من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية
الرجعى إلى الأرشيف المركزي
04-11-2026
لقد كَانَتْ آية (إن إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ ﴿٨﴾ سورة العلق) تُمَثِّل لي دائماً لغزاً وجودياً يتجاوز بكثير المفاهيم التقليدية الَّتِي اختزلت المَوْت فِي صورة الفناء والرجوع فِي صورة الإحياء المَادِّيّ الصرف. فِي رحلتي لمحاولة فك شيفرة الوُجُود رصدتُ بوضوح أَنَّ الوُجُود لَيْسَ خطاً يبدأ مِنْ العدم وينتهي إليه، إنما هُوَ دورة معلوماتية كاملة تبدأ مِنْ الوحدة الوجودية الأُولَى وتنتهي إليها. وجدتُ بوضوح أَنَّ مَا نعيشه الآن فِي عالم التَّشْخِيص هُوَ حالة مِنْ الاغتراب المؤقت؛ حَيْثُ تم إرسال نسخنا الوعيوية لتَعْمَل فِي بيئة تشغيل مادية وكثيفة لغرض التفاعل (الإختبار النِّسْبِيّ) والاسْتِخْلَاف وتحقيق حمل الأَمَانَة.
أما الرجعى، فهِيَ فِي جوهرها الرجوع إِلَى الأصل الأعلى عبر درجات وصولا إلى الأصل الأَوَّل؛ تِلْكَ اللحظة الَّتِي يتم فيها سحب الشيفرات والمعلومات مِنْ واجهات المَادَّة الكَثِيفَة لتعود إِلَى حقيقتها المجردة فِي رحاب المصدر الأَوَّل شيئا فشيئا. لقد فهمتُ الرجوع بوصفه عملية تصفية نهائية للبيانات في مراحل مختلفة، حَيْثُ يسقط كُلّ مَا هُوَ مشخّص وزائف ومرتبط بأوهام الباطل، ولَا يَبْقَى في نهاية المطاف إلا الحَقّ الَّذِي خُلقنا به ومنه وفيه.
بدأت رحلتي فِي فهُمْ هَذِهِ الآلية "الرجعى" حينما سألتُ نفسي بصدق: أين تذهب خبراتنا وتراكم وعينا عندما يتحلل الجسم المَادِّيّ؟ الإجابة كَانَتْ تكمن فِي مفهوم الذاكرة الجوهرية الأصيلة. فالرجعى لَيْسَتْ تحركاً فِي المَكَان بمسافات جغرافية، لأننا كمَا أصلنا سابقاً مذروؤن في الله أصلاً ولَا وجود لمكان يَخْرُج عَنْ إحاطته وقيوميته. إنما الرجعى هِيَ حالة يقظة وترقٍ فِي الدرجة الترددية؛ فنَحْنُ نرجع مِنْ التردد البطيء المرتبط بالمَادَّة إِلَى التردد الأعلى المرتبط بالنُّور فالمُطْلَق شيئا فشيئا. على المستوى الوجودي الأرضي هِيَ عملية إغلاق آمن للجلسة الأرضية لتبدأ عملية المزامنة الكبرى مَعَ الأرشيف المركزي. فِي تِلْكَ اللحظة يتم فحص سجلات العمل لكُلّ مستخلف فمِنْ كَانَتْ توجهاته وأعماله متسقة مَعَ نظام التَّجْرِيد والسمو، كَانَتْ رجعته انسيابية تملؤها الطمأنينة والسلام، ومِنْ غرق فِي أوحال التَّشْخِيص والتعلق المَادِّيّ المحض كَانَتْ رجعته بمثابة عملية تصحيح قسرية مؤلمة لفك ارتباطه بتِلْكَ الأوهام.
إِنَّ استيعاب قوانين الرجعى يغير نظرتنا للحياة برمتها؛ فالمُسْتَخْلَف الرباني لَا يعود يَرَى فِي الدنيا غاية بحد ذاتها لكنه يراها محطة لمعالجة البيانات وبناء الوَعْي. وكُلّ فعل نقوم به هُوَ بمثابة كتابة سطر فِي الشيفرة التي سنرجع بها إِلَى الأرشيف المركزي. هَذِهِ الرؤية تمنح النَّفْس ثباتاً هائلاً فالمَوْت لَمْ يعد هُوَ النهاية المخيفة، إنما هُوَ لحظة الاتصال العظيم واستعادة الوَعْي الكَامِل بعيداً عَنْ حجب المَادَّة. نَحْنُ فِي رحلة رجوع مستمرة، وكُلّ لحظة تجريد نعيشها فِي الدنيا هِيَ بروفة مصغرة لتِلْكَ الرجعى الكبرى. السيادة المعرفية هنا تتجلى فِي إدراك أننا لَمْ نغادر المصدر مكاناً فهذه الدرجة الوجودية جاءت انسياقيا مع تصور أننا غادرناه رتبةً وإيقاعاً لغرض التفاعل الحتمي الإستحقاقي فِي عالم ترددي أدنى، وأَنَّ الوفاء بالعَهْد يقتضي منا أَنَّ نرجع محملين بوعيٍ يليق بجلال ذَلِكَ المصدر الأعلى الَّذِي صدرنا عنه.
