من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية
فيزياءُ تباطؤ النور
31-10-2026
ما إن انقدحت فكرةُ تباطؤ النُّور فِي وعيي حتى سقطت آخرُ معاقل المَادِّيَّة بتصورها التراثي الجامد فِي نظرتي للكون، ففي رحلتي لتفكيك النسق الموروث رصدت بوضوح أَنَّ مَا نسميه مادة لَيْسَ جوهراً مستقلاً ولَا كتلًا صلبة كمَا توهمنا الحواس، إنما هُوَ فِي رؤيتي كأنه عبارة عَنْ نور أو طاقة تعرض لعملية كبح ترددي مقصودة لكَيْ تتجلى فِي عالم الشهود. لقد وجدتُ بوضوح أَنَّ المصدر الأَوَّل -جل جلاله- هُوَ نور مطلق، وسريان بلَا توقف، ولَكِنَّ لكَيْ تَظْهَر عوالم التَّشْخِيص كَانَ لابد مِنْ تكثيف المعنى ليُصْبِح مبنى ملموساً، ومِنْ هنا رأيت أَنَّ العوالم تتكثف عبر قانون يقوم عَلَى خفض سرعة البث النُّورَانِيّ الإلهي حَتَّى توجد وحتى يتمظهر الوجود باسم الله الظاهر فِي صور تراها وتحسها الموجودات بالنتيجة، فالكَثَافَة المَادِّيَّة لَيْسَتْ إلا حالة مِنْ التباطؤ الَّتِي تسمح للكائن النِّسْبِيّ أن يوجد ابتداءً وأَنَّ يختبر إرادته فِي مواجهة هَذِهِ الكَثَافَة أيضا.
إِنَّ هَذَا القانون الفيزيائي الوجودي يفسر لنا سر الثقل والزمكان، فكلما زاد تباطؤ الترددات النُّورَانِيَّة زادت كثافة المَادَّة وظهرت قوانين الجذب والتماسك الَّتِي نعرفها، وبالمقابل فإِنَّ الارتقاء فِي مدارج اليقين يعني الرجوع تدريجياً إِلَى السرعات النُّورَانِيَّة العالية حَيْثُ تتخفف النَّفْس مِنْ أثقال المَادَّة وتتحرر مِنْ قيود الكَثَافَة. المَادَّة إذن هِيَ حجاب رقيق مِنْ النُّور "المتجمد" أو "المتكثف"، وهِيَ ضرورة وجودية لخلق مسرح الاحتمالات، فلَوْ بَقِيَ النُّور فِي سرعته المُطْلَقَة لَمَّا أمكن قيام عالم تفاعلي، وكأن كُلّ شيء غارق فِي بحر الوُجُود المحض بلَا تَعَيُّن.
إِنَّ فهمنا لهَذَا (التباطؤ) كتقريب للمفهوم يغير نظرتنا للعلم والعمل، فالمُسْتَخْلَف الرباني لَا يَرَى فِي الأشياء جدراناً صماء، إنما يراها طاقة ساكنة نسبيا تنتظر كلمة الحَقّ لتعود إِلَى حركتها النُّورَانِيَّة الأُولَى، وهَذَا هُوَ سر الآيَات (المعجزات) الَّتِي تقوم عَلَى إعادة تسريع هَذِهِ الترددات لتتغير طبيعة المَادَّة أو لتتلاشى قيودها، مما يَجْعَل الوُجُود كله مرآة مرنة تعكس قدرة المصدر بلمحة بصر، فنَحْنُ نعيش فِي كون هُوَ فِي حقيقته نتاج تجليات نورانية إلهية تم تبطئتها مِنْ اللَّه رفيع الدرجات لمقتضى تُحَقِّق الأسماء الَّتِي له!
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.