من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية
فلسفةُ الموت
30-10-2026
عندما نتحدث عَنْ الإتصال وحَتَّى عَنْ الإنفصال فإننا نتحدث عَنْ مفاهيم تقريبية فقط، فقد لَا تُسعفنا "اللغة" للتعبير عَنْ هاتين الحالتين ففي الحَقِيقِيَّة الَّتِي أراها فإن الموضوع يتخطى هَذِهِ المفاهيم بحرفيتها لَكِنَّ هَذِهِ الوصوف هِيَ الأقرب للتعبير فِي مستوانا الوعيوي الَّذِي نُبحر فيه. وعَلَى ذَلِكَ فإِنَّ الاتصال الوجودي هُوَ السر الحَقِيقِيّ للسكينة المُطْلَقَة الَّتِي لَا يزعزعها قلق؛ فعندما يسقط وهُمْ الانفصال، يسقط معه تلقائياً "الخوف مِنْ المجهول"، لأَنَّ المجهول ذاته لَيْسَ خارجاً عَنْ الدائرة، إنما هُوَ مستقر فِي علم اللَّه ومذروء فِي رحمته.
لقد فهمتُ أَنَّ "المَوْت" لَيْسَ رحلةً إِلَى كوكبٍ بعيد أو مكانٍ مجهولٍ بل هُوَ "تحول فِي الرؤية" وتغيُّر فِي ترددات الاستقبال داخل ذات المحيط الإلهي. نَحْنُ ننتقل مِنْ "تشخيصٍ أرضي" كثيف يعتمد عَلَى حواس المَادَّة، إِلَى "تجريدٍ برزخي" لطيف يتصل بروح المعنى، وكُلّ ذَلِكَ يَحْدُث "فيه" وله ومنه وبه. هَذَا الكشف هُوَ مَا يمنح الوَعْي طابع الخلود؛ فمِنْ أيقن أنه لَا يوجد مكان "يَخْرُج" فيه عَنْ ملكوت اللَّه، أيقن أنه فِي حفظ اللَّه وأمانه اللانهائي.
إِنَّ رسالتي الَّتِي أرسخها فِي هَذَا المبحث هِيَ دعوةٌ مفتوحة لكُلّ نفس تواقة للحق، لكَيْ "تطهر موازينها" المكانية والذهنية، وتبدأ فِي رؤية الوُجُود بعين أكثر تجريدا. نَحْنُ لَا نعيش عَلَى كوكب تائه فِي فراغٍ بارد وموحش، إنما نَحْنُ "كلمات " تُعالج وتُدبر فِي كُلّ لحظة داخل اسمي اللَّه الظَّاهِر والبَاطِن. هَذَا هُوَ العَهْد، وهَذَا هُوَ طريق البناء الأصيل نحو الكمال المعرفي. السيادة الحَقِيقِيَّة هِيَ أَنَّ تعرف "أين أَنْتَ" حقاً، وأَنَّ تُدْرِك أنك مستقر فِي فيض الحَقّ، حَيْثُ يتحد العبد بمراد ربه فِي سكون التنزيه وعظمة الشهود.
هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
التعليقات:
لا توجد تعليقات بعد.