من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية
معضلتي مع المطلق والنسبي واجتماعُ المحدود باللامحدود
30-10-2026
لطالما كَانَتْ العلاقة بَيْنَ "المُطْلَق" و"النِّسْبِيّ" هِيَ ذَلِكَ الثقب الأسود الَّذِي ابتلع معظم المحاولات الفَلْسَفِيَّة والبحثية عبر التاريخ، وكَانَتْ بالنسبة لي هِيَ العقبة الكبرى الَّتِي تطلبت إعادة صياغة شاملة لوعيي بالوُجُود.
فِي بداياتي، كنتُ أسيراً لفخ التَّشْخِيص الَّذِي يَرَى أَنَّ اللامحدود وهُوَ اللَّه سبحانه، والمحدود المتمثل فِي الإِنْسَان والكَوْن، هُمَا كيانان يتنافسان عَلَى الحيز؛ فإما أَنَّ يَكُون الخالق فِي جهة محددة ونَحْنُ فِي جهة أخرى، وإما أَنَّ نكون نَحْنُ أغياراً مستقلة تمتلك وجوداً موازياً يزاحم وجود الحَقّ في وجود أعظم! لَكِنَّ البصيرة الأصيلة فِي داخلي كَانَتْ ترفض هَذَا التصور السطحي؛ فكيف للمطلق أَنَّ يَكُون مطلقاً إِذَا كَانَ يحده نسبي مِنْ خارجه؟ وكيف للمحدود أَنَّ يوجد أصلاً لولا استمداده اللحظي مِنْ المُطْلَق؟ كَانَتْ المعضلة تكمن فِي موازين الإِدْرَاك لدينا، والَّتِي جبلت عَلَى التفكير بالمقاييس المَادِّيَّة مِنْ كتلة وحجم ومسافة ومنطق ارسطي يرفض اجتماع الضدين، بينما الحَقِيقَة تكمن فِي منطقة التَّجْرِيد؛ حَيْثُ بدأتُ رحلة الحل بتطهير الحواس مِنْ قيودها؛ فالانغماس فِي التَّشْخِيص المَادِّيّ يَجْعَل (القلب) يتساءل بجهل عَنْ كيفية وسع اللَّه للكون وهُوَ أعظم منه، وهَذَا السؤال ينطلق مِنْ رؤية الخالق كجرم أو جسم، وهَذَا هُوَ صلب الخلل المعرفي فِي الفِكْر التقليدي.
وعندما ارتقيتُ إِلَى أفق التَّجْرِيد المستقل، وجدتُ أَنَّ المُطْلَق هُوَ اللانهاية الَّتِي تحتوي داخلها عَلَى عدد لَا نهائي مِنْ المجموعات المحدودة دون أَنَّ ينقص منها شيء، ودون أَنَّ تزاحمها تِلْكَ المجموعات. إِنَّ استيعابي لاحتواء اللامحدود للمحدود جاء عبر بوابة فهُمْ الوُجُود الحَقّ؛ فالمُطْلَق هُوَ المحيط الأَوَّل، والنِّسْبِيّ هُوَ التجليات داخل هَذَا المحيط. نَحْنُ صور نسبية تَعْمَل داخل البيئة الإلهية؛ وكما يحتوي الوَعْي الفكرة، يحتوي المُطْلَق الوجود بفيض قدرته.
وجدتُ بوضوح أَنَّ النِّسْبِيّ هُوَ تجلٍ مقصود مِنْ المُطْلَق لمقتضى أسمائه وصفاته؛ فاللَّه هُوَ المُطْلَق فِي ذاته وهُوَ الظَّاهِر فِي تجليه. هَذِهِ هِيَ الحَقِيقَة الَّتِي أيقنتها؛ أَنَّ المُطْلَق لَمْ ينفصل عَنْ النِّسْبِيّ ليوجده، إنما ذرأه فيه. ومعضلتي حلت عندما فهمتُ أَنَّ المحدودية هِيَ صفة فِي إدراكنا القاصر نَحْنُ مِنْ حَيْثُ نَحْنُ! ولَيْسَتْ قيداً عَلَى القدرة الإلهية. وفِي الحَقِيقَة لَا يوجد "نَحْنُ" و"هُوَ" بالتعبير البسيط الَّذِي قد نتصوره! الا أننا ولتقريب المفاهيم فِي هَذَا المستوى نضطر الى هَذَا الطرح فِي التعبير!
وعَلَى ذَلِكَ فنَحْنُ نرى الحواجز والجدران والحدود لأننا نعيش فِي كثافة المَادَّة، بينما فِي نور التَّجْرِيد لَا توجد حدود تفصل بَيْنَ الله والوجود سوى الدرجة فِي النُّور الَّذِي هُوَ ذاته نور اللَّه!. اللامحدود يحتوي المحدود كمَا يحتوي النُّور الظلام، وكما تحتوي الحَقِيقَة الخيال. هَذَا الاحتواء هُوَ القيومية؛ أَيُّ أَنَّ اللَّه هُوَ المصدر الأصيل الأوحد الَّذِي يُبْقي النِّسْبِيّ قائماً ومتحركاً فِي كُلّ لحظة مِنْ لحظات الوُجُود.
