إِنَّ الوُجُود المذروء فِي اللَّه هُوَ فِي أصله وجود نوراني فائق وسريع، ومَا نراه مِنْ عوالم مادية تحيط بنا مَا هِيَ إلا ظلال هَذَا النُّور "الظلام" حينما اصطدم بحجب التَّشْخِيص وقوالب المَادَّة الكَثِيفَة. فِي رؤيتي الَّتِي أؤصل لها، أرى الإِنْسَان الأصيل كائناً نورياً يمتلك ذاكرة عميقة لأصله، فهُوَ يتذكر يقيناً أنه كلمة ألقاها اللَّه فتباطأت وتكثفت حَتَّى أَصْبَحَتْ مشخصةً، وهُوَ الآن يسعى بكُلّ قواه ووعيه ليرد هَذَا التشخيص إِلَى أصله النُّورَانِيّ وعالمه التَّجْرِيدِيّ عبر بوابة العِلْم والعمل الاستخلافي الصادق. إِنَّ سيادة المعنى المجرد الَّتِي أبني أركانها تقوم عَلَى رؤية العَالَم كقصيدة إلهية بليغة كُتبت بحبر مِنْ النُّور المكثف، حَيْثُ لَا مكان للصدفة أو العبث.
لقد وَصَلَتْ رحلتي فِي اكتشاف الوُجُود المذروء فِي اللَّه إِلَى منصة المعايرة الحَقِيقِيَّة، حَيْثُ لَا سحر ولَا خرافة، إنما قوانين دقيقة للبث والاستقبال الوجودي. فالمَادَّة لَيْسَتْ إلا قناة اتصال بطيئة، بينما يُمَثِّل التَّجْرِيد الأفق اللَّطِيف والرحب للروح حِينَ تتحرر مِنْ قيودها. والرفعة الحَقِيقِيَّة للإنسان تكمن فِي ألا ينخدع ببطء الصورة وتثاقل الحَرَكَة فِي الواقع المشخص، بل يُدْرِك بعين بصيرته سرعة الأصل فِي المصدر الأَوَّل. ومِنْ هَذِهِ النقطة، سنفهم لاحقاً كيف أَنَّ سرعة الضوء تُمَثِّل حاجزاً وجودياً وغشاءً رقيقاً يفصل بَيْنَ عوالم المَادَّة وعوالم الرُّوح، وهُوَ الغشاء الَّذِي نسعى لتجاوزه بوعينا لكَيْ نعود أنواراً صافية فِي الوُجُود.
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.