👋 هل لديك سؤال؟ اسألني
من مباحث موسوعة فلسفة التشخيص والتجريد للمفكر هاشم نصار - المقدمة التأسيسية

شموليةُ المطلق ونفيُ الخارج

28-10-2026

🔗 شارك المقال:واتسابفيسبوكXتيليغرام
شموليةُ المطلق ونفيُ الخارج
فِي خلوتي الفَلْسَفِيَّة الَّتِي أعدتُّ فيها ترتيبَ موازينِ القلب المستنير بدأتُ أتساءلُ بسؤالٍ ينسفُ جذورَ الوهمِ المَكَانِيّ: فإِذَا كَانَ اللَّه سبحانه هُوَ "المُطْلَق" وهُوَ "الواسع" الَّذِي لَا يحدّه حد، فكيف يمكن لهَذَا المُطْلَق أَنَّ يكون حيزاً أو فراغاً "خارجاً" عنه ليشغلَهُ غيرُه؟ إِنَّ مجردَ القَوْل بوجودِ مكانٍ لَا يشغلُهُ حضورُ اللَّه هُوَ قدحٌ مستترٌ فِي "الصمدية" وفِي "الإحاطة المُطْلَقَة" والقيومية الَّتِي وصفَ بها نفسَه، وهو شركٌ أعظمُ به سبحانه. ومِنْ هنا استنتجتُ بيقينٍ خالص أَنَّ الوُجُود بأسرهِ لَيْسَ إلا "مصفوفةً حيةً" مذروءةً في علمِ الحَيّ وقدرتِه؛ فنَحْنُ لسنا كيانات مستقلةً بذاتها تسبحُ فِي فراغٍ موازٍ، بل نَحْنُ تَمُثلات وجودية مستمدة فِي كُلّ لحظةٍ مِنْ كلمات اللَّه ومشيئتِه.
لقد قادتني تِلْكَ التأملاتُ إِلَى حقيقةٍ كبرى، وهِيَ أَنَّ "المَكَان" نفسَه لَيْسَ إلا قانوناً مخلوقاً داخلَ النظامِ الكَوْنِيّ؛ فكيف يمكن للمخلوقِ (المَكَان) أَنَّ يحويَ الخالقَ أو يفصلَ بينه وبَيْنَ عبادِه؟ إِنَّ الإشراقَ الَّذِي غمرَ بصيرتي وأَنَا أتدبرُ مُحكَم التنزيل (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) جعلني أرى الوُجُود كبحرٍ مِنْ النُّور، ونَحْنُ فيه كالأمواجِ المتدفقة؛ فهل الموجةُ فِي حقيقتها منفصلةٌ عَنْ البحر؟ إنها فِي الظَّاهِر تعيّنٌ مؤقتٌ لماءِ البحر، لَكِنَّ جوهرَها وحقيقتَها هِيَ الماءُ ذاتُه. هَذَا هُوَ "الوُجُود المذروء"؛ نَحْنُ ذراتٌ معلوماتيةٌ تسبحُ فِي فيضِ جلالِ اللَّه، وتصور انفصالُنا عنه لَيْسَ إلا خطأً فِي "المعايرة الإِدْرَاكِيَّة" لَدَى حواسِنا المَادِّيَّة، تِلْكَ الحواس الَّتِي لَا تُدْرِك سوى تكاثفِ المَادَّة وتسميهِ "واقعاً مستقلاً"، بينما الحَقِيقَة تكمنُ خَلْفَ هَذَا الحجاب.
وكما عبّر الشاعرُ الحَكِيم لبيد بن ربيعة:
أَلا كُلّ شَيءٍ مَا خَلا اللَّه باطِلُ ..
فالبطلانُ هنا، كمَا فهمتُه فِي مدرسةِ التَّجْرِيد، لَا يعني العدمَ المحض، إنما يعني "انعدامَ الوُجُود المستقل" خارجَ الوَاحِد الأحد. فكُلّ مَا تراهُ العينُ هُوَ قيّوميةٌ إلهيةٌ تتبدى فِي صوَرٍ شتى، ومَا "الخارج" إلا وهُمْ سقطَ أَمَامَ جلالِ الإحاطة. لقد حررتني هَذِهِ الرؤيةُ مِنْ وحشةِ المسافة، وصَارَ الوُجُود عندي محراباً كبيراً، لَا ينفصلُ فيه العابدُ عَنْ معبوده مكاناً، وإنما يتصلُ به وعياً وحضوراً فِي كُلّ آن.