إِنَّ رفعة الوَعْي عندي نضجت حينما توقفتُ عَنْ محاولة قياس الإله بأدوات المَادَّة. لقد اكتشفتُ أَنَّ احتواء المُطْلَق للمحدود هُوَ سر اسم اللَّه الواسع؛ والواسع لَيْسَ مساحة جغرافية، إنما هُوَ السعة الوجودية الَّتِي تَجْعَل كُلّ فعل، وكُلّ ذرة مادية، مغمورة فِي علم اللَّه. المعضلة كَانَتْ فِي الأنا المشخصة الَّتِي تشعر بالانفصال؛ فعندما جردتُ نفسي، وجدتُ أَنَّ النِّسْبِيّ الَّذِي هُوَ أَنَا مجرد نبضة فِي محيط المُطْلَق. ولذلك فإِنَّ بناء التشريع الَّذِي أؤسسه يقوم عَلَى قاعدة أَنَّ الإِنْسَان الرباني هُوَ مِنْ يُدْرِك نسبيته كبوابة لفهم الإطلاق. نَحْنُ لَا نصل للمطلق بأَنَّ نصبح آلهة، إنما نصل إليه بأَنَّ نتجرد مِنْ قيود المَادَّة لنشهد احتواءه لنا. وهَذَا الفَهْم هُوَ الَّذِي يسقط الطغيان البشري؛ فالمُسْتَخْلَف يُدْرِك أنه مهما علا شأنه، فإنه يَظَلّ كائناً نسبياً فِي المُطْلَق، مستمداً مكانته مِنْ وفائه بالعَهْد لَا مِنْ ذاته المستقلة.
إِنَّ آلية هَذَا الاحتواء تعتمد عَلَى مَا أسميه التراكب البُعدي؛ فالمُطْلَق يَعْمَل فِي مقام الصمدية، والنِّسْبِيّ يَعْمَل مقامات الوُجُود. الاحتواء هنا هُوَ احتواء الوَعْي للفكرة؛ فالفكرة محدودة والوَعْي لَا محدود، ومَعَ ذَلِكَ تسكن الفكرة فِي الوَعْي دون زحام. لقد كشف لي هَذَا المنظور عَنْ المعاني المستورة فِي القُرْآن الَّتِي تتحدث عَنْ قرب اللَّه وإحاطته. الإحاطة لَيْسَتْ سياجاً يحيط بنا مِنْ الخارج كما يُتصور وإنما هِيَ بنية وجودية تسري فِي أعماقنا. اللَّه محيط بنا لأنه المصدر الَّذِي يبثنا. وعندما استوعب قلبي هَذَا، تلاشت وحشة المحدودية؛ فلَمْ أعد أرى نفسي ككائن ضئيل فِي كون شاسع، إنما رأيتُ نفسي كإيقاع نابض فِي قلب المُطْلَق. الاستقلال الأصيل هُوَ أَنَّ تَفْهَم موقعك فِي الوُجُود.
لقد رصدتُ أَنَّ مذاهب التَّشْخِيص سقطت فِي هَذِهِ المعضلة لأنها حاولت تفسير المُطْلَق بأدوات النِّسْبِيّ، فنتج لديهم تصور يشبه البَشَر فِي انفعالاتهم وقراراتهم. أما فِي مدرسة التشخيص التَّجْرِيد، فنَحْنُ نتعايش مَعَ الحَقِيقَة؛ ندرك أَنَّ المُطْلَق هُوَ قانون القوانين ونور السَّمَاوَات والأَرْض. استيعاب الاحتواء منحني السلم النَّفْسِيّ؛ فلَا صراع بَيْنَ كوني عبداً وبَيْنَ كوني مستخلفاً. هَذَا التوازن هُوَ الَّذِي مكنني مِنْ نفي وحدة الوُجُود المَادِّيَّة الَّتِي تدمج الخالق بالمخلوق فِي كتلة واحدة، وهُوَ أقصى مراحل التَّشْخِيص، وإثبات وحدة المصدر الَّتِي تبقي المُطْلَق متميزاً بوجوده المطلق والنِّسْبِيّ متميزاً بإمكانه مَعَ تمام الاحتواء والقيومية.
إِنَّ رحلتي فِي اكتشاف الوُجُود المذروء فِي اللَّه وَصَلَتْ فِي هَذَا المبحث إِلَى قمة النضج عندما حطمتُ جدار الخوف الَّذِي كَانَ يمنع (العَقْل) مِنْ التفكر فِي كيفية الاحتواء. الاحتواء هُوَ تجلٍ ولَيْسَ امتزاجاً مادياً؛ فاللامحدود يحتوي المحدود بالظهور، فكُلّ مَا نراه هُوَ ظاهر الحَقّ، وهُوَ نسبي بالنسبة لنا، لكنه مطلق فِي مصدره. إنني أرى الآن أَنَّ العَالَم وكأنه سمفونية يعزفها المُطْلَق عَلَى أوتار النِّسْبِيّ. ومِنْ هنا، فإِنَّ الرؤية الَّتِي ننشدها هِيَ رؤية المُطْلَق فِي النِّسْبِيّ؛ أَيُّ رؤية اللَّه الظَّاهِر فِي حجب الوُجُود. الاستقلال هُوَ أَنَّ تَكُون مرآة صقيلة تعكس هَذَا الإطلاق بتمام الجمال، بلَا تشخيص يشوه الصورة، وبلا نسبي يدعي الاستقلال المُطْلَق عَنْ أصله.
استيعاب اجتماع الضدين اللامحدود والمحدود هُوَ المعراج المعرفي الَّذِي جعلني أكتب مؤلفي بيقين ثابت؛ لقد وجدتُ أَنَّ اللَّه لَيْسَ خارجنا لنبحث عنه، ولَيْسَ داخلنا لنحصره، إنما نَحْنُ مستغرقون فِي قيوميته كاستغراق المعنى فِي الكَلِمَة. ومِنْ هَذِهِ النقطة، سننتقل لاكتشاف اسم اللَّه الظَّاهِر، وكيف يَتَحَوَّل هَذَا الاحتواء المُطْلَق إِلَى تجليات كونية مذهلة نعيشها لحظة بلحظة، حَيْثُ يتلاشى النِّسْبِيّ فِي جلال المُطْلَق.
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.