من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية
الأرشيفُ المركزيُّ والحسابُ وصونُ النظام الكوني
04-11-2026
لماذا اخترتُ تسميته بالأرشيف المركزي؟ لأَنَّ فِي ذَلِكَ المستقرِّ الرفيع تُحفظُ الأصولُ والنسخُ لكُلّ ذرةٍ فِي الوُجُود، حَيْثُ لَا يطالها التبديلُ ولَا يمسُّها النسيان. فِي مدرسة التَّجْرِيد نؤصلُ ليقينٍ مفادُه أَنَّ كُلّ فعلٍ يصدرُ عنا صغيراً كَانَ أم كبيراً لَيْسَ حدثاً عابراً تذروه الرياح وإنما هُوَ بمثابة تدوينٍ دقيقٍ ومحكم فِي سجلِّنا الشخصي المرتبطِ ارتباطاً بنيوياً بنظامِ الكَوْن الأكبر. فالرجعى فِي حقيقتها هِيَ تِلْكَ اللحظة الحاسمة لفتحِ هَذِهِ الملفات وقراءتها بلغةِ الشهودِ المباشر حَيْثُ يتجلى لنا أَنَّ الحسابَ لَيْسَ عقاباً خارجياً بقدرِ مَا هُوَ هندسة دقيقة لمقارنةِ الوَعْي وقياسِ سلامةِ مسارِه؛ فالسؤالُ الجوهريُّ الَّذِي يطرحُه النظامُ حينها هُوَ: هل يتوافقُ مَا قدَّمته وأَنْتَ فِي هَذِهِ المصفوفة الأرضية الكَثِيفَة مَعَ الناموس الإلهي للحق؟
إِنَّ الرجوع فِي هَذَا النسق هِيَ عمليةُ استعادةٍ شاملة للنظام إِلَى حالتهِ المثالية الأُولَى، تِلْكَ الحالة الفطرية الَّتِي سبقت عوارض التكثيف والتَّشْخِيص المَادِّيّ. إِنَّ المعاني المستورة فِي النَّصّ القُرْآنِيّ تشيرُ بوضوحٍ إِلَى أَنَّ الرجوعَ فعلٌ كونيٌّ حتميٌّ يسري عَلَى الوُجُود بأسره؛ فالمجراتُ والنجومُ والذراتُ كلُّها تؤوبُ إِلَى أصلها بتوقيعها الخَاصّ الَّذِي يَحْمِل خلاصةَ رحلتها. وهنا يبرزُ ذكاءُ المُسْتَخْلَف فِي أَنَّ يحرصَ عَلَى أَنَّ يَكُون توقيعُه الختاميُّ ممهوراً بنَبَضاتِ التسبيحِ والسلام لكَيْ لَا يَجِد تضارباً عِنْدَ الرجوع إِلَى الأرشيف المركزي. وكما بين ذلك ابن القيم في كتبه حين قال: فمِنْ استطاع أَنَّ يَجْعَل وعيَه منسجماً مَعَ قوانين التنزيه، كَانَتْ رجعتُه انصهاراً لطيفاً فِي جمالِ الفضل، لَا اصطداماً عنيفاً بجلالِ العَدْل الجوزية رحمه الله، ليَكُون الارتقاءُ حينها انتقالاً طبيعياً مِنْ الجُزْء إِلَى الكُلّ، ومِنْ النِّسْبِيّ إِلَى المُطْلَق، فِي رحابِ المصدرِ الأَوَّل الَّذِي منهُ انبثقَ الوُجُود وإليهِ يعود بكُلّ إحكامٍ وبهاء.
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.