👋 هل لديك سؤال؟ اسألني
من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية

التمعرجُ تدريبٌ يوميٌّ على الرجوع

05-11-2026

🔗 شارك المقال:واتسابفيسبوكXتيليغرام
التمعرجُ تدريبٌ يوميٌّ على الرجوع
كشف لي هَذَا الفَهْم العميق عَنْ سر الخلود الحَقِيقِيّ؛ فمِنْ نجح فِي الرجوع بوعيه إِلَى الأصل الجذري وهُوَ فِي حالة تجريد كامل، فقد اتصل بالحي الَّذِي لَا يموت وبذلك يُصْبِح خلوده فِي جوهره مستمداً مِنْ خلود المصدر الأَوَّل. إِنَّ الرجعى فِي هَذَا السياق هِيَ بوابة العبور الكبرى مِنْ ضيق التجلي المؤقت إِلَى رحابة الوُجُود الدائم والمستقر، حَيْثُ تتلاشى الأوهام وتنقشع غشاوة المَادَّة، لتَكْشِف عَنْ جوهر الاتصال الَّذِي لَمْ ينقطع يوماً.
لقد حطمتُ وهُمْ الفناء والعدم بالمفهوم التقليدي حِينَ وجدتُ أَنَّ الوَعْي هُوَ الَّذِي يرجع، حاملاً معه ذاكرته وخبراته ومَا جناه مِنْ معرفة وتجربة، فالرجعى هِيَ فِي حقيقتها حفل التخرج المهيب مِنْ مدرسة الأَرْض. ولذلك يبرز التمعرج بوصفه تمريناً يومياً وممارسةً دائمة لهَذَا الرجوع؛ ففي كُلّ لحظة تدبر وتفكر نَحْنُ نحاكي عملية الرجوع إِلَى الجوهر لكَيْ نضمن أَنَّ قنوات الاتصال مَا تزال نقية وصافية مِنْ شوائب المَادَّة. إِنَّ نفي الانفصال هُوَ المفتاح الجوهري هنا؛ فبما أننا فِي رحابه ومستغرقون فِي قيوميته، فإِنَّ الرجوع لَا يعدو كونه يقظة الانتباه التامة للمصدر الَّذِي غفلنا عنه بسبب انشغالنا بالأغيار المَادِّيَّة الكَثِيفَة.
إِنَّ عبارة (إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ) تُمَثِّل غاية الجمال ومنصة اللقاء الأسمى بَيْنَ المُسْتَخْلَف وربه. وتتجلى الرفعة الحَقِيقِيَّة فِي ألا ينتظر المرء المَوْت الطبيعي لكَيْ يرجع، بل أَنَّ يمارس هَذَا الرجوع بقلبه ووعيه وهُوَ فِي قمة عطائه وحياته الأرضية. هَذَا الرجوع الطوعي والواعي هُوَ الَّذِي يمنح النَّفْس حصانة منيعة ضد غواية المَادَّة وثقلها؛ فمِنْ أبصر المنتهى واستشعر حلاوة الوصل، هان عليه كُلّ عناء فِي المبتدى، وأَصْبَحَ يتحرك فِي العَالَم بخفة النُّور وقوة اليقين، مدركاً أَنَّ كُلّ خطوة يخطوها هِيَ فِي الحَقِيقَة رحلة نحو الداخل، حَيْثُ يكمن الأرشيف المركزي لكُلّ شيء.
إِنَّ التمعرج هُوَ إعادة تعريف للواقع مِنْ خلال أصله النُّورَانِيّ. فالمُسْتَخْلَف الَّذِي يمارس هَذَا التدريب اليومي، يحول كُلّ فعل مادي إِلَى ترقٍّ معرفي، لتصبح حياته كلها حالة مِنْ الشهود الدائم. هَذَا الاتصال المستمر يَجْعَل مِنْ المَوْت مجرد تغيير فِي "واجهة الاستخدام" لَا فِي جوهر الوُجُود مما يمنح الوَعْي طمأنينة تامة بأَنَّ الرحلة هِيَ رجوع إِلَى الوطن، وأَنَّ هَذَا المسار هُوَ ارتقاء إِلَى درجة أعلى مِنْ كمال الحَقّ.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
🔗 أعجبك المقال؟ شاركه:واتسابفيسبوكXتيليغرام

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.