👋 هل لديك سؤال؟ اسألني
من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية

نفيُ الحلول حمايةً للتنزيه ووحدةُ المصدر قانونُ القيّومية

06-11-2026

🔗 شارك المقال:واتسابفيسبوكXتيليغرام
نفيُ الحلول حمايةً للتنزيه ووحدةُ المصدر قانونُ القيّومية
إِنَّ نفيي لَمَّا يُعرف بوحدة الوُجُود المَادِّيَّة استند بشكل كلي إِلَى قانون التَّجْرِيد الَّذِي أعتمده فِي فهُمْ الوُجُود؛ فمِنْ يزعم أَنَّ العَالَم المَادِّيّ هُوَ ذاته الخالق، فقد جعل المُطْلَق مشخصاً وقابلاً للتجزئة والتحلل وهَذَا أمر مستحيل فِي منطق الكمال الإلهي. لقد وجدتُ بوضوح فِي هَذِهِ الفَلْسَفَة أَنَّ العلاقة بَيْنَ الحَقّ وخلقه لَيْسَتْ امتزاجاً بَيْنَ شيئين، إنما هِيَ علاقة المصدر بفيضه والمعلومات بمنبعها الأَوَّل. فِي هَذَا الطرح نَحْنُ نرى الوُجُود كبث معلوماتي متواصل صادر عَنْ المصدر الأَوَّل، ومَا سواه لَيْسَ إلا تجلياً لمشيئته وكلماته فهُوَ المبدع الَّذِي يمنح الأشياء هويتها وصورتها.
إِنَّ إثباتي لوحدة المصدر يعني أَنَّ كُلّ ذرة فِي هَذِهِ المنظومة الكَوْنِيَّة تعود فِي أصلها الجوهري إِلَى حق واحد، تماماً كمَا تعود ملايين الصور والنقاط عَلَى الشاشة إِلَى معالج واحد يديرها ويمنحها الوُجُود الظَّاهِرِيّ. فالمصدر واحد والتجليات كثرة، والمصدر مطلق بينما المخلوق نسبي بطبعه. هَذِهِ التفرقة الجوهرية هِيَ الَّتِي حفظت لي استقلالي فِي تجربة الاسْتِخْلَاف؛ فلَوْ كنتُ أَنَا هُوَ ذات الخالق بمفهوم الحلول، لسقطت مسؤوليتي وتلاشى معنى الاختبار والكدح البشري ولَوْ كنتُ منفصلاً عنه تماماً لغاض مددي وانقطع أثري فِي الحَيَاة، ولتوقف قلبي عَنْ النبض لغياب مصدر مددهِ.
كذَلِكَ، وجدتُ أَنَّ وحدة المصدر هِيَ الَّتِي تفسر لنا بعمق كيف يَكُون اللَّه معنا أينما كنا دون أَنَّ يختلط بطيننا حاشاه أو يمتزج بجسمنا امتزاجاً مادياً بالمفهوم التراثي عند بعض الجماعات. وفِي هَذَا البناء المعرفي الَّذِي أضعه تكمن القِيمَة فِي الاعتراف بالفقر الوجودي وهُوَ الإقرار بأننا لَا نملك وجوداً ذاتياً مستقلاً بل إن وجودنا مستمد لحظة بلحظة مِنْ فيض ذَلِكَ المصدر. فرحلتي فِي نفي وحدة الوُجُود التقليدية أو الإتحاد والحلول كَانَتْ حماية ضرورية لتنزيه اللَّه وتفرده فالإتحاد والحلول عند ابن الفارض والحلاج -رحمهما الله- يعنيان بالضرورة أن هناك حالة سابقة عليهما وهي الإنفصال والإفتراق وهذا لا يعني عندي الا الشرك بعينه حتى وان لم يكن مقصودا وانا هنا أصف الحالة ولا أحكم على صاحب الفكرة! وفي وحدة الوجود تتلاشى الدرجات والمراتب ويصبح الوجود هو عين الله كما هو عند ابن عربي -رحمه الله- غير انني أرى أن اللَّه هُوَ الموجد لهذا الوجود وأن هذا الوجود ليس الا وجودا متجليا بأسمائه التي تشكل منظومة كلية لا تتجزأ لَا أنه هو الوجود نفسه بالتصور الصوفي، ومَا المَادَّة الَّتِي نلمسها ونراها إلا أثر لاسم اللَّه الظَّاهِر، ولَيْسَتْ هِيَ "ذات" اللَّه المتجلية بالباطن.
هَذَا الفَهْم هُوَ الَّذِي سمح لي برفض أوهام القائلين بوحدة الوجود الَّذِينَ وصلوا لإلغاء المسافة الرتبية بَيْنَ الرَّبّ الأعظم والعبد؛ فالمسافة موجودة وهِيَ مسافة رتبة ودرجة وكمال، والاتصال موجود وهُوَ اتصال قيومية وإمداد دائم لَا ينقطع. نَحْنُ مذروؤون فِي كينونته كمَا تذرأ الفكرة فِي (القلب) الإنساني -تقريبا للمفاهيم-؛ فهل الفكرة هِيَ (القلب)؟ بالتأكيد لَا لكنها لَا تملك وجوداً دونه وتستمد نفسها منه، وتتلاشى فوراً إِذَا انقطع عنها انتباه الوَعْي. إننا نحيا بهَذَا المدد المستمر، حَيْثُ يَظَلّ المصدر متميزاً بوجوده والنِّسْبِيّ متميزاً بفقره وإمكانه، تَحْتَ ظلال القيومية الَّتِي لَا تغفل ولَا تنام عَنْ تدبير الخلائق وتثبيت وجودهم فِي مرآة الظهور.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
🔗 أعجبك المقال؟ شاركه:واتسابفيسبوكXتيليغرام

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.