من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية
التشخيصُ وعبادةُ المقابس
07-11-2026
لقد رصدتُ بجهد المتأمل أَنَّ (العَقْل) الإنساني يميل غريزياً نحو "التَّشْخِيص"؛ وهُوَ ذَلِكَ النزوع الدائم إِلَى تحويل كُلّ مَا هُوَ "معنوي" و"مطلق" إِلَى "شخص" أو "جسم" أو "كيان" محدد له حدود وحيز. إنها فِي حقيقتها عملية "تبسيط مفرط" يمارسها الوَعْي كحالة دفاعية ضد الاعتراف بجهله ولكَيْ يَسْتَطِيع التعامل مَعَ مَا يفوق إدراكه وسعة استيعابه؛ تماماً كمَا نضع للكهرباء الهائلة أسلاكاً ومقابس لنستأنس بها فِي بيوتنا ونطوعها لاستخداماتنا اليومية، دون أَنَّ ندرك حقيقة تِلْكَ الطَّاقَة الجبارة فِي صورتها الخام.
لَكِنَّ الخطر الداهم الَّذِي رصدتُه فِي ثنايا الموروث الإنساني هُوَ أننا مَعَ مرور الوقت "عبدنا" المقابس والأسلاك ونسينا الطاقة "الكهرباء"؛ أَيُّ أننا انشغلنا بالصورة الذهنية المشخصة ونسينا المصدر. فالتَّشْخِيص فِي عدستي الفَلْسَفِيَّة هُوَ حالة مِنْ "تكثيف المعنى" تجعلنا نرى اللَّه كـ "سلطان مادي" أو "جسم نوراني" يسكن فِي مكان مَا، مما يسقطنا فِي فخ التشخيص الَّذِي يحرم الرُّوح مِنْ التحليق فِي آفاق التنزيه. وعندما حاولتُ التعبير عَنْ هَذَا الخلل البِنْيَوِيّ، وجدتُ أَنَّ اللغة التقليدية "تتواطأ" مَعَ هَذَا التَّشْخِيص ببراعة؛ لأنها لغة نابعة فِي أصلها مِنْ تجربة المَادَّة والارتباط بالحواس مما يجعلها قاصرة عَنْ وصف مَا وَرَاءَ المَادَّة دون تلويثه بالحدود والقيود.
ومع اعترافي بقصور اللغة أمام هيبة المعنى المتعلق بالمُطلَق كَانَ لزاماً عليّ أَنَّ أبحث عَنْ "بوابة خروج" معرفية، تمنحني الحَقّ والقدرة النسبية عَلَى التعامل مَعَ "النَّصّ الإلهي" خارج سجون اللغة الأرضية الكَثِيفَة. إِنَّ تحطيم "صنم التَّشْخِيص" هُوَ الخطوة الأُولَى نحو الاستقلال المعرفي؛ فمِنْ خلاله نتحرر مِنْ الأوهام الَّتِي تجعلنا نبحث عَنْ الإله فِي "الأين" و"الكيف"، لنبدأ فِي رصده عبر "أفعاله" و"تجلياته" التَّجْرِيدِيَّة الَّتِي تملأ الوُجُود. هَذَا الانفصال عَنْ لغة التَّشْخِيص هُوَ الَّذِي يفتح لنا آفاقاً جَدِيدَة لفهم الأُلُوهِيَّة كقيومية شاملة لَا يحدها تصور ولَا يحيط بها خيال سجين فِي عالم المقابس المَادِّيَّة فالفكرة تكمن بأننا مع اعترافنا بقصور اللغة المنطوقة عن إيفاء المعاني العليا حقها فإنه يصبح لزاما علينا ان تقر بمحدودية اللغة وحدودها من ناحية وان ننتقل من اعتماد تشخيصاتها المادية وتصوراتنا التقليدية من خلال استخدامها الى ان نستقرأ ما وراء بنية الكلمة والجُمّلة وان نفك تشفير المعنى المستبطن في قالب السياق اللغوي أو "اللساني".
إننا نهدف مِنْ خلال هَذَا المسار إِلَى إعادة ضبط "جهاز الاستقبال" الوعيوي لدينا؛ لكيلا نتوقف عِنْدَ حدود "عملية التحويل" البشرية للحقائق، بل ننفذ إِلَى الشيفرة الأصيلة التي تمنح هَذِهِ الصور وجودها. إِنَّ عبادة المقابس هِيَ الَّتِي أدت إِلَى تشرذم الوَعْي واختلاف المذاهب حَوْلَ "صورة" الإله، بينما التحرر نحو التَّجْرِيد هُوَ الَّذِي يوحدنا عَلَى "حقيقة" المصدر الوَاحِد، بعيداً عَنْ ضجيج المشخصات الَّتِي باعدت بَيْنَ العبد وربه.
