من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية
العوالمُ الموازية والتمعرج
03-11-2026
لقد كشف لي تدبر هَذَا النَّصّ عَنْ حقيقة الطبقية الوجودية الَّتِي تحكم نسيج الخلق، فالمستقر فِي يقيني أَنَّ الوُجُود المذروء فِي اللَّه لَيْسَ حكراً عَلَى هَذَا البعد الضيق الَّذِي نتحرك فيه، إنما إِنَّ العوالم الَّتِي تقبع وَرَاءَ سقف حواسنا المحدودة تَعْمَل وفق قوانين السرعة المُطْلَقَة والآنية التامة الَّتِي تتجاوز إدراكنا الحسي الكَثِيف. لقد رصدت بوضوح أَنَّ مَا نسميه غيباً فِي لغتنا القاصرة لَيْسَ غيباً فِي ذاته لكنه مجرد شهادة مؤجلة لمِنْ ارتفع إيقاعه المعرفي واستطاع موازنة وعيه مَعَ إيقاع الحَقِيقَة؛ فالاستقلال الوجودي يقتضي امتلاك الوَعْي البُعدي الَّذِي يحرر الإِنْسَان مِنْ ظن الانفراد فِي هَذَا الكَوْن الشاسع ليُدْرِك أنه جزء مِنْ منظومة هائلة تضم عوالم مِنْ الأنوار وقوى تدير الشيفرات الوجودية خَلْفَ الستار المَادِّيّ الكَثِيف. لقد حطمت فِي نفسي وهُمْ المركزية البشرية حِينَ فهمت أننا لسنا نهاية الخَلْق أو ذروته المَادِّيَّة، بل نَحْنُ بداية الوَعْي فِي منظومة الكَثَافَة الأرضية وأَنَّ هنالك من العوالم الَّتِي لَا نعلمها هِيَ الميادين الحَقِيقِيَّة الَّتِي تصدر منها الأوامر والسنن إِلَى عالمنا هَذَا، فتنتقل بنا الرفعة المعرفية مِنْ دور المتفرج عَلَى المخرجات المَادِّيَّة الملموسة إِلَى دور المُسْتَخْلَف الرباني الَّذِي يسعى بجد لفهم القوانين الَّتِي تحكم مَا وَرَاءَ الحجاب.
إِنَّ هَذَا الكشف جعلني أتعامل مَعَ قوله "ويخلق مَا لَا تعلمون" كمنطلق دائم ومحفز لَا يهدأ للبحث العلمي والفَلْسَفِيّ، فكلما فتحنا باباً جديداً فِي أسرار الفيزياء أو كشفنا ستراً فِي خبايا النَّفْس، وجدتُ أننا إنما نفتح ملفاً مستوراً كَانَ قابعاً فِي دائرة (مَا لَا نعلم)، بانتظار عقل يتجرد مِنْ قيوده ليبصره فيعلم.
إِنَّ رحلتي فِي اكتشاف الوُجُود المذروء فِي اللَّه وَصَلَتْ هنا إِلَى منصة الدهشة الربانية، والدهشة فِي هَذَا النسق لَيْسَتْ حيرة الجاهل المتخبط لكنها ذهول الباحث المحقق أَمَامَ عظمة البناء ودقة الإحكام، حَيْثُ كَانَ التحرر مِنْ سجون المذهبية الضيقة ضرورياً لاستيعاب هَذَا الاتساع الكَوْنِيّ؛ فالمذاهب تضع قيوداً بشرية حَتَّى عَلَى آفاق الخَلْق الإلهي بينما التَّجْرِيد الأصيل يفتح الأبواب عَلَى مصراعيها أَمَامَ المُطْلَق الَّذِي لَا يحده حد.
لقد فهمت أَنَّ الرؤية النهائية والغاية الكبرى لَيْسَتْ رؤية أشياء مادية عابرة ولكن شهود عظمة الفاعل فِي تنوع مفعولاته واتصالها، فالوَعْي المستقل هُوَ الَّذِي يعيش فِي الأَرْض وقدمه فِي الطِّين ولَكِنَّ قلب نفسه العليا يحلق بيقين فِي تِلْكَ العوالم الَّتِي لَمْ تُكتشف بَعْدَ، فنَحْنُ فِي حالة تمعرج مستمر نترقى فيها مِنْ علم مَا نرى إِلَى يقين مَا لَا نرى، محطمين بذَلِكَ حدود الرؤية الضيقة الَّتِي اعتبرها الفيلسوف شوبنهاور حدوداً للعالم لَدَى الإِنْسَان القاصر، بينما أرى فِي هَذَا النسق حدود رؤيته هِيَ المُطْلَق نفسه، ومَا لَا يعلمه هُوَ الوقود الحي الَّذِي يغذي رحلته نحو الكمال المعرفي. إِنَّ قوله سبحانه "ويخلق مَا لَا تعلمون" هُوَ الضمانة بأَنَّ الرحلة لَنْ تنتهي أبداً وأَنَّ السٌلَّم التكويني للوجود يمتد إِلَى مَا لَا نهاية مِنْ التجليات حَيْثُ يكمن التمكُّن فِي الاعتراف بمحدودية الحواس البشرية لاستمداد القوة مِنْ لَا محدودية الإله الواسع. ومِنْ هَذا المنطلق يتبين لنا أَنَّ هَذَا الغيب العظيم لَيْسَ منفصلاً عنا ولَا بعيداً عَنْ واقعنا، إنما هُوَ يحيط بنا إحاطة النُّور بالظل، وينتظر منا وفاءً بالعَهْد وتجرداً مِنْ أثقال المَادَّة لنبصر مَا كَانَ مخبوءاً خَلْفَ رداء الكَثَافَة ليفتح آفاق الوَعْي عَلَى تجليات لَا تنقطع.
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.