من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية
نفيُ وحدة الوجود وإثباتُ وحدة المصدر
05-11-2026
لقد كَانَتْ المعركة الكبرى فِي رحلتي المعرفية هِيَ معركة الهوية الأَنْطُولُوجِيَّة للوجود؛ ذَلِكَ التساؤل الجوهري الَّذِي يحدد أين تنتهي حدودنا كخلق، وأين تبدأ حقيقة الخالق الأعظم "الله"؟ وفِي محاولتي لفك شيفرة هَذِهِ العلاقة رصدتُ بوضوح أَنَّ (العَقْل) الإنساني قد انقسم تاريخياً ووقع في فخين مِنْ فخاخ التَّشْخِيص. الفخ الأَوَّل هُوَ الانفصال التام الَّذِي تروج له المدارس التقليدية، حَيْثُ صوّروا الخالق الأعظم "الله" ككيان بعيدٍ يفصله عَنْ العَالَم فضاء مكاني، مما جعل الوُجُود يبدو فِي وعيهم وكأنه خالٍ مِنْ قيوميته اللحظية ومدده الَّذِي لَا ينقطع.
أما الفخ الثَّانِي، فهُوَ مَا يُعرف بوحدة الوُجُود بمفهومها المَادِّيّ الحلولي، والَّتِي وقع فيها كثير مِنْ الفلاسفة حينما توهموا أَنَّ الكَوْن هُوَ اللَّه، أو أَنَّ المَادَّة هِيَ عين الذات الإلهية. لقد كَانَ موقفي حازماً فِي نفي هَذِهِ الوحدة المَادِّيَّة؛ لأنها فِي حقيقتها تُمَثِّل تأليهاً للمادة وتقزيماً لفهمنا للمطلق؛ فاللَّه أعظم مِنْ أَنَّ يُختصر فِي جزيئات الطِّين أو أَنَّ يُحبس فِي أبعاد الزمكان الضيقة. إِنَّ الخلط بَيْنَ الخالق الأعظم والخلق هُوَ ذروة التَّشْخِيص الَّذِي يحجب الرؤية التَّجْرِيدِيَّة ويَجْعَل الوَعْي سجيناً داخل حدود المَادَّة الَّتِي هِيَ فِي الأصل مجرد تجلٍ عن الأصل.
ومِنْ هنا، انبثقت فِي وعيي الحَقِيقَة البديلة وهِيَ "وحدة المصدر" التَّجْرِيدِيَّة، الَّتِي تُثبت أَنَّ الوُجُود منبثقٌ مِنْ اللَّه، قائمٌ به، ومذروءٌ فيه، لكنه لَيْسَ "هُوَ" فِي الدرجة ولَا فِي الماهية. الوُجُود هُوَ فيضٌ مِنْ المعلومات والأنوار الَّتِي أراد لها الحَقّ أَنَّ تَظْهَر فِي صور نسبية لمقتضى أسمائه وصفاته! ولَكِنَّ يَبْقَى المصدر منفرداً بوجوده وكماله. وكما قيل فِي التعبير عَنْ هَذَا الفرق اللَّطِيف بَيْنَ الأصل والظلال:
"كُلّ مَا فِي الكَوْن وهُمْ أَو خَيالٌ.. أَو عُكوسٌ فِي مَرايا أَو ظِلالُ". فالظل لَا يملك وجوداً لولا الأصل، ولكنه أبداً لَا يرتد ليَكُون هُوَ ذات الأصل.
إِنَّ الاستقلال المعرفي فِي هَذِهِ الفَلْسَفَة يقوم عَلَى هَذَا التوازن الدقيق؛ فنَحْنُ نثبت "وحدة المصدر" لنبقى متصلين بالنبع الأَوَّل وننفي "وحدة الوُجُود المَادِّيَّة" لنحفظ جلال التنزيه وعظمة الخالق الأعظم. نَحْنُ نعيش فِي محيطٍ مِنْ التجليات الإلهية حَيْثُ كُلّ ذرة تنطق باسمه الظَّاهِر، لَكِنَّ وعينا التَّجْرِيدِيّ يمنعنا مِنْ السقوط فِي عبادة "المرآة" بدلاً مِنْ شهود "الوجه" المتجلي فيها. هَذَا المنظور هُوَ الَّذِي يمنح المُسْتَخْلَف القدرة عَلَى إدارة المَادَّة بوعي الرُّوح، والتعامل مَعَ النِّسْبِيّ ببوصلة المُطْلَق، فِي حالة مِنْ الطمأنينة الَّتِي تُدْرِك أَنَّ الكُلّ مِنْ اللَّه وفيه وإليه، دون امتزاجٍ يحذف التمايز أو انفصالٍ يقطع المدد.
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.