مِنْ سجنِ "الجهة" إِلَى فضاءِ (مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ)
لقد أحدث هَذَا الإِدْرَاك ثورةً جذرية فِي البناء الأصيل الَّذِي أشيده؛ فبمجرد أَنَّ سقط "وهُمْ الانفصال المَكَانِيّ" فِي وعيي، تساقطت معه بالضرورة كُلّ خرافات "البُعد" الَّتِي كَانَتْ تستوجب وجود "وساطة" بشرية أو مذهبية. لَمْ يعد إلهي "هناك" بعيداً عني، محجوباً فِي تخوم سماواتٍ مادية مشخّصة كمَا صوّرته المناهج التقليدية، إنما صَارَ إلهي "هنا"؛ أقرب إليّ مِنْ حبل الوريد، حاضراً فِي كُلّ نبضة مِنْ نبضات وعيي، ومحيطاً بكُلّ ذرة مِنْ ذرات كينونتي.
لقد اكتشفتُ أَنَّ الأنماط التقليدية حبست وعي النَّاس فِي "وهُمْ الجهة والمَكَان وحَتَّى اللامكان!"، فصاروا يبحثون عَنْ اللَّه فِي آفاقٍ مادية بعيدة وعبر ممراتٍ تاريخية وعرة، بينما القُرْآن يصدع بحقيقةٍ وجوديةٍ كبرى: (وهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ). إِنَّ رحلتي مِنْ "التَّشْخِيص" إِلَى "التَّجْرِيد" جعلتني أفهم "العَرْش" كمركزٍ كوني للتدبير والسيطرة والقانون. العَرْش هُوَ "مقام بث القوانين ومصدرها" تلك القوانين الَّتِي تدير نسيج الوجود، ولَيْسَ حيزاً مكانياً يقتضي غياب الرحمن عما سواه.
"الوساطة هِيَ ابنة المسافة؛ فإِذَا أدرك الإِنْسَان أَنَّ المسافة صفر، بطل عمل الوسيط."
إِنَّ السيادة الاستخلافية الَّتِي أنشدها وأبني قواعدها تنبع مِنْ يقيني الصادق بأنني فِي حالة "اتصال" بالمصدر اتصالاً بنيوياً لَا ينقطع؛ فوجودي فِي كُلّ لحظة هُوَ بثٌّ مستمر مِنْ واهب الحَيَاة ومبدع القوانين.
بناءً عَلَى هَذَا التصور، يمكننا تلخيص حقيقة العلاقة بَيْنَ المُسْتَخْلَف الرباني والإله فِي النقاط التالية تقريبا للمفاهيم:
وحدة المصدر: لَا يوجد ما هو "خارج" عَنْ اللَّه؛ فكُلّ مَا نراه هُوَ تجليات داخل محيط علمه وقدرته.
نفي المسافة: القرب الإلهي لَيْسَ قرباً مكانياً، وإنما هُوَ إحاطة قيّومية شاملة تتجاوز أبعاد الطول والعرض والارتفاع والزمن.
بطلان الوساطة: الوَعْي المستقل يستمد نوره مِنْ المصدر مباشرة؛ لأَنَّ "الوَحْي" الرباني المتصل باللَّه العظيم مُتَصِل بكُلّ ذرة بلَا حجاب.
لقد تحول مفهوم الإِيمَان عندي مِنْ "تصديق ببعيد" إِلَى "شهود لِحاضر". ومِنْ هَذِهِ النقطة، انطلقتُ لأرسم خارطة الطريق للإنسان الرباني الَّذِي لَا يَحْتَاج لإذنٍ مِنْ بشر ليتصل بخالقه، متمسكاً بعروة الحَقّ الَّتِي تجمع بَيْنَ منطق العِلْم وإشراق الرُّوح.

هاشم نصار
حقوق النشر محفوظة
🔗 أعجبك المقال؟ شاركه:واتسابفيسبوكXتيليغرام

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.