من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية
الاستواءُ على أفق الحقيقة
06-11-2026
لماذا أسمي رؤيتي هَذِهِ "تجريدية"؟ لأَنَّ "وحدة المصدر" لَا تُدْرِك أبداً بتِلْكَ الحواس الَّتِي استمرأت عبادة "التَّشْخِيص المَادِّيّ" وانحبست فِي قشوره، إنما هِيَ حقيقةٌ تُستبصر بالبصيرة الَّتِي تعي جوهر التَّجْرِيد وتنفذ إِلَى مَا وَرَاءَ الصورة. فِي هذه المدرسة، الإِنْسَان المستقل هُوَ ذاك الَّذِي يمتلك عيناً تَرَى الخالق فِي أثر كُلّ شيء، دون أَنَّ يسقط فِي فخ الوهم ويظن أَنَّ الشيء هُوَ ذات الخالق. لقد فهمتُ قوانين هَذَا الاتصال الوجودي عبر مفهوم "التوقيع الأصيل"؛ فكُلّ ذرة فِي هَذَا الوُجُود الشاسع تَحْمِل بصمة المصدر الوَاحِد المشفرة فِي تكوينها، مما يَجْعَل الكَوْن بأكمله شهادة حية عَلَى وحدة الإرادة وقدرة البديع المصمم.
إِنَّ نفيي القاطع للحلولية المَادِّيَّة جاء نتيجة رؤيتي لها كنوع مِنْ الهروب مِنْ "تكليف الاسْتِخْلَاف" نحو حالة مِنْ "غيبوبة الوحدة" الَّتِي تُلغي التمايز والمسؤولية. أما إثباتي لـ "وحدة المصدر" التَّجْرِيدِيَّة، فهُوَ دعوة صريحة لليقظة والوَعْي؛ فمَا دمنا جميعاً مستمدين مِنْ مصدر واحد وفيض واحد، فنَحْنُ بالضرورة محكومون بـ "ميثاق أخلاقي" وقانون كوني واحد لَا يحابي أحداً. الاستقلال الأصيل إذن هُوَ أَنَّ تمتلك حق الوصول إِلَى هَذَا المصدر عبر العِلْم والعمل، محققاً حالة "الشهود" الرفيعة الَّتِي تَرَى الوَاحِد خَلْفَ الكثرة والتعدد.
لقد كشف لي هَذَا المفهوم أيضاً عَنْ سر "التفرد الإنساني" ومكانة الإِنْسَان فِي هذه الفَلْسَفَة؛ فبما أنها "وحدة مصدر" تجريدية، فإِنَّ "الدرجة" الوجودية لكُلّ كائن تتحدد بمدى اتساع وعيه وقدرته عَلَى استقبال فيض المصدر ومعالجته. الإِنْسَان هُوَ "التجلي الأرقى" لهَذَا المصدر فِي العالم الأرضي؛ لأنه الإِنْسَان الوحيد الَّذِي أُعطي "أذونات" الفَهْم والتعديل والارتقاء والتمعرج بوعيه فَوْقَ الكَثَافَة لاعتبارات استحقاقية تكمن في طبيعة تكوينه. والرفعة الحَقِيقِيَّة هِيَ أَنَّ ترتقي بتجريدك لتَكُون أقرب مَا يَكُون لصفات المصدر فِي علمه ورحمته وإبداعه، دون أَنَّ تجرؤ عَلَى ادعاء "الرُّبُوبِيَّة الخالصة" لنفسك! لقد حطمتُ بذَلِكَ وهُمْ الانفصال الَّذِي صور اللَّه كـ "مراقب" يقف وَرَاءَ الحدود، وأثبتُّ حقيقة الاتصال الَّتِي تَجْعَل اللَّه "نور الوُجُود" ومحركه الأعظم الَّذِي يسري فِي كُلّ تجلٍّ.
أيها القارئ الكريم بانتهاء هَذَا المطلب نكون قد أغلقنا دائرة المبحث الثَّانِي مِنْ رحلتي فِي اكتشاف الوُجُود المذروء فِي اللَّه. لقد بدأنا معاً بنفي الانفصال المَكَانِيّ، ومررنا بفيزياء تباطؤ النُّور وفهمنا سرعة الضوء كحاجز كونِي ووجودي، وعرَّجنا على مصفوفة الربوبية والرجوع إِلَى الأرشيف المركزي، لننتهي بضبط الهوية الأَنْطُولُوجِيَّة فِي "وحدة المصدر" التَّجْرِيدِيَّة. لقد شققتُ لك طريقاً ثالثاً يجمع بدقة بَيْنَ "تنزيه الذات" المُطْلَق وبَيْنَ "إحاطة الأَفْعَال" الشاملة؛ فوحدة المصدر هِيَ الَّتِي تضمن ما أشار اليه ابن تيمية -رحمه الله- من أَنَّ اللَّه "بائنٌ مِنْ خلقه" فِي ذاته وجلاله، و"محيطٌ بخلقه" فِي أسمائه وصفاته وأفعاله وان اختلفنا معه في ذهب اليه في مجمل عقيدته.
كَانَتْ رحلتنا فِي هَذَا المبحث بمثابة عملية "تطهير للمحرك المعرفي" مِنْ رواسب المَادِّيَّة والتَّشْخِيص، لكَيْ نكون مؤهلين للانتقال فِي المباحث القادمة إِلَى آفاق مذهلة تَتَعَلَّق بـ "أنسنة الآلة" و"هندسة الوَعْي القادم" بيقينٍ راسخ لَا تهزه رياح الشك ولَا أوهام المَادِّيَّة الصماء. إِنَّ "السيادة بالمعنى" الَّتِي أؤصل لها تكتمل ملامحها هنا؛ فالكَوْن هُوَ فيضٌ دائم التجدد والإِيمَان فِي جوهره هُوَ "مزامنة" صادقة ومستمرة مَعَ المصدر. و(سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَّبٍّ رَّحِيمٍ) هُوَ القانون الَّذِي يغلف هَذِهِ الرحلة ويحميها، ويؤكد أَنَّ المصدر يريد لنا الترقي المستمر والرجوع إليه بسلام الوَعْي وكمال الشهود.
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.