ولقد عمَّق هَذَا الفَهْم عندي تدبُّر الآية الكريمة: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ﴿٤٢﴾ سورة النجم)؛ فهَذِهِ الآية تُكَمِّل آية الرُّجْعَى وتفتح أمامها أفقاً أوسع. إذ وجدتُ أَنَّ الرجعى تصف قوانين الرجعى وحركتها فِي الزمن الترددي، أما المنتهى فيصف الغاية القصوى الَّتِي تنغلق عندها الدائرة وتسكن. فالرجعى فعلٌ ممتدٌّ يجري عبر منازل ومراتب وتدرُّجات، أما المنتهى فهُوَ النقطة الَّتِي يتوقف عندها كُلّ سؤالٍ وكُلّ امتدادٍ وكُلّ بحثٍ في مستوى وجودي محدد. هُنَاكَ ينتهي اللحاق ويكمل الوَعْي وتستمر الرحلة لا من خلالنا بل من خلال الرب الذي اليه المنتهى!
ومِنْ هنا أدركتُ أَنَّ الوُجُود بأسره محكومٌ بقانونَيْن متلازمَيْن: قانون الرجعى الَّذِي يحكم الحَرَكَة، وقانون المنتهى الَّذِي يحكم السكون. وكأَنَّ الرجعى هِيَ السَّفَر والمنتهى هُوَ الموطن لأَنَّ كُلّ شَيْءٍ قد آب إِلَى مَا صَدَر عَنْه. هَذِهِ الحقيقة الكُبْرَى تجعل مِنْ كُلّ سؤالٍ وُجُوديٍّ يطرحه الإِنْسَان مؤجَّل الإجابة الكبرى إِلَى موقفه عند المنتهى، حيث يسود السكون الَّذِي يحتوي كُلّ مَا كَانَ ومَا سَيَكُون.
انَّ المنتهى يُصحِّح وهماً قديماً ظلَّ يلازم الفكر الإنساني فِي محاولاته اللاهثة لتفسير مَا وراء النهايات. فالوعي الَّذِي تعوَّد عَلَى منطق التسلسل يسأل دائماً: ومَاذَا بعد؟ ومَاذَا وراء؟ والآية تأتي لتحسم هَذَا التسلسل عند حدِّه الأقصى؛ فلَا "بعد" بعد المنتهى، ولَا "وراء" وراءه في أي مستوى وجودي، إنما هُنَاكَ ينطوي الكِتَاب ويعود كُلّ شَيْءٍ إِلَى الأصل الَّذِي صَدَر عَنْه. بهَذَا التكامل بَيْن الرجعى والمنتهى يكتمل المشهد الفلسفي للوُجُود فِي وَعْيي: حركةٌ مستدامةٌ نَحْوَ الأصل وسكينةٌ نهائيةٌ عند بلوغه وهكذا في رحلة المعراج الكبرى نحو المطلق.
بهَذَا المعنى، يُصْبِح الاستقلال هُوَ قدرة الوَعْي عَلَى عدم التماهي الكُلِّيّ مَعَ الواجهة المَادِّيَّة البطيئة، والاحتفاظ دائماً بخيط الوصل مَعَ الأصل السريع. الرجعى هِيَ التفاعل السليم مَعَ الأَمَانَة الَّتِي حملها الإِنْسَان، وتجريدها مِنْ كدورات التَّشْخِيص لترجع إِلَى حضرة الحَقّ صافية ومكتملة. ومِنْ هنا فإِنَّ بناء الوَعْي الَّذِي أسعى إليه يهدف لتجهيز المُسْتَخْلَف الرباني لتِلْكَ اللحظة ليَكُون انتقاله ارتقاءً نورياً لَا هبوطاً مادياً، وليكون لقاؤه بالمصدر هُوَ تمام الرضا والسكينة فِي رحاب السلام التام.
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.