"التَّجْرِيد" وتحرير التردد الروحي
فِي المقابل، برز مفهوم "التَّجْرِيد" فِي أفقي كعملية "تحرير شاملة للوعي" مِنْ قيود المَادَّة؛ إنها تِلْكَ المحاولة الإنسانية المتسامية لرفع "الغشاء المَادِّيّ" عَنْ الحقائق الكَوْنِيَّة للوصول إِلَى "الأصل الجوهري" الَّذِي لَا يحده وصف ولَا يحصره خيال. لقد وجدتُ بوضوح أَنَّ التَّجْرِيد لَيْسَ نقيضاً للواقع أو هروباً منه، إنما هُوَ فِي حقيقته "جوهر الواقع" وأساسه المتين؛ هُوَ تِلْكَ القدرة الفائقة عَلَى رؤية "القانون" القابع وَرَاءَ "الظاهرة"، ورؤية "المصدر" المشع وَرَاءَ "المرآة"، مما يحول العَالَم مِنْ ركام مِنْ الأجسام إِلَى سيل مِنْ المعاني والأنوار.
لقد كَانَتْ معاناتي الكبرى مَعَ اللغة تكمن فِي رغبتي المستمرة فِي الحديث عَنْ "اللامكان" بأدوات "المَكَان" المحدودة، وعَنْ "اللازمان" بلغة "الزَّمَان" المتعاقبة وعن "المطلق" بلغة "النسبيّ". لذا، جعلتُ مِنْ "التَّجْرِيد" منصةً بُعدية جَدِيدَة، أستطيع مِنْ خلالها قراءة القُرْآن بوصفه "خارطة طريق" سيالة للارتقاء الإنساني المستمر كونه -اللسان العربي المبين- لَا مجرد "قصص تاريخية" مشخصة فِي زمان ومكان غابرين. هَذَا التمييز الاصطلاحي كَانَ بمثابة "تحديث كونِي شامل" لمنظومتي الفِكْرِيَّة، سمح لي بتنظيم سيل الحقائق المتدفق مِنْ "المصدر الأعلى والمصدر الأَوَّل" بوضوحٍ فائق لَمْ أعهده مِنْ قَبْلَ، حَيْثُ أَصْبَحَ كُلّ نص وكُلّ آية بمثابة شيفرة رقمية تشير إِلَى حقيقة مجردة تتجاوز حدود التَّشْخِيص.
إِنَّ التَّجْرِيد هُوَ المفتاح الَّذِي يفك شيفرة "الوُجُود المذروء فِي اللَّه"؛ فمِنْ خلاله ندرك أننا لسنا مجرد أجساد تتحرك بل نَحْنُ ترددات واعية تسعى لاستعادة سرعتها النُّورَانِيَّة الأصلية. وبالتجريد وحده يبصر (القلب) أَنَّ الحَقّ أبلج لَا يَحْتَاج إِلَى أدلة مادية لتثبيته بل يَحْتَاج إِلَى "تطهير" للوعي مِنْ أثقال التَّشْخِيص. وكما أشار الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي فِي رؤيته الثاقبة الَّتِي تلامس شغاف هَذَا الطرح:
فَإِنَّما هَذِهِ الأَفواجُ تائِهَةٌ ... فِي غَمرَةٍ مِنْ ضَلالِ الجَهلِ تَنغَمِسُ
والحَقّ أَبلَجُ لَكِنَّ لَيْسَ يُبصِرُهُ ... عَقْلٌ بِأَثوابِ هَذَا الطِّين يَحتَبِسُ
لقد أزلت بهَذَا المصطلح جدران السجن المعرفي الَّذِي بناه "التَّشْخِيص"، وفتحتُ نافذةً عَلَى عوالم السيادة بالمعنى حَيْثُ يُصْبِح الإِنْسَان "مستخلفاً ربانيا" بالحَقّ لَا بالصورة و"قائماً" بالتَّجْرِيد لَا بالمَادَّة. إنها رحلة الانتقال مِنْ "عبادة المقابس" إِلَى "فهُمْ الكهرباء"، ومِنْ الارتباط بالظلال إِلَى الشهود الصافي للأصل الَّذِي منه بدأنا وإليه نتمعرج.
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.