين قمة التشخيص وقمة التجريد( فـ عيسى يعبر عن الصورة البشرية التشخيصية بينما المسيح يمثل الروح القادمة من عالم الأمر والتجريد
أما آياته والهندسة العكسية للمادة فلم تكن آيات المسيح أشياء خارجية عنه كعصا موسى بل كانت (صفاتٍ نابعةً من ذاته) حيث سيطر ببرمجته الروحية النورانية على قوانين الطب والفيزياء المادية الأرضية فكان يخلق من الطين هيئة الطير ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى
وتأتي الشواهد القرآنية لتفتح هذا المعنى
﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾
﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي﴾
النموذج المحمدي محمد رسول الله
ماهيته يمثل (ذروة التجريد المطلق والوصول إلى المقام المحمود) حيث انقطع ارتهان الوعي بالخوارق والمعجزات الحسية المشخصة وانتقل الإنسان إلى مرحلة النضج العقلي الكامل
أما القرآن كـ معراج تجريدي فآية النبي محمد الكبرى هي )القرآن الكريم( وهو ليس خرقاً حسياً صموتاً للمادة بل هو (دستورٌ وكودٌ تجريديٌّ نزل من عالم الأمر على القلب) ليُفعل عقول العباد ويدعوهم لممارسة الهندسة العكسية لقراءة آيات الآفاق والأنفس والتنبؤ بمستقبل الإنسانية والوصول إلى الأقوم
وتأتي الشواهد القرآنية
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾
﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾
الخلاصة
الهندسة العكسية في فلسفة الدكتور هاشم هي (المعراج المعرفي الذي يفكك شفرات الحواس الخمس والهاردوير المادي ليرتقي بالوعي الإنساني من شتات البيانات والظواهر الحسية المحدودة إلى رحابة الحكمة والنبوة والتألق المعرفي)
وهي المسار الذي يتكامل فيه )النموذج المسيحي( بصفته القدرة والتمكين والسيطرة على قوانين المادة والجسد في الأرض مع )النموذج المحمدي( بصفته قمة التجريد والاتصال المباشر بالناموس الإلهي الكلي والقرآن الخالد